هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

الباب الثالث
التوحيد الإلهي ومراتبه الذاتية والصفاتية والفعلية ومعارف شؤونه العظيمة الكر يمة

الذكر الثاني
مراتب نور التوحيد الإلهي الذاتي والصفاتي والفعلي

يا طيب : إن بيان مراتب التوحيد ، يكون حسب معرفة الوجود المطلق والغني للذات المقدسة الإلهية ، والذي له كل كمال غير محدود بحد ، وحسب تجلّي الله تعالى وظهور سلطانه وقدرته في الوجود ، كما أن حسب ما يضاف إليه من خلقه نتعرف على مراتب من التوحيد مضافة إليه سبحانه ، فللتوحيد مراتب بعضها فوق بعض من : توحيد الذات الإلهية المقدسة ،  والتوحيد في الصفات الإلهية والأسماء الحسنى ، والتوحيد الفعلي : في الأفعال الإلهية والقيومية والهداية والعبودية والطاعة للتدبير والحاكمية ، وبهذه المعرفة لهذه المراتب إن شاء الله نستطع أن نخلص التوحيد لله تعالى ، ونحصل على كمال المعرفة في معنى التوحيد لله وحقيقته بعد الإيمان به .

ويا طيب : أعلم أنه لا يحاط بالله علما ، وكل ما تخيل من صفاته فهو مخلوق للفكر ، مصنوعا لخياله مردودا له ، ولذا يا طيب يجب الإيمان بالله وحده من خير تخيل له حتى عقلا ، ولكنه تعالى لم يحجب معرفته عنا بمعرفة عظمته وكبرياءه وتجلية ومجده ، وإنه هو العليم القادر الحي القيوم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا ، إما تصوره وتخيله أو توهمه فلا .

فالفكر يجول يا أخي : وفي عظمة المخلوقات الدالة على عظمته ، وفي سعة الكون الدال على إحاطته ، وفي حاجة الوجود الدال على غناه سبحانه ، ومده وتجليه وظهوره في كل شيء موجدا له ومبقيه لأجله ، فدل على أن كل شيء فاني ، وهو تعالى الباقي الأزلي بل الأول بلا أوليه قبله ولا بعد له ، أي الأول والآخر والظاهر والباطن ، مطلقا من غير حد حتى وهمي له سبحانه .

وسنذكر يا طيب : بعض مراتب التوحيد بذكر بسيط هنا للمعرفة ، ودليلها عرفت في كلمات الإمام علي عليه السلام في الباب السابق ، إذا تدبرت به ، وهنا كانت بعض المعارف ، أو أنتظر الباب الآتي ، وللتوسعة تدبر في صحيفة التوحيد الثالثة للعارفين ، وأسأل الله يرزقنا نور معارفها حتى اليقين .

 وإليك يا طيب : موجز في مراتب التوحيد وأنواعه في أنوار رزقنا الله تعالى حقيقتها يقينا بعد معرفتها ، