بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين

صحيفة
الأصل الأول للدين
الإيمان بالله وتوحيده


تمهيد : الله تعالى يدعوا لمعرفته وعبوديته :
اشرف البحوث في الوجود هو البحث في التوحيد الإلهي ، لأنه يبحث عن اشرف موجود في الوجود بل خالق الوجود سبحانه وتعالى ، وما يقام من الأدلة على وجوده سبحانه للتذكر والتفكر والتدبر والإطمئنان ، وإلا فإن كل شيء يدل على وجوده تعالى وتوحيده وأن له سبحانه كل كمال وجمال ، و أرى المُنكر لو ترجع لقرار ذاته وفطرته تراه إما أن يكون هارب من المسؤولية الدينية ومغتر بزينة الحياة الدنيا أو من الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسم .
والله سبحانه هو موجد الوجود وخالقه في أحسن صورة ممكنة وذلك لأنه سبحانه جعل آثاره تدل عليه وتدعوا الإنسان لتوحيد الله تعالى وإقامة العبودية له .
ولتوضيح هذا المطلب نقول :
أنه لا يوجد مذهب دنيوي ولا كتاب سماوي يدعو إلى التفكر في الموجودات الكونية وآثارها مثل القرآن الكريم ، فإن كثير من آياته تدعوا وتحث الإنسان على التفكر والتدبر و التعقل في الكون لمعرفة أنه محتاج لخالق ومدبر ورب وهادي له يجب أن يكون خالق غير مخلوق وغني في وجوده غير محتاج ، ولولا التطويل لذكرت كثير من الآيات في هذا الموضع ولكن نكتفي بقوله تعالى :
(( وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )) البقرة 164 .

وبما ذكرنا يكفي للمنصف دليل وبرهان قاطع على وجوده تعالى ووجوب توحيده في جميع مراتب التوحيد التي ذكرناها في بحث مراتب التوحيد سواء في ذاته المقدسة أو في صفاته أو في أفعاله أو في العبودية أو في الخالقيّة والربوبية والمالكية والرازقية أو في الولاية والتقنين والتشريع والهداية ، وعليه يجب على الإنسان الذي هو عصارة الوجود أن يقيم العبودية لله وحده ولا يشرك به أحد .
وكما يجب أن لا يطيع أحد إلا أن يكون له إذن من الله في بيان الأحكام ، كنبي أو وصي نبي أو معين من قبلهم ، حتى لا يضل الإنسان عن السراط المستقيم الذي لم يأمر الله به ، بل يتبع سراط الذين انعم الله تعالى عليهم من النبيين وأوصيائهم وبالخصوص نبينا محمد وآله صلاة الله عليهم أجمعين.

وفي هذه الصحيفة المختصر ة نذكر بعض البحوث المتعلقة ببحث التوحيد وأدلته وشيء يسير من الشرح والاستشهاد فنقول :
إن المهم في التوحيد بحوث عدة :
أولها : الأدلة عـلى وجـوده تـعالى وتوحيده .
ثانيها : الأدلة عـلى توحيـد الله تـعالى :
ثالثها : معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا لله تعالى والأدلة عليها :
أنواع الأسماء الحسن والصفات العليا هي :
أولاً : أسماء الذات المقدسة :
ثانياً أسماء صفات الذات المقدسة :
ثالثاً : أسماء أفعال الذات المقدسة :
ذكر بعض الآيات الذاكرة للأسماء الحسنى :
حديث لله تسعة وتسعين اسماً من أحصها دخل الجنة :

رابعها : فـعـل الله فـي الـوجـود ومـراتبـه وغـايـاتـه :
الأول : الله يتجلى في الوجود لشدة كماله :
الثاني : مراتب الوجود التي هي فعل الله :
عالم الدنيا : عالم الملكوت : عالم الجبروت :
الثالث : احتياج المخلوقات الكونية لله تعالى في كل حين :

خامسها : غـأيـة خـلـق الـوجـود وغـرضـه :



إلى الأعلى






أولها : الأدلة على وجوده تعالى وتوحيده .
في الحقيقة إن التدبر في كل شيء في الوجود سواء في الآفاق أو في الأنفس يدل على وجوده تعالى ويدل على أنه واحد لا شريك له .
قال تعالى
((سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ )) فصلت 53.
هذا وكل إنسان يعلم أنه لم يخلق نفسه ولا أن أبويه خلقاه لأنهما مخلوقان مثله ولا أن الطبيعة الغير شاعرة خلقته إنسان مفكر ؛ فإذاً لابد لكل إنسان أو موجود غيره خالق غير مخلوق وموجد غير موجود هو الذي خلقه ويدبره ويمده ليصل لغايته .
وفي هذا المعنى ذكروا في علم الكلام والفلسفة أن الموجودات جميعها ممكنة الوجود مخلوقة وحادثة فتحتاج لموجد لها خالق غير مخلوق وقديم في وجوده غير حادث ولو كان مثلها لتسلسل الكلام أو يدور ، فلابد أن يكون خالق الكل ليس مثل الكل بل يجب أن يكون واجب والجود مستقل في نفسه و كماله غير محتاج لا في وجوده ولا في كمالات وجوده ، وقديم غير حادث .
والله سبحانه كما عرفت في الآية السابقة اختصر الدليل كله بآية واحد هو أن التفكر في الوجود يدعوك للإيمان بخالقه ومدبره تعالى ومثل تلك الآية قوله تعالى
((أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ )) الطور35 . ولكون كل شي يدل على وجود الله تعالى فإنه سبحانه في كتابه العزيز يشير إلى أن معرفته بديهية وموجودة في فطرة كل إنسان حتى انه تعالى قال مستنكراً لمن ينكر أو يشك في وجوده تعالى حيث قال سبحانه ((أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )) إبراهيم 10 .



إلى الأعلى




ثانيها : الأدلة على توحيد الله تعالى :
ولما عرفنا أن خالق الوجود هو الله تعالى نعرف بنفس التدبر في الوجود وبما فيه من إتقان الخلق وحسن صنع ودقة النظام الكوني فيه ككل أو في كل جزء وذرة من موجوداته يدل على أن مدبره ومبدئه وهاديه ومعيده واحد لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله تعالى ولهذا المعنى أشار سبحانه وتعالى حيث قال
((لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ )) الأنبياء 22 . وقال سبحانه وتعالى
((مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )) المؤمنون91ـ92.
وقال تعالى حاكي عن يوسف قوله

(( يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)) يوسف39ـ40 .
وقال سبحانه وتعالى في سورة الإخلاص ( التوحيد ) :
(( بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ )) .



إلى الأعلى




ثالثها : معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا لله تعالى والأدلة عليها :
بعد أن آمنا بالله تعالى ووحدناه بجميع أنواع التوحيد ومراتبه واعتقدنا أنه وحده لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في تدبيره وهدايته ولا في عبادته وولايته وحاكميته .
يجب علينا بعد ذلك أن نعرف الله تعالى من خلال معرف بعض الحقائق التي تبين حسب الفهم الإنسان شيء من علوه وكبريائه وعظمته تعالى بقدر المستطاع ، و هي التي يتمثل وجودها في كمالاته الظاهرة والمتجلية من جماله وجلاله سبحانه ، والتي تعبر عنها الأسماء الحسنى والصفات العليا الذاتية ، وذلك لكي ندعوه بها ونتوسل بها إليه وعن طريق العلم بها نعبد الله تعالى وبها نخاطبه وبها نشكره ونسبحه ونقدسه .
ولكي نعرف ما نقول من أسماء الله التي ارتضاها لنفسه والتي أمر الناس لكي يدعوه بها يجب حفظ قسم منها ولا أقل من الموجودة في سورة الفاتحة والتوحيد ( الإخلاص ) وأول سورة الحديد وآخر الحشر كما يجب أيضا تعلم معانيها ودلالاتها وبعض خواصها
( وما ذكرنا من الوجوب هو لكمال المعرفة بقدر المستطاع والحال ، وإلا يكفي ما يؤدى به الواجب من الصلاة والدعاء . وأن من حُرم معرفة الأسماء الإلهية فقد حُرم من اشرف معرفة وغاب عنه أعلى علم ونسي افضل كلام في الوجود ،كيف لا ولا شيء أجمل من أسماء الله تعالى في عالم الحقيقة والمعنى ولا أحلى منها في حالات التذوق والعرفان للألفاظ والنطق ولا أطرى وألطف للنفس من معرفتها وتعلمها ولا اطمئنان للروح بدون ذكرها ) .
ويا حبيبي المؤمن لما كان لا يسعنا في هذا المختصر شرحها وذكرها جميعها ونوكل ذلك لكتاب صحيفة الأسماء الحسنى إنشاء الله في المستقبل ، نذكر هنا ما يجب الإيمان به من اتصاف الذات المقدسة بها مع ذكر بعضها من غير شرح فنقول :
يجب الإيمان بأن صفات الله تعالى هي عين ذاته المقدسة من غير تكثر في المصداق وإن تكثر مفهومها ومعناها ، واكرر أن أسماء الله وصفاته عين ذاته المقدسة غير زائدة عليه في الوجود وعين بعضها البعض أيضاً في المصداق الوجودي على نحو البساطة من غير تركيب وزيادة على الذات المقدسة ، ولكن مع ذلك الأسماء الحسنى كثيرة بحسب المفهوم والمعنى حيث نفهم من معنى الرحمن غير ما نفهم من معنى المنتقم وغير ما نفهمه من معنى الرب وهكذا نفهم من كل اسم معنى غير ما نفهمه من الاسم الأخر .
فتحصل أن وجود واحد بسيط غير مركب من أجزاء ولا يناله التحليل للذات المقدسة يحوي وفيه جميع المعاني للأسماء الحسنى والصفات العليا للذاتية المقدسة والمختلفة في المفهوم من غير تكثر في الوجود ، وسيأتي كيفية اتصاف الذات المقدسة بصفات الأفعال فلاحظ الملاحظة فيما سيأتي .
وكل من يقول بأن الذات متكثرة بحسب الأسماء والصفات وإن اسماء الله وصفاته زائدة على الذات ، فإنه يقول بتعدد الآلة ويشرك بالله ويقول بتكثر وتركب وجود الرب سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا سواء كان من حيث يدري أو لا يدري ، وكذلك من ينفي الصفات والأسماء الحسنى عن الذات المقدسة ينفي عنها جميع أنواع الكمال والجمال الذي لا يرضى العاقل أن يسلب عن اقل المخلوقات .

فالنفي للصفات عن الذات المقدسة يجب أن يكون هو نفي الصفات الزائدة عن الذات والإثبات هو إثبات صفات وأسماء حسنى للذات المقدسة في عين وجودها للذات الإلهية المقدسة من غير تكثر فيها في المصداق والوجود وإن تكثر وأختلف المعنى منها بحسب الفهم والتعبير عن جمالها وجلالها .
هذا فيما يجب الاعتقاد به في حقيقة اتصاف الذات المقدسة به من الأسماء الحسنى والصفات العليا الذاتية من حيث هي عين ذاته تعالى وعين بعضها البعض ، بمعنى أن تعالى له من وجود العظمة والكبرياء بنفس وجوده وببساطته من غير تركيب وتجزئة وتحليل تكون له هذه الصفات والأسماء ، ولا تكون زائدة على ذاته ولا منفصلة عنه بل وجوده الشامخ له هذه الصفات والأسماء وإن تكثرت في المفهوم والمعنى ..كما سيأتي الكلام في صفات الأفعال الإلهية ومعنى زيادتها فترقب .
وأما ما ذكرنا من الأسماء الحسنى والصفات العليا وتقسيمها بحسب اللغة والفهم من معنى أسماء ذات وأسماء صفات وصفات أفعال ، وما هو ملاك التقسيم والأقوال فيه فهو موكول للمطولات ، ونكتفي بما هو المهم من ذكرها دون شرح لأن الإيمان بها هو المهم ومعرفتها ومعرفة معناها وذكرها بالقلب قبل السان وترديدها في الجوانح قبل الجوارح ولسهولة الحفظ نقول :

أنواع الأسماء الحسن والصفات العليا هي :

أولاً : أسماء الذات المقدسة :
وهي التي يكفي لمعرفتها بمجرد معرفة الله تعالى من دون تفكير زائد وتعرف بمعرفة عظمة الذات المقدسة وكبريائها مباشرة وفي الوهلة الأولى للعارف بمعنى الكمال اللائق بواجب الوجود وهي مثل :
الموجود ، الحي ، القادر ، العالم ، الواحد ، الأحد ، الفرد ، الصمد ، القديم ، الثابت ، السرمد ، الأبد ، الباقي ، الغني ، الجليل ، المجيد ، المبين ، العلي ، العظيم ، الكبير ، المتعال ، السبحان ، القدوس ، السلام ، السيد ، العدل ، النور ، ما شابهها .


ثانياً أسماء صفات الذات المقدسة :
وهي التي تتصف بها الذات المقدسة بعد معرفة كمالاتها وبعد قليل من التدبر في ما لها من القدرة والعلم والجمال والجلال والعظمة والكبرياء والجبروت وهي مثل :
الحكيم ، القدير ، الجبار ، المتكبر ، الرحمن ، الرحيم ، القيوم ، المؤمن ، المهيمن ، الرب ، المالك ،الرؤوف ، البر ، الخبير ، العليم ، السميع ، البصير ، الحليم ، الصبور ، الشهيد ، الغفار ، السلام ، وأمثالها .
ملاحظة : الأسماء والصفات الذاتية واحدة في المصداق متكثرة في المفهوم ، وأسماء الأفعال للذات المقدسة متكثرة في المصداق بحسب الموجودات وأضافة الفعل الإلهي لها كما هي متكثرة في المفهوم ، فضع يا أخي في الإيمان ويا رفيق الطرق المستقيم هذا في بالك وأقرأ صفات الأفعال .


ثالثاً : أسماء أفعال الذات المقدسة :
ولما عرفت أن للذات المقدسة أسماء حسنى وصفات عليا ذاتية ، حان الوقت والحال لتعرف أن هذه الأسماء والصفات للذات المقدسة أنها تتجلى وتظهر في الوجود والخلق ويضاف لها الموجودات الكونية حسب نوع الإضافة من : خلق فيكون الله تعالى خالق ، أو نعمة فنقول هو منعم ، وهكذا .
والآن عرفنا أن الصفات الفعلية منتزعة من مقام فعله وبعد إيجاده الخلق وهدايته ، و هذه الأسماء الصفاتية الفعلية تنتزع من مقام نسبته تعالى إلى خلقه ، وليس مثل سابقتها ذاتية يكون وصف الذات بها حتى لو لم يكن خلق ، فصفات الأفعال بعد الخلق توصف الذات المقدسة بها وبعد ملاحظة النسبة في نوع إضافة المخلوق الكائن لله تعالى ، لا مثل الأسماء والصفات الذاتية التي يكفي اتصاف الذات بها دون أضافة ولا ملاحظة للخلق معها .
وبعد أن عرفنا أن صفات الذات يكفي وصف الذات المقدسة بها من غير ملاحظة الخلق وقلنا أنها عين الذات المقدسة ولا تخلو منها بحال من الأحوال ، تعرف أن صفات الأفعال الإلهية هي بعد الخلق وقبل الخلق الكوني لا توصف بها الذات فلا يقال خالق قبل خلق الخلق ولا يقال هادي قبل أن يوجد خلق ويهديه ولا يقال قابل التوب قبل أن يوجد من يتوب عليه ، تعرف أن صفات الأفعال صفات غير ذاتية بل فعليه تضاف من ملاحظة نوع الفعل الإلهي ،
فيمكن أن يقال أن صفات الأفعال زائدة على الذات وهي صفات إضافية غير ذاتية فتدبر ولاحظ هذه المعرفة التي هي غاية معرفة أرباب القلوب ونهاية مطاف العقول المؤمنة .
وأسماء صفات الأفعال الإلهية هي مثل :
الخالق ، الرازق ، المنعم ، الصانع ، الذارئ ، الفاطر ، المصور ، الفالق ، الباسط ، القابض ، البارئ ، المصور ، الهادي ، المميت ، المحيي ، الحاشر ، الناشر ، الخافظ ، الرافع ، الضار ، النافع ، الستار، الهادي ، التواب ، منشئ السحاب ، الرؤوف ، العطوف ، الصاحب ، الرفيق ، البديع ، البارئ ، الأكرم الحفيظ ، الحسيب ، الحفي ، الرقيب ، الشهيد ، العفو ، الغفور ، الغفار ، الغياث ، الفتاح ، القريب قاضي الحاجات ، المولى ، المنان ، المبيّن ، المقيت ، كاشف - الضر ، الوهاب ، الناصر ، الودود ، الوفي ، الوكيل ، الوارث ، البر ، الباعث ، الجواد ، خير الناصرين . الديان ، الشكور ، اللطيف . الشافي ، المعافي .

وغيرها من الصفات الإضافية . التي لم تنتزع من الذات وحدها بل من إضافته سبحانه لأطوار أفعاله وفيضه وتجليه وربوبيته وهدايته ومالكيته وقيوميته سبحانه وتعالى ، وإن بعض الأسماء الإلهية بحسب التوجه إليها ونوع من الملاحظة والإضافة للخلق وعدمها تكون بوجه أسماء أو صفات ذاتية أو أسماء صفات فعلية وذلك مثل الرحمن والرحيم ، والقادر والقدير ، والحليم ، والغفار ، والقاهر ، والجبار ، وغيرها ، وذلك حسب التفسير ، وما يذكر في هذا التقسيم غرضه التعليم والتفهيم وإلا كلها أسماء إلهية لا فرق فيها سواء كلها في أن المراد بها التوجه للذات المقدسة الجامعة لجميع الكمالات والأسماء ، وان المراد بها الذات المقدسة أو أطوار ظهورها وتجليها .

كما توجد تقسيمات أخر للأسماء الإلهية مثل التقسيم إلى جمالية مثل المختصة بالرحمة والجلالية المختصة بالقهر والنقمة ، أو الخبرية التي يجب حملها على معنى القدرة والقهر ، والأسماء السلبية التي تحمل على التنزيه والتقديس وسلب النقص عن الله تعالى والحاجة ، وقد أوكلنا بينها وبيان ما شابهها وشرحها لكتابنا المسمى بصحيفة الأسماء الحسنى في المستقبل إن شاء الله .

ذكر بعض الآيات الذاكرة للأسماء الحسنى :
فيا أخي في الإيمان بعد ما عرفنا شيء يسير عن معرفة الأسماء الحسنى سواء كانت أسماء صفات ذاتية أو أسماء صفات فعليه فلا فرق في الدعاء والتوسل بها إلى الله تعالى حسب الحال والمطلب
فالوله يقول يا الله يا أعلى يا عظيم يا واحد يا أحد يا قديم يا باقي ، والمريض يقول يا مشافي يا معافي يا حي ، والمذنب يقول يا غفار يا تواب يا ستار ، والمظلوم يقول يا حق يا منتقم ، والمنعم عليه يقول يا حميد يا شكور ، والمتعجب يقول يا سبحان يا قدوس وهكذا بها حسب حالنا ندعو الله بها ونشكره ونذكره ، فإنها كلها تؤدي إلى المطلوب وتوصل للغرض المرغوب من ذكر الله تعالى والتودد إليه وذكر اسمه المحبوب لتطمئن بذكره تعالى القلوب ، ولهذا قال تعالى :
(( قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى )) الإسراء 110
((اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى )) طه 8 .
وكما أراد الله تعالى ذكره وشكره قد توسعنا مع البناء على الاختصار في ذكر الأسماء الإلهية بعض الشيء ، ولأنها أحب شيء في الوجود بالنسبة للإنسان المؤمن ولذا قال تعالى :
(( الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )) الرعد 28 .
(( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ )) 152 .
ولهذا نذكر هنا بعض الأسماء الله التي ذكرت في بعض الآيات القرآنية ثم نتبعها بحديث من أحصى تسعة وتسعين اسماً لله دخل الجنة ، فنقول :
من سورة الفاتحة :
(( بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ ، .. . رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ ، مَـالِكِ يَوْمِ الدِّينِ )).
سورة الإخلاص ( التوحيد ) :
(( بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ )) .
ومن سورة الحديد قوله تعالى :
(( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )) الحديد3.
ومن سورة الحشر قوله تعالى :
(( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) الحشر 22-24 .


حديث لله تسعة وتسعين اسماً من أحصها دخل الجنة :
يا طيب القلب ويا مؤمن ويا حبيب الرب اعلم أنه قد تواتر عن العامة والخاصة أن لله تعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، والمراد من هذا الحديث هو ليس فقط لقلقة لسان دون اعتقاد وعمل بها ، ولا انه من دون الاتصاف بها بقدر الوسع والطاقة والعمل بمرادها ومعناها ، وإلا لو كان يكفي فقط لقلقة السان والذكر فقط لكفى المنافقين تلفظ الشهادتين دون إيمان بها ، ولكفى أيضاً لمن يقول أعبد ربك حتى يأتيك اليقين أنه موقن فلا يحتاج بعد لعبادة لله تعالى ، وعلى هذا القياس يمكن أن يقال الإحصاء هو نحسبها بالعدد تسعة وتسعين من غير ذكر ندخل الجنة وهذا وأمثاله تحريف للمعنى عن حقيقته ، بل لابد أن يتبع العلم والمعرفة العمل ذكر وفكر وأيمان قلبي وأتصاف فعلي حسب القدرة وإلا فلا وإلا فلا ، فتدبر.
وأما الحديث هو ما رواه الصدوق رحمه الله :
ذكر الصدوق في كتاب الخصال حدثنا أحمد بن الحسن القطان قال : حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان قال : حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب قال : حدثنا تميم بن بهلول ، عن أبيه ، عن أبي الحسن العبدي ، عن سليمان بن مهران ، عن الصادق جعفر بن محمد ، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله :
إن لله عز وجل تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدة - من أحصاها دخل الجنة وهي :
الله :
الإله . الواحد . الأحد . الصمد . الأول . الآخر . السميع . البصير . القدير . القاهر . العلي . الأعلى . الباقي . البديع . البارئ . الأكرم . الظاهر . الباطن . الحي . الحكيم . العليم . الحليم . الحفيظ . الحق . الحسيب . الحميد . الحفي . الرب . الرحمن . الرحيم . الذارئ الرزاق . الرقيب . الرؤوف . السلام . المؤمن . المهيمن . العزيز . الجبار . المتكبر . السيد . السبوح . الشهيد . الصادق . الصانع . الطاهر . العدل . العفو . الغفور . الغني . الغياث . الفاطر . الفرد . الفتاح . الفالق . القديم . الملك . القدوس . القوي . القريب . القيوم . القابض . الباسط . قاضي الحاجات . المجيد . المولى . المنان . المحيط . المبين . المقيت. المصور . الكريم . الكبير . الكافي . كاشف - الضر . الوتر . النور . الوهاب . الناصر . الواسع . الودود . الهادي . الوفي . الوكيل . الوارث . البر . الباعث . التواب . الجليل . الجواد . الخبير . الخالق . خير الناصرين . الديان . الشكور . العظيم . اللطيف . الشافي .
وقال قد أخرجت تفسير هذه الأسماء في كتاب التوحيد وقد رويت هذا الخبر من طرق مختلفة وألفاظ مختلفة ..الذارئ : الخالق من ذرأ الله الخلق آي خلقهم . وفى نسخة " الرازق " .
الخصال ابواب الثمانين فما فوقه ص 593_ 594 حديث 4.





إلى الأعلى






رابعها : فعل الله في الوجود ومراتبه وغاياته :

فيا أخي المؤمن ويا حبيب الله ورسوله وآله الطيبين الطاهرين وكل المؤمنين بعد ما متعنا أرواحنا وصفت نفوسنا في
حقيقة معنى الإيمان بالله تعالى وتوحيده ، وعرفنا شيء عن أسمائه الحسنى لله تعالى ؛ تعال معي لمعرفة مراتب فعل الله عز وجل في الوجود وكيفية تجلت الأسماء الحسنى في الوجود وما هي الغاية من الوجود الإمكاني على نحو الإجمال والاختصار ؛ فنتدبره معاً للعل الله ينفعنا به في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم .

ونبينه وفق أمور :


الأول : الله يتجلى في الوجود لشدة كماله :
في الحقيقة وجود عظيم و كبير وله مثل ما عرفت من الأسماء الحسنى والصفات العليا وله كل كمال وجمال وجلال غير متناهي وغير محدود في وجوده وعلمه وقدرته ؛ لابد أن يكون فياض في ذاته متجلي في وجوده من غير جبر وقسر وإكراه من أحد .
وذلك لأنه لا غيره في الوجود حتى يمكنه فعل مثل فعل الله فضلاً من أن يؤثر فيه ويفيده وجود أو كمال أو صفه أو يجبره على فعل من أفعاله ، كما أن لا موجود في الوجود يمكنه أن يخرج عن قدرت الله تعالى ويفعل بالاستقلال من غير إذنه ، بل كل موجود فعال بالإرادة أو غير فعال بالإرادة و بطبعه يستمد القدرة على فعله منه تعالى .
وعلى هذا لا يوجد فاعل في الوجود مستقل في فعله إلا الله تعالى وحده ولشدة كماله وعظمة وجوده الغير متناهي يكون فعالى مفيض متجلي ظاهر بجميع صفاته الذاتية والفعلية ، ولذا قال تعالى الله نور السماوات والأرض فهو كما هو نور وجودي في نفسه بنفسه مظهر لغيره ، وكل موجود يستمد العون والمدد والفيض والتجلي منه تعالى ، بل لا يفعل موجود إلا بإذنه تعالى وبالقدرة المستمدة منه .


الثاني : مراتب الوجود التي هي فعل الله :
هذا ، والبحث في مراتب الوجود وإنها كم مرتبة وكيف يرتبط به تعالى ، فهو بحث فلسفي يبحث في المطولات ، ولكن يجب الإيمان بالغيب وأن ويوجد بالإضافة لعالمنا توجد عوالم أخرى واهم ما مذكور منها هي :
عالم الدنيا : وهو عالم الشهادة والناسوت والذي هو هذا عالمنا المادي ، وفيه تعد السماوات والأرض وجميع المنظومات الشمسية والمجرات المكتشف منها والتي لم تكتشف بعد ، وعالمنا المادي عالم الدنيا هو أسفل العوالم في سلسة مراتب الوجود ولذا سمي عالم الدنيا ومع سعته التي تعد بملايين السنين الضوئية أصغرها ، كما سمي عالم الشهادة لأنه مشهود بالنسبة لنا ، وعالم الغيب العوالم التي هي أعلى منه والتي تقع في سلسلة علل عالمنا الطولية .
ولما ذكرنا قالوا عالمنا بمجراته عالم الشهادة والعوالم التي هي أعلى من تسمى بجملتها عالم الغيب الذي عوالمه غير مشهودة لأنظارنا ، و توجد في علم الغيب عوالم بعضها أعلى من بعض والعالي منها علة لما بعدها في ترتيب الخلقة والوجود ، وأعلى من عالمنا في علو المرتبة.
عالم الملكوت : هو أعلى من عالمنا في رتب الوجود وهو المسمى بعالم الملكوت والأنفس والأرواح ، وهو عالم مجرد عن المادة أي ليس عالم مادي وإن كان له هيأة المادة وشكلها ، وهو الذي فيه البرزخ و الجنة والأرواح المتوفاة والملائكة في الجانب العلوي منها ، كما ويوجد عالم سفلي لعالم الملكوت و فيه النار و أرواح الكفار والمنافقين والشياطين ، وهو العالم المتوسط في مرتبة الوجود الامكاني وهو عالم القدر والتقدير ، وأعلا منه .
عالم الجبروت : وهو أعلى من عالم الملكوت وعلته في مرتبة الخلقة والوجود ويسمى أيضاً عالم والنور وعالم عرش الرحمن والعقول المجردة عن المادة وهيئتها وهو عالم القضاء الإلهي ويسكنه الملائكة المقربون .
وفوقه عالم الجبروت علته أي عالم الواحدية والمقصود به عالم أول ظهور للأسماء الحسنى وفوقه عالم الأحدية وهو ظهور عالم الاسم الأعظم وهذين من مختصات وجود الأسماء الحسنى والصفات العليا .
وهذا التقسيم للعوالم مع سعتها لا على نحو الانعزال بينها ، والعالم العلوي محيط بالعالم السفلي وهو قاهر له وعلته وبتوسطه ينال فيض الله تعالى من الأسماء الحسنى ، كما أن الله تعالى محيط بالجميع وقاهر لجميع العوالم وموجوداتها ، وليس عالم أقرب لله تعالى من عالم ولا أن عالم ابعد عنه من عالم آخر ، بل الكل تحت حيطة الله تعالى وعلمه وقدرته بالتساوي وأن كان جعل علل متوسطة في طريقة الخلق ، فالكل يستمد الحيل والقوة والقدرة والإستطاعة منه سواء بالواسطة أو بدونها حسب وجوده في سلسلة مراتب الوجود .


الثالث : احتياج المخلوقات الكونية لله تعالى في كل حين :
وجميع العوالم عليها وسافلها غير مستقلة بوجودها عنه سبحانه ، والله تعالى قيوم عليها وهو ممدها في وجودها في كل لحظة ومفيض عليها وجودها في كل آن ولو قطع فيضه ومدده عنها لفنيت وعدمت .
وعليه أنه تعالى لم يكن قد فرغ من الخلق وأوجد الوجود وأنعزل عنه مثل البناء للبناء يبقى الحائط والجدار بعد البناء وموت البناء ، بل سبحانه مثل الشمس للنور والنار للحرارة والكهرباء للمصباح ولكن من غير انعزال ، بل هو سبحانه محيط بالوجود وملكه له ملك حقيقي أقوى وأشد من ملكنا لأعيننا ومن سيطرتنا على أعضائنا وجوارحنا من أرجلنا وأيدينا ومن إرادتنا لأفعالنا ، وإذا انقطع فيضه وتجليه عن موجود يفنى وينعدم وإذا منع كرمه وفضله عن موجود ينقص من نوع جهة المنع .

وإما بحث الجبر والتفويض والاختيار والإكراه والتكليف والثواب والعقاب في فعل الموجودات والخير والشر في الوجود فهو يبحث في العدل الإلهي الأصل الثاني للدين .





إلى الأعلى






خامسها : غـايـة خـلق الـوجـود وغـرضـه :

يا أيها السالك للصراط المستقيم صراط الله المتمثل بصراط محمد وآله الطاهرين بعد أن عرفنا شيء عن أشرف وأعلى وأفضل علم في الوجود ألا وهو علم التوحيد الإلهي ، حان الآن حين العمل ، وإن العلم إذا لم يلحقه العمل ارتحل ، وذلك تعرف أن الله وجوده حق وخلقه للوجود حق ، فلابد أن يخطر على بالك هل من غاية وغرض للخلق ، وما هو المراد من المخلوقات ؟!
نعم إن الله سبحانه بوجوده الكامل والذي له كل كمال وجمال وعلم وقدرة في الوجود هو فياض للوجود ولشدة وقوة وجود صفاته العليا متجلي بنفسه من دون قهر من أحد ، وكذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى لا يستكمل بفعله ولا يستفيد من خلقه ولا يوجد مخلوق يمكن أن يضره أو ينفعه لا بعباده ولا بعمل .
ولكن هذا لا يعني أن لا غرض للخلقة ولا غاية للوجود ، كيف وهو سبحانه فعله عين الحكمة ووجوده هو الغاية المطلوبة من الموجودات وبه يهتدي ويستكمل كل شيء ؟!!
نعم أن الله تعالى ذكر عدة غايات للخلقة وأن لكل موجود بنفسه له غاية توصله لكمال اللائق به وبحسب استعداده يستقبل تجلي الله تعالى عليه ليستمر في وجوده ويسير لغرضه .
ولكي لا أطيل عليك يا محب الإيمان أعلمك أن الله خلق الوجود بالحق ولم يخلق شيء عبث ولا باطل ، وقد هيئ لك كل مستلزمات الحيات بجمع الإمكانات التي تحتاجها لكي تقيم له العبودية ، وتصل لكمالك اللائق بك ، وإن سعادتك الدنيوية والأخروية حسب طاعتك وهمتك واستعدادك للحصول على الاستفادة من تجلي أسماء الجمال الإلهي من الرحمة والنعمة والرزق واللطف والرأفة والتزكية والتطهير وأمثالها التي هي تجلي أسماء الرحمن والرحيم والمنعم والرازق واللطيف والرؤوف والزكي والمطهر وأمثاله فيك وتكمل وجودك وترقيه للوصول لصفاء الروح و اطمئنانها وللطافة النفس وكمالها هذا إذا كنت مطيع لله تعالى .

وأما إذا كنت عاصي ومتمرد على قبول الفيض الجمالي لله تعالى ، فسوف تدخل تحت حيطة أسماء الله الجلالية والقهرية من المنتقم وشديد العقاب فتكون من المغضوب عليهم والضالين ومنتقم منه وتكون في عذاب شديد لا يثق بشيء من الدنيا ولا بمستقبله في الآخرة ، وتتنزل في اسفل سافلين وتذهب بعدها لعالم الملكوت السفلي في نار جهنم خالد والعياذ بالله منها ، ولم تُظلم ولكن نفسك ظلمت لعدم الإيمان وللعصيان والطغيان على ما أمرك الله تعالى به .
وكفي لبيان ما ذكرنا أن الله خلق الوجود بالحق لا للباطل ولغاية يستقر عندها ؛ والله تعالى ذكر إن الإنسان سُخر له الوجود لكي يعبد الله تعالى ؛ و نذكر بعض الآيات لتطمئن نفسك بهذا المعنى :
قال تعالى
(( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ )) الأحقاف 3 .
وقال تعالى
(( اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )) الرعد 2 .
وقال تعالى
(( أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ )) لقمان 20 .
وقال تعالى
(( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ
إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ
فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ
))
الذاريات 55-60 .
ولتمام المطلب ولتعرف كيف تحصل على تعاليم الله الحقيقة ، ومن أين يجب أن تأخذ أحكامه من غير تحريف وباطمئنان حيث يمكن أن تجيب في يوم القيامة عندما يقال قفوهم أنهم مسؤولون ، وتقول إلهي إني أخذت أحكامك وتعاليمك من صراطك المستقيم الذي أمرتني باتباعه ، ومن الذين عندهم دينك الحقيقي هم محمد وآل محمد صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، و وفق الدليل المحكم والبرهان القاطع ؛ فراجع
كتابنا صحيفة الثقلين ليطمئن قلبك ويرتاح بالك بأنك اتبعت محمد وآله وأقمت العبودية الحقيقية التي أرادها لله تعالى منك بعد أن سخر لك الوجود لتصل لأعلى كمال ولسعادة الدنيا والآخرة من المرجع الحقيقي والمصدر الذي نصبه الله تعالى لهداية الناس ، فراجعه وتدبر .

وهذا هو المهم من بحث التوحيد والأصل الأول للدين وبقيت بحوث أخرى سنطرحها على بساط البحث في كتابنا صحيفة التوحيد إن وافقنا التوفيق الإلهي إن شاء الله في المستقبل .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


مع التحيات واحترام
أخوكم في الإيمان
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري



إلى الأعلى