هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية

السَّمِيعُ

النور السابع

 السَّمِيعُ : العالم بكل شيء يُسمع , مبالغة في السمع وبيان لقوته .

والله تعالى هو السَّمِيعُ الحق : لأنه سامع كل صوت ولا يسمع لا بأدوات وجارحة ، بل لكونه تعالى محيط بكل شيء ، وأقرب من وجود كل كائن لنفسه ، وهو أقرب من حبل الوريد لنا ، فهو يسمع حتى الكلام الفكري والنجوى وكل نية وما تخفي الصدور فضلا عن الحركة وصوت الأفعال ، فهو يسمع كل ما يخفى وما لا يرى ، ويسمع دبيب النملة على الصخرة المساء ولو كانت في ظلماء .

ومن تجلى عليه السَّمِيعُ : بالتجلي الخاص يقوي الله سمعه ويخبره الله بكل ما يحتاجه بالسمع ، فيكون هو سمعه الذي يسمع به ، كما كان يخبر الله نبينا الكريم بمكر المنافقين ، وما كانوا يتناجون به من معصية الرسول ، واسمع النبي الأمور التي تصلحه وآله والمسلمين وكلما كان يحتاج له من أمر الهدى والوحي ، وقد جاء في الأثر :

عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ : لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله قَالَ : يَا رَبِّ مَا حَالُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَكَ ؟ قَالَ عز وجل :

يَا محمد مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً ، فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ ، وَ أَنَا أَسْرَعُ شَيْ‏ءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي ، وَ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْ‏ءٍ أَنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ وَفَاةِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَ أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْغِنَى ، وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِيَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الْفَقْرُ ، وَ لَوْ صَرَفْتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَهَلَكَ ، وَ مَا يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَ إِنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى أُحِبَّهُ .

 فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ : كُنْتُ إِذاً سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَ لِسَانَهُ الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ ، وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ [12].

 والمؤمن حقا : يعلم بأن الله يسمعه بكل شيء سَمعه هو أو يُسمعه للآخرين ، وإنه سيجازيه عليه إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر ، فتراه يسعى جادا بأن لا يَسمع ولا يُسمع إلا الحكمة وكلام الله وكلام نبينا وآله وكل موعظة تقربه لله تعالى ، وما هو كلام طيب يرضاه الله ، ولا يؤاخذه الله عليه ، بل يجعل كل شيء من نعم الله فضلا نعمة السمع أو النطق والكلام والبصر ، يجعلها تمكنه من عبادة ربه والكون في طاعته حتى سماع دروسه الأكاديمية والعلمية والتكنولوجية ، يجعلها طاعة يطلب بها العلم الذي يحصل به على مستقبل حسِن ، ويجعل ما يدر عليه من رزق الله فيما يقويه على طاعته ويبعده عن معصيته وعن الحاجة للئام الناس .

 فيسمع من يتحدث عن الله : أو ما يوصله لله ويجعله في خدمة دينه ومذهبه ، ويُعرف صدقه من كلامه ، ويعلم أن من سمع إلى ناطق فقد عبده إن كان عن الله ينطق ويشرح ويفسر كلام الله ، وما يوصل لطاعة الله ، فهو في طاعة الله ، وقد عبد الله تعالى ، وإن كان معاند يتكلم عن الشيطان وأولياءه فقد عبد الشيطان ، ولذا المؤمن لا يسمع ولا يقول ولا يجلس مجلس إلا ويكون فيه للحق نصيب ، فيسمع للحق ويطيعه ويذعن له فيكون في عبادة الله في كل أحواله ما أستطاع ، وقد جاء في الحديث بالإسناد عن بن أبي محمود عن الإمام الرضا عن آباءه عليهم السلام ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

من أصغى إلى ناطق فقد عبده ، فإن كان الناطق عن الله عز و جل  فقد عبد الله ، و إن كان الناطق عن إبليس  فقد عبد إبليس ....

وقال الإمام الرضا لابن أبي محمود : يا ابن أبي محمود إذا أخذ الناس يمينا و شمالا ، فالزم طريقتنا ، فإنه من لزمنا لزمناه ، و من فارقنا فارقناه ، إن أدنى ما يخرج به الرجل من الإيمان أن يقول للحصاة هذه نواة ،  ثم يدين بذلك ، و يبرأ ممن خالفه [13]

وجاء في غرر الحكم للأمدي عن الإمام علي عليه السلام في معنى السمع وآثاره :

  سامع ذكر الله ذاكر  .

 سامع الغيبة أحد المغتابين .  سامع هجر القول شريك القائل [14]

فالمؤمن : لا يَسمع ولا يُسمع الباطل والكذب والبهتان والغيبة والنميمة والغناء والطرب بمزامير الشيطان وأتباعه ، ولا يتجسس على المؤمنين ، ولا ما يوجب الضلال ، ولا لكل ما يبعده عن الله سبحان ولا يرضاه ، بل يتعوذ بالله من وساوس الشيطان وما تهجم عليه من الأفكار الضالة وحديث النفس إن كان يدعوه للباطل ، ويسأل الله أن يقيه شرها وفتنتها ، فهو مثلما لا يَسمع ما حرمه الله لا يُسمعه ولا يرضى به ولا يحدث به نفسه ، ويعلم إن السامع شريك المُسمع والناطق بالإثم وبالخصوص إذا أيده ورضى بكلامه الذي هو خلاف الحق ، فلا يكون بنعمة السمع التي وهبها الله له عاصي لله فيؤاخذه أخذ عزيز مقتدر ، بل يكون صادقا مصدقا للحق وناطقا وسامعا و مسمعا له ، وقد ذكرت أحاديث كثيرة وألفت كتب كثيرة في معنى وأثر النطق والسمع ومالها من الثواب الجزيل والعقاب الشديد، حتى كانت الكلمة الحسنة والطيبة صدقة وقد يكون لها ثوابا أعلى من الحج ومن الصدقة وكل أعمال الخير ، وقد ترفع الإنسان لأعلى مقام ، وأقرأ ما ذُكر في فضل العلم أو أداء شهادة الحق أو كلمة حق عند إمام جائر ، والإصلاح , وغيرها ، وكذا الكلمة السيئة والخبيثة قد تهبط بالإنسان لأسفل سافلين وتقطع العلقة مع الله ويكون لها أشد عقاب من الزنا وشرب الخمر وغيره من المحرمات ، فإن الفتنة أشد من القتل والغيبة أشد من الزنا ، وغيرها كثير .

ويا طيب : إن الله سبحانه وتعالى ذكر أسمه السميع مرات كثيرة في كتابه الكريم يعلل به بعض ظهور أفعاله ، وبالخصوص المتعلقة بالجزاء والثواب لما يظهر من الأعمال ، وقد قرن أسمه السميع مرات بالعليم ليؤكد علمه بالمسموعات وما يسمع من لطيف الأعمال وخفيف الأصوات والنيات ، ومرة يقرنه بالبصير ، ولا نعرف شيء عن كيفية سمعه بل لا كيفية له ، فإنه لا يسمع بأداة من إذن وجارحة وغيرها مما يوجب الحد أو التركيب والعياذ بالله وسبحانه وتعالى عن ذلك ، ومعنى أنه الله تعالى هو السميع البصير ، هو علمه بما يُسمع وما يبصر ويرجعان للاسم ذو المعنى الواسع العليم ، وكلها عين الذات المقدسة ونفس الوجود الصرف مع باقي الأسماء الحسنى في وحدة واحدة لا كثرة لمصداق فيها ، وإن تكثر المفهوم كما عرفت في كثير من مواطن البحوث هذه ، وقد جاء في الحديث عن الإمام أبو الحسن الرضا عليه السلام :

.... و قلنا : إنه سميع : لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى من الذرة إلى أكبر منها ، في برها و بحرها ، و لا تشتبه عليه لغاتها ، فقلنا : عند ذلك إنه سميع لا بأذن ، و قلنا : إنه بصير لا ببصر ،  لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء ، و يرى دبيب النمل في الليلة الدجية و يرى مضارها و منافعها وأثر سفادها وفراخها ونسلها ، فقلنا عند ذلك : إنه بصير لا كبصر خلقه[15].

 و يا طيب : فإن الأذن تسمع الأمواج المنتقلة إليها ، وما يكون خفيف الأمواج لا يسمع وبالخصوص إذا كان هناك حاجز أو كان بعيد أو ليس في أفق للأذن ، كما وإن سماع الأصوات الكثيرة يختلط على السامع ، والله تعالى كما عرفت لا تختلط عليه الأصوات ويسمع كل نجوى وكل داعي وشاكي بل وناوي ومفكر في نفسه ، فإذن علمه بالمسموعات لا بجارحة وإذن و إن سمعه تعالى ليس مثل خلقه ، بل إنا نعلم إن علمه كان سبب لوجود كل شيء في مكانه وزمانه وظروفه وأحواله ، وبفضل تجلي نور الأسماء الحسنى تم ظهور كل شيء ، فكان المخلوق بمدد منه تعالى ينوي ويتحرك ويقول ويفعل ويعلم ويعمل ويفكر ويعقل ويتصور ويتخيل ، ولذا كان لا يخفى شيء من وجود وتصرف المخلوق عليه ، وبكلها يعرفنا أنه يحسب لنا ما نستحقه من الجزاء ، وإنه تعالى سميع مجيب وسميع الدعاء ويُسمع من يشاء ومن يستحق ويتوجه لهداه أو يَسمع دعاءه ، بل خلق لنا سمع وبصر لنهتدي للحق بفضله ولا نكفر وقد قال تعالى :

{ إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ (22)} فاطر .

{ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39) } إبراهيم .

{ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4)}الأنبياء .

{ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرً (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورً (3) } الإنسان .

وَ قَالَ الإمام علي عليه السلام : اعْجَبُوا لِهَذَا الْإِنْسَانِ ، يَنْظُرُ بِشَحْمٍ ، وَ يَتَكَلَّمُ بِلَحْمٍ ، وَ يَسْمَعُ بِعَظْمٍ ، وَ يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمٍ [16].

يسمع بعظم : وهو اهتزاز العظم بموج الأصوات فتهتز طبلت الأذن وتنقله لعصب الدماغ المرتبط بنفس الإنسان وروحه المتأثرة به ، وهذا من عجيب المعرفة لولي الله في زمان لا تشريح فيه ولا علم طب يذكر ، ولكن الله يختص برحمته وفضله وعلمه بمن يشاء ويسمعه ويعلمه ما يشاء .

فيا الله يا سميع : يا سامع ، يا أسمع السامعين ، يا سميع لا بآلة ، يا بصير لا بأداة ، يا من يسمع بلا تكلف وعناء سمع ، يا سمع كل صوت ، يا من لا تتشابه عليه الأصوات ، يا سامع الشكايا ، يا سامع الدعوات ، يا معطي الخيرات ، يا موضع كل شكوى ، يا سامع كل نجوى ، يا شاهد كل ملأ وعالم كل خفية ، أجعلني سامع ومسمع للحق والهدى وقول الصدق ، وجنبني كل ما يبعدني عنك ، وأكفني ما أهمني من أموري وأرقني علما واسعا والعافية والأمن والإيمان في الدنيا والآخرة ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وقني شر الشطان الرجيم ومن يبغي علي ويريد بي سوء، يا سميع .

 

[12] الكافي ص352 ج2ح8 .

[13] عيون‏ أخبار الرضا عليه السلام ص303ب1ح63.

[14] غرر الحكم ص188ح3622. ص 221ح 4445.  ص223ح 4491.

[15]التوحيد ص36ب250 ح3.

[16] نهج‏ البلاغة ص470 ح 8.

 

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة شرح الأسماء الحسنى رزقنا الله نورها