هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

الباب الثاني
أدلة توحيد الله تعالى المُتقنة وبراهينه المُحكمة

الذكر العاشر

خلاصة في أدلة التوحيد وحقيقة الإيمان بالله ومعناه

 

الإشراق الأول : خلاصة  أدلة وجوب الإيمان بالله وتوحيده :

عرفنا يا طيب : في الأذكار السابقة نور براهين محكمة البيان ، وأدلة كريمة البنيان ، وموجبة للإيمان بالله وتوحيده ، وهي أدلة عقلية ووجدانية فطرية ، مؤيده بأدلة شرعية مرشدة لبراهين قوية ومحكمة ، توجب بحق لكل منصف وطيب الإيمان بالله تعالى وحده لا شريكه له ، وبدأت من دليل الفطرة وحبها للكمال والجمال المطلق وما يثيرها من الحوادث ، إلى أدلة الحدوث والنظم ونفي صدفة في الكون إلى معرفة النفس وضرورة وجود العلة المستقلة الغير حادثه في الوجود .

ثم براهين ودلالة الرسل وأوصياءهم : وبالخصوص خاتم المرسلين وأخيه ووصيه ، وحُسن بيانهم ودعوتهم لله تعالى وما آتاهم الله من المعجزات والتي كان أهمها القرآن المجيد ، وهو المعجزة الخالدة في معارفه وبيانه بأفصح كلام فضلاً عما فيه من البيانات العلمية ، ثم ذكرنا بعض المعارف العميقة والبراهين القوية في معرفة الله وتوحيده من كلام الإمام علي عليه السلام .

فعرفنا وفق هذه الأدلة المحكمة : والبراهين القاطعة الموجبة للاعتقاد الحق والإيمان الصادق بأن الله وحده لا شريك له ، هو خالق الوجود ومبدئه ومدبره وهاديه ومعيده ، وهو سبحانه وأحد أحد ، لا شريك له لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله .

وهي كافية للبرهان على وجوب الإيمان به تعالى : وتوحيده بإخلاص ومعرفة أسماءه الحسنى وصفاته العليا وتعاليمه ، ليتحقق منا الإيمان والشكر والطاعة له وحده سبحانه ، وعن معرفة بعظمته على الحقيقة ومن غير ضلال وشرك ، وهي بحق تحثنا وتوجب السعي لتحصيل المعارف الإلهية والتعاليم الربانية من مصدرها الحقيقي بجد وإخلاص والعمل بها ونشرها والدعوة إليها .

وكانت يا أخي : هذه الأدلة المحكمة والبراهين القطعية ، كافية للإنسان الفاضل المحب للخير وللكمال والجمال المطلق والواقعي ، وعلى وجوب الإيمان بالله وتوحيده ومعرفته فيما بينه وبين نفسه وأمام الناس وأمام الله .

ثم إن بعض الناس لكي يرسخ أيمانه : يحتاج لأدلة فلسفية وبحوث عميقة كلامية ، والتي مر قسم منها في بيان الحدوث في الكون والكائنات والنظم والعلة في الوجود والموجودات كلها ، ونفي الصدفة عن حدوثها ، فيحتاج الكون والكائنات لخالق يهبها وجودها و هداها وتربيتها ، وأن يمدها بكل نعيم يوصلها لكمالها .

وبعض الناس يحتاج لأدلة عليمة حديثة : كالموجودة في كتاب الله يتجلى في عصر العلم ، وكتاب العلم يدعوا للإيمان ، والتي فيها أدلة وبراهين العلماء حسب اختصاصهم في الطبيعة والطب والفلك وكل مجالات الحياة ، وكل حسب اختصاصه دلته على الإيمان بالله تعالى وتمت معرفته ورسخ إيمانه به ، وسيأتي أحد البحوث العلمية فأنتظر .

