هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية

الْإِلَهُ
النور الأول

 

الإشراق الأول : معنى لفظ الْإِلَهُ عز وجل وحقيقته :

الْإِلَهُ: المعبود ، ومعناه مأخوذة من وله أي تحير فيه الفكر ، فلم يُعرف ذاته إلا من خلال آثاره وتجلي فيضه في الوجود وبما يستبين من كماله الظاهر فيه ، وإن كل شيء منه وجد وهُدي وهو قائم عليه .

والْإِلَهُ هو الله الحق : الذي يحق أن يحار في طلب فيضه عن شوق لتحصيل نوره العظيم المتجلي في الوجود كله ، ولذا يسعى المؤمنون وبالخصوص الموقنون لتحصيل كمال نوره المشرق في الأرواح والوجود كله ويطلبون كل بركاته ، وبه يطمئنون وبذكره وحده يفرحون ويأنسون ، وكما عرفت في الذكر الأول للباب الثاني من الجزء السابق في معارف الفطرة والجبلة للإنسان الطالب للكمال من الْإِلَهُ وحده ، ولذا يتولهون به ويطلبوه باسم الله الأعظم وباسم الْإِلَهُ بالخصوص وهم حابين مشتاقين لكل نوره الأعظم ، وبهذا المعنى يقيم المخلصون عبادته ، وهذا المعنى مختص به وهو له وحده سبحانه دون غيره ، ولذا لم يتوله في غيره تعالى من الآلهة بحق وواقعا ، لأنه لا يُعرف لها هذا الشأن من العظمة والكبرياء وبأن كل نور الوجود وهداه وكماله منها .

 ويا طيب : على هذا نعرف ما قالوا في معاني اللغة والتفسير إن كلمة الْإِلَهُ مأخوذة ومشتقة من معنى كلمة إله . وإن لفظ إله أقرب المعاني لمعنى كلمة الله ، ويكاد يكون نفسه في المفهوم والسعة وفي الشمول لنور كل الأسماء الحسنى ظهورا وبطونا ، إلا أنه إله : له معنى طلب الله بالعبودية والتوله له حبا وطلبا لإحسانه ، وإنه له معنى واسع من يتوجه له يكاد يتوجه لمعنى الله تعالى ، أو فقل للأسماء الحسنى كلها ، وإن خصصه بكمال أحدها تخصص الطلب لذالك النور بفضله ، وهو فيه معنى رقيق يجعل القلب ولها ومطمئنا لكرمه وجوده الفياض لكل شيء مستحق ومستعد للكون تحت رعايته ، فهو بنفسه فيه معنى طلب العبودية والخضوع ، وحب التوجه لله تعالى للحصول على نور كل أسماءه الحسنى وصفاته العليا فهو لا إله إلا الله ، وهو الله الْإِلَهُ.

 

الإشراق الثاني: معارف كريمة مشتقه من معنى الله والإله ولفظهما :

يا طيب : من لفظ الله والإله ومعناهما نعرف معاني كريمة ، فبعد أن عرفنا معنى لفظ الله الأعظم ومعناه ، فإن لفظ الإله يعرفنا بالإضافة لطلب التعبد لله في معناه ، يعرفنا مراتب من الوحدة له تعالى وبما له من شؤون العظمة على قلب العارف والطالب للكمال المنزه عن النقص الذي له تعالى ، ولذا توحد في معناه بكل كمال ونزه الله عن الشريك في كل شيء ، فتعبدنا له بكلمة الإيمان والإخلاص :
أشهد أن لا إله إلا الله .

ولم يتوله لغيره ولم يعبد أحد وهو مستحق للعبادة غيره ولا إله إلا الله .

وإما لمعرفة نوره في التكوين : فأمرنا أن نعرف محل تجلي كماله بقول :
أشهد أن محمدا رسول الله .

وبعده يأتي في العظمة والنور ولي الله فقال المؤمنون بأمر الله :
أشهد أن عليا ولي الله .

هذا في التجلي الخالص الخاص ، وله معارف عامة عظمية في تعريف نسبة الكون بالملك الحق لله تعالى . فكان من معنى كلمة : إله ، والله ، كلمات وحروف تشير لشؤون العظمة ، وتعرفنا علو تجلي كبرياءه في المرتبة العالية وفي الخلق الأدنى ملكا وتمليكا وثوابا بأكرم معرفة لتجلي نوره .

 وهي حين حذف الألف من كلمة الله يكون :

{ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ (284) } البقرة

ولذا يتوجه له المؤمنون حقا في اشد أحوال الحاجة لنالوا صلواته وصلاته ورحمته وبركاته ويكونوا على هداه مقيمين له العبودية مخلصين له وكما قال سبحانه وتعالى :

{ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } البقرة ,

وإذا حذفت الألف وألام : من كلمة الله أو الألف من كلمة إله فهو :

لهُ : فالهاء مع اللام له الملك بتخصيص أشد مع العناية بكون ملك يحمد عليه ويجازي ويثيب على التصرف به بالحسنى بإذنه ، بل يسبح بحمده بنفس وجوده ، والمكلف له تسبيحا آخرا ناطق فمن آمن فاز وصلى الله عليه ورحمه وهداه ، وإلا يخسر الملك الأبدي من يعصي بنعم الله وملكه الذي ملكه لعباده حين يرجع له ، وتدل على الذات المقدسة التي لها كل كمال وجمال وجلال ، ومنه يفيض كل وجود ونعيم هداه ، ولذا قال الله الله تعالى :

{ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ

لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }التغابن1.

وقال تبارك وتعالى : { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)

وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ   مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) } الزخرف .

فكل شيء : من الله وله مالكه وله يرجع ، وهو الذي يتوله له الكون كله فيسبحه وينزه عن النقص ويظهر حمده وجماله ، وإنه ملكا صرفا لله وهو باقي بالله ويعود لله تعالى لأنه له الملك ، وملكه تعالى ملك حقيقي أشد من ملكنا لأنفسنا وأعيننا وأرواحنا وأبداننا وكل ما نملك ، فهو يملكنا ملك إله وقيوم علينا ، وهو مالك الملك ، ومالك يوم الدين ، وأما إذا حذفت اللام وبقية الهاء مشبعة بالضمة فهو هو .

هو : الله الإله ، وهو اسم إشارة ، و ، هو : إذا أطلق بنحو التبجيل ومع الخشوع والخضوع والحب والاحترام في أي كلام وبدون قرينه صارفة ، فإنه يراد به الإشارة للوجود الصرف البسيط المقدس الذي له الكمال المطلق والذي منه كل شيء بدا وله يعود ، فلا ينظر للملك حينئذ ولا لشيء من مراتب التكوين والتجلي ، بل :

 { قُلْ : هُوَ :

 الله أَحَدٌ ، الله الصَّمَدُ ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ } .

وحقا إن أجمل الذكر :

يا هو يا من لا هو إلا هو .

و هو الحق : ينور القلب ويجلب الشوق للتنور بنور لله ، ويكون سبب للبهجة والسعادة ، بل هو موجب للنصر والتأييد ونزول الرحمة بلطف وإحسان واسع :

وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( رأيت الخضر عليه السلام في المنام قبل بدر بليلة فقلت له : علمني شيئا أُنصر به على الأعداء ، فقال :

 قل : يا هو يا من لا هو إلا هو .

فلما أصبحت قصصتها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال لي : يا علي علمت الاسم الأعظم فكان على لساني يوم بدر .

و إن أمير المؤمنين عليه السلام قرأ قل هو الله أحد فلما فرغ قال :

 يا هو يا من لا هو إلا هو اغفر لي و انصرني على القوم الكافرين )[3] .

 فالهاء : من كلمة الله أو الإله مع الضمة المشبعة بعد إن لم تكن معها الألف و ألام تتحول : هو ، فتشير للذات المقدسة من دون نظر لكمال ، كما عرفت كلمة الله مع لامين تشير للذات الحاوية لكل كمال ، وإن لم ينظر لشيء منها .

و اللهم : بمعنى يا الله ، و إن الميم المشددة في آخر الكلمة بمنزلة يا في أَولها وعوضا عنها. وقال تعالى :

{ قُلْ اللهمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } آل عمران26.

فأسألك اللهم يا الله يا إلهي : يا هو يا من لا هو إلا هو أن تجعلنا من الذين
{ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }يونس10. ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

     الإشراق الثالث :تجلي نور الإله في الكون وعلينا إن شاء الله :

يا طيب عرفنا : معارف كريمة عما يشتق من لفظه الله ومعناه سبحانه وإنه :

الله : هو الرب المعبود والمتأله له والمتحير في طلبه العباد حباًَ وشوقاً له لأنه تعالى له كل كمال وجمال مطلق ، وله سناء تجلي حقيقة الأسماء الحسنى ، وبهاء فيض ظهور الصفات العليا ، ونور عظمة ظهور الوجود ونعم الكون كلها ، وأين ما تنظر في الكون ترى الله في الأشياء ومعها وقبلها وبعدها ، ومحيط بها إتقان خلق وحسن تقدير وجمال هدى وحكمة وجود ، وبعلم مطلق وخبرة بأحوال الخلق وحاجتهم وبقدرة على كل شيء ، وإنه ينعم عليهم بما يكملهم ، وبنعم لا تحصى : وبالإضافة لتسخير الكون كله لنا ، كرمنا بموهبة الفكر والتدبر والشوق والمعرفة ، وبها نطالع ونتدبر كل شيء في الكون وفي أنفسنا فنتيقن الدلالة والبرهان المطلق على الواحد الأحد الذي لا شريك له ، فحق لأرباب القلوب العاشقة أن تتوله في حبه وعبادته والتوجه لنوره والطلب منه وحده لا شريك له ، فطرتا لحب الكمال المطلق الدائم ، وفكرا لنيل كرمه وخوف الحرمان منه أبدا ، لأنه لا إله إلا الله حقا حقا وعبودية وصدقا .

وإنه بحق لا إله حق إلا الله تعالى : وكل مسمى بإله غيره فهو باطل وليس له حق لكلي يُعبد ويطاع ولا حتى يتحير به ولا أن يعتقد به ، وإنما هو وجود محتاج وفقير ضعيف بل قد يكون أضعف من العابدين له ، كما يعبدون البقر أو إنسان ضال متلبس بلباس الإيمان وهو مخادع ماكر ، أو مغني ، أو لاعب كرة أو مادة ونجم وقمر وشهوة وبرنامج وكومبيوتر وغيرها مما يلهيهم عن الله تعالى ، ويفضلوه علماً وعملاً وخلقاً وموعظة على الله وعبادته والتوجه له .

وإن كل شيء : قد تجلى عليه الله بالإلوهية فهو حيران في طلبه ، وإن كل شيء أتيه يوم القيامة عبدا ، ويظهر سبحانه بتمام الملك الحق في يوم الدين ، و تسلب الإرادة من العباد فلا خيار لهم إلا الطاعة لقانون المحشر ، ولا يتكلمون ولا يتحركون إلا أن يؤذن لهم ، ولا يقولون إلا صوابا فيقرون لأنفسهم وعليها .

 ولو بعض المستضعفين من العباد : بل كلهم يطلبه سجانه لأنه جبلت عليه فطرته ، ولكن يشتبه المطلب على البعض بل الأغلب عملا ، ويعبدون غيره من خلق الله ، فيرون في زخرفة الدنيا وأسبابها ووسائلها وبرقها وجمالها وفي دقة صنعها  ، فيحسبوه إن هو الذي فيه كمالهم وحسن حالهم ، ولكنه لقصور فكر في طلب محل العظمة والبهاء والجمال والسناء والخير والبركة والنعيم والهدى المطلق ، والحق الصادق والواقعي الذي منه كل شيء وله يرجع كل شيء فيصل لغايته بما كسبت يداه إما في نور العظمة والبهاء أو الخسران المبين .

ولكن من يتجلى عليه الله بالتجلي الخاص : جذبه إليه حتى يكون بأقل التفات من يطلبه يجده في كل شيء ، ومن وجده بحق ويقين وإيمان حبه ، ومن حب الله أحبه ، ومن أحبه الله جعل عشقه في قلبه ، ومن جعل عشق الله عشقه الله فقتله ، فيجعله يطلبه دين القيم وأخلص العبادة ، ويتجلى عليهم إيمانا ويقينا واطمئنانا في القلب لا تزلزله أشد الظروف ، وصفاء فكر وراحة بال لا تنغصها أصعب الأحوال ، فيكون لهم يقين بالفوز والفلاح والرضوان في كل آن ، ويصير لهم نسيان كل هم وغم بل يطلب الشهادة من أجله ، وكان نبينا الكريم دائم الذكر وله سبحا طويلا ويقوم الليل حتى تتورم رجليه ويستغفر من غير ذنب ، وبكله متوجه لله قبل النبوة في غار حراء وبعدها ، فأختاره الله ورفع ذكره وجعل نور هداه بكل ما ظهر من الأسماء الحسنى يشرق منه ، وهكذا كان الإمام علي عليه السلام وآلهم الكرام من أئمة الحق بعده في المرتبة ، راجع صحيفة الإمام الحسين في تفسير آيات النور في البيوت المرفوعة ، وراجع ذكرهم وعبادتهم في صحفهم المكرمة ، وقد كتبنا باب حسن في عبادة الإمام الرضا عليه السلام في صحيفته فراجعه ، وهكذا باقي الأئمة من آل محمد صلى الله عليهم وسلم .

 والمؤمن : لا يتوجه ولا يعبد إلا لله الإله تعالى وحده لا شريك له ، ولا يطيع غيره مهما كان ، إلا أن يكون بإذن الله وشهد الله له بالرسالة والنبوة ، أو شهد له بالولاية والإمامة بعد نبيه وأنه حافظ لدينه ، أو من كان في ولايته الدينية وتعاليمه أو قيادته تابع لهم ، وقد أعطوه بصورة مباشرة أو بالواسطة حق شرعي بذلك ، فيأخذ معارف الله منه ليتعبد بها لله تعالى وحده ، ويكون على جادة الصواب والصراط المستقيم وله عبادة مرضيه لله إن شاء الله ، وجعلنا الله منهم مخلصين له الدين بما يحب ويرضى ويرزقنا نور حبه والتوله فيه ودوام ذكره ، والغفلة عن غيره مهما تحسن في زخرفته ولونه وشأنه الدنيوي ، حتى يجعلنا متوجهين له بكل دينه القيم وبإخلاص الموقنين ، فيجعلنا مع نبينا محمد وآله الطيبين شهادة وهدى ودين مقتدين ، وحتى نور النعيم المقيم ، إنه أرحم الراحمين أمين يا رب العالمين .


[3] التوحيد ص38ب4ح2.

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام