هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية

الْحَلِيمُ

النور الثاني والعشرون

الْحَلِيمُ : هو القادر الذي لا يعجل بعقوبة من خالفه وعصاه مع حق له عليه . ولا يسمى العاجز عن المؤاخذ والانتقام حليما بل عاجزا ، ولا الجاهل بموارد عصيانه أو الغير عالم بموارد التجاوز على حقه حليم .

والله تعالى هو الحليم الحق : لأنه عالم بكل مطيع وعاصي وله حق الطاعة على كل عبد، وله القدرة المطلقة والنافذة على المجازات ، ولكنه لا يعجل بالعقوبة للعاصين ، فيصفح عن الذنب مع علمه به ، و مع القدرة على المؤاخذة وبكل حول وقوة .

والحليم : هو من صيغ المبالغة المعبر عن عظيم العفو ، وهو الصبور : في مورد عدم المؤاخذة بالجريرة وما يوجب غضبه ونقمته ، ولذا فقد سبق رحمته وعفوه غضبه ونقمته ، فيصفح عن التائب والمنيب إليه والراجع بالندم والتوبة والاستغفار لطاعته بمجرد التوجه له صادقا محبا لعفوه عنه وحلمه عليه .

فالله تعالى الحليم : بمن عصاه ولا يستفزه من تمرد عليه ، فلا يعجل العقوبة ، بل يجعل له غاية لعله يرجع إليه ، فهو الصبور ، والعفو : فيعفي عن الذنب بأقل توبة واستغفار حتى كأنه للعبد لا ذنب له ، ويحب من ينيب ويرجع إليه تعالى تائبا عن معصية ونادما على ذنب صدر منه حتى يبدل سيئاته حسنات ، فهو قابل التوبات ، وغافر الخطيئات ، وهو تعالى الذي يغفر الذنب ويستره : فهو الغفور والغفار والساتر والعفو بعد حلمه وعلمه بنا .

وقد قال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة يوم الغدير : قدوس سبوح رب الملائكة و الروح ، متفضل على جميع من برأه ، متطول على جميع من أنشأه ، يلحظ كل عين ، و العيون لا تراه .

 كريم حليم ذو أناة : قد وسع كل شي‏ء رحمته ، و مَن عليهم بنعمته ، لا يعجل بانتقامه ، و لا يبادر إليهم بما استحقوا من عذابه ، قد فهم السرائر ، و علم الضمائر ، و لم تخف عليه المكنونات ، و لا اشتبهت عليه الخفيات ، له الإحاطة بكل شي‏ء ، و الغلبة على كل شي‏ء ، و القوة في كل شي‏ء ، و القدرة على كل شي‏ء ، و ليس مثله شي‏ء[1].

وفي الفقرة الأولى من دعاء الجوشن: يَا عَلِيمُ ، يَا حَلِيمُ ، يَا حَكِيمُ .....وفي غيرها : ، يَا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ ، يَا مَنْ هُوَ بِمَنْ عَصَاهُ حَلِيمٌ ،...،

 سُبْحَانَ مَنْ هُوَ حَلِيمٌ لَا يَلْهُو ، يا حليما لا يعجل .

وهنا في الأسماء الحسنى مورد الشرح : حف الحكيم والحليم بالعليم فصار بيانا كريما لأعلى مراتب ظهوره، والذي عرفنا قدرته وحياته في الأسماء قبلها وجمال تجليها ، وبأحلى إحسان وتفضل ، فأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل شيء صنعه .

ومن تجلى عليه الله بحقيقة اسم الحليم : كمل إيمانه وكان أوقر الناس وأشرفهم ، وقد قال النبي الأكرم : ما أوذي نبينا مثل ما أوذيت ، ولكنه مع ذلك لم يدعوا على قومه ، وحتى كان الله يدافع عنه كما في قصص كثيرة مع زوجاته وكما في سورة الحجرات لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ، وكان سيد قومه وله أنصار ، ولكنه لم يرى منه تعنيفا وردعا يذكر منه لهم ، ولهذا ولشأنه الكريم قال له الله : إنك لعلى خلق عظيم ، وقال له : لو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، وهكذا تنقل قصص كثيرة في الحلم عن الإمام علي وآهل البيت علهم السلام ، حتى جاء في زيارتهم : وَ خُزَّانَ الْعِلْمِ وَ مُنْتَهَى الْحِلْمِ وَ أُصُولَ الْكَرَمِ وَ قَادَةَ الْأُمَمِ وَ أَوْلِيَاءَ النِّعَمِ وَ عَنَاصِرَ الْأَبْرَارِ وَ دَعَائِمَ الْأَخْيَارِ وَ سَاسَةَ الْعِبَادِ . وعن الإمام علي يصف أهل البيت عليهم السلام : هم مصابيح الظلم و ينابيع الحكم و معادن العلم و مواطن الحلم [2].

وعَنْ حَفْصِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ قَالَ بَعَثَ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام غُلَاماً لَهُ فِي حَاجَةٍ فَأَبْطَأَ ، فَخَرَجَ أَبُو عَبْدِ الله عَلَى أَثَرِهِ لَمَّا أَبْطَأَ فَوَجَدَهُ نَائِماً ، فَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ يُرَوِّحُهُ حَتَّى انْتَبَهَ ، فَلَمَّا انْتَبَهَ قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ الله عليه السلام : يَا فُلَانُ وَ الله مَا ذَلِكَ لَكَ ، تَنَامُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ ، لَكَ اللَّيْلُ ، وَ لَنَا مِنْكَ النَّهَارُ [3].

وكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ليَقُولُ : يَا طَالِبَ الْعِلْمِ ، إِنَّ لِلْعَالِمِ ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ ، الْعِلْمَ وَ الْحِلْمَ وَ الصَّمْتَ . وَ لِلْمُتَكَلِّفِ : ثَلَاثَ عَلَامَاتٍ : يُنَازِعُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ ، وَ يَظْلِمُ مَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ ، وَ يُظَاهِرُ الظَّلَمَةَ [4].

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله عليه السلام قَالَ : إِذَا وَقَعَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مُنَازَعَةٌ ، نَزَلَ مَلَكَانِ فَيَقُولَانِ لِلسَّفِيهِ مِنْهُمَا ، قُلْتَ وَ قُلْتَ ، وَ أَنْتَ أَهْلٌ لِمَا قُلْتَ سَتُجْزَى بِمَا قُلْتَ ، وَ يَقُولَانِ لِلْحَلِيمِ مِنْهُمَا: صَبَرْتَ وَ حَلُمْتَ سَيَغْفِرُ الله لَكَ إِنْ أَتْمَمْتَ ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِنْ رَدَّ الْحَلِيمُ عَلَيْهِ ارْتَفَعَ الْمَلَكَانِ [5].

وقال الإمام علي عليه السلام في غرر الحكم في الحلم ومعانية وهذه قسم منها : لا يعرف السفيه حق الحليم . الحليم من احتمل إخوانه .

العلم مركب الحلم ، العلم قائد الحلم ،  العلم أصل الحلم ، إن أفضل العلم السكينة و الحلم ، بالعلم تدرك درجة الحلم ، تعلموا العلم و تعلموا مع العلم السكينة و الحلم فإن العلم خليل المؤمن و الحلم وزيره ، غاية العلم السكينة و الحلم ، لن يثمر العلم حتى يقارنه الحلم ، نعم قرين الحلم العلم [العلم الحلم ] ، وقار الحلم زينة العلم ، يحتاج العلم إلى الحلم ، بوفور العقل يتوفر الحلم .

نِعم قرين الحلم الصمت ، إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة ، الكظم ثمرة الحلم ، بالكظم يكون الحلم  ، رأس الحلم الكظم ، أشرف الخلائق التواضع و الحلم و لين الجانب ، الوقار ينجد [نتيجة] الحلم ، الحلم عشيرة ، الحلم زينة لخلق ، الحلم عنوان الفضل [النبل‏] ، الحلم نظام أمر المؤمن ، أزين الشيم الحلم و العفاف ، إن أفضل أخلاق الرجال الحلم ، إذا أحب الله عبدا زينه بالسكينة و الحلم ، قوة الحلم عند الغضب أفضل من القوة على الانتقام ، من غاظك بقبح السفه عليك فغظه بحسن الحلم عنه ، لا شرف أعلى من الحلم[6] .

والمؤمن : يعلم إن أقوى الخُلق هو الحلم ، وإنه وزير الإيمان ورفيق العلم ، وهو حقيقة معنى الصبر فيما يرد عليه من الجاهلين بقدره والمتجاوزين على حقه ولمن سفه عليه وجهل شأنه في نفسه ، وعند ربه الآخذ له حقه ، فيكون ذو أناة لا يعجل العقوبة ما لم يتمادوا معه فيكون استهانة لا تليق بمؤمن فيدفع الضيم عن نفسه ، ولكي لا ينسب للعجز وللجهل وللهو عن الانتصار للحق وللفضيلة .

فالمؤمن : حليم يتجاوز عن المسيء ويعفو عن الذنب ولا يؤاخذ بالجريرة قدر الإمكان ، ويصل من قطعة متأدب بآداب ربه وما علمه من الأخلاق الفاضلة والعادات الكريمة ، فيكون مجلا حليما ومظهرا للاسم الإلهي الحليم ..

 

[1] الاحتجاج ج1ص58 احتجاج النبي يوم الغدير على الخلق‏ .

[2]وفي غرر الحكم ص116رقم 2017 .

[3]   بحار النور ج 68 ص405ص17عن الكافي

[4] الكافي ج1ص37 باب صفة العلماء ح7.

[5] الكافي ج2ص112باب الحلم ح9 .

[6] وفي غرر الحكم صفحة 286رقم 6406 . ص420 ، ر9620 . ص 44ر114 ، ر115،ر116، ر117، ر118، 119ر، ر120، ر121، 122،ر123، ر124، ص53ر410، ص216 ر4239 ، ص245 ر5013، ص 246ر5059، ص 247ر5064، ر5065 ، ص249ر5142 ، ص 250 ر5184 ، ص285 ر6379، ر6380 ، ر6381 ، ر 6382 ،ر 6385، ر6388، ر6390 ، ر6397 ، ر6400،ر6404.

 

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة شرح الأسماء الحسنى رزقنا الله نورها