هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / شرح الأسماء الحسنى الإلهية

 

الوكيل

النور الخامس والثمانون

 

الوكيل : الذي يسعى لإنجاز عمل غيره برضا موكله ، والذي فوض إليه أمره وخوله ما أهمه من أموره وجعله نائب عنه ، فاكتفى به منجز لها بعد أن وثق بقدرته على إتمامه ، فيتكفل الموكَل أمور موكِله ويرعى مصالحه ويتم ما لا يمكنه موكِله إنجازه من أموره إما لعجز أو لصارف أخر .

والوكيل المفروض : أن يكون صاحب خبره في عمله وله قدرة وعلم ودراية في كيفية إنجاز ما كلف به وقبل تعهده به وأتخذ على نفسه إتمامه بأحسن وجه ، فيكون قائم على أمره ويرعى مصالحه ويدفع الضرر عنه .

 وهذا في البشر : له مصاديق مختلفة كل حسب حاله والمجال الذي وكل به ، وفي الغالب يقوم بالتوكيل بمهام نفر أو أنفار وفي مجال خاص أو عام أو لمعاملات معينه بيع وشراء أو فصل دعوا أو بناء أو عمل معين أو في الطب ، وكل في مجال عمله ، وبما أعطاهم الله تعالى من العلم والقدرة والتصرف في اختصاصهم واعتماد الناس عليهم وثقتهم بهم .

وللوكالة والتوكيل : أحكام خاصة في الفقه والرسائل العملية للفقهاء وقضاء الدول وتشريعها ، وكل ناس بحسب حالهم والقوانين التي يعتمدون عليها في التوكيل والوكالة ومدى صلاحياتها وسعتها .

 

 

 

الإشراق الأول :

الله الوكيل الحق وتجليه بالوكالة المطلقة في التكوين :

إن الله هو الوكيل الحق وليس مثله وكيل : بل هو تعالى الذي ليس كمثله شيء ، فله وكالة عامة مطلقة تكوينية حقيقية لكل موجود وعلى كل موجود ، وهو يتجلى بحقيقة أسماءه الحسنى وصفاته العليا الكمالية والجمالية لكل موجود ويمنحه من نعمه وفضله من الكمال الحسن حتى يوصله لأحسن غاية له ، فهو الوكيل الحق والعام والمطلق حتى ولو من غير توكيل من أحد ، بل كل شيء بوجوده فوض لله أمره إليه وأوكل إليه هداه ورفع ضرره وسد نقصه ، وذلك لأنه خالقه وهادية والقيوم عليه فله وكالة بلسان الحال من كل مخلوق لأنه عبدا له والله خالقه والقيوم عليه وهاديه لغايته وموصل له نعمه حتى يتم أجله ، فهو الوكيل المطلق الحق العام الذي لا يمنع من وكالته شيء ولا يحتاج لإذن أحد .

فالله تعالى هو الوكيل : لأن كل شيء في الوجود من خلقه ونور لتجلي جماله وهو القادر الخبير والعالم بأمور كل ما يحتاجه الكون فيعطيه ويقوم بأموره بما يوجده ويكمله ويبقيه ويهديه ابتداء من غير وكالة توكيل بل له الولاية التامة ، وإن كان القائم بأمور شيء يسمى وكيلا فهو الوكيل الحق تعالى ، فهو الوكيل القائم بأمور خلقه وينجزها لهم بما لا يمكنه أن ينجزه أي شيء آخر غبره سبحانه ، فهو الذي يربيه ويهديه ويوصل له نعمه وخيره حتى يكمله ويرفع نقصه بمجرد كونه عبدا له ومملوكا له وتحت سلطانه وحيطته وهو القيوم عليه ، فيتمم أمره ويرفع نقصه ويزيل عنه ما يهمه من أمر وجوده وكماله وما يحتاجه لكي يصل لغايته المناسبة له ، فهو كفيله في التكوين ووكيله في رفع نقصه وما يهم عباده وكل شيء في الكون  ، فيوصل له أحسن ما يرفع نقصه ويكمل وجوده بل ويشرفه ويفضله من الهدى والنعيم حتى يصل لأحسن كمال ونعيم ، فسبحانه من وكيل حق وعدل وعالم قادر قيوم على كل نفس ووكيل على كل وجود وبوكالة مطلقة عامة من غير إذن أحد .

فهو تعالى الوكيل الحق : على كل شيء مطلقا من غير قيد لوكالته ، وله الوكالة العامة بالخلق والإيجاد إلى أن يصل كل شيء لغايته التي خلق لها ويوصل له ما يتممه ويرفع نقصه شاء أم أبى ، وهو بحسب كل شيء حافظا له بما يشاء كيف يشاء فيتمم له مصلحته ، فسبحانه من وكيل ما أعظم شأنه واعز جلاله لا يمنع من وكالته شيء ، بل لا وكالة لوكيل في التكوين بدون إذنه عز وجل .

 والله تعالى لبعض خلقه : أعطى بعض الوكالة بتجلي نور اسمه الوكيل فأوكل لهم بعض الأمور يقضوها بأنفسهم وبنفس وجودهم ، ويتجلون لأنفسهم ويظهرون بمظهر العالم بمصالح أنفسهم وحوائجهم و الخبير بما يرفع نقصه ويوصل لها الكمال ، فيطلب كل موجود خيره وكماله وما يسد به نقصه وما يهمه من أموره بإذن الله ، وحسب ما علمه وأقدره أو ما جعل في طبعه فيمده بالاستطاعة لإنجاز أمره وإتمام ما يهمه ، من غير أن يخرج عن سلطان ربه وهداه وقيوميته عليه ، بل بما منحه من القدرة والنعم وبما مكنه يسعى لنفسه ، أو لغيره إن وكل بغيره حسب طبعه في التكوين أو بإذنه تعالى أو بإذن موكله ، فيقضي له حوائجه وينجز ما يهمه .

وهذا التوكيل من الله الوكيل المطلق : و الذي وهب لكل شيء نوع من الوكالة والتوكيل بإذنه وبمشيئته وبخلقه وبنفس وجوده لقضاء أموره أو بالإضافة لأمور غيره جلي في التكوين وبين الكائنات ، وله تجلي بكثير من الشواهد في الخلق من خدمة بعض المخلوقات لبعض وقيامها بمهام غيرها وتنفيذ للمهم من أمورهم سواء إنسان أو حيوان أو طبيعة .

بل هذا التوكيل من الله لمخلوقاته : وإن كان قدرتهم بمدده وما يعطيهم من القدرة في كل آن ، لأنه لا يوجد شيء مستقل بنفسه وقائم بنفسه من غير تجلي الله بكل الأسماء الحسنى المناسبة له ، فيقويه على ما يناسب حاله وظهور فيضه فيه في وجوده ، ولكل حال وصفة معينة ما يناسبها من نوره ، ولذا كان كل شيء في الوجود أو صفة مظهر من مظاهر الأسماء الحسنى ، وهو أمر لا يخلو منه موجود بالخصوص لنفسه وحسب طبعه وسعي وجوده .

بل أمر التوكيل من الله لخلقه : تجده في كل أفعال وجودهم وصفاتهم وهو أمر ساري وقانون كلي في الوجود ، لأنه تعالى لا يباشر الخلق بنفسه بل بالتجلي والظهور والاقتدار ، فجعل لكل شيء سببا ويكون مقتدر على ظهور مُسبَبه منه بما يمده ، وهذا أمر مهم في عمل الملائكة ، والذين أوكلوا بحفظ الإنسان حتى يصل لأجله وإيصال رزق الله له وغيرها من الأمور التي تهمه .

وهي وكالة من الله لخلقه على خلقه : وبما يقدرهم ويمدهم من نور تجلي الأسماء الحسنى : ولا يعني إنه هناك اثنينه بينه وبين خلقه ، ولا أنه خلقه مثله ، بل هو ظهور تجلي الأسماء الحسنى وهو الحافظ لخلقه والقائم عليه فيمد كل شيء بما يوصله لكماله وما يناسب شأنه وما أو كل به ، فهو القائم عليه بالقدرة والقهر وإن كان جود وإحسان ، والمخلوق مقهور على تقبل كرمه وما يمده من نعمه في التكون ومذعن لقدرته ولإرادته بالوجود والصفات والأفعال ، وبما يمده يفعل بل ويبقى ، فالله تعالى هو القيم عليهم والسلطان الحق والوكيل التام المطلق على كل شيء وهم خلقه يوصلهم لغايتهم بأحسن صورة ممكنة .

{ الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)} الزمر .

وبعد إن عرفنا بعض المعرفة عن تجلي الله الوكيل بمطلق الوجود والتكوين : ووكالته العامة المطلقة سبحانه وما يعطي بإذنه من الوكالة المطلقة أو الخاصة لبعض خلقه في التكوين ، ليكون مُنفذ مهام نفسه وللقيام بأموره أو أمور غيره من خلق الله ، نذكر بعض معاني التوكيل في المؤمنين والوجود المطيع أو العاصيين الرافضين لوكالة الله ، وهو بيان ما بين التوكيل بالتشريع والتكوين .

 

 

الإشراق الثاني :

الله الوكيل يهب وكالة لعبادة ويتقبل الوكالة عنهم :

 يا الله يا وكيل أتوكل عليك بكل أموري ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين :

إن الله هو الوكيل الحق : وقد تجلى بالكرامة للإنسان فشرفه بالوكالة والتوكيل لنفسه في الاختيار والقدرة على الانتخاب مع ما منحهم من قوة العلم والعمل والظروف المناسبة لحالهم ، وهو فيما يهبه الله تعالى لبني الإنسان الذي يمدهم الله وباستطاعته التي يتجلى لهم بها ، فيُقدر كل فرد ويعلمه ويجعله له بعض الخبرة في تنفيذ مهام وجوده ، فيعلمه بعض ما ينفعه لكي يصل لتسخير ما يحيط به ، وليقوى على العمل والاستفادة من نعيم الله في الكون وفي مصالحه والمهم من أعماله وأموره .

 فيوكل الله الوكيل الحق : بعض شؤون خلقه بخلقه وهو توكيل تفضيل وتشريف للإنسان فيمنحه بعض الاختيار ، وبما ما يمده وبإعانته لنفسه بعض الإيكال والتوكل على نفسه لتنفيذ أموره وما يهمه من مصالح ، فيعطيه الانتخاب لتنفيذ أوامره في تحصيل الرزق والمعاش أو الطاعة لله في أوامره التشريعية وعدمها وعن علم ومعرفة ، وظروف وأحوال فوق مطلق الحيوان الذي يسعى بنفسه أيضاً ، وعرفت بعض أحوال المؤمنين والعاصيين في شروح سابقة لتجلي الأسماء الحسنى وأحوال تجليها معهم .

ولكن الله تعالى هو الوكيل المطلق : وبهذا الاسم الحسن الذي يتجلى به  على العباد ، وبما منحهم بعض القدرة ليقوموا ببعض مهام أمورهم كانوا يتصرفون في ما يمكنهم من إدارة أمور معاشهم وحياتهم حتى في معاملاتهم بينهم وعبادتهم له من غير إكراه لهم على شيء من التصرف ، والذي عليه مدار الثواب والعقاب والتجلي بالكمال أو الحرمان عليهم فيوفيهم أجورهم وجزاءهم .

 فالله الوكيل البر الوفي : وإن تجلى بحقيقة الوكيل فأوكل للبشر بعض القيام بأمورهم ، ولكنه لرحمته الواسعة وفضله العام وكرمه التام ، لم يتخلى عنهم وقبل من يُرجع الوكالة له ، فيمكن لعبد من العباد أن يفوض أمره لله ويتوكل عليه في كل ما يهمه ليسدده للصواب ويهديه للحق ، ويكون هو النائب عنه في كل مصالحه ، فيهديه لأحسنها ويوصله لأكملها ويتم نعمه عليه بما يراه سبحانه حسن وخير وفضيلة وكمال مطلق عام دائم ، وما فيه كل سعادة ومصلحة كاملة ونعيم تام لمن وكل إليه أمور وفوضها له .

 والله هو الوكيل الحق : والعدل الصادق الوفي التام الكامل وهو العالم الخبير الحكيم الحق القادر ، فلا يختار له ولا يهديه إلا لأحسن مصالحه ، وما يكون له نعيم دائم وملك مقيم في جنة النعيم وفيه راحة البال واطمئنان النفس في الدنيا ، ويكون في عز الله وهداه وكل كمال تتجلى به الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية له من الجمال والسناء والبهاء والكرامة والفضائل والهدى والمناقب ، ويرفع ذكره في عليين ويكون خير من ملائكة الله المقربين حتى يصل لمنزله ما بعده منزلة ومقام ، فيكون أشرف الأنبياء والمرسلين ومعه آله الكرام الطيبين الطاهرين ، أو العبد الذي يوكل أموره لله يكون من أتباعهم الصادقين ومعهم في فضل الله وتكريمه في الدنيا والآخرة ، وعرفت بعض المعرفة في تجلي أسم الله الوفي الذي فيه معنى إخلاص الوكالة من العبد لله فيطيعه في كل ما أرشده وهداه بتعاليم دينه وتوفيق الله له ، وهو لمن يوكل له كل أموره ويعتمد عليه ويستعين به بحق وصدق ولا يختار إلا ما أمره الله وأراد منه حتى يصل للمقام المحمود أو يحف به وجيران له حين يستعين به بحق فيسلك صراطه المستقيم .

فحقيقة التوكل : وهو الاعتماد المطلق والتفويض التام لكل الأمور لله تعالى لكونه هو القادر العليم الحق الخبير العزيز القهار ، وهو والخالق والوكيل الحق بالعباد وبكل شيء ، والذي له كل الأسماء الحسنى والصفات العليا ويتجلى بكل كمال ونعيم لمن يتكل عليه ومن فيض حقيقتها بالجمال والبهاء ، إن كان العبد قد توكل عليه صادقا وأختار ما أختار له من الهدى وعمل به بجد ونشاط واجتهاد ، ولم يتكاسل في تطبيق تعاليمه ومعارفه التي هداه بها ليصل لكل خير وكرامة ومجد وعز وفضيلة ، وهو في هدى تام ويسير بصراط مستقيم لكل نعيم إن طبق معارفه الحقة الصادقة التي أمر بها من سبيل صراطه المستقيم لأهل نعيمه بحق .

 وإما المتكاسل المتقاعس : والذي لا يظهر فضل الله من العلم والقدرة والهدى الذي تكرم الله به عليه وشرفه بها ابتدأ ، لم يكون متوكل عليه سبحانه بحقيقة الاسم الذي يطلب ظهور حقيقته فيه ، بل كل الأسماء الحسنى لا تفيض عليه إذا لم يطلب الكمال منها بجد ونشاط ويطلب توكيله بالظهور بجمالها وكمالها في الكون فتكون ظاهره له وفيه ومنه ، ويحرم نفسه ويفقد نعمها وما تظهر به على الخلق من الخير والكمال والجمال والتفضيل والبركة .

 فالتوكل على الله تعالى : معناه السعي الجدي والتوكل عليه الصادق بطلب الظهور فيه بكل كمال وجمال وهدى ونعيم وكرم ، ويما يصلح ذاته وصفاته وأفعاله وبكل تصرف له وسيرة وسلوك ، ويكون وكيل بتحصيل ظهور تجلي الأسماء الحسنى الجمالية له والتوفيق لتحقق بهداها ، والجلالية على من يمنعه من الخير والتقدم ويغصب حقه ، فيقهر عدوه مهما كان طبيعة أو بلاء أو عدو من شياطين الجن والإنسان ، ولذا كان على العبد المسابقة لتحصيل الوكالة منه تعالى من خلال ظهور جمال هدى ومعارف الأسماء الحسنى فيه علما وعملا بتطبيقه ليصدق في توكله على الله ، ومن لم يأخذ التوكيل يكون محروم ولا تظهر به ، ومن توكل كفاه وهداه وأنعم عليه بما يراه حسن ويوصله لنعيم مقيم .

 وترى بعض العباد وما أكثر عددهم ونفوسهم : ينسى الوكيل الحق الذي يدل ويعرف المصالح والهدى التام ، فلم يرجع الوكالة لله ، ولم يتوكل عليهم ويختار نفسه ويتكل عليها ، بل ينكر كل وكالة لله أو ينسى ويغفل عن عظمته وقدرته وهداه ونعيمه ، ويغفل عن طلب الحق ويطلب عاجل الدنيا ويتعص على الله ، ولا يهتم بقدرة خالقه ووعده ووعيده وعرضه لوكالته وقبوله التوكيل وهو القادر العليم الخبير بمصالح العباد والكيل الحق .

بل ترى من لم يوكل أموره لله تعالى : قد يتنكر وجوده ويرفض هداه وتوفيقه وما دله عليه من قوانين التشريع والتكوين ، وما يجب عليه العمل به ليسعد ويتنعم بحق ، والله لا يضره من عصاه ويمد عطائه لكل موجود حسب حاله فيوكله إلى نفسه ويجعله يختار ما يختاره سواء نعيم عاجل من أمور الدنيا التي تزول ويتعرض لها الأفول ، أو خراب نفس ومفاسد ومظالم وخداع وغيبه وتعدي وكل ما يراه نافع له وهو في الحقيقة في ضرره الحتمي في المد القريب أو البعيد ، ويعمل به من غير توفيق الله وهداه ولم يحصل عليه أو لم يصرفه في طاعته وعبوديته ، فيكون فيه أكبر النقص لأنه إما مادي زائل لم يجعله في خدمة ما يوصله لرضا الله ، بل طلبه بالحرام والظلم والغصب وصرفه فيه ، أو شهوة منقضية آنية غير طيبة وطاهرة ، أو غيرها من المحرمات والمنكرات التي فيها الضرر القطعي والنقص الحتمي والحاجة التامة .

والله تعالى بحسب طلب الإنسان :  ما دام في هذه الدنيا يُقدره وإن لم يعتمد على وكالته ، فيوكله لنفسه ويتركه يسعى بإذنه لما يحب ويشاء ،  ويُمكنه بما يطلبه حسب حاله ويتركه في ضلاله بل يوكل به شياطين الجن والإنس فيزيدوه ضلال ، ويملأ قلبه من حب الدنيا وشهواته حسب طلبه بحاله وعدم اعتماده على هداه وبما ينعم عليه حتى أجله ، ولكن بعد فترة الإمهال والاستدراج يسلب منه كل حيل وقدرة وتوكيل لنفسه ، فلا يدفع عنها مضرة ونقص جلبه لنفسه ، فيكون بعد فقد المادة وزينتها في حسرة الحرمان والنقص والحاجة ويكوى بنار علمه وعمله .

لأنه من أتكل على نفسه : ورفض وكالة الله ليوفقه لأحسن أموره يكون ممن لم يطلب بالدنيا ذلك الملك الدائم بالنعيم ، ولم يزرع فيها ما يثمر ملك ذلك العالم الجميل ، بل كله بنفسه فضلا عن جسده منغمس في العالم المادي لا يكون فيه من عالم الحقيقة شيء فيفقده بنفسه ويتركه ، بل لا يكون في هذه الدنيا ممن استفاد من العالم المادي الاستفادة الصحيحة لأنه يشغله هم جمعه والمحافظة عليه ، بل يجعل بما يكسبه في هذا العالم ما يفسد أموره في ذلك العالم ، وآثار توجب النقص على نفسه فيه ، فيكون بحقيقته عليه نار ويظهر له عذاب حسرة وندم ، بل يحقق له قهر وتدمير وآلام وكل منغص مؤذي يناسب ظلمه وضلاله الذي أختاره لنفسه في هذا الدنيا وزينتها لأنها كانت إما محرمة أو لم يطلب الله بها بل صرفها في غير طاعته فيكوى بها .

 فيخرج من الدنيا من لم يتكل على الله : ولم يقبل هداه وما يدله به على مصالحه ، وبروح مفلسة من كل خير وفضيلة وكرامة ، وتراه لمعصيته وعناده لأوامر ربه وهداه الحق لكل جمال وكمال وتعصيه على قبول تجلي الأسماء لحسنى الجمالية التي تفيض الكمال والخير والنعيم ، فتراه في اشد نقص وحاجة وحرمان وتحت حيطة تجلي الأسماء الحسنى الجلالية تقهره وتذله ، وتنزل عليه اشد العذاب والهوان والنقص والحرمان فيحترق بنار العدم ويكوى وجوده ، ويكون قرين شيطان وطعامه المهل والغسلين الذي يشوي الوجوه وفي نار لا تبيد وعذاب لا ينتهي ، وكل هذا بما جلبه إلى نفسه من تفويض الأمر لها ، وعدم الاعتماد على الحق الوكيل العليم الخبير ، ولم يقبل هداه ولا فوض أمره إليه ليمنحه نعمة الهداية والصراط المستقيم والدين القيم الذي جعله في منتهى النعيم والسعادة للبشر .

 وإذا عرفنا حال الطرفين في التجلي العام : نأتي للتجلي الخاص لأسم الوكيل ولنفوض الأمر لله وحده ونتوكل عليه فيكون بحق حسبنا الله ونعم الوكيل ، وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ، وأسأله أن يهدينا لما يحب ويرضى ، ولا يوكلنا إلى أنفسنا طرفة عين إنه نعم الرب ونعم والوكيل وخير ضامن وهادي ورب وكفيل ، يا الله عليك توكلي في كل أموري ، فأهدني لما تحب وترض ، ورحم الله من قال أمين ، وأنا مثلك أتوكل على الله وأفوض أمري إليه .

 

 

 

الإشراق الثالث :

تجلي الله الوكيل بالتجلي الخاصة لبعض عباده وأكرمهم :

من تجلى الله عليه بحقيقة اسمه الحسن الوكيل بالتجلي الخاص : سلب منه كل اتكال على نفسه ، وكان مظهر حق صادق لأسم الله الوكيل العالم الخبير بمصالحه ومنافعه في كل شيء من أموره ، لا يفعل إلا ما ينبغي فيكون حكيم في وجوده علما وعملا ، وحسن في تصرفه بكل أحواله ، كامل في ذاته وصفاته وأفعاله وسيره وسلوكه لا نقص له من الكمال ، بل يكون تام في كل ما يطلب من أموره ومهامه ولا يعجزه شيء من أمره حسب طاقة البشر الممكن ، فيكون بحسب وجوده أشرف خلق الله وأكرمهم وسيدهم وأعزهم وأهداهم ، وهذا المقام لكل نبي في زمانه ولنبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين إلى يوم القيمة ، وهكذا من يلتحق بهم صادقا وبمعرفة تامة لهداهم وما يدلون عليه من المنافع هدى أو دعاء .

بل الله تعالى الوكيل على كل شيء : وكالته مطلقة عامه ، قد فوض أمر هداه وأوكله لنبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، فجعل من يحب أن يتوكل على الله أن يهديه للصراط المستقيم ويستعين به صادقا ليتجلى الله عليه بالقدرة التي تبقى والعلم النافع الحق والهدى والدين القيم ، ولكي يتم له بحق وصدق تحصيل عبوديته وطاعته سواء في العبادات أو المعاملات ، فإن كل هدى الله ودينه القيم قد أوكله للعباد وأوجب عليهم أن يتعلموها في زمان النبي الكريم منه بالمباشرة أو بمن وكلهم بعده وخولهم من آله الكرام ومن خولوه ووكلوه بحق ، ليصدق العبد المؤمن إنه توجه لله وطلب منه التوفيق للتحقق بنوره وما به خيره وما تحسن به مصالحه ، فيفي له الله الوفي بالنعم ويزده هدى ويبقى في نور الكمال التام أبدا ، ولا يحق له أن يتكل على نفسه أو على أئمة الكفر المتكلين على أنفسهم من غير وكالة حقة من الله في بيان هداه ودينه القيم وليس لهم شأن الهداية والإنذار بحق وتوفيق من الله الوكيل على كل شيء .

وقد عرفت يا طيب شأن الإمامة والولاية الحقة للنبي ولآل النبي الكرام : وإنها كانت لنبينا وبعده كانت لآله إلى يوم القيامة ، وبالخصوص يكون الموكل من الله بأمر الولاية والهداية بعد النبي بالمباشرة الإمام علي ، وكل من يطلب هدى الله بعد النبي لابد أن يرجع له ويتعلم منه هدى الله ، لأنه ولي الله الحق والإمام المنعم عليه بإذن الله وهداه ، وهو صاحب الصراط المستقيم الذي يسلك بالعباد الصادقين والمحبين لطاعة رب العالمين ، وهكذا بعده الحسن والحسين وكل الأئمة المعصومين من آله ، وكل من تخلف عنهم وأتكل على تعاليم غيرهم ضل الصراط المستقيم وأبتعد أشد الابتعاد عن هدى الله القويم ، ويكون متكل على غيرهم ، أي متكل في الهدى على غير الله ، ومن يتكل على غير الله لا يزيده عمله وعبادته إلا بعدا عن الله ويكون ولي لشيطان وإمام كفر والعياذ بالله .

فالله الوكيل : تجلى على الأنبياء وبالخصوص على نبينا الكريم وبعده لآله الطيبين الطاهرين المعصومين ، بتجلي خاص باسمه الوكيل ، وقد أوكل لهم دينه وتعاليمه ومعارف هداه ، بل ومعرفته بما يحب ويرضى وبقدر الوسع والطاقة للبشر ، وكل ما يوصل إليه من هداه بصراط مستقيم ودين قويم ، وهذا من الله تعالى حقيقة التوكيل لهم بأمر هدى العباد ، وإن كان الله من ورائهم محيط وهم بالقدرة والاستعانة منه والعلم الذي يزودهم به بكل آن يعلمون ويعملون ويسيرون ويسلكون كما عرفت في اسم الله الهادي وليلة القدر ، وإنه لا شيء بالوجود يخرج عن سلطان الله وقيوميته ، سواء أوكل له أمر هداه ودينه وجعله وكيل عنه في تبليغه وتعريفه للعباد أو تعصى عليه ولم يقبله وأتكل على نفسه .

ولكن الله الوكيل الحق : يوكل بدينه وهداه ومعارفه من يراه أهل للوكالة وصادق ومجد في تطبيق ما يوكل إليه من أمر دينه وهداه ، فيكون عالم وعامل به ومطبق له بكل وجوده وصفاته وأفعاله وسيره وسلوكه حتى يكون أفضل إنسان وأشرف وأكرم موجود في زمانه ، ولذا الله تعالى الحق لما علم صدق نبيا وآله أختارهم واصطفاهم وأوكل لهم أمر دينه وهداه ، وهم بدورهم أحسنوا الوكالة فعلموه وبلغوه بكل وجودهم ، ومن يقتدي وتأسى بهم ويعتمد عليهم ويتكل عليهم في تعلم معارف الله ودينه منهم ، يكون قد أتكل على الله في الحقيقة ومن أذن لهم ووكلهم وأمرهم بتبليغ دينه في كل علم وعمل وسيرة وسلوك وتصرف لهم ، وهذا معنى كونه تعالى قد تجلى عليهم باسمه الوكيل فأوكل إليهم هداه وتعاليم دين ، وكل من توكل على الله يجب عليه أن يتعلم منهم هدى الله ويتكل عل تعاليمهم في معرفة دينه ، ولا هدى غير دينهم عند غيرهم حتى يتكل عليهم ليسيروا به على صراط مستقيم للنعيم الحق .

وهذه حقيقة الوكالة عند البشر وخلق الله : وهي أن يقوم الوكيل في المجال العلمي بتقديم خبراته لموكله ، ويهديه لأحسن سبيل فيه مصالحه ويريه الطريق الصحيح الذي به يرفع ضرره ويكمل نقصه ويسد حاجته ، بل يكمل وجوده ويكون له معاملة نافعة تامة ، وهذه المعارف نحصل عليها بهدى الله عند نبينا الكريم وبعده آله الكرام ، فهم من توكل عليهم في معرفة دينه في الحقيقة قد توكل على الله وفوض أمره لله ، والله يمده بما يكون فيه التسديد والصواب والعون والقدرة والعلم وكل شيء يوصله لما فيه حقيقة صلاحه وهداه من ناحية الأمر التكويني ، فيكون عنده الاستعداد التام لتقبل فيض وتجلي الأسماء الحسنى الجمالية وما فيها من الكمال والجمال عليه ، فيحصل على كل خير وفضل وكرامة وعز ومجد وهدى إن أحسن التعلم منهم وطبقه بجد ونشاط فيوفى جزاءه ويسعد ويصل لكل نعيم بصراط مستقيم .

كما أنه هناك توكيل لنبينا الكريم في غفران الذنوب وقضاء الحوائج الدنيوية ، وقد عرفنا إن بعد الاعتماد على الله تعالى وتفويض الأمر إليه تُقضى الحاجة ، وقد مر بعض الكلام في قاضي الحاجات الدنيوية وشأن النبي وآله فيه ، وهو إن يطلب منهم أن يدعوا له أو يستغفروا الله له أو يسألوا الله أن يعينه ويكفيه المهم من أموره ، فيكون فيه سبيل قويم للعبد بطلبه هذا منهم لأنهم صلاة الله وسلامه عليهم أحياء عند الله يرزقون ، وإذا سألوا الله بحالهم الكريم وشأنهم الشريف لعبد من العبيد يصدقهم الله ولا يخيب سعيهم ولا يرد دعاءهم له فتقضى حاجة وتنزل عليه بركات الله .

بل الله تعالى يريد أن يبين فضلهم وكرامتهم عليه : فيزيدهم علوا ومجدا ، حتى يُعرف دينه منهم وبالمعرفة الحقة الصادقة من سبيلهم ، فيكرمهم ويبين فضله عليهم ويعرفهم للناس ، وهم الكرام عنده والمشرفون بكل ما يتمنون في الملكوت الأعلى ، فيستجيب لهم وتقضى حاجة العبد المتوسل لله بهم إن كان صادقا معتمدا على تكريم الله وتشريفه لهم ، أو من سألهم أن يدعوا له ويطلبوا له من الله أن يعينه ، وهذا نوع من التوكيل في الدعاء لأولي الأمر وأهل الكرامة والفضل عند الله ، والله لا يخيبهم بل يعجل فيض تجلي الأسماء الحسنى على العبد ويكفيه المهم من أموره بما يناسبه من تجلي أسماءه الحسنى المناسبة بشرط أن يكون صادقا في متابعة هداهم ، وبحق معتمد على فضل الله عليهم ومصدق الله بتكرمه لهم وتمجيدهم ، ويوقن إن الصلاة عليهم بأمر الله مثلاً تنزل البركات التامة والخيرات النافعة دنيا وآخرة بحق وصدق .

 بل هذا الأمر : في إن من يوكل أمرا لعبد مؤمن يعلم صدقه بحق مع الله وله شواهد صادقة في إخلاص عبوديته مع الله وهو حي ، أو ميت وهو في المقام الأعلى أن يطلب من الله ، وهو في أحسن أحواله أن يغفر لإخوانه المؤمنين وله ، ولكرامته عند الله وتشريفه لما أخلص له وأطاعه بأحسن طاعة ، فالله يستجيب دعاه ويغفر الله لمن استغفر له أو لما طلب له من الحاجة والفضل من الله وسد النقص أو تزيينه بالكمال والتشريف والتكريم له ، فيقبل وكالته ويكون وكيل للعبد بفضله بتجلي نور أسماءه الحسنى على العبد فيكفيه ويقضي حاجته وهو الوكيل الحق وقاضي الحاجات البر الرحيم الوفي الكريم .

 

 

الإشراق الرابع :

التجلي بالوكيل في أدب الدعاء للمؤمنين بالغيب :

إن الله الوكيل الحق : تجلى بالوكيل وكرم بعض العباد بالوكالة عن عباده في تقربهم منه وشفاعتهم لديه ليقضي حوائجهم فيُعرف كرامتهم أو ليتيقن صدقهم معه ، فيتعلموا دينه منهم ، أو ليعرف مناقبهم وفضلهم ، هو تشريف وتأديب كريم من الله تعالى لنا ليعرفنا الحق وأهله وهداه ومحله ومعرفته بالواقع الذي يحب أن يتعبد له به ، وهو من أسس تعاليم الإسلام وهو أمر يوصل للتعاون وللتكاتف وللتضامن وللتناصر في الحاضر الشهودي والغيب ، وعند الخلوة والأنس مع الله في صلاة الليل أو الصلاة اليومية ، أو عند حصول حالات شريفة عند التوسل بالأدعية المأثورة والأماكن التي شرفها الله وجعل لها قدسية وحُرمة .

وهذا الدعاء بالغيب : موجب لصفاء السريرة والألفة والمحبة بين المؤمنين ، وهم في أحسن حال وصفاء مع الله يدعوا الله لأخواتهم وأصدقائهم وجيرانهم وكل من طلب منهم الدعاء ، أو يدعوا الله له ليسد نقصه ويكمل وجوده بأكمل نعمه وأتمها .

فالعبد المؤمن : الوكيل من سأله أخوه المؤمن أن يدعوا له حين توجهه لله ووكله بأن يطلب من الله له ليسد نقصه ويكمله بنعمه ، وهو بدوره قبل الوكالة وقام في أحسن حاله مع الله يطلب من الله أن ينصر عبده المؤمن الذي أوكل له أن يدعوا له ، وأن يؤيده ويرفع نقصه ويسد خلته ويرفع حاجته ، بل ويوفقه ويكمله ويغنيه علما وعملا ويسدده في كل أموره ويصلح حاله بعلمه وقدرته وخبرته تعالى ، ويتجلى عليه بكل كمال وجمال لأسمائه الحسنى ، هي أجمل معاني المحبة والود وأكرم معارف التناصر والكون مع الله حبا له ، ولعباده بأن يظهر جماله له ، ولإخوانه فيكونوا بأحسن حال ، وبأجمل منال لهدى الله ونعيمه في الدارين .

 ولذا بهذه المعارف القيمة : جاء هدى الله وعلمونا أئمة الحق والهدى ، لا فقط أن يسأل منهم أن يدعوا الله له ، بل أدبونا بتعاليم الله أن يسأل المؤمن إخوانه المؤمنين أن يدعوا الله له ، وهم بإيمانهم لهم من الله فضل وكرامة وأن تقضى حوائجهم وحوائج من يدعون له ، وهم في الدنيا وفي سجن الطبيعة ومشاغل الدنيا الفكرية التي تحيط بهم ، فكيف إذا كان عبدا صالحا وهو في الملكوت الأعلى مكرم بكل كرامة عند الله ولا شيء يشغله عن الطلب من الله تعالى والتوجه له .

فالمؤمن : يتوكل على الله بنفسه بطلب هداه ويطبقه مخلصا له الدين ويصلح ويصدق بنيته في توجهه له ، ويسأله التوفيق للظهور له بكل هداه وتوفيقه لما يعينه على دنياه ويزيل عنه كل هم وغم .

كما ويطلب ويوكل الدعاء عنه لطلب الحاجة وسد النقص والسؤال :  من نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، وهم أئمة المؤمنين وسادت البشر وأكرم خلق الله عنده وأشرفهم ، وهم في الملكوت الأعلى في أصفى وأخلص حال مع الله ، وهم في أكرم منزلة ومقام عند الله تعالى ، فيكون له سبب قوي لقضاء حوائجه ولرفع نواقصه ولتكميل وجوده لأنهم اشرف وأكرم خلق الله ، والله أمرنا وأدبنا بأن نأتيهم ونصلي عليهم ونطلب منهم أن يستغفروا لنا ويدعوا لنا ليصلح حالنا ويهدينا لأفضل سبيل يكمل به وجودنا ويغني به حالنا بنعيمه وكرمه وجوده .

كما إن هذا التشريف بالمقام الذي يُستجاب به الدعاء : والذي إذا دعا الله لا يرد بإذنه وتكريم له في الدنيا الآن ، هو لأشرف إنسان وأكرم موجود وهو بقية الله من المصطفين الأخيار من تلك السلالة الطاهرة للأنبياء وللأئمة المعصومين وهو لإمام الزمان ، وهو المضطر الذي يجاب إذا دعا ، هو صاحب أكمل شأن وأشرف سؤال وتوسل بالله تعالى ، فإذا جاءه عبدا صادقا في الطلب منه أن يدعو له الله تعالى ويوكل له السؤال له من الله ويعتمد عليه في طلبه من الله ، فإن الله تعالى قد اعتنى بأمره بل وكرمه وفضله على البشر وجعله الوكيل الحق في حفظ دينه .

 فإنه تعالى يستجيب له : ويرفع حاجة من دعا الله له ويسد نقصه بما يناسب حاله حتى يكون له نعيم مقيم كامل تام من غير نقص حتى يوم القيامة ، إن كان فيه صلاح دينه وفيه منفعته وهو عليه السلام لا يدعوا إلا لكمال العبد بأحسن هدى ونعيم مقيم ، وتوفيق دائم بالعلم والعمل بالدين ، كما وإذا كان فيه صلاح العبد والمصلحة العامة للمؤمنين ، يسأل الله أن يخلق له الحالة المناسبة ويتجلى بالكمال المناسب من الأسماء الحسنى الجمالية عليه بما فيه خيره وصلاحه من نعيم الدنيا من غير أن يلهيه عن الله وهذه كرامة الله لأوليائه وتشريفه لهم .

 وإلا إذا لم يكون لنبينا وآله الطيبين الطاهرين وهم أشرف خلق الله وأكملهم الذين أوكل لهم تعليم هداه وقيادة العباد على صراط مستقيم لكل نعيم كما عرفت في سورة الفاتحة وغيرها ، وليس لهم هذا المقام في استجابة دعائهم يكون هو حرمانه لأكرم الخلق وأشرفهم من ابسط الحقوق لتي أعطاها الله لعباده ، ويكون خلاف العدل والوفاء بالاستجابة بالدعاء من المخلصين الكاملين وبالخصوص أهل الكرامة والمجد والفضيلة عنده ، وإذا أهمل سبحانه ـ ولا إهمال في ساحته ـ طلبهم ودعائهم وهم أكرم خلقه وأشرفهم وأعلاهم مقام ومنزله عنده ، لم يكن هذا في الحقيقة تشريف وتكريم لأولياء الله عند الله ولم يستبين فضل هداه والعمل به ، لأنه أول التشريف والتكريم هو إجابة الدعاء وتكريمهم بقضاء حوائجهم ولو طلبوها لغيرهم حتى يبين فضلهم ومجدهم وعزهم وكرامتهم عليه وعلو منزلتهم لديه ، وليعرفهم العباد بالكرامة فيبين صدقهم ويُتبع دينهم ويتوجه لعبودية الله ومعرفته بما يحب ويرضى سبحانه ، وهذه الأغراض العظيمة في مصالح الدين ونشر الهدى هي من أسس الهدى والعمل به وفضل طلبه وكرامة جزاءه الأوفى الكريم منه تعالى .

وإذا لم يجب دعاءهم وهم أشرف خلقه وأكرمهم وهداة دينه : يكون كل ما ذكر الله من المناقب والفضائل لهم والأمر بطاعتهم وموالاتهم ووجوب أتباعهم وودهم وأخذ دينه منه ، وما حكاه عن إخلاصهم ، لا نفع فيه ولا أثر ولا فائدة في الجد في تحصيله ، وهذا خلاف الهدى ومواعظ الدين والوفاء بالوعد والعهد وهو الوفي ، فالله العزيز الكريم الواسع الجواد إذا كرم إنسان وأمر بطاعته وشرفه بهدى دينه وأوكله بتعاليمه ويجعله سيد البشر وأفضل مخلوق ، إلا ويكون مع ذلك قد كرمه بكل كرامة وأعزه بأفضل عز ، فلا يرد له سؤال ولا يمنعه ما يطلبه بحال أو مقال ويبين فضله عند طلبه ودعاءه حتى يعرفه العباد كلهم بالمجد والكرامة عند الله ،  وأنه ظهر لهم وفيهم بأتم كمال وجمال وخير لأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، فيأتوه العباد ويأخذوا دين الله منه لما يروا عنده من العز والكرامة والمجد والتفضيل من الله ، وهذا أهم أسس تعريف دينه سبحانه وإيصاله لعباده وإقامة الحجة التامة عليهم .

 فضلاً عن ذلك كله يكون : إذا لم يستجيب الله لنبينا وآله صلاة الله وسلامه وهم هداة دين الله ولم يبين فضله عليهم ، ولم يكرمهم بتنفيذ بما يدعو به وهو الكريم الذي له القدرة المطلقة والإرادة النافذة ، يكون عدم ظهور لتجلي الله تعالى في أتم كمال بأسمائه الحسنى والصفات العليا في العباد ، مع انه قد وجد المقتضي للظهور بأعلى استعداد وتهيأ المحل للفيض عليه بأكمل تهيؤ ، وهذا خلاف كماله المطلق وجماله التام المتجلي بالوجود على كل العباد ، وبالخصوص على من له الكمال التام الذي اصطفاهم لهداية عباده وأوكل لهم أمر دينه وهداه وفضلهم وشرفهم ونشر مناقبهم ، حتى يعرفهم الناس ويكرمهم و يتوجهوا لهم ليعرفوهم ويأخذوا دين الله منهم ومعارفه ويعتمدوا عليهم ويتكلوا عليهم بكل ما يقولوا لهم من أمر هدى الله ودينه وتعاليمه القيمة ، والتي بها تقام العبودية له وبها سعادة البشر وصلاحهم التام وكمالهم الدائم والنعيم الحقيقي الصادق الذي ينفع دنيا وآخرة بحق وصدق ، لا مثل من لم يقبل وكالة الله له وعليه وأضله وأوكله إلى نفسه وللشيطان وأئمة الكفر والعياذ بالله .

فتحصل : إن الله الوكيل الحق ، من قبل وكالته ، يفيض عليه بنور الوكيل بتجلي جمالي خاص ، ويكون قد تجلى عليه بنور الأسماء الحسنى بما له صلاح ولمن يتصل به ومن هو بحيطته ويطلب منه كرامة ، فيكرمه الله الوكيل بكل الفضائل ونشر هداه ويجعله مكرم عنده فيجزيه الجزاء الأوفى ، وله كل خير وفضيلة وكمال بالوجود ، وأنه لابد لكماله المطلق أن يظهر ويتجلى بكل صورة ممكنة يسعها الوجود ، فلذا لابد أن نؤمن بأن الله لوفائه وعدله وحُسن حكمته وتمام فضله ومجده وكرمه يظهر في مَن كرمهم وتفضل عليهم واصطفاهم وأختارهم هداة لدينه وأوكل لهم تعليم معارفه بل معرفته سبحانه، ولذا وجب أن نؤمن باليقين التام والإيمان الصادق إنه قد أتم تكريم من اصطفاهم لدينه نبينا وآله صلى الله عليه وآل وسلم باستجابة دعائهم وطلبهم لهم ولمن أوكلهم بالدعاء له ، وقبلوا أن يدعوا له لكون الدعاء في صالحه وهو عبد صالح ، فيكون مطيع لله في ما ينعم به عليه ويسد نقصه ويكمله ، وهذا أمر مهم في نشر دين الله ، فيعرف الناس كرامة أئمة الحق والهداة لدينه والصالحين عند الله ليتبعوا ويقتدوا بهم ، فيصلوا من سبيلهم لحقيقة عبودية الله وكما يريد سبحانه من الطاعة .

وأن العبد : حين يسأل من كرمهم الله أن يدعوا له ، فهو يرجوا الله تعالى وحده لا شريك له في الحقيقة ، ويتوكل عليه وحده ، ويعرف إن الكرامة منه للصالحين ولمن اقتدى بهم وتبعهم وقبلوه منهم صالحا ، وشهدوا له بالصلاح حين الدعاء له يلتمسون الخير والكرامة له من الله ورفع حاجته ، وهو وإن كان في عين طلبه وقد أوكل الدعاء لمن شرفهم وكرمهم الله ، فهو لا طلب منهم فقط من دون الله تعالى بما هم مستقلين، بل يعتقد اعتقادا كلي كاملا أن الله إذا كرم عبدا وفضله يستجيب دعاءه سواء له أو لمن دعاء له بطلب منه أو لكونه من أتباعه وأصحابه.

ولذا العبد المؤمن : يسألهم أن يدعوا له ويسأل الله بحقهم لأنهم عبدوا الله مخلصين وكرمهم الله بالنعيم وقبلهم بقولهم وحالهم وفعالهم ، وهو الآن يحسب نفسه منهم يقتدي بهم ويسأل الله بحقهم أن يقضي حوائجه ويكمل خصاله الحسنة بالخير والفضيلة ليكون عبدا صالحا غنيا بفضل الله ليتوفق لعبودية الله وإقامة هداه بحق .

 ولذا العبد المؤمن : لا يسأل العصاة والذين يعتقد إنهم ضالين ومبعدين عن الله أن يدعوا الله له لأنه يعلم إن الله قد حرمهم ، ولذا ترى الضالين هم أنفسهم لا يعتقدون باستجابة الدعاء أئمتهم ، الذين عادوا وحاربوا من كرمهم الله وشرفهم ، ولم يؤمنوا بأن دين الله عندهم ، وذلك لكونهم تبعوا أئمة الضلال ولا حرمة لهم عند الله ، فلذا لم يتوسلوا بهم عند الله ، ولم يوكلوا أئمتهم بالدعاء لهم ، ولا يسألوا الله بحقهم ، لأنهم لا كرامة خاصة لهم عند الله ، بل مبعدين مطرودين محرومين ، فلا يتوجهوا لهم ولم يسألوهم الدعاء ، وهذا في الحقيقية توجه منهم لهم لتخفيف حرمانهم ، وإن كان في نفس الوقت بيان لإصرارهم على ضلالهم ، وإلا الكريم المكرم يُسأل بحقه من كرمه وشرفه ويقضي الحاجة ليبين فضله عنده ويصدق نفسه بتكريمه وأنه له شأن عنده ويعرف المخلصين له ومن أحبهم ورضاهم لبيان عظمته .

والعبد الذي يعرف مجد الله وكرمه المطلق : وتشريفه لعباده وأنه أختار الأصفياء المطهرين الذي مكنهم من الإخلاص له بأتم دين ورضاهم هداة لدينه وتعاليمه ، وإن لهم شرف وكرامة عنده سبحانه ، يعرف إن الله مستجيب لهم بكل ما يطلبون منه ، لأنه لا ينقص من ملكه شيء لو أعطى بقدر الدنيا وما فيها والسماوات كلها لعبد واحد ، ولا خرج من ملكه بالإعطاء والوجود ، بل المؤمن هذا ملكه وأضعاف مضاعفة له من النعيم في الآخرة ، وإنه لكريم على الله وقد كرمه الله فهو كريم عنده والله مكرمه بكل مكرمة دنيا وآخرة ، والله يحب المؤمن ويكرمه وإنما ترى بعضهم في بلاء أو قلت يد وحاجة لمادة ، هو لكي يثيبهم بالصبر ويختبرهم ليصلح حالهم الأبدي.

ثم إنه قد عرفت إن استجابة دعاء المكرمين منه تعالى : دليل للهدى ونشر لدينه وبيان لعنايته بخلقه المكرمين ليتوجه الناس لهم ولأخذ دينه منهم ، ومعرفتهم بالعز والمجد والفضل عنده ، وبهذا يرغب الناس أن يكونوا مثلهم معززين مكرمين عنده ، سبحانه من وكيل وكفيل الذي يُري عباده كل صورة ممكنة لهداه وما يصلح حالهم ، وما به يرغبوا أن يكون هو الوكيل المطلق لهم والضامن الذي لا يعجزه شيء والوفي الهادي لهم ، وهو الواحد الأحد الفرد الصمد والسيد المقصود وحده لا شريك له .

فلذا العبد العارف بدينه وسبيل الله بنشر هداه : وعظمة تكريمه لخلقه والمخلصين له والمؤمنين به وأئمتهم ، يوكل أمره لله بالتوكيل التام في أن كل شيء منه وبيده ، ويتوجه لله بكل وجوده ويسأله حوائجه بنفسه ، كما يسلك له كل سبيل لتحصيل ما عنده من نزول البركات ولخيرات ، فيسأل المؤمنين أن يدعو له ويوكلهم بطلب حوائجه من الله ، كما ويطلب أئمة المؤمنين ممن شرفهم الله تعالى وحبهم وودهم وأمر بودهم ويريد أن يبين عزه ومجده فيهم ، وظهور تجلي كل كمال وجمال للأسماء الحسنى في ما يؤيد شرفهم ومجدهم وكرامتهم عنده ، وهم أئمة الحق وولاة أمر الله في دينه ، ولهذا يسأل المؤمن الله بحقهم ويقدمهم بين يدي حاجته في طلبه من الله ، حتى يناسب تشريفهم تشريفه وليكون تكريمه مثل تكريمهم ، وإن كان حسب حاله يأتيه فيض الله تعالى .

 كما ويسألهم أن يسألوا الله له : برفع نقصه وبسد كل ما يحتاجه ، وأن يعطيه كل ما يكمله ، فالله هو السميع العليم يكرم عبده الذي طلب منه بتوسط أشرف خلقه وأكرمهم وأعزهم عنده ، ولم يهمل كلامهم ولا يخيب ظنهم ، بل هم نبينا وآله الكرام أصفى وأطهر من يطلب من الله، ولهم الدعاء المجاب والسؤال المقضي بإذن الله.

ولذا كان تفويض بعض الأمور وسؤالها من نبينا وآله : هو من باب طلب الدعاء ، ومن باب الطلب من الحي بقضاء حاجة معينه ، أو توكيله بأمر من له جاه وشأن ودراية وعلم وقدرة في قضاء الحاجة والأمر بأحسن وجه سواء بنفسه ، أو بتوسطه عند مَن له المنزلة عنده ويسمع كلامه ولا يرده إن طلب منه ووسطه وشفعه عنده ، والله يستجيب لهم لأنهم مشرفين عنده ومكرمين ، وبسؤالهم من الله لمؤمن يفيض عليه ما يناسب حاله وما فيه صلاح دينه وكل أموره .

 

 

الإشراق الخامس :

آيات تعرفنا إذن الله لنبينا وآله بالدعاء لنا والطلب بحقهم  :

عرفت يا طيب إن الله تعالى : قد كرم نبينا وآله بل كل مؤمن له شأن السؤال من الله لأن يقضي حاجة مؤمن ، بل السؤال بلسان الغير من الله للأخ المؤمن من أهم تعاليم الإسلام في بيان صفاء العبد مع الله وعباده ، فكيف من كرمهم وشرفهم وجعلهم أئمة المؤمنين والسادة المكرمين عنده ، و قد كرمهم وشرفهم وأعزهم وجعل طاعته طاعتهم ، بل لو جاء للنبي أو لأحد الأئمة من آله عبدا مهتدي بهم معتذرا لذنب أو معصية ، ويطلب منهم أن يطلبوا من الله أن يغفرها له يكون في الحقيقة طلب من الله ، لأنه العبد وإن خولهم وأوكل لهم مصالحه وأن يدعوا الله له ليتم أمره ويرفع نقصه ، والله تعالى أخذ على نفسه استجابة دعاء وسؤال العباد المخلصين الذي أتمهم وأكملهم فيتم قضاء الحاجة والطلب بإذن الله تعالى بأسرع ما يمكن ، وبأفضل صلاح حال له فيه خيره ونعيم الله عليه ، والله تعالى هو العالم بمصالح عباده وقضائها بما يفيض به ويتجلى به من كمال وشأن عظيم جعله لهم ، لأنهم هم المأذون لهم حسب آية الشفاعة في آية الكرسي كما قال الله تعالى :

{ الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }البقرة255 .

الأمر التكوين لله وله الملك : ولكن يعطي منه لبعض خلقه من يقوم بمصالح عباده هدى أو دعاء أو شفاعة ، أو إي أمر يجعله له بإذنه ويوكله أن يقضيه عنه ، لأنه يكرم الطيبين من عباده ويشرفهم ، ليعرف العباد كلهم الكرم والشرف عنده فيرغبوا بطاعته ليكونوا مثلهم لهم شأن ، ونبينا الكريم وآله الطبيين الطاهرين هم أكرم خلق الله ، والله تعالى أذن لهم أن يطلبوا منه فيقضي حاجة من وكلهم في الطلب من الله له وبتوسط سؤالهم من الله له ، وهذا عينه ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى :

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله

وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ

جَاءُوكَ    فَاسْتَغْفَرُوا الله

وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ

 لَوَجَدُوا الله تَوَّابًا رَحِيمً (64)

 فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ

 ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمً }النساء65 .

والتسلم القطعي للنبي ولآله : هو واجب أولي على العباد ، وهو لهم بحسب الولاية التي منحها الله لأولياء دينه ، فجعل طاعتهم طاعته ، وطلب الاستغفار منهم بسؤالهم من عبد يطلب منهم أن يستغفروا له ، فيصدقون إتباعه لهم وصدق طلبه من الله بإطاعة أولياء دينه ، فيطلبوا من الله أن يغفر له ، هذا حكاية عن التجلي الخاص الذي لا يرد لهم ، وإلا كل عبد يطلب من الله أن يغفر لأخيه المؤمن الله يستجيب له إن كان له حق ، والرسول وآله لهم الحق الخاص بوعد الله حتى جعله في القرآن يتلى وينبه الناس له ليأتوه فيطلبوا منه أن يستغفر لهم الله ، والله تعالى يبين تكريمه وتشريفه فيخلق المصلحة للعبد والتهيؤ والاستعداد لينال كل كمال وجمال من نور الله وفضله ، إن كان العبد حقيقة مسلّم لهم تسليما تاما وقابلا لهداهم ، لا أنه من الذين يخالف قلبه عمله وعلمه ، ولم يوكل أمره لهم ولم يسلم لهم في الإيمان بشأنهم عند الله ، أو بعدم طاعتهم وتعلم هدى الله منهم ، أو أن قضاء هذه الحاجة ليس في صالحه الأبدي  .

كما وإنه توجد كثير من الآيات الكريمة : تطلب منا أن نتصل بالنبي الكريم ونصلي عليه وعلى آله ، بل له آية كريمة لم تعطى لأحد مثله بالنص القوي ، والتي تعلمنا بأن له كل كرامة وحسب طلبه ورضاه يتم الأمر وبما يريد ، وهي أعظم آية في التكريم لا يوجد مثلها في كتاب الله ، حتى أكبر من آية ، أما بنعمة ربك فحدث أو
 { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2) وَيَنصُرَكَ الله نَصْرًا عَزِيزًا (3) } الفتح ، وإن الله وملائكة يصلون على النبي ، أو إنك لعلى خلق عظيم ، أو التطهير وغيرهن ، فهي آية كريمة من الكريم الوفي العظيم الواسع ، وأعلى تشريف يمكن أن يسمع به عبد من رب رحيم عظيم كريم وهي قوله تعالى :

{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }الضحى5 .

فعرفنا سبحانه : إنه سوف يعطي الله الرحيم نبينا الكريم حتى يرضى ، أي شيء يريده يعطيه حتى يرضى ، ونبينا الكريم إذا سألناه ووكلناه بأن يطلب من الله شيء لنا فيه كمالنا ويسد نقصنا ويغفر لنا ، وإذا دعا الله الكريم النبي المكرم عند الله بأن يكرم عبد مؤمن توجه له وطلب منه أن يستغفر الله له أو يكرمه بنعمة ويصلح حاله وباله ، فسوف يرضيه الله بإجابة دعائه في حق من سأل له الكرامة والنعمة والفضل ، فيتجلى عليه بكل جمال وكمال للأسماء الحسنى فيجعله في نعيم وكرامة دائمة ، وعلى العبد أن يصلح حاله بأن يحسن الطلب ويعمل بالشروط التي جعلها الله في هدى دينه وتعاليم معارفه التي جعلها ليصلح بها حال العباد .

وإن نبينا الكريم : هو بشير ونذير وليس مسئول عن عدم إيمان الناس ، فإنه الله وإن أوكله بدينه وأمره أن يبلغه بكل جد ، وإن من طلب منه دينه وأوكل عليه معرفة الله عليه أن يعرفه عظمة الله وهداه ، ولكنه ليس عليه أن يتأذى أو أنه وكيل واجبه عليه أن يؤمنوا وإذا لم يؤمنوا ليس له أجر ولا ثواب والله يعاقبه ، بل من آمن فلنفسه ومن لم يؤمن فالنبي ليس عليه شيء ، ولدا قال الله لا تذهب نفسك عليهم حسرات ولا تشقي نفسك بأكثر من الإنذار والتبليغ أتلو قول الوكيل تعالى :


{ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)

 أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا

 فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء

فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)} فاطر .

{ طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى (3) } طه
{ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ
وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107) } الأنعام .

 وإلا العاصي الغير صادق بالتوبة ويطلب حاجة مادية من النبي وآله : على فرض مستحيل لو دعا له النبي ومن كرمه الله بالنبي من آله ، أو الله بالابتداء أنعم عليه نعمة ما ، عرفت إنها نعم غير دائمة ، بل إمهال ونعم اختبار ليرى إنه حقاً يصدق مع الله ويطيعه ويقيم له العبودية والشكر الصادق بهذه النعم ، أم لا ، وهذا من باب إنما نملي لهم يزدادوا إثما ، والعياذ بالله منها ، وهذه تعاليم الله كثيرة في هذا المجال وعرفت بعض الشرح ، بأنه من يريد الدنيا يعطيه فيها فقط وقد قال الله تعالى :

{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ

وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20)} الشورى .

 ومن يريد الآخرة يعطيه في الدنيا ما يكون فيه ملك دائم فيكون حسن وحسنة في الدنيا والآخرة فيزيده من فضله ما به خيره وصلاحه ، وعطاء الله وفيضه عام لكل طالب ولكن أين المؤمن ذو الملك والنعيم الدائم ، والعاصي الذي تكون نعم الله التي يعصي بها الله وبال ونقمة فتنقلب عليه عذاب .

وإن الله إذا أمر بشيء : فإنه فيه كل الصلاح للعبد حين إتيانه ، وبه خيره وكل فضل وكرامه به له من الله ، مثلا قوله تعالى :

{ إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }الأحزاب56 .

 وهذه من اشرف تعاليم الدين : أن يكون التوسل بالنبي وآله بأمر الله وبتعاليمه ، وهذه الصلاة عليهم هي الوصل بين العباد والهداة لدين الله تعالى ، وفيها كل كرامة من الله ومجد وشرف ينزل من الله على العباد ببركة النبي وآله ، والذي عرفنا إنه لا صلاة عليه بدون ذكرهم معه في كل صور الصلاة عليه التي علمها لعباد الله المؤمنين بإذنه ، وهو الهدى التام الذي هو في الحقيقة توكيل الله المطلق بأن يصلحه بما أصلح محمد وآله وهداهم ، وليكون مثلهم فيصلي عليه الله مثلهم ، ولنا بحث قيم في صحيفة الإمام الحسين عليه السلام وصحيفة الثقلين ، من موسوعة صحف الطيبين في شرح هذه الآية وكرامتها وفضلها ، فمن أحب المزيد فعليه مراجعة تلك الصحيفة المباركة .

وتدبر قوله تعالى : { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102)

 خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا و

َصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) } التوبة .

 وإن إنفاق وبذل من يزور النبي وآله ويصلي عليهم ويسألهم يطلبوا من الله أن يقضي حوائجهم ، هو توكيل لهم في طلب ما يصلحهم ، وهو إنفاق في طلب ما يطهرهم ويوجب لهم السكن والاطمئنان والراحة وغفران الذنوب من الله ، وبإذنه وهو الآمر به ، وبالخصوص الآن هم في أعلى مراتب الكرامة في الملكوت الأعلى .

 

 

الإشراق السادس :

المؤمن يتوكل على الله الوكيل في كل أموره بحق وصدق :

والمؤمن : ينقطع إلى الله ويتوكل عليه ويعلم إنه حسبه وكافيه ، وهو الوكيل المطلق العام الحق والكفيل الذي لا يعجزه ولا يفوته حال أحد ، وإنه له القدرة المطلقة النافذة على إصلاحه ، وهو تعالى قد قبل وكالة كل من توكل عليه ، فيفي لمن أخلص التوكل عليه سبحانه وحده لا شريك له .

ولذا يجب التوكل على الله وحده لا شريك له : في كل حال حرب وسلم وفي أي دار وبلاد ، وصحة ومرض ، فرح وغضب ، فيوكل له أمره بطلب جاد صادق ، حتى يتم له لتجلى عليه بكل جمال وجلال للأسماء الحسنى والصفات العليا ، فيشكره بنعمه وهدى دينه ويطلب أن يزيده من نعمها ، ويسد كل حاجة ويرفع كل نقص له ، ويهديه لما يكمله ويتمه بأحسن مصالحه .

 وعرفنا إن التوكل على الله لابد أن يكون بالتوكل الصادق : بأن يكون وفق توصيات موكله وهداه وبما يعلمه من مصالحه ، فهو الله تعالى علمنا تشريع حق فيه هدى لكل واقعة وتعليم لكل أمر حادث لنا في عبادة أو معاملة أو مجتمع أو أسرة أو فرد أو مع طبيعة ودولة ، فيجب السعي ونسأله أن يوفقنا للصواب في التعلم والعلم والعمل ونطبق نفس الهدى الذي علمه في محله وبالمناسب له ، ونسأله أن يسددنا ويعيننا لما هو المطلوب منا ويرضى به ، ويمنعنا عما لا يرضى به من عباده ولا يقبله دين وتصرف لائق بمؤمن .

كما ولا يكون المؤمن يجلس : ويطلب أن يقوم الله مقامه في مصالحه ويعمل له أعمال قد أوجبها عليه وطلب منه أن يسعى لها ، فالله يدافع عن المؤمنين بشرط السعي والجد والاجتهاد ، وبالطب الصادق ، ومنه التوفيق فيرزقه من حيث لا يحتسب ويمده بالملائكة تنصره ويوفقه لأحسن سبيل يوصله لمنافعه .

وإن من يتوكل : بدون أن يسلك ويجد ويجتهد فهو لم يطلب الله أن يتجلى عليه بوكالة حقه فيها علم وقدرة وأن يعينه بحق كما أمره ، ولم يستعمل العلم الذي يكون به النجاح ولا القدرة على الفعل التي بها يتم السعي لتحصيل المطلوب من مهامه منه ، ولم يكن محل صادق طاهر حقيقي لتجلي الأسماء الحسنى والصفات العليا عليه بالكمال والجمال وما تمناه وطلبه في صلاحه .

 فحقاً إن الله على كل شيء وكيل : وله ملك ومقاليد السماوات والأرض ، وهو حسب كل شيء توكل عليه وأعتمد عليه وكافيه ، ولكن يتجلى بمظاهر علمه وقدرته لمن يطلب منه التوفيق صادق ووفق هداه ، فيتحقق بظهور تجلي الكمال المناسب لحاله من الأسماء الحسنى اللهية ، وهو الوكيل بالتسديد للصواب وتسهيل الأمر وخلق الظروف والاستعداد لتجليها وظهورها فينا أو ولنا في الكائنات لتخدمنا .

ومن توكل على الله : ليكون عالم أو فني أو قادر ولم يتعلم ولم يتدرب ولم يجد فقد كذب وكسل ، والله لا يحبه ولا يتجلى عليه بما يريد ، لأنه يطلبه كاذبا ، إذ إنه لم يسعى لأن يحصل منه على شيء يكون حقيقة لمظهر الكمال والجمال الذي يمنحه لمن يعد العدة له ويتهيأ له بنفسه ويصدق حاله مقاله .

 بل على من يحب أن يكون مظهرا لأسماء الله الحسنى وصفاته العلي : بحق ومتجلي له بها وهو ظاهر بها كلها حسب حاله ، عليه أن يطلب منه أن يعلمه ويُقدره ويمكنه ويهيئ له الظروف المناسبة لتحصيل تجليها ، ولذا كان عليه أن يسعى ويتكل عليه بجد واجتهاد ومسابقة وسعي صادق ووفق هداه ودينه الحق ، ويسأله عند ذلك التوفيق وتمكينه من الصالح له ويهديه لكي ينتخب المجال الذي فيه صلاح حاله ودينه بحق وصدق دائم لا مؤقت أو ليس فيه رضا الله .

 فمن يتوكل على الله فإنه سبحانه حسبه وكفيله ووكليه : ويفي له بالوكالة ، لأنه الوفي بأجمل ما يصلحه ، ويجعله في أحسن نعيم مقيم وهدى مستقيم ودين حق ، ولكن بشرط أن يصدق حاله مقاله ، ويكون بكل وجوده طالب لظهور الأسماء الحسنى فيه ، وأولها أن يتبع هداه الحق الذي يعلمه معارفه بصراط مستقيم من الذين اصطفاهم وأوكل تعليم هداه لهم لا من أعداء دينه أو الضالين ، ثم يطلب منه ما يساعده لخدمة دينه في كل ما يحصل عليه من علم وقدرة ومال وبينين وحال وسير وسلوك ، فيكون مظهر لتجلي الأسماء الحسنى التام الكامل الذي يملئ الوجود جمال وبهاء وسناء وعدل وإحسان وكرامة وعز ، فيكون في كل أحواله مظهر لها دائم سواء لكي يؤمن معاشه أو في العبودية ، ولذا كان عليه أن لا يقصد في كل خطوة يخطوها إلا رضا الله فينال منه ما يرضيه وهكذا قال الله لنبينا الكريم ولو سوف يعطيك ربك فترضى .

 والله تعالى فيضه عام وكرمه وجوده واسع : يتجلى بالقدر المناسب لكل طالب حقيقي بحاله ومقاله ، وبما له من المسابقة للطلب منه والجد ولاجتهاد لتحصيل خيره الدائم الباقي بصدق والذي عم الوجود أبدا ، فيكرمه بكل شيء يطلبه ، وبشرط عليه أن يطلب أن يكون في صلاح دائم مرضي لله لا حرام فيه ولا منكر ولا معصية ولا يبعد عن طاعة الله ، بل كل شيء يعلمه ويُعمله يطلب به رضا الله سبحانه وتعالى .

كما أنه يظهر بالوكالة عن الله بالدفاع عن دينه والجدال الحق :  فيظهر فيه اسم الوكيل بحق ، فيجادل أعدائه بالتي هي أحسن ، ويكون هو الصادق المصدق بالقول والفعل في كل وجوده ، ويتوكل لمن يحبهم الله من عباده المؤمنين فيكون مظهرا صادق لحقيقة اسم الله الوكيل ، فيدافع عن حقهم وينصرهم بتعليمهم المشورة الحسنة التي تهديهم بحق لأحسن حال لهم سواء في معاملة أو شراء أو بيع ، ويكون يقبل الوكالة المطلقة عن دينه لهم ، فيكون آمر بالمعروف ناهي عن المنكر بقدر الوسع والطاقة ، ويكون بحق وصدق خادم لدين الله تعالى ولأولياء الله ويدعوا لهم بالتوفيق والنصر والتأييد ، ويصدق أولياء الله وكل ما علموه من الهدى ولا يتبع غيرهم ممن لا يعرف هذه المعاني عن الله ودينه وهداه .

 

 

الإشراق السابع :

ضرورة معرفة الله بأئمة الدين وسؤاله بحقهم خلافا للوهابية:

يا طيب : ظهر مذهب في القرن السابع الهجري لأبن تيمية وحرم فيه التوسل بالله تعالى بحق النبي الكريم وآله الطيبين الطاهرين وكل الصالحين ، ومنع أن يذكروا بالفضائل والمناقب وتكريم الله لهم ، وهو لكونه كان معاند لأهل البيت عليهم السلام ، وأفتى بهذه الفتوى بعد تأليف كتابه منهاج السنة حسب ما سماه ، وهو يرد به على العلامة الحلي الذي ألف منهاج الحق الذي بين فيه أحقية أهل البيت عليهم السلام في الولاية .

وهو لما رد على الكتاب تمادى : حتى حرم ذكر النبي وآله ويعتقد أنه لا ينفع ولا يضر ،  لأنه ينقص من ذكر بني أمية ومعاوية ويزيد ومن لف لفهم من وعاظهم فيكون شرك بالله ؟!!!! وهو الذي كان يفتي في مسجد بين أمية في الشام وكان له كرسي فيه ، فكان أول من أفتى بحرمة التوسل بالنبي ، ورده وبين غلطه في فتواه كل من كان من المسلمين في ذلك الزمان سنة وشيعة ، ولذا قرض مذهبه ولم يتدين به أحد بعده ، بل نسفه سجن وما في سجن حاكم سني لضلاله .

 ولكن لما جاء الاستعمار : بحث عن أهم مذهب يُبعد المسلمين عن معرفة دين الله الحق وهداه الصادق عند أئمة الحق أو ممن قرب منهم شيئا ما ، فرئي أن يدعم ويُنشط هذا المذهب المرفوض ، فمكن محمد بن عبد الوهاب وجعل دين الوهابية في السعودية الذي هو ظهور مذهبهم المتدين بعقائد ابن تيمية ، فكان تحريم التوسل بالصالحين ومعرفة أئمة الحق وهدى أهل البيت أهم ما يدعون له ، وكفروا كل من يذكرهم بخير وبالخصوص التوسل بهم لله أو سؤالهم أن يدعوا الله له .

وما ذلك : إلا لكي لا يعرف شانهم العظيم عند الله ودينه الحق وهداه الواقعي من سبيلهم ، وكانت لنا محاورة مع أحدهم في الانترنيت باسم ذكر علي عليه السلام عبادة ، فبينا الخلط عندهم ، ثم كتبنا كتاب في هذا الموضوع باسم صحيفة ذكر علي عباد لله ، وفيه كثير من البحوث التي تصب في هذا الباب وتشرح ما لم نبينه هناك ، وهو من كتب موسوعة صحف الطيبين .

وعرفناه : إن ذكر علي عباده بتعاليم الدين ، وهو موافق لمعرفة وتعريف عظمة رب العالمين وتجلي شؤون العظمة له في كل شيء ، هدى ودين وعبودية وجزاء وعملا صالحا وتوفيق منه ، وذلك لأنه في الحقيقة به وبتوسطه عليه السلام يُعرف دين الله ويميز أئمة الكفر والضلال عن أئمة الحق ، ويعرف به سبيله هدى الله الحق الصادق بمعرفة فضله وشأنه وكرامته عند الله ورسوله وحقه الكريم من نور هدى الله وظهوره به ، ولهذا في هذا الموضوع هنا توسعنا بعض الشيء بالبحث لما فيه من المشابهة في روح الموضوع وهو ذكر الصالحين والتوسل بأئمة الدين ، و لأنه مناط الحاجة في هذه الأيام ليعرف الحق وأهله ، وهو الدعاء والتوسل بأئمة الحق ، وهو من باب التوكيل وجعل الوكالة للغير بأن يدعوا لنا ، فكان البحث مناسب لاسم الله الوكيل وهو الوكيل الحق وخير وكيل وكفيل سبحانه ولا وكالة لأحد وشفاعة وإجابة إلا بإذنه.

وعرفت يا طيب : أن توكيلهم ليدعوا لنا لا يعني أنه نجلس وننتظر قضاء الحاجة من غير سعي حالي ومقال ، فلم نتهيأ لقبول فيض الله لإصلاح أنفسنا وإقامة العبودية بدين الله الحق الذي علمه أئمة الحق ، بل توكيلهم عينه هو التوجه الصحيح لله بالإقرار لفضله وكرمه ومعرفة محله هدى ودين وجزاء ، فهو معناه بأنهم أخلصوا العبادة وبكل وجودهم وصفاتهم وأعمالهم بهدى حق ، ونحن نسعى لأن نكون مثلهم فوفقنا يا الله وأصلح حالنا ، فإن نأتي بما تحب من هداك ملخصين لك الدين مثلهم ، ونسألك بحق ما شرفتهم من شأن عظمتك وبهائك ونور مجدك فكانوا مظهرا كريما للتحلي بنور أسماءك الحسنى ، وعرفت لنا هذا في آيات النور في بيتهم المرفوع بذكرك.

كما إن في توكليهم بالدعاء : هو فيه حقائق تعلم الدعاء والهدى منهم وإقامة العبودية له بما يحب وبه يتوجه العبد لله ، لا أنه ينصرف عن الله ولم يتوكل عليه ولا يريد منه بالذات شيء بل يريده من النبي أو الإمام من دون الله ، فهذا كفر ولم يقصده أحد أبدا وليس من شأن من يتوجه لمن كرمه الله ، وإنه يعرف الكرامة له كانت لإخلاصه لله ولتوكله على الله بالتوكل الصحيح وفى لهم الله تعالى الوكيل الوفي البار وكرمهم وشرفهم ، بل ما تأدبنا به هو بأنهم مكرمون عند الله تعالى ومشرفون ، وإنه يحق لنا أن نوكلهم لكي يدعوا الله لنا ونقدمهم بين أيدي الدعاء ، سواء بالصلاة عليهم كما أمرنا الله أن نصلي على النبي وآله ، أو نسأله بحقهم وشأنهم العظيم الذي جعله لهم ، أو نطلب منهم ونوكلهم أن يدعوا الله لنا وهم أكرم خلق الله وأشرفهم ونعتقد يأن الله لا يرد طلبهم إن طلبوا لنا ، وبما عرفت من الأدلة والبراهين سابقاً .

كما نحن حين نوكلهم ليسألوا لنا من الله التوفيق : وتكميل نقصنا ومنحنا الكمال ، فنعد أنفسنا لنكون مثلهم مخلصين العبودية لله بهداهم ونتوجه له بكل حالنا ومقالنا ، وإن من توجهنا لله تعالى نطلب منهم أن يطلبوا لنا ، وأن يدعوا لنا لأنهم مكرمين بكرامة الله لا أنهم مستقلون بأنفسهم أو من دون الله تعالى . وإنه في هدى الله تعالى الحق الذي علمه نبينا وآله علمونا أنه لا مستقل عنه تعالى وكل شيء منه ، وهدا ما رأيته في كل شرح الأسماء الحسنى ، وليس هم إلا عباد مكرمون لأنهم أخلصوا العبادة لله وهو اصطفاهم ، ومن يريد أن يقترب منهم ومن كرامة الله يجب أن يخلص العبودية لله كذلك ، ليحيطه تعالى بتجلي نور أسماءه الحسنى في كل آن ولكل شيء حسب حاله ، بل سؤال الطيبين هو كرامة في كرامة ، وهو سؤال الكريم بحق الكرام وسؤال الكرام أن يسألوا الكريم لنا لأنه يكرمنا مثلهم ، وسؤاله بهذه الأحوال نعرفه ضعفنا وحاجتنا له ونسلك كل سبيل طيب طاهر للوصول لكرامته وفضله .

وأعلم يا طيب : إن الوهابية في دينهم تراهم قد صغروا الله فأجلسوه على عرش وشبهوه بحاكم يمارس حكمه من بعيد ، ولا يعرفون معنى الإحاطة التامة والظهور بالقهر لكل ما يريد ولو بالنفع والمصلحة له وإنه لا يرد أمره شيء وإنه لا رد لفضله أو منعه ، كما إنهم يعتقدون المؤمن المكرم عند الله بعد موته يفنى ولا ينفع شيء ولا يعرف ولا يعلم شيء ولا كرامة طلب له عند الله وبالخصوص بعد موته ، وكأنه الدنيا وحدها للمؤمن ولا تكريم له بالآخرة والبرزخ وبعد الموت .

 بل يعتقدون إن النبي الكريم : بعد موته عصى محمد بن عبد الوهاب تنفع وتضر أكثر من النبي ، وهو صلى الله عليه وعلى آله لا ينفع ولا يضر ولا كرامة بعد موته له عند الله ، فضلاً عن آله الكرام الطيبين الطاهرين ومن تبعهم من المؤمنين ، فلذا تراهم يمنعون أن يتوسل بالنبي الكريم عند مرقده الطاهر وهدموا مراقد أهل البيت عليهم السلام في البقيع .

فإنهم يعتقدون : إن المؤمن بالدني أكرم منه في الآخرة ، فلذا حصروا الدعاء للأخ المؤمن بأنه يختص بالدنيا ولا يحق لنا سؤاله وهو في المقام الرفيع عند الله في البرزخ ، ولم يعلموا أن ملك الإنسان وكرامته تظهر بأعظم قدر وأكبر تجلي لله على عباده في الآخرة ، وإنما الدنيا دار اختبار وابتلاء والفكر ليس له ذلك الصفاء والفراغ التام مع الله كما في البرزخ .

وإن للمؤمن : له في الدنيا استجابة الدعاء وهو بأعظم تشريف وتكريم عند الله بعد الدني ، ومن أول يوم بعد الموت وفي البرزخ له أكبر فضل وعز ومجد وكرامة وتشريف بحيث يكون له ملك عظيم وفخر جليل لا يتمنى شيء إلا ويحصل له ، وبالخصوص إذا أذن له بالدعاء والطلب للمؤمنين الذي أوكلوه أن يدعوا لهم الله تعالى ليصلح بالهم وحالهم .

 وإن هذا لا يعني إنه نتكل عليه وحده من دون الله : وننسى الله تعالى ، بل عرفت إن هذا تذكر حقيقي لفضل الله وتكريمه وتمجيده لعباده ، وهذا إقرار لله بأنه إن العبد المخلص الذي كرمه الله ، إنه له كل كرامة عنده وتشريف لديه ، وإذا دعا يجاب دعائه ، ونحن عباد قاصرين ليس لنا نفس إخلاصه ، وتوجهنا ضعيف ليس لنا كماله ، وهو شعور بالتواضع لله والطلب منه بالحال والمقال بأكرم طلب يطلب به عبد الكمال من الله تعالى ، وهذا هو الذي أوعد الله به وإنه يفي به حيث قال ادعوني استجب لكم ، وهو سواء ندعو الله لأنفسنا أو لإخواننا المؤمنين أو نطلب منهم أن يدعوا لنا أو من أئمتنا وأشرف خلق الله .

ونحن قد وكلنا السؤال والدعاء لنا : وطلبنا هذه الكرامة من الله بتوسط طلب ناس كرمهم الله تعالى وشرفهم ومجدهم في كتابه وأثنى عليهم ، وقال لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ولهم البشرى ولهم الحسنى ولهم المزيد من الكرامة والمجد ومدحهم بأفضل مدح في كتابه القرآن المجيد ، فكيف لا يحق لهم الدعاء للمؤمن وقد عرفت حقهم عند الله وكرامتهم عليه ، وبالخصوص أئمة المسلمين وأكرم خلق الله في العالمين وسادت البشر ، والذين جعل دينه عندهم وجعل طاعتهم طاعته وهداهم هداه وكرمهم بكل كرامة ورفع ذكرهم بذكره ، بل حملة العرش وهم أكرم خلق الله شغلهم إنه يسبحون الله ويحمدوه ويستغفرون للذين آمنوا وأن يزيدهم من فضله وهم في أعلى مقام في ذكر الله والتوجه له ، وهذه كرامة المؤمن عند الله حيا وميتا ويحق له أن يدعوا للمؤمن الحي .

ونحن حين نسألهم أن يدعوا الله لنا : ونوكل لهم أمر الدعاء عنا مع سؤالنا بأنفسنا من الله والتوكل عليه في كل شيء فضلا عن الدعاء وطلب التوفيق لمسائل مخصوصة ، لا نعتقد بهم شيء يذكر من الإلوهية بل نعتقد إنهم عباد مكرمون مطهرون لهم أصفى قلب ولسان وحال مع الله ، والله تعالى رضاهم أولياء دين وأئمة لكل الطيبين ، ومنهم يصعد الكلم الطيب الذي يرفعه الله ، ولهم تنزل كل كرامة من الله ، فإذا سألوا الله بما لهم من المجد والعز والتشريف عند الله لا يرد بإذن الله ، ويكون أحسن من سؤالنا بأنفسنا وحالنا الذي مشغول بألف هم وغم وصعوبة توجه له وليس مثل إخلاصهم وصفاءهم وطهارتهم .

ونحن نسأل الله أن يحشرنا معهم في كل طلب : وحتى بالنعيم الدنيوي نطلب منه أن يكون مثل نعيمهم في خدمة دينه وطاعته وعبوديته ، لا أن يكون معصيته وإمهال ثم يزول .

والوهابية : منعوا الناس من التوسل بالله بحق الصالحين أو بأئمة الدين أو حرموا أن نطلب من أشرف خلق الله عنده وأكملهم أن يطلبوا لنا منه الكرامة والفضل ، وذلك لأن أئمة دينهم لا صلاح لهم وهم أعداء أئمة الحق والهدى ، وإنهم كانوا أهل معصية وفسق وفجور وظلم ، وهم بأنفسهم يقولون لا مانع أن يكون الحاكم وإمام الدين فاسق فاجر ، ولذا تراهم يحرمون التوسل بهم لله لأنهم يعلمون أنه لا يزيدهم إلا بعدا عن الله ، ولأنه لا وكالة دين عندهم ولا هدى من رب العالمين لهم ،  ولا عز ولا شرف ولا كرامة لهم عند الله ، ومثل هؤلاء لا يجوز التوسل بهم ، لا من يكون مؤمن كامل في رضا الله والله يحب أن يشرفه ويظهر تكريمه له ، بأنه لا يحق التوسل به بأن يطلب منه لنا أو نطلب من الله بحقه .

فكلامهم : بحرمة التوسل بالله بحق الصالحين وحرمة عدم التوجه لله مباشرة ، هو قياس مع الفارق واستحسان غير حسن ، فهو يصح عندما يكون التوجه بالفاسقين الظالمين وأئمة الدين الكفرة والمنافقين ، فإنهم إذا سألوا الله وباشروا بالدعاء يكون استهزاء بدين الله وهو طلب التكريم من الله ممن هو عدو الله ، فإنه لا يجوز ، لأنه مبعد عن الله .

وإما أن يكون المباشر للسؤال من الله ليكرمنا مثل تكريمه : طاهر مطهر الله طهره وصدقه ، وهو في أتم صفاء مع الله ، والله جعل كلامه طيب طاهر مرضي يصعد له بأسرع من البرق واصفا من الزلال ، شفاف فيه طهارة روحه الطيبة الطاهرة ودين الله القيم والعبودية المخلصة لله ، وكل هذا مع تشريف الله وتكرمه له ولآله ولكل من أحبهم ، فإنه مع سؤالهم من الله لنا ، فإنه بحق هذا كلام لا يرده لله بإذنه لأنه وعد أن يستجيب لمن يدعوه من المؤمنين وهو قريب يجب دعوة الداعي إذا دعاه بصورة عامة ، فكيف بمن كرمه وشرفه ، بل الإيمان هو أن نعتقد مثل هذا الدعاء الطيب من الطيبين لنا ، يقضيه سبحانه ويتمه ويتجلى له بأكمل تجلي من كل فضل وعز وكرامة من أسماءه الحسنى وصفاته العليا فيقضي حاجة المدعو له ويكشف ضره .

 وهذا التوكيل لأئمة الحق بالسؤال لنا من الله : هو سؤال مباشر من الله ولكنه بلسان أكرم وأشرف وأفضل عبد أخلص لله ، فهذا الطيب الطاهر هو الذي يباشر بالسؤال لنا ويطلب لنا من الله أن يكرمنا ويهدينا لأحسن حالنا معه ومع نعيم يمكننا لطاعة الله وحده وعبادته وشكره لنخلص له الدين ، فهو مجاب من الله تعالى بإذنه وبما شرفهم وكرمهم وتفضل عليهم ، وبما أحب من إظهار دينه وتشريف أولياءه وكرامتهم عليهم وعنده ، وليعرف مجدهم وتفضيله فيؤخذ دين الله ومعارفه الحقة الصادقة منهم ، و ليتعبد بدينهم الناس الذي هو دينه ويرغبوا لهداه ومعرفته من سبيلهم حين يروا كرامتهم عنده وفضلهم لديه .

فأئمة الوهابية :  لما كانوا أئمتهم أئمة ضلال ونفاق وأهل دنيا وأتعس حال ، ولهم أضيق وجود في الآخرة وهم يحترقون في نار العدم والحرمان والنقص والتجلي عليهم من الله بالعذاب الشديد والنار التي لا تبيد ، وهم في البرزخ وحالهم أتعس مما كانوا عليه في الدنيا ، وهم في حرمان دائم ونقص شديد ، وعرفوا أنه لمتابعتهم لهم كل ضلال وبُعد عن الله خجلوا أن يسألوا الله بحقهم وبلسانهم وأن يباشر فيطلبوا منهم أن يطلبوا لهم من الله ، فضلاً عن أنهم محرومون في نار وجودهم معذبون ليس لهم فرصة سؤال وطلب من الله أحياء وأموات .

 فهم كأنهم عرفوا حالهم : فحرموا أن يذكروا ويسأل الله بحقهم ، ولما كان يضر بمذهبهم تحريم السؤال لله بحق أئمتهم لأنه إمام يحترق في البرزخ فكيف يسمح له أن يدعوا لهم ، وهو محروم وباليقين وأنه لا يستجاب له بل يكون طرد وحرمان على حرمان ، أبتدعوا مذهبا به حرموا مطلق السؤال بالصالحين وحتى من كرمهم الله ومجدهم .

فإنه أئمة الوهابية : معاوية ويزيد ومن لف لفهم يعرفهم المسلمين كلهم بأنهم عصاة وظلمة وشراب خمر وقتلة لأئمة الحق مرتكبي كل حرام وفسق وفجور ولا كرامة لهم عند الله  ، فلذا هم حرموا التوسل بأئمة الحق وكل صالح لكي لا يُميز المنافقين ، فلا يسأل بحقهم ولكي لا يهجر دينهم ومذهبهم من الطيبين ويتجهوا فقط لنبي الكرامة والعز والمجد محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين.

فالحق إن المؤمنين الحقيقيين : الذين يذكرون الله بأنفسهم ويباشرون السؤال منه بكل وجودهم يتوكلون عليه ، كذلك يباشرون السؤال من الله بلسان كل طيب طاهر ويسألون الله تعالى أن يوفقهم لرضاه من كل قلب صافي مع الله ، وهو لأئمة الحق وهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وهذا كمال التوكل وطلب التوفيق من الله بتوكيل أشرف الخلق وأحسنهم وأطيبهم أن يدعو الله له بالإضافة لدعائه بنفسه وتوكله عليه .

والوهابية : حرموا أنفسهم بضلالهم عن هذه المعرفة والهدى ، فحرموا كل من يسأل الله ولو من كل صالح طيب يرفع الله كلامه الطيب ، ولكي لا يعرف شرف أئمة الحق ومجدهم عند الله فيتوجه لهم ويعرفوا فيؤخذ دين الله منهم ، ويترك مذهب كل من عاداهم وقاتلهم ومنعهم من تعليم دين الله ، فكتم ولاية الله الحقيقية وهداه الواقعي ، فحرموا تحريم مطلق كل ذكر للصالحين وأئمة الهدى نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين وكل من شرفه الله من الأنبياء والمرسلين.

فهم حرموا ذكر والتوسل بالصالحين : ومن لهم شأن وكرامة عند الله ، ومَن الله فضلهم على خلقه ورضي قولهم الطيب الطاهر ، لكي لا يعرف ضلال أئمتهم ، ولم يدروا أنهم فضحوهم وميزوهم عن غيرهم وعرفوهم بالضلال والنفاق والعصيان لرب العالمين ، وهم أرادوا أن لا يذكر الطيبين الطاهرين ولا يعرفوا حتى لا يفتضح المنافقين الذي غصبوا حكومة الله ورسوله وتعليم هداه من قبل أئمة دينهم المنافقين ونشروا الضلال بين الناس حتى جعلوهم يحسبوه هدى ، فحسبوا عداء آل محمد صلى الله عليهم وسلم والتنكر لفضلهم ولدينهم هدى فكان المعروف منكر والمنكر معروف .

وإما المؤمن صاحب الكرامة والمجد عند الله : يتوكل على الله وحده لا شريك له ، ويسأل الله ويطلب منه كل كرامة وعز ومجد ونعمه وفضل وتكريم بنفسه وبلسانه مباشرة ، وبلسان كل صادق طاهر طيب من إخوانه المؤمنين وبالخصوص أئمته ، والذين هم أئمة الدين الذين طهرهم الله ويوكلهم بأن يدعوا له الله ويباشروا بلسانهم الطلب من الله له بأن يوفقه لكل ما فيه صلاح دينه ، وينعم عليه الله دنيا وآخر ويحل كل مشكلة له تعيقه عن تطبيق تعاليم هدى ربه ونشره وتعليمه والعمل به بكل إخلاص له وحده لا شريك له .

والله نبهنا لضرورة دعاءه بأهل البيت عليهم السلام في قوله تعالى :

{ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ

فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ

أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ

ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ }آل عمران61 .

 وهذا التكريم والتشريف للنبي : بأن يكون آله الكرم وأشرف خلق الله وأفضلهم معه ، فهو في ذلك اليوم المشهود لكل المسلمين وغيرهم بل إلى اليوم يفتخر به أهل دين الله ، والذي أمره الله أن يأتي بأهله فيدعو وأهله الكرام الذين طهرهم تطهيرا يؤمنون حتى يرفع الدعاء ويقبله الله تعالى .

 والله كان بيده أن يفني النصارى : بل وكل مشرك وكافر ومنافق بدون احتياج لمباهلة ولا دعاء ولا أن يأتي النبي بأهله الكرام معه ، بل يكفي الله أن يدمر كل معاند للحق من غير دعاء ، بل يكفي دعاء النبي وحده ولا يحتاج هذه العناية في آية تأكد ذكر ملحمة عظيمة تبين أهمية النبي وآله الطيبين الطاهرين عند الله وكرامتهم لديه وصدق دعائهم بل كل كلام لهم مرفوع مقبول عنده تعالى .

 فيستجيب لهم الله النبي وآله بطلبهم مجتمعين ، لا النبي وحده ولا من غير طلبهم ، وبهذا أمر الله أن يطلبوه أمام الناس وهو يفي لهم : وهو الوفي الحق بما وعدهم ، إن دعوا يُصدقهم ويستجيب لهم ويفني غيرهم ، وجعله لهم ذكر وتشريف يتلوه في القرآن المجيد مجبر حتى من عاندهم ولم يعترف بهم ويتنكر شرفهم من الذين يقرؤون القرآن بقلوب مقفلة ولا يتدبرون فضل الله وتشريفه لنبينا الكريم وآله ، وعميت بصيرتهم عن الحق وهم يتلون القرآن الكريم لآخر الدهر بهذه التكريم للنبي وآله الكرام ، ويذكرون قوله تعالى من غير تدبر بمعناه الذي يعرفه كل مؤمن منصف ومسلم له أقل معرفة بدينه وهدى ربه الكريم الوكيل ، و الذي دل على كيفية طالبه ودعاءه بحق وعلى هدى وبصير بكيفية الدعاء والاستجابة ، وأنجز له معرفته بأقل توجه فقال الله له :

 فقل تعالوا ندعو وأبناءنا وأبناءكم : فجاء بأمر الله بالحسن والحسين ولدا علي وهو جدهم فجعلهم الله ولده ليدل على قربهم منهم وكرامتهم لديه ، ونساءنا ونسائكم فيأتي النبي الكريم بأمر الله بفاطمة بنته وحدها وهي زوجة علي ولم يأتي بإحدى من زوجاته التسعة ، وقال بأنفسنا وأنفسكم فجاء بعلي وجعله كنفسه بأمر الله ، ويقول لهم أنا أدعو وأنتم أمنوا عند المباهلة والدعاء لله بأن يؤيدنا ونحن الصادقون ويلعن من عاندنا وهم الكاذبون .

وهو رسول الله وبل خاتم رسله وأعظمهم منزلة عنده : وهو في ملحمة مصيرية فيها صدق دعوته وإقامة الحجة على النصارى ، بل بعد المباهلة الحجة على كل البشر إذا أنتصر بالمباهلة ، فكان يكتفي الله إما بتدميرهم من غير دعاء أو بدعاء النبي وحده ولم يأمره بهذا التجمع المبارك له ولآله معه ، وكل المسلمين يشاهدون المنظر الكريم وكذا النصارى ينظرون مبهوتين لا يعرفون ما ذا يفعلون يباهلون أو ينصرفون لحكم النبي وما يأمرهم به من الجزية ، وهم بهذا التجمع النبي وآل النبي إن دعا فهم يؤمنوا فيصدقهم الله ويستجيب دعائهم ويكذب غيرهم ، وهذا جاري على طول الزمان لكل معاند لهم بأنه كاذب ليس عنده من دين الله شيء .

 وهذا دليل قوي على أن لهم شأن عظيم عند الله : ويريد أن يبينه ويجعله منقبة كريمة ، يتعلم بها المؤمنون أن يسألوا النبي وآله ويوكلوهم بالدعاء عنهم ، بل والحضور عندهم وزيارتهم وسؤالهم أن يدعوا الله لهم ، لأن الله قد جعل لهم هذا الشأن المبارك ، والله مصدقهم إذا دعوا بدعاء ويستجيب لهم ويقضي حاجتهم ، والله فتح هذا الباب الشريف والتعليم العالي المنيف للمؤمنين وعلمهم كيف يدعوه وبأي سيبل كريم شريف يطلبوا كرمه وجوده وتشريفه والعز والكرامة منه ، بل والهدى والدين الذي أنزله وحافظ عليه بأكرم واشرف واعز خلقه وأرفعهم مقام لديه ، فسبحانه من هادي ووكيل يُعرف لنا الحق والصلاح في الهدى وسبيله وصراطه المستقيم وطريقه الذي يوصل لأحسن غاية وأتم هدف في رضاه وكرامته ونعيمه الدائم بأحسن سبيل .

 ولذا كان المؤمنون على طول التأريخ : يقصدون نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم ، ويسألون الله بحقهم وبشرفهم العظيم الذي كرمهم به ، ويطلبون منه بلسان الحال المؤمن بما أمر من هدى دينه وسبيله ، ويسألوه بلسان المقال الصادق المطهر المتعلم من الصادقين المطهرين أن يستجيب لهم ويقضي حوائجهم ، كما ويسألوهم وهم الكرام المشرفون عند رب العلمين ولهم الجاه العظيم عنده ويوكلونهم أن يدعوه سبحانه لهم ويقضي حاجتهم ، وينزل عليهم كل خير وكرامة منه أنزلها لعباده المكرمين ، وشرفهم بالمنزلة العظيمة عنده ، ويهديهم لما يصلح حالهم عنده ، ويقبلهم عباد مخلصين في عبوديته وطاعته .

 لهذا التأديب الرباني ، وهو من تعليم الكريم الله الوفي الوكيل ، بأنه الكرام إذا دعوا الكريم الذي كرمهم وشرفهم وسألوه بلسانهم وبطلبهم أو بشأنهم ، فهو يقضي حاجتهم ويعطيهم من الكمال ما يحبون ، ولهذا كان تمام الدعاء وتكميل الطلب وحسنه وجماله بتوكيل الأشراف الذين هم أكرم خلقه عنده ليسألوا لنا ويطلبوا منه أن يكرمنا ويشرفنا .

ولهذا كان المؤمنون : يوكلوهم بالدعاء والسؤال أو يسألوهم سبحانه مباشرة بشأنهم وكرامتهم لديه ، وهو الكريم الذي لا يرد دعاء الكرام الذين شرفهم وبين فضلهم وعلمنا سبيلهم ، وهم الكرام الذين لا يردون مؤمن يحب الله ويطلب منهم أن يدعوا لله أن يكرمه ، وبهذا التأديب الرباني بين الله تعالى لنا تكريمهم وشرفهم ، وهذا دين الله ومعارفه في كيفية الوصول له بأتم سبيل واشرف صراط مستقيم وأطهر لسان يدعى به في الوجود وأخلص قلب متوجه له وروح معلقة بعز قدسه .

ولهذا كان حالنا مع نبينا وآله وفق تأديبهم : والذي أدبهم الله تعالى به ، وعلمنا من سبيله أن نصل له بكل كرامة وبما يحب من السبيل والهدى القويم والدين المرضي ، ومن أهل ولايته وكرامته الذين اصطفاهم لدينه ولنا ،  فنصل لكل ما يقربنا له من سبيلهم ونعرفهم بما مكنهم أن يعرفونا من شأنه العظيم وكرمه الواسع وتشريفه الكبير لمن يحبهم ويرضى دينهم ويكرمهم .

وهذا التوكيل للمؤمن : وبالخصوص لأئمة الدين أن يدعوا الله لنا ، وهو من التوكل على الله بالحقيقة لأنه عرف بأي صورة يتكل عليه سبحانه ، ويطلب منه نعيمه وهداه وما فيه صلاحه ، وبكل سبيل طيب طاهر يصل لفيض نور لله بحق وصدق ، وليحصل على نعيم الله وخيره وبركاته الدائمة ، بل والمؤقتة في الدنيا التي يجعلها في تحصيل رضا الله وعبوديته والإخلاص له وحده لا شريك له .

وحقاً معرفة هدى الله الحق : وكيف يتوكل عليه التوكل الصادق في الدعاء بالطلب منه مباشرة ومن المؤمنين بل من أئمتهم ونبيهم الصادق الأمين المكرم وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم ، هو من أجمل المعارف في الوجود وبها حسنه وكمال العيش في هذه الدنيا ، والله لولا هدى الله الذي جعله عند الطيبين الصادقين لما اهتدينا ولا عرفنا كيف نتكل عليه ونفوض الأمر له كما يريد ويحب سبحانه ، وحقا ما قالوا :

أول الدين : معرفة الجبار : الذي يجبر كل نقص ويصلحه بأحسن كمال .

 وأخره : تفويض الأمر إليه ، بل هو بنفس معرفته بالهدى الصادق الحق فيتم التوكل عليه ، لأنه بنفس المعرفة يعرف المؤمن المجتهد في معرفة دينه وهدى الله الحق ، إنه يجب أن لا يتجه الإنسان إلا لله ولا يتوكل إلا عليه ، ويطلب كل هدى يوصله إليه بحق وصدق بما أمر وعلم ، فيتوكل عليه بكل أموره ويقدم أحبة الله والمكرمين عند سؤال الله ليقضي حوائجه في كل شيء ، وبالخصوص في الأمور المهمة ، ويقر لهم بالطاعة المفروضة من الله ، ولله بالعبودية بما أحب ورضا من الدعاء وكيفيته .

 فيا الله يا وكيل يا حق : أتوكل عليك وأفوض إليك أمري ولا تكلني إلى غيرك طرفة عين ، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين ، يا إلهي ما توسلت بأحب الخلق إليك إلا لأجعل كمال توكلي عليك وبلسانهم الطيب الطاهر الذي رضيت بكل كلمة تصدر منه ، فأطلب منهم وأوكلهم أن يسألوك بحقك عليهم إني صادق في توكلي عليك وتفويض أمري إليك وحدك لا شريك له ومنك كل عز وكرامة ومجد ينزل في الوجود لكل من حببته وأعززته ، فيا سادتي اسألوا الله لي أن يقبل توكلي عليه ويقبل تفويض أمري له ، ويهديني لما يحب ويرضى ويجعلني من المخلصين له في طاعته وعبوديته ويقضي حوائجي للدنيا والآخرة ، ويا إلهي بحقهم عليك الذي شرفتهم به وكرمتهم أن تقبل وكالتي إليك وأقبل كفالتك لي يا كافي يا وكيل ، وفقني لما تحب وترضى يا الله يا وكيل ويا خير وكيل وكفيل ، ولا كفيل ولا وكيل إلا بإذنك يا الله الوارث لكل شيء في الوجود وأنت البر التواب الباعث الجليل .

 

ــ

الحمد لله وله المنة : وهو الموفق للصواب ، وله الشكر على ما أنعم وهدى ، قد تم الفراغ من مراجعة الجزء الأول من شرح الأسماء الحسنى ، وتم أعداده على صفحات الويب ،
 ليلة القدر 23 شهر رمضان سنة 1426 هجرية .
ورفعه للإنترنيت يوم العيد  1  شهر شوال سنة 1426 هجري.
وأسأل الله بحق كل أسماءه الحسنى : وبحق من تجلى عليهم وظهر بهم بأكمل نور ، أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم ، والتوفيق لما يحب أبدا والرضا عنا ، وعن كل من ساعدنا ولم ينغص علينا ظروف عيشنا ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 

 

 

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة شرح الأسماء الحسنى رزقنا الله نورها