كما وإنه كانت تلك البراهين : والتي ذكرناها أدلة كافية لمن ألق السمع وهو منصف الوجدان للإيمان بالله بأي مستوى كان ، ولكن أستمع لأدلة مختصرة يؤمن بها طيبين هي ملاك إيمانهم الراسخ بالله ، ومع قلة ألفاظها فهي تكفي كدليل محكم للإيمان وبرهان قاطع يقطع عناد أقوى المعاندين ، فإن راقك بيانها فأحفظها فإنه لابد للإنسان من معرفة بأدلة التوحيد ولو بسيطة وهي :

 

الإشراق الثاني : أدلة مختصرة توجب الإيمان بالله تعالى وتوحيده :

قد عرفت يا طيب : في الباب الأول إن شدة الإيمان ورسوخه في النفس : حسب حالات الإنسان وثقافته وتطلعه واهتمامه ، فمن المؤمنين لهم إيمان راسخ ويكتفي بدليل بسيط ، ويعتبره دليل مقنع وبرهان قوي وعميق في تعبيره ومعناه لكل التوحيد وما يقيم به العبودية لله تعالى ، فنذكر أدلة مختصرة جامعة في معارف التوحيد نقلت عن ناس بسطاء ، ولكنه فيها معاني كريمة واسعة ، وبرهان قوي على توحيد الله لا يتزلزل بشُبه أكبر المتفلسفة والمعاندين ، فنذكر طرف من هذه البراهين الموجبة للإيمان بمختصر البيان فتدبرها يا طيب وهي :

 

الإشعاع الأول : دليل العجوز للإيمان بالله وتوحيده :

يا طيب : قد سُئلت عجوز عن معرفتها بالله تعالى ؟ وكان بيدها مغزل ، فلكي تسمع الكلام لم تفره وتحركه فوقف عن الحركة ، فقالت : دليل إني لم أحرك المغزل فوقف ، وهذا الكون كله يحتاج لمن يحركه وإلا يقف ولا يكون موجده ومحركه وواهب الخير له  إلا خالقه العظيم وحده .

 

الإشعاع الثاني : برهان الإعرابي على الإيمان بالله وتوحيده :

يا طيب : قد سُئل إعرابي عن دليلة الموجب للإيمان بالله ومعرفته ؟

 فقال : البعرة تدل على البعير ، والآثار في الطريق تدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ؛ تدل على وجود الله الواحد القهار  .

 

الإشعاع الثالث: برهان علمي لمخترع الكومبيوتر يوجب الإيمان بالله :

يا طيب : نذكر من الأدلة العلمية هذا البرهان في الحاسب ـ الكومبيوتر ـ لانشغال الناس به اليوم وأنسهم به أكثر من غيره ، وهو ما قاله : كولدم هزاوي ، مصمم العقل الإلكتروني :

قال : طُلب مني قبل عدة سنوات القيام بتصميم آلة حاسبة كهربائية تستطيع أن تحل الفرضيات والمعادلات المعقدة ذات البعدين ، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الإلكترو ميكانيكية ، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو العقل الإلكتروني :

وبعد سنوات : متمادية صرفتها لإنجاز هذا العمل ، وتحمل شتى المصاعب وأنا أسعى لصنع جهاز صغير ، ويصعب علي أن أتقبل هذه الفكرة ، وهي أن الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمم ، وإن عالمنا مملو بالأجهزة التي تعتبر كل واحدة منها أعقد بكثير من العقل الإلكتروني الذي صنعته .

وإذا استلزم : أن يكون للعقل الإلكتروني مصمم ، فكيف يمكننا إذن أن ننفي هذا القول بالنسبة لأجسامنا بما فيها من خواص حياتية وأعمال فيزيائية وتفاعلات كيميائية ؟!!  فلابد من وجود مصمم حكيم خالق لهذا الكون والذي أنا جزء حقير منه [18].

 

الإشعاع الرابع : بحثنا عن علل الأشياء يوجب الإيمان بالله تعالى :

يا طيب : كل إنسان يمكنه أن يعرف ربه وخالقه حسب حاله وعمله ، فهو تراه يعمل ولا يلتفت للصدفة في فكرة أن تكون هي المحدثة لشيء ، لا الطبيب في تشخيص المرض ودوائه ، فلا يحسب أنه صدفة تمرض وليس له سبب ولا أن دوائه صدفة يؤثر لا لخواصه ، ولا المهندس في حسابه وتصميمه يضع المعادلات الحسابية لبيت أو جسر أو طريق أو عماره بدون تدقيق كل احتمالات الخراب والانهدام والمقاومة وغيرها الموجبة لإتقان عمله حين يضع خريطة أو يأمر بالمواد اللازمة لبنائه ، ولا يأمر بكمية بدون وحساب ويقول صدفة يتكون ما أريد ، ولا الفلاح في زرعه يبذر بدون معرفة مائه وأرضه وفصله ومناسبة بذره لأرضه وغيرها مما يجعله ينتظر ثمره وما يستلزمه ويعده لحصاده ، فكل منهم يعرف إن العمل المتقن المنظم المحكم والدقيق له ناتج أفضل ، وكل منهم يطلب الأشياء والقوانين والظروف المناسبة لعمله وأكملها وأفضلها ، وبالبحث عن عللها وأسبابها سواء بأسلوبه البسيط والخبرة المتمادية في الزمان ، أو بأسلوب علمي حديث ودراسات عليمة جديدة يتبعها .

وهذا الكون : الذي كل شيء فيه منتظم لوجود الحياة بأحسن صورة ممكنة فيه ، فهو كله بكل أجزاءه يحتاج لخالق وهادي له وواهب لكماله ، وهو عله له وموجد له ، وهو الله تعالى وحده لا شريك له ، وله كل كمال وجمال وجلال ، ولا يمكن أن ندعي الصدفة فيه .

فهل يعقل : عمل بسيط وشيء بسيط لا يكون صدفة ، وله أسباب وعلل ولوازم والكون كله وكائنات صدفه حصل ، وأنه لا أصل له ولا سبب ونجهل حقيقته وتكوينه وعلله وأسبابه ، وهو بهذه العظمة والسعة والأهمية التي فيها معارف كرامة الإنسان وأصله وغايته وحقيقته ومبدأه ومنتهاه وما يجب أن يعد له العدة ليبقى في النعيم أبدا .

 

الإشعاع الخامس : طلب النفس للكمال يوجب الإيمان بالله :

يا طيب : عرفت إن النفس في قرار نفسها لا ترتاح إلا بطلب الكمال المطلق من الله تعالى و بعد معرفته ومعرفة أسماءه الحسنى ، ولو شرق الإنسان وغرب في كل أنواع العلوم والمعرفة ، وملك ما ملك وحكم ما حكم ، فإنه لو فتش قلبه ووجدانه ، وبحث في نفسه وقرار روحه بحق وصدق لما وجد غير خالق الكون وواهب كل كمال ، ترتاح له النفس وتستقر إليه الروح .

وبمعرفته : وبذكره وشكره يطمئن القلب ، ويُسلم لكماله ويحبه يناجيه ويطلب منه ما يعجز عنه كل شيء ، سواء في فرحه فيتوجه له ليشكره في قرار نفسه ، أو في حزنه وغمه ومرضه فيطلب منه أن يهبه الخلاص ويستغفره في تقصيره الذي مر ، وبكل حال يقر له بالعظمة ووجوب الطاعة والعبودية بالعقل وبالضمير والوجدان ، وهذا دليل الحق والهدى الذي وضعه الله تعالى في فطرة الإنسان .

 

الإشعاع السادس : كلام رباني مختصر يوجب الإيمان بالله وحده :

يا طيب : إن الله سبحانه اختصر الأدلة والبراهين على وجوب الإيمان به وتوحيده بطولها ، في آيات بليغة قصيرة المعنى كثيرة المفهوم والمنطوق ، قليلة الألفاظ حسنة الأسلوب ، وهو أن التفكر في الوجود يدعوك للإيمان بخالقه ومدبره كقوله تعالى:

{ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ } الطور35 .

ولكون كل شيء يدل على وجود الله تعالى : فإنه سبحانه في كتابه العزيز يشير إلى أن معرفته ببديهية موجودة في فطرة كل إنسان حتى انه تعالى قال مستنكراً لمن ينكر أو يشك في وجوده فقال سبحانه :

{ أَفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } إبراهيم 10 .

كما بين أدلة وجوب توحيده سبحانه فقال :

{ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الأنبياء 22 .

هذا وستأتي أدلة بسيطة أخرى في نفس بحث التوحيد  ومعناه ، فراجعا وأحفظ مما مر ولو دليلا واحدا قد راق لك منها ، لأنه يا طيب يجب الإيمان بالله بالدليل والبرهان عقلا كما عرفت ، ونسأل الله أن ينفعك وينفعنا بها .

 

الإشعاع السابع : ألا بذكر الله تطمئن القلوب :

قال الإمام علي عليه السلام :

( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ توحيده ُ، وَكَمَالُ توحيدهِ الاِِْخْلاصُ لَهُ ) الخطبة الأولى :

يا طيب : بعد أن عرفنا أهم الأدلة الموجبة لمعرفة الله تعالى والبراهين على وجوب الإيمان به ، فطرتاً ووجداناً وعقلاً وشرعاً وعرفاً ، نذكر معنى تحقق معرفة لله في النفس ، وأهم آثار رسوخها في الروح والاعتقاد والإيمان بها عقلاً وقلباً ، وهو معنى التصديق بالمعرفة ، ثم نأتي في البحث التالي لمعارف التوحيد ومراتبه وبعده معرفة الأسماء الحسنى وتجليها بفعله تعالى حتى شرحها في الجزء  الآتي إن شاء الله .

قد مر يا طيب : في الباب الأول ضرورة طلب معرفة الله تعالى ، ولماذا تجب علينا المعرفة بأصول الدين بالدليل المتقن وبالبرهان الواضح ، وهذا طور آخر من الكلام وهو التحقق الفعلي بالمعرفة والإيمان والاعتقاد بعد بما عرفنا من الأدلة والبراهين السابقة ، وهي مما يوجب الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له ، وهو بيان لأثر الإيمان والمعرفة به تعالى ، والمهم الذي يترتب عليه يقيننا واعتقادنا بالله تعالى وحده لا شريك له , والذي يوصل له الإيمان ولما يجب أن يكون عليه الإنسان بعد الإيمان ، فبعد أن فهمناه وتحققنا به إن شاء الله قال الله تعالى :

 { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ

أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)

 الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ } الرعد29.

 هذه الآيات الشريفة : بيان لأجمل الحقائق وأحلاها وأزكى التعاليم للروح والعقل وأطهرها ، ومبينة لتحقق الاعتقاد في الروح ورسوخه في النفس والعمل به ، وهي خلاصة المعرفة وقبول أدلة التوحيد والمعارف الإلهية وبراهينها ، وأما تقريرها وشرحها فهو :

 الاطمئنان : هو السكون و الاستقرار ، ويحصل بالقبول والتسليم للمعرفة والعمل بها .

والإيمان : هو معرفة الحق تعالى بعظمته وتوحيده ومعرفة أسماءه الحسنى بجلالها وجمالها ، والاستعداد لقبول تجليها وهداها ، والاستفاضة من سناءها وبهاءها ، والاتصاف بها على قدر الوسع والطاقة .

فالإيمان بالله تعالى : يشرح النفس ويبسطها ويوسع الصدر ويجلب اطمئنان القلب ، ويرى الإنسان نفسه في أمن لقبوله لهذه المعارف الإلهية ومطاوعته لها ، ويسكن اضطراب روحه بها ويفرح قلبه بتذكرها ، ويستقر تفكير من غير تزلزل وشك بحسن العاقبة والسعادة الدائمة لقبولها  .

والإيمان بالله تعالى بالقلب وذكره يلازم اطمئنانه : وذلك لأن الله مصدر الخير وتجلي البركة ، ولا يتوقع المؤمن بالله منه إلا كل فضل وكرامة ، وفي كل الأحوال وفي كل الظروف ، وحتى في مواقع الابتلاء والعسر فضلاً عن مواقع اليسر والعافية ، فلا خوف ولا خشية من شر متوقع من عنده تعالى ، وإذا حصل سوء للإنسان يتوجه لمراقبة أعماله فيصححها وينيب ويتوب لله ويتوجه إليه ويذكره فتطمئن نفسه ، ويغفر له بل تبدل سيئاته حسنات وله المزيد بالطاعة وبإقامة العبودية المخلصة له تعالى ، وقال الله تعالى :

 { إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا } الفرقان70.

فالإيمان : هو التسليم للمعرفة والعمل بها :

والإيمان : يا طيب كما عرفت في خاتمة الباب السابق ، ليس معرفة خالية عن القبول والعمل : فإن مجرد المعرفة بدون قبول يكون جحود وانحراف عن الحق ، فيكون له قلب لا يبصر و لا يفقه ، فهو مصروف عن الذكر محروم عن الطمأنينة والسكون مع الشدائد ، بل بعد عمل مضني في طلب الدنيا والسعي لها فيحصل على شيء منها مهما كان ، فيحسب نفسه أنه في حال راحة مؤقتة وأمّن له مستقبل لأيام معدودة ، ولكنه في الحقيقية لا اطمئنان له بعاقبة الأمور ولا ملجئ عند تدهور الأحوال ، سواء بظلم الغير أو بالمرض أو بالهرم أو بالحوادث وبالبلايا أو بالموت .

 كما إن الإيمان مع القبول : وبدون عمل يجلب تأنيب الروح الحية بالمعرفة والقبول ، ولومها لتقصيرها في إتيان الواجب المفروض عليها وقد قبلته عن معرف وبالدليل والبرهان ، ومن ثم عدم الانتفاع بالآثار المترتب على العمل بما يمليه عليه إيمانه ، وهذا ما قد يبتلي به حتى من يسمى مؤمنا .

فالإيمان الحقيقي يلازم : التوجه لله بذكره عن معرفة ، وقبولا صادقا يتبعه العمل بكل ما يمليه عليه إيمانه بالله تعالى ، و من قلب ذو بصيرة ورشد ، ومتيقن بالفوز والنجاح والسعادة والنعمة ، وفي كل الأحوال والظروف ، فيتوكل ويفوض أمره لله القاهر فوق عباده ، و الفعال لما يريد ، والذي لا يفعل بعباده المؤمنين وأولياءه اللاجئين إليه إلا كل خير وبركة ورحمة ولطف ومودة .

وذِكر الله سبحانه : عن إيمان بقدرته وعلمه بحالنا ، يكون لأنفسنا المنقبضة بحوادث الزمان أو المتوقعة للمكروه الأسيرة بيد الحوادث ، ركن شديد يضمن لنا السعادة ، ويزيل حيرتنا وتنبسط له روحنا ، ويقوي اللجوء إليه والاعتماد عليه والاتصال به ويطمئن قلبنا وتسعد روحنا بذكره ، وتتحفز للعمل والجد والنشاط في سبيل تحصيل الخيرات والسعي لما يرضي الله ، ويبعدنا عن معصيته ، وتنفي الكسل والتواني والانكسار في كل الأحوال .

وأما معنى الذكر : فهو تذكر المعلوم وهو خلاف الغفلة عن المعلوم .

 ويقابل النسيان : الذي هو زوال المعلوم من النفس ، نسوا الله فأنساهم أنفسهم  وأرواحهم وتوجهوا للمادة ، ولا يحصل على معنى يرتاح له وتطمئن نفسه به ، بل يكون مهموم بالحصول على زينة الحياة الدنيا ، فمن توجه للمعلوم في نفسه ذكره ومن تعلق به قلبه توله به وعبده سواء الله تعالى أو أمر مادي .

والفرق ذكر الله : موجب للاطمئنان والراحة وانبساط النفس وفرحها على كل حال على الحقيقة والواقع ، والأمور المادية إذا لم تكن لغرض الاستخدام في طاعة الله ، فهي جالبة للهموم وللغموم ولانقباض النفس ، وتعكر صفوها وانكماشها وإن أظهر الطرب بمكاسب الدنيا .

وللذكر مراتب : ذكر قلبي على كل حال ومنه الذكر اللفظي ، والذكر الشديد هو عدم نسيان الله في موارد الطاعة والمعصية ، فيأتي العبد المؤمن الطيب بكل ما أريد منه ، وينتهي عما نهي عنه ، وهذا هو الذكر الحقيقي ، وأعلاه ما رافقه اطمئنان النفس بما عندها من معرفة الله في كل الأحوال ، فلا يفرحه إلا ذكر الله ، ولا يهمه إلا الغفلة عنه ، وهذا أشد الذكر ، وهذه أحاديث شريفة في فضيلة ذكر الله ومراتبه وحسنه على كل حال :

قال في عدة الداعي وروي : أن رسول الله قد خرج على أصحابه فقال : ( ارتعوا في رياض الجنة ) قالوا : يا رسول الله و ما رياض الجنة ؟

قال عليه السلام : ( مجالس الذكر اغدوا وروحوا واذكروا ، و من كان يحب أن يعلم منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله عنده ، فإن الله تعالى ينزل العبد حيث أنزل العبد الله من نفسه .

و اعلموا : أن خير أعمالكم عند مليككم وأزكاها وأرفعها في درجاتكم وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله تعالى .

 فإنه تعالى أخبر عن نفسه فقال : أنا جليس من ذكرني ، وقال تعالى: ( فاذكروني أذكركم بنعمتي ، اذكروني بالطاعة والعبادة أذكركم بالنعم والإحسان والراحة والرضوان ) [19].

و في المعاني : عن الحسين البزاز قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام :

 أ لا أحدثك بأشد ما فرض الله على خلقه ؟  قلت : بلى .

قال عليه السلام : إنصاف الناس من نفسك ، و مواساتك لأخيك ، و ذكر الله في كل موطن ، أما إني لا أقول : سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ، و إن كان هذا من ذاك ، و لكن ذكر الله في كل موطن ، إذا هجمت على طاعته أو معصيته [20] .

وقال ربنا تعالى : { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِي } البقرة152.

يا طيب : هذه بعض الآثار لمعارف الإيمان بالله ، وموجباته من وجوب المعرفة لتوحيده تعالى وبأدلته المحكمة حتى اليقين ، وتابع باقي أجزاء صحف التوحيد ومراتب المعرفة فيها ، وكل شؤون العظمة التي يتطرق لها علم التوحيد الإلهي ، وكن يا أخي : في أثرها الدائم من ذكر الله ودوام التوجه له بكل أمورك حتى تفويض الأمر إليه ، والتوكل عليه أبدا ، وإن أحببت المزيد من معارف هذه الآثار فراجع صحيفة الطيبين من موسوعة صحف الطيبين ، فإن بها معارف عن أهم الواجبات وما يجب أن نبتعد عنه من المحرمات ، كما إن في جزءها الثاني إن شاء الله نذكر معارف كريمة في ذكر الله ومعناه ، وأهم ما يذكر به الله تعالى من الأذكار ، وكذلك هناك معارف كريمة في صحيفة الإمام علي عليه السلام في ذكر علي عباده ، فتدبر بها وأعرف معنى ذكر الله بصورة عامة وخاصة ، وتوجه له بكلك ، فكن في طاعته وبذكرك له على كل حال ، وبالذكر الخاص اللفظي وبكل ما يقربك منه .

وأسأل الله : التوفيق لك ولي حتى الإخلاص له في كل علم وعمل وسيرة وسلوك وخُلق لنا ، وأن يشكر سعينا ، وأن يغفر لنا ولوالدينا ، ولكل طيب يحب الله وهداه بحق ، ويجعلنا مع نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم أجمعين في أعلى عليين ، فينعمنا بكل كرامة وعز ومجد إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

ويا أخي : بعد إن عرفنا أهم البراهين والأدلة الموجبة للإيمان بالله وبتوحيده ، ندخل بعد الإيمان بالله وبتوحيده في مرتبة أعلى ، وهي معرفة شؤون العظمة والمجد في التوحيد الإلهي ومعناه وشرفه ، وخصائص الله الكريمة العظيمة الكبيرة الماجدة ، فنتعرف على مراتب التوحيد  وأسسه وأصوله ، ثم بعده نتعرف على بعض الأسماء الحسنى والصفات الفعلية ، فنذكرها في أبواب لنتعرف عليها ، فنحصل على كمال الإيمان بالله تعالى وعن معرفة وعلم ويقين إن شاء الله .

يا الله : يا موفق عليك توكلي وأنت حسبي ، فاجعلني من الشاكرين الذاكرين وأغفر لي ولكل مؤمن وطيب آمين .


[18] الإلهيات للسبحاني ، عن العلم يدعو للإيمان ص 195.

[19] عدة الداعي ص338حديث17.

[20] معاني الأخبار ص192ح3 .

   
أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام