هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

الباب الثاني
أدلة توحيد الله تعالى المُتقنة وبراهينه المُحكمة

الذكر السادس

أحاديث في المعارف الإلهية تنورنا وجوب الإيمان بالله وحده

يا طيب : إن براهين الأحاديث المروية عن النبي الكريم وآله الأطهار في المعارف الإلهية كثيرة ، وقد جعل الصدوق رحمه الله كتابا كاملا في التوحيد متعرض فيه لأهم مسائل التوحيد ، وإن كان لم يستوفي كل ما ذكر عن أهل البيت عليهم السلام ، كما إنه توجد في توحيد المفضل أحاديث شريفة في بيان التوحيد لولا التطويل ولا يسعها هذا المختصر لذكرناها ، وهي موجودة في كتاب بحار الأنوار ج3ص57ب4  ، ومنها باب الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر وهو يتجاوز المائة صفحة وقد طبع في كتاب وحده ، وفيه مطالب جليلة وفيها براهين عظيمة تدل على وجود الله وتوحيده وصفاته تعالى ، وهو من خلال التدبر في الخلقة والصنعة وبالخصوص حياة الإنسان ، وكذا الخبر المروى عن المفضل في التوحيد المشتهر بالاهليلجة ص152باب5 ، وغيرها الكثير .

وهنا يا طيب في هذا الذكر : نختار نور براهين بعض الأحاديث الجامعة الدالة على المعارف الإلهية التي تنفع في ترسيخ الإيمان بالله وتوحيده ، فضلاً عما فيها من المعارف الجميلة عن الخالق المدبر سبحانه ، وهي في طور آخر من البحث في معرفة الخالق عزّ وجلّ ، فمنها ما فيه التصريح بالبحث عن تدبير الخالق والإحساس به في داخل وجود الإنسان ، وأحاطته تعالى بكل شيء ، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد ، وله العلم والقدرة على أن يحيل بين الإنسان وهمته وإرادته وعزمه وقدرته .

وبعضها : في بيان حدوث الخلق وقدم الخالق، وتبين إن الله تعالى لإحاطته وعدم الحد له لا يحويه مكان ولا زمان ولا له علة وموجد ، لأنه تعالى هو الخالق لكل شيء ، سواء وجوده أو أعراضه من الزمان والمكان وكيفه ووضعه ، وهو تعالى أوجد المكان المشار له ب أين والزمان المشار له ب متى ، وكيف الكيف وجعل لها أوضاعها بكل الأحوال ، وهذه أمور عرضية ، والله تعالى خالق نفس وجود الأشياء ، وهو تعالى الذي جعلها وجعل لها حدودها وأوصافها وخصائصها وكل ما يُعرفها ويشير إليها فضلاً عن مكوناتها وأجزاءها .

ونتعلم من هذه الأحاديث الشريفة إن شاء الله : بأن الله تعالى هو خالق غير مخلوق ، ولا له أوصاف المخلوق ، فلا كيف ولا أين ولا وضع له تعالى ، لأنها أوصاف المخلوقات المحدودة لا الخالق المحيط بكل شيء ، وهو تعالى الذي جعلها في زمان ومكان وفي أحوال التقدم والتأخر ، وفي الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، وكلها من إشعاع نوره تعالى وفيض فعل الخالق ، وهو المبدع لكل شيء من غير سبق وجود له ، ومن غير مثال سبقها ، ولا بإعانة شيء كان قبلها ، ولا من مادة قبلها ، ولا وزير له ، ولا لأحد من خلقه يستشير ، ولا نظير له سبحانه وتعالى ، فليس كمثله شيء .

فبعد الذي عرفت يا طب : من والأدلة على وجوده تعالى من برهان الفطرة الباحثة عن الله الواحد الأحد ، والذي بيده كل كمال ، والواهب لكل خير ونعيم ، وبرهان ذكر الشدائد المثيرة لها ، ونور ذكر النظم في الكون والنفس والذي يدل على وحدة الخالق ، نتعرض لهذه الأحاديث النافية للاين وللمتى وللكيف له تعالى ، والمبينة لتدبيره وهداه سبحانه ، والشارحة لقدرته وإحاطته ، والدال على أن كل شيء في الوجود مخلوق له محتاج له في وجوده وبقاءه .

ثم تأتي يا أخي بعد هذا : أدلة أقوى من الأولى ومن هذا البحث وذلك ، من حيث إنها آثارها مشهودة وملموسة بالعيان ، وإن كان كل الأدلة السابقة كانت ملموسة ومشهودة بالعيان وبالضمير والعقل والوجدان ، لكن سيأتي دليل وجود الرسل وبرهان الكتب المقدسة الداعية لله تعالى ، والمبينة لتعاليمه ، والتي فيها بيان هداه تعالى .

 فتلك الأدلة : إن كان برهانها وبيانها من ناحية التدبر في الكون والنفس ، فالأدلة الآتية من ناحية التدبر في هدى الله ونعيم الكمال التشريعي الذي يعطي معنى للوجود ، وفيه هدى عصارة الوجود المخلوق وخلاصته ، وهو الإنسان وتبين له نور المسير في الحياة الدنيا على الصراط المستقيم ليصل لكماله الحقيقي ولنعيمه الأبدي بكل سعادة وفرح وسرور ، فأنتظر .

وبين يدك يا أخي أحاديث شريفة : فيها بعض الأدلة القوية البيان ، والمحكمة البنيان ، والدالة على معرفة الخالق وقدرته وإحاطته عز وجل ، كما تبين حدوث العالم فتدبرها ، وستأتي أحاديث أخرى لها شأن آخر من البيان عن الإمام علي عليه السلام ، فيها تعاليم عالية في المعارف الإلهية ، وإما المختارة في هذا البيان لبيان معرفة الله تعالى والإيمان به وحده ، و توجب الإخلاص له  فهي :

 

الإشراق الأول :

حديث عرفت الله بفسخ العزم ونقض الهم :

ذكر الصدوق في الخصال : عن هشام بن سالم ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سمعت أبي يحدث عن أبيه عليه السلام : إن رجلاً قام إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له : يا أمير المؤمنين بما عرفت ربك ؟

قال : بفسخ العزم ، ونقض الهم ، لما أن هممت فحال بيني وبين همي ، وعزمت فخالف القضاء عزمي ؛ فعلمت أن المدبر غيري .

 قال : فبماذا شكرت نعماه ؟ 

قال : نظرت إلى بلاء قد صرفه عني وأبلى به غيري ، فعلمت أنه قد أنعم عليَّ فشكرته .

قال : فبماذا أحببت لقاءه ؟

 قال : لما رأيته قد اختار لي دين ملائكته ورسله وأنبيائه ؛ علمت أن الذي أكرمني بهذا ليس ينساني ، فأحببت لقاءه [7].

 

يا أخي : إن كل من يتدبر في نفسه يرى إنه محكوم في كثير من الأحوال لقوة غيبية تسيطر عليه وتنقض بعض هممه بل كثير منه ، وتحل عزمه وتغير رأيه ، أو تذكره بأمور يرى الإنسان ليس له شأن مذكور في عملها ، أو لا يود عملها ، أو يود علمها فيصرفه عنه النسيان والغفلة والخطأ ، فتقلب حسابه ، وغيرها من العوارض والموانع التي يشعر معها إنه لا حول له معها ولا قوة ، أو إنها جاءته من مدبر غيره قد أعد لها المانع قبله ، ويشعر إنه لقوة غيبة قد عملت لمصلحته ، ويرى بعد حين إنه لم يكن مهم ما لم يعمله أو لو عمله لتندم ، والله من روائهم محيط ، ولعله تكرهون شيئا وهو خيرا لكم ، والله يحول بين المرء وقلبه ، وهكذا باقي الحديث في صرف البلاء والمحن .

وإنه يا طيب : لكلمة عظيمة في الفقرة الأخيرة من الحديث ، وهو بأنه تعالى أختار لنا دين ملائكته ورسله ، وبحق فيه كل خُلقا عظيما ، وآدابا كريمة ، وشيما حسنة ، ومروءة طيبة ، وبالإحسان ومع شكر للرب المنان ، والتقرب منه ومن أولياءه الطيبين الطاهرين والكون معهم في كل كرامة  ، فهدانا لكل ما يجعل الإنسان مؤمنا كاملا قد أمن العبث والهوس والهرج والظلم والعدوان والشر والفسق والفجور ، وكل ما ينزل الإنسان للحيوانية ويبعده عن الإنسانية ، فهو دين الحياة الكريمة وهدى الله القيم الموصل لحقيقة النعيم ، وهذا الحديث والآتي مبين لبعض القوى النفسية التي في الإنسان وهي غير مادية ، بل هي روحية و تنبهنا على وجود خالقنا ، الذي نملس قدرته في أنفسنا في كثير من الأحيان ، بل وأغلبها للمؤمنين فيرون حاجتهم له وتوجههم إليه ، وأنهم في عين الله ورعايته ، وتدلنا على توحيده ومعرفته سبحانه ، وقد قال عزّ وجلّ في معناها في كتابه الكريم :

{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ

إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}الأنفال24.

 وقال تعالى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ق16 .

 

الإشراق الثاني :

حديث في حدوث قوى النفس وإن الإنسان مصنوع :

يا طيب : هذا الحديث بالإضافة لكونه يبين حدوث القوى النفسية وتغير أحوالها الدال على أن لله تعالى شأن في هداية عبادة ، والتدخل في بعض الأحيان لما يصلحهم لخيرهم أو يمنع من شرهم ، وليدلهم بحدوثها وتغيرها للبحث عن معرفته تعالى وللبحث عن تعاليمه ، بل يدلنا إنه أقرب إلينا من حبل الوريد وبيده كل شيء ولم يحجبه عنا حجاب ، ولكن نحن محتجبون عنه لعدم الاستجابة لنداء النفس ولما يهديها ويدلها على خالقها والمنعم عليها والواهب لها خيرها وكمالها .

والحديث كذلك يتعرض : للبحث عن كون الإنسان مصنوع وإن العالم وأجزاءه حادثان ويثبت وجود الخالق تعالى وقدمه ، كذلك في الحديث فقرة جميلة تبين إن المؤمنون بالله تعالى ناجون على كل حال والخسران للمنكرين ، وتبين ثبات المؤمنين وتزلزل الكفار ، فتدبر :

ذكر في الكافي بالإسناد عن أحمد بن محسن الميثمي قال :

كنت عند أبي منصور المتطبب فقال : أخبرني رجل من أصحابي قال : كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفع في المسجد الحرام ، فقال ابن المقفع : ترون هذا الخلق ، وأومأ بيده إلى موضع الطواف ، ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانية إلا ذلك الشيخ الجالس ، يعني أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام ، فأما الباقون فرعاع وبهائم .

فقال له ابن أبي العوجاء : وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء ؟ قال : لأني رأيت عنده ما لم أره عندهم ، فقال له ابن أبي العوجاء : لابد من اختبار ما قلت فيه منه .

 قال : فقال ابن المقفع : لا تفعل فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك ، فقال : ليس ذا رأيك ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت .

فقال ابن المقفع : أما إذا توهمت عليَّ هذا فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل ولا تثني عنانك إلى استرسال ، فيسلمك إلى عقال ، وسمه مالك أو عليك ؟ قال : فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع جالسين .

فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال : ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً ، ويتروح إذا شاء باطناً ، فهو هذا ، فقال له : وكيف ذلك ؟

قال : جلست إليه ، فلما لم يبق عنده غيري .

 أبتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء وهو على ما يقولون ( يعني أهل الطواف ) فقد سلموا وعطبتم ، وان يكن الأمر على ما تقولون ، وليس كما تقولون ، فقد استويتم وهم .

 فقلت له : يرحمك الله وأي شيء نقول وأي شيء يقولون ؟ ما قولي وقولهم إلا واحدا .

فقال : وكيف يكون قولك وقولهم واحدا ؟ وهم يقولون : إن لهم معادا وثوابا وعقابا ، ويدينون بأن في السماء إلها وأنها عمران ، وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد .

قال : فاغتنمتها منه ، فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان ، ولم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل ؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟

 فقال لي : ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك : نشوءك ولم تكن ، وكبرك بعد صغرك ، وقوتك بعد ضعفك ، وضعفك بعد قوتك ، وسقمك بعد صحتك ، وصحتك بعد سقمك ، ورضاك بعد غضبك ، وغضبك بعد رضاك ، وحزنك بعد فرحك ، وفرحك بعد حزنك ، وحبك بعد بغضك ، وبغضك بعد حبك ، وعزمك بعد أناتك ، وأناتك بعد عزمك ، وشهوتك بعد كراهتك ، وكراهتك بعد شهوتك ، ورغبتك بعد رهبتك ، ورهبتك بعد رغبتك ، ورجاءك بعد يأس ، ويأسك بعد رجائك ، وخاطرك بما لم يكن في وهمك ، وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك ، وما زال يعدد علي قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه . 

وعنه عن بعض أصحابنا رفعه وزاد في حديث ابن أبي العوجاء حين سأله أبو عبد الله عليه السلام قال : عاد ابن أبي العوجاء في اليوم الثاني إلى مجلس أبي عبد الله عليه السلام فجلس وهو ساكت لا ينطق .

 فقال أبو عبد الله عليه السلام : كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه ؟

فقال : أردت ذلك يا ابن رسول الله .

فقال له أبو عبد الله عليه السلام : ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله ! فقال : العادة تحملني على ذلك ، فقال له العالم عليه السلام : فما يمنعك من الكلام ؟ قال : إجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك ، فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين ، فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك .

 قال عليه السلام : يكون ذلك ، ولكن أفتح عليك بسؤال ، وأقبل عليه فقال له : أ مصنوع أنت أو غير مصنوع ؟

فقال عبد الكريم بن أبي العوجاء : بل أنا غير مصنوع .

فقال له العالم عليه السلام : فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟

فبقي عبد الكريم مليا لا يحير جواباً وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول : طويل عريض عميق ، قصير متحرك ساكن ، كل ذلك صفة خلقه .

فقال له العالم : فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها ، فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الأمور .

 فقال له عبد الكريم : سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن  مثلها .

 فقال أبو عبد الله عليه السلام : هبك علمت أنك لم تسأل فيما مضى فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد ، على أنك يا عبد الكريم نقضت قولك لأنك تزعم أن الأشياء من الأول سواء ، فكيف قدمت وأخرت ؟

ثم قال : يا عبد الكريم أزيدك وضوحا أ رأيت لو كان معك كيس فيه جواهر ، فقال لك قائل : هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس ، فقال لك : صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته ، هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم ؟ قال : لا .

فقال أبو عبد الله عليه السلام : فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس ، فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة ، فانقطع عبد الكريم ، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض . 

فعاد في اليوم الثالث فقال : أقلب السؤال .

فقال له أبو عبد الله عليه السلام : سل عما شئت  .

 فقال : ما الدليل على حدث الأجسام ؟

 فقال عليه السلام : إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر ، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى ، ولو كان قديما ما زال ولا حال ، لأن الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل ، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث ، وفي كونه في الأزل دخوله في العدم ، ولن تجتمع صفة الأزل والعدم والحدوث والقدم في شيء واحد .

فقال عبد الكريم : هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت ، واستدللت بذلك على حدوثها ، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثهن ؟

فقال العالم عليه السلام : إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع ، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر ؛ كان لا شيء أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره ، ولكن أجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا ، فنقول : إن الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شيء إلى مثله ، كان أكبر ، وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم ، كما أن في تغييره دخوله في الحدث ، ليس لك وراءه شيء يا عبد الكريم ، فانقطع وخزي . 

فلما كان من العام القابل التقي معه في الحرم فقال له بعض شيعته : إن ابن أبي العوجاء قد أسلم ، فقال العالم عليه السلام : هو أعمى من ذلك لا يسلم ، فلما بصر بالعالم قال : سيدي ومولاي .

 فقال له العالم عليه السلام : ما جاء بك إلى هذا الموضع ؟

فقال : عادة الجسد وسنة البلد ، ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة ؟

فقال له العالم عليه السلام : أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبد الكريم ، فذهب يتكلم .

 فقال له عليه السلام : لا جدال في الحج ونفض ردائه من يده ، وقال : إن يكن الأمر كما تقول وليس كما تقول نجونا ونجوت ، وإن يكن الأمر كما نقول وهو كما نقول نجونا وهلكت .

 فأقبل عبد الكريم على من معه فقال : وجدت في قلبي حزازة فردوني فردوه فمات[8] .

 

الإشراق الثالث:

شرح الصدوق لحديث أحوال النفس والأشياء :

يا طيب هذا الحديث : يبين حالات الإنسان بذكر الأمور المرافقة له من التحول والتغير في بدنه ونفسه ، وهو تدبر كوني ونفسي ، ومنه أخذ الصدوق رحمه الله معنى الاجتماع والافتراق في الموجودات وكونها غير خالية منها ، وهي اجتماعها من العناصر أو تفرق المركبات إليها ، والحركة والسكون المرافقة للأشياء ، وهذه المعاني من الاجتماع والتفرق والحركة والسكون دليل لمعنى الحدوث ، ولكون الموجودات الخارجية لا تخلو من الاتصاف بهذه المعاني على الحقيقة ، فهي حادثه .

وهذه الأوصاف : الأنفة الذكر من معاني الأعراض : التي تعرض الكائنات والموجودات ـ الجواهر ـ وأوصافها وأحوالها ، وليس من معاني الجواهر المعبرة عن نفس وجود الأشياء .

وعلى هذا الأمر : يثبت الحديث وشارحه رحمه الله بأحسن بيان وأجمل برهان ، يُعرف ـ بالصبر على فهمة ـ حدوث الموجودات وقدم الخالق وأزليته وأبديته وبقاءه تعالى ؛ لخلوه من الحوادث المتعلقة بالمخلوقات وفناءها وتحولها بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، فالذي لا تناله الحوادث خالقها سبحانه وتعالى ، وهو الذي لا أول له ولا ابتداء ولا أخر له ولا انتهاء  .

كما إن المحدَث : يحتاج لمحدِث وهو خالقه ومُوجده بعد إن لم يكون ، وإما القديم الأزلي والباقي الأبدي لا خالق له ولا يحتاج لمحدِث قبله ، فهو حديث شريف في بيان قدم الخالق وأبديته تعالى ، وحدوث الخلق وفناءه ، وبأحكم بيان وأقوى برهان ، فتدبره يا طيب :

ذكر الصدوق في التوحد بالإسناد :

(( قال أمير المؤمنين عليه السلام :

إن للجسم ستة أحوال : الصحة والمرض والموت و الحياة والنوم واليقظة.

 وكذلك الروح : فحياتها علمها ، وموتها جهلها ، ومرضها شكها ، وصحتها يقينها ، ونومها غفلتها ، ويقظتها حفظها )) .

فقال رحمه الله في شرحه : ومن الدليل على أن الأجسام محدثة : إن الأجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو مفترقة ، ومتحركة أو ساكنة ، والاجتماع والافتراق والحركة والسكون محدَثة ، فعلمنا أن الجسم محدَث لحدوث مالا ينفك منه ولا يتقدمه .

فان قال قائل : ولم قلتم : إن الاجتماع والافتراق مبنيان ـ متناوبان ـ  وكذلك الحركة والسكون ، حتى زعمتم أن الجسم لا يخلو منهما ؟

 قيل له : الدليل على ذلك إنّا نجد الجسم يجتمع بعد أن كان مفترقا ، وقد كان يجوز أن يبقى مفترقا ، فلو لم يكن قد حدَث ، معنى كان لا يكون بأن يصير مجتمعا أولى من أن يبقى مفترقا على ما كان عليه ، لأنه لم يحدث نفسه في هذا الوقت فيكون بحدوث نفسه ما صار مجتمعا ، ولا بطلت في هذا الوقت فيكون لبطلانها ، ولا يجوز أن يكون لبطلان معنى ما صار مجتمعا .

 ألا ترى أنه لو كان : أنما يصير مجتمعا لبطلان معنى ، ومفترقا لبطلان معنى ، لوجب أن يصير مجتمعا ومفترقا في حالة واحدة لبطلان المعنيين جميعا ، وأن يكون كل شيء خلا من أن يكون فيه معنى مجتمعا مفترقا ، حتى كان يجب أن يكون الأعراض مجتمعة متفرقة لأنها قد خلت من المعاني وقد تبين بطلان ذلك ، وفي بطلان ذلك دليل على أنه إنما كان مجتمعا لحدوث معنى ، و متفرقا لحدوث معنى ، وكذلك القول في الحركة والسكون وسائر الأعراض .

فإن قال قائل : فإذا قلتم : إن المجتمع إنما يصير مجتمعا لوجود الاجتماع ، ومفترقا لوجود الافتراق ، فما أنكرتم من أن يصير مجتمعا مفترقا لوجودهما فيه كما ألزمتم ذلك من يقول : إن المجتمع إنما يصير مجتمعا لانتفاء الافتراق ، ومفترقا لانتفاء الاجتماع .

قيل له : إن الاجتماع والافتراق هما ضدان والأضداد تنضاد في الوجود ، فليس يجوز وجودهما في حال لتضادهما ، وليس هذا حكمهما في النفي لأنه لا ينكر انتفاء الأضداد في حالة واحدة كما ينكر وجودها ، فلهذا ما قلنا : إن الجسم لو كان مجتمعا لانتفاء الافتراق ، ومفترقا لانتفاء الاجتماع ؛ لوجب أن يصير مجتمعا مفترقا لانتفائهما ، ألا ترى أنه قد ينتفي عن الأحمر السواد والبياض مع تضادهما ، وأنه لا يجوز وجودهما واجتماعهما في حال واحدة ، فثبت أن انتفاء الأضداد لا ينكر في حالة واحدة كما ينكر وجودها .

وأيضا فإن القائل : بهذا القول قد أثبت الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، وأوجب أن لا يجوز خلو الجسم منها ؛ لأنه إذا خلا منها يجب أن يكون مجتمعا مفترقا ومتحركا ساكنا ، إذ كان لخلوه منها ما يوصف بهذا الحكم ، وإذا كان ذلك كذلك وكان الجسم لم يخل من هذه الحوادث يجب أن يكون محدثا .

ويدل على ذلك أيضاً : إن الإنسان قد يؤمر بالاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، ويفعل ذلك ويحمد به ويشكر عليه ويذم عليه إذا كان قبيحا ، وقد علمنا أنه لا يجوز أن يؤمر بالجسم ولا أن ينهى عنه ولا أن يمدح من أجله ولا يذم له ، فواجب أن يكون الذي أمر به ونهي عنه واستحق من أجله المدح والذم غير الذي لا يجوز أن يؤمر به ولا أن ينهى عنه ، ولا أن يستحق به المدح والذم ، فوجب بذلك إثبات الأعراض .

فان قال: فلم قلتم : إن الجسم لا يخلو من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ، ولم أنكرتم أن يكون قد خلا فيما لم يزل من ذلك ؟ فلا يدل ذلك على حدوثه .

قيل له : لو جاز أن يكون قد خلا فيما مضى من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون لجاز أن يخلو منها الآن ونحن نشاهده ، فلما لم يجز أن يوجد أجسام غير مجتمعة ولا مفترقة ، علمنا أنها لم تخل فيما مضى .

فان قال : ولم أنكرتم أن يكون قد خلا من ذلك فيما مضى ، وإن كان لا يجوز أن يخلو الآن منه ؟

 قيل له : إن الأزمنة والأمكنة لا تؤثران في هذه الباب ، ألا ترى لو كان قائل قال : كنت أخلو من ذلك عام أول أو منذ عشرين سنة ، وإن ذلك سيمكنني بعد هذا الوقت ، أو يمكنني بالشام دون العراق ، أو بالعراق دون الحجاز لكان عند أهل العقل مخبلاً جاهلاً ، والمصدق له جاهل .

فعلمنا أن الأزمنة و الأمكنة لا تؤثران في ذلك ، وإذا لم يكن لها حكم ولا تأثير في هذا الباب، فواجب أن يكون حكم الجسم فيما مضى وفيما يستقبل حكمه الآن ، وإذا كان لا يجوز أن يخلو الجسم في هذا الوقت من الاجتماع والافتراق والحركة والسكون ؛ علمنا أنه لم يخل من ذلك قط ، وأنه لو خلا من ذلك فيما مضى كان لا ينكر أن يبقى على ما كان عليه إلى هذا الوقت.

 فكان لو أخبرنا مخبر : عن بعض البلدان الغائبة أن فيها أجساما غير مجتمعة ولا مفترقة ولا متحركة ولا ساكنة ، أن نشك في ذلك ، ولا نأمن أن يكون صادقا ، وفي بطلان ذلك دليل على بطلان هذا القول .

 وأيضاً : فإن من أثبت الأجسام غير مجتمعة ولا مفترقة فقد أثبتها غير متقاربة بعضها عن بعض ، ولا متباعدة بعضها عن بعض ، وهذه صفة لا تعقل لأن الجسمين لابد من أن يكون بينهما مسافة وبعد ، أو لا يكون بينهما مسافة ولا بعد ولا سبيل إلى ثالث ، فلو كان بينهما مسافة وبعد لكانا مفترقين ، ولو كان لا مسافة بينهما ولا بعد لوجب أن يكونا مجتمعين ؛ لأن هذا هو حد الاجتماع والافتراق ، وإذا كان ذلك كذلك فمن أثبت الأجسام غير مجتمعة ولا مفترقة فقد أثبتها على صفة لا تعقل ، ومن خرج بقوله عن المعقول كان مبطلا .

فإن قال قائل : ولم قلتم : إن الأعراض محدثة ، ولم أنكرتم أن تكون قديمة مع الجسم لم تزل ؟

قيل له : لأنا وجدنا المجتمع إذا فرق بطل منه الاجتماع وحدث له الافتراق ، وكذلك المفترق إذا جمع بطل منه الافتراق وحدث له الاجتماع ، والقديم هو قديم لنفسه ولا يجوز عليه الحدوث والبطلان ، فثبت أن الاجتماع والافتراق محدثان ، وكذلك القول في سائر الأعراض ، ألا ترى أنها تبطل بأضدادها ثم تحدث بعد ذلك ، وما جاز عليه الحدوث والبطلان لا يكون إلا محدثا .

وأيضاً : فإن الموجود القديم الذي لم يزل لا يحتاج في وجوده إلى موجد ، فيعلم أن الوجود أولى به من العدم لأنه لو لم يكن الوجود أولى به من العدم لم يوجد إلا بموجد ، وإذا كان ذلك كذلك علمنا أن القديم لا يجوز عليه البطلان إذا كان الوجود أولى به من العدم ، وأن ما جاز عليه أن يبطل لا يكون قديما.

فان قال : ولم قلتم : إن ما لم يتقدم المحدث يجب أن يكون محدثا ؟

 قيل له : لان المحدث هو ما كان بعد أن لم يكن ، والقديم هو الموجود لم يزل ، والموجود لم يزل يجب أن يكون متقدما لما قد كان بعد أن لم يكن ، وما لم يتقدم المحدث فحظه في الوجود حظ المحدث ؛ لأنه ليس له من التقدم إلا ما للمحدث ؛ وإذا كان ذلك كذلك ، وكان المحدث بما له من الحظ في الوجود ، والتقدم لا يكون قديما بل يكون محدثا ، فذلك ما شاركه في علته وساواه في الوجود ، ولم يتقدمه فواجب أن يكون محدثا .

فان قال : أو ليس الجسم لا يخلو من الأعراض ولا يجب أن يكون عرضا ، فما أنكرتم أن لا يخلو من الحوادث ولا يجب أن يكون محدثا ؟

قيل له : إن وصفنا العرض بأنه عرض ليس هو من صفات التقدم والتأخر ، إنما هو إخبار عن أجناسها ، والجسم إذا لم يتقدمها فليس يجب أن يصير من جنسها ، فلهذا لا يجب أن يكون الجسم وإن لم يتقدم الأعراض عرضا إذا لم يشاركها فيما له كانت الأعراض أعراضاً ، ووصفنا القديم بأنه قديم هو إخبار عن تقدمه ووجوده لا إلى أول ، ووصفنا المحدث بأنه محدث هو إخبار عن كونه إلى غاية ونهاية وابتداء وأول .

وإذا كان ذلك كذلك : فما لم يتقدمه من الأجسام ، فواجب أن يكون موجودا إلى غاية ونهاية ، لأنه لا يجوز أن يكون الموجود لا إلى أول لم يتقدم الموجود إلى أول وابتداء ، وإذا كان ذلك كذلك فقد شارك المحدث فيما كان له محدثا وهو وجوده إلى غاية ، فلذلك وجب أن يكون محدثا لوجوده إلى غاية ونهاية ، وكذلك الجواب في سائر ما تسأل في هذا الباب من هذه المسألة .

فان قال قائل : فإذا ثبت أن الجسم محدَث فما الدليل على أن له محدِثاً ؟

قيل له : لانا وجدنا الحوادث كلها متعلقة بالمحدَث .

فإن قال : ولم قلتم : إن المحدَثات إنما كانت متعلقة بالمحدَث من حيث كانت محدَثة ؟

 قيل : لأنها لو لم تكن محدَثة لم تحتج إلى محدِث ، ألا ترى أنها لو كانت موجودة غير محدَثة أو كانت معدومة لم يجز أن تكون متعلقة بالمحدَث ، وإذا كان ذلك كذلك فقد ثبت أن تعلقها بالمحدَث إنما هو من حيث كانت محدَثه ، فوجب أن يكون حكم كل محدَث حمكها في أنه يجب أن يكون له محدِث . وهذه أدلة أهل التوحيد الموافقة للكتاب والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام[9].
 

 

الإشراق الرابع :

في بيان بعض الصفات الإلهية وأحاطتها بكل شيء :

يا طيب : بعد إن عرفنا قدم الله تعالى وأزليته وبقائه وأبديته ، نأتي بهذا الحديث الذي يبين عدم وصف الله سبحانه بباقي صفات المخلوقين ، وهي : من الكيف المعبر عن اللون والشكل والطول وغيرها ، كما لا يوصف بالمكان والزمان والحركة والسكون ، ولا الاجتماع والافتراق كما عرفت .

فإن الله تعالى : لا يقاس بالأشياء ، بل هو شيء موجود له كل كمال مطلق ، ولا يحد بحد لأن الحد نقص ، ولا نهاية وبداية له لكونها للمحدود ، ولذا سبحانه أبعد من أن يبصر أو يحيط به وهم أو عقل ، ولكن عرف الله تعالى نفسه للناس بما أراهم من آثار قدرته تعالى في أنفسهم والكون ، وبهداه الذي جعل لوجود الإنسان وللكون معنى سامي يرتفع به عن المادة والماديات .

والحديث الشريف هذا : يشير إلى دليل الفطرة والشدائد المثيرة لوجوب معرفة الخالق ، ثم يتعرض لبعض صفاته تعالى في كون خلقه الطيف ، وإحاطته تعالى بكل الوجود ، وبقدرته وعلمه بكل شيء سواء مبصر أو مسموع وبأي حالة كان من اللطف والخفاء ، وهو حديث كريم في بيان هذه المعني فتدبره :

 

ذكر الصدوق في التوحيد : بالإسناد عن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا عليه السلام قال : دخل رجل من الزنادقة على الرضا عليه السلام وعنده جماعة ، فقال له أبو الحسن عليه السلام :

 أ رأيت : إن كان القول قولكم ، وليس هو كما تقولون ؛ ألسنا وإياكم شرعا سواء ، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا ؟ فسكت .

فقال أبو الحسن عليه السلام : إن يكن القول قولنا ، وهو ما نقول ؛ ألستم قد هلكتم ونجونا ؟

قال : رحمك الله فأوجدني كيف هو وأين هو ؟

 قال عليه السلام : ويلك إن الذي ذهبت إليه غلط هو أين الأين وكان ولا أين ، وهو كيف الكيف وكان ولا كيف ، فلا يعرف بكيفوفية ولا كيف ، فلا يعرف بكيوفية ولا بأينونية ولا بحاسة ، ولا يقاس بشيء .

 قال الرجل : فإذن إنه لا شيء إذا لم يدرك بحاسة من الحواس .

 فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبية ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا ، وأنه شيء بخلاف الأشياء .

قال الرجل : فأخبرني متى كان ؟

 قال أبو الحسن عليه السلام : أخبرني متى لم يكن فأخبرك متى كان .

قال الرجل : فما الدليل عليه ؟

قال أبو الحسن عليه السلام : إني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول ، ودفع المكاره عنه ، وجر المنفعة إليه ؛ علمت أن لهذا البنيان بانيا فأقررت به ، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته ، وإنشاء السحاب ، وتصريف الرياح ، ومجرى الشمس والقمر والنجوم ، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات ؛ علمت أن لهذا مقدراً ومنشئاً .

قال الرجل : فلم احتجب ؟

 فقال أبو الحسن عليه السلام : إن الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم ، فأما هو فلا تخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار .

قال : فلم لا تدركه حاسة البصر ؟

قال عليه السلام : للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار منهم ومن غيرهم ، ثم هو أجل من أن يدركه بصر ، أو يحيط به وهم ، أو يضبطه عقل .  قال : فحده لي .  فقال : لأحد له .  قال : ولم ؟

قال : لان كل محدود متناه إلى حد ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة ، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان ، فهو غير محدود ولا متزايد ولا متناقص ، ولا متجزئ ولا متوهم .

قال الرجل : فأخبرني عن قولكم : إنه لطيف وسميع وبصير وعليم وحكيم ، أيكون السميع إلا بالأذن ، والبصير إلا بالعين ، واللطيف إلا بعمل اليدين ، الحكيم إلا بالصنعة ؟

فقال أبو الحسن عليه السلام : إن اللطيف منا على حد اتخاذ الصنعة ، أو ما رأيت الرجل يتخذ شيئاً فيلطف في اتخاذه فيقال : ما ألطف فلانا ! فكيف لا يقال للخالق الجليل : لطيف إذا خلق خلقاً لطيفاً وجليلاً ، وركب في الحيوان منه أرواحها ، وخلق كل جنس متباينا من جنسه في الصورة ولا يشبه بعضه بعضا ؟ فكل له لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته .

 ثم نظرنا : إلى الأشجار وحملها أطائبها المأكولة منها وغير المأكولة ، فقلنا عند ذلك : إن خالقنا لطيف ، لا كلطف خلقه في صنعتهم .

 وقلنا : إنه سميع لأنه لا يخفى عليه أصوات خلقه ما بين العرش إلى الثرى ، من الذرة إلى أكبر منها ، في برها وبحرها ، ولا تشتبه عليه لغاتها ، فقلنا عند ذلك : إنه سميع لا بأذن ، وقلنا : إنه بصير لا ببصر لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظللماء على الصخرة السوداء ، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجنة ، ويرى مضارها ومنافعها وأثر سفادها وفراخها ونسلها ؛ فقلنا عند ذلك : إنه بصير لا كبصر خلقه . قال : فما برح حتى أسلم . وفيه كلام غير هذا )[10] .

 

الإشراق الخامس :

بيان وجوب معرفة الله ببعض صفاته وتوحيده :

يا طيب : بعد أن عرفنا الله الخالق القديم الأبدي والقدير العليم ، نذكر حديث فيه بيان سبب وجوب المعرفة بالله تعالى وتوحيده ، وإن كان مر البيان في التمهيد ولكن نذكره هنا من باب ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين الطيبين ، ولتبيين بعض ما ذكرنا في الأدلة السابقة في بيان حال المؤمن والكافر في حياتهما وتأثرهما بنداء الفطرة والكون وما يحصل فيه من الحوادث .

وأعلم يا أخي : إن الحديث يبين حكمة الله تعالى في خلقة وأوصافها ، وضرورة معرفة الله عزّ وجلّ على نحو التوحيد ومعرفة بعض صفاته وأسماءه الحسنى ، لا فقط الإيمان بالله تعالى من غير الإقرار بتوحيده ولا من غير معرفته بقدرته وعلمه المحيط بكل شيء سبحانه وتعالى ، وكما يجب عبادته وحده تعالى لكي لا يتشتت الناس في المعرفة والعبودية فيضلون عن الصراط المستقيم فيعبد كل منهم ما يريه له هواه وشهواته والشيطان ، فهو بيان علل كون المعرفة بالله تعالى بأن ليس مثله شيء من المخلوقين ولا صفاتهم .

وهو حديث شريف في علل المعرفة وفيه معاني جميلة للمتدبر :

ذكر الصدوق في العلل وعيون الأخبار : في علل الفضل عن الرضا عليه السلام : فإن قال قائل : لم أمر الله الخلق بالإقرار بالله وبرسله وحججه وبما جاء من عند الله عزّ وجلّ ؟ قيل لعلل كثيرة :

منها : إن من لم يقر بالله عزّ وجلّ : لم يجتنب معاصيه ولم ينته عن ارتكاب الكبائر ، ولم يراقب أحدا فيما يشتهي ويستلذ من الفساد والظلم ، فإذا فعل الناس هذه الأشياء وارتكب كل إنسان ما يشتهي ويهواه من غير مراقبة لأحد كان في ذلك فساد الخلق أجمعين ، ووثوب بعضهم على بعض ، فغصبوا الفروج والأموال ، وأباحوا الدماء والنساء ، وقتل بعضهم بعضا من غير حق ولا جرم ، فيكون في ذلك خراب الدنيا وهلاك الخلق وفساد الحرث والنسل . 

ومنها : إن الله عزّ وجلّ حكيم : ولا يكون الحكيم ولا يوصف بالحكمة إلا الذي يحظر الفساد ويأمر بالصلاح ، ويزجر عن الظلم ، وينهى عن الفواحش ، ولا يكون حظر الفساد والأمر بالصلاح والنهي عن الفواحش إلا بعد الإقرار بالله عزّ وجلّ ومعرفة الآمر والناهي ، فلو ترك الناس بغير إقرار بالله ولا معرفته ؛ لم يثبت أمر بصلاح ولا نهي عن فساد إذ لا آمر ولا ناهي .

 ومنها : إنّا وجدنا الخلق : قد يفسدون بأمور باطنية مستورة عن الخلق  ، فلولا الإقرار بالله عزّ وجلّ وخشيته بالغيب ، لم يكن أحد إذا خلا بشهوته وإرادته يراقب أحدا في ترك معصية وانتهاك حرمة وارتكاب كبيرة ، إذا كان فعله ذلك مستورا عن الخلق غير مراقب لأحد ، وكان يكون في ذلك هلاك الخلق أجمعين ، فلم يكن قوام الخلق وصلاحهم إلا بالإقرار منهم بعليم خبير يعلم السر وأخفى ، آمر بالصلاح ، ناه عن الفساد ، ولا تخفى عليه خافية ، ليكون في ذلك أنزجار لهم عما يخلون به من أنواع الفساد . 

 

فإن قال : فلم وجب عليهم الإقرار والمعرفة بأن الله تعالى واحد أحد ؟

قيل : لعلل :

منها : أنه لو لم يجب عليهم الإقرار والمعرفة : لجاز أن يتوهموا مدبرين أو أكثر من ذلك ، وإذا جاز ذلك لم يهتدوا إلى الصانع لهم من غيره ؛ لأن كل إنسان منهم كان لا يدري لعله إنما يعبد غير الذي خلقه ويطيع غير الذي أمره ؛ فلا يكونون على حقيقة من صانعهم وخالقهم ، ولا يثبت عندهم أمر آمر ، ولا نهي ناه ، إذ لا يعرف الآمر بعينه ، ولا الناهي من غيره .

ومنها : إن لو جاز أن يكون أثنين : لم يكن أحد الشريكين أولى بأن يعبد ويطاع من الآخر ، وفي إجازة أن يطاع ذلك الشريك ؛ إجازة أن لا يطاع الله ، وفي أن لا يطاع الله عزّ وجلّ الكفر بالله وبجميع كتبه ورسله ، وإثبات كل باطل وترك حق ، وتحليل كل حرام وتحريم كل حلال ، والدخول في كل معصية ، والخروج من كل طاعة ، وإباحة كل فساد ، وإبطال كل حق .

ومنها : إنه لو جاز أن يكون أكثر من واحد : لجاز لإبليس أن يدعي أنه ذلك الآخر حتى يضاد الله تعالى في جميع حكمه ، و يصرف العباد إلى نفسه ، فيكون في ذلك أعظم الكفر وأشد النفاق .

فإن قيل : فلم وجب عليهم الإقرار لله بأنه ليس كمثله شيء ؟

 قيل : لعلل :  منها : أن يكونوا : قاصدين نحوه بالعبادة والطاعة دون غيره ، غير مشتبه عليهم أمر ربهم وصانعهم ورازقهم .

ومنها : أنهم لو لم يعلموا أنه ليس كمثله شيء : لم يدروا لعل ربهم وصانعهم هذه الأصنام التي نصبتها لهم آباؤهم ، والشمس والقمر والنيران ، إذا كان جائزا أن يكون عليهم مشتبهة ، وكان يكون في ذلك الفساد وترك طاعاته كلها ، وارتكاب معاصيه كلها على قدر ما يتناهى إليهم من أخبار هذه الأرباب وأمرها ونهيها .

 ومنها : أنه لو لم يجب عليهم أن يعرفوا أن ليس كمثله شيء : لجاز عندهم أن يجري عليه ما يجري على المخلوقين من العجز والجهل والتغير والزوال والفناء والكذب والاعتداء ، ومن جازت عليه هذه الأشياء :لم يؤمن فناؤه ، ولم يوثق بعدله ، ولم يحقق قوله ، وأمره ونهيه ووعده ووعيده وثوابه وعقابه ، وفي ذلك فساد الخلق وإبطال الربوبيّة [11]


[7] الخصال ص33 ب2ح1.

[8] الكافي ج1ص74ب1ح2 ، توحيد الصدوق ص296ب42ح6.

[9] توحيد الصدوق ص300ب42ح7.

[10] بحار الأنوارج3ص37ب2ح12. عن التوحيد والعيون والاحتجاج ج2ص172.

[11] بحار الأنوار ج3ص10ب1ح22 ، عن علل الشرائع ، والعيون ج2ص97.

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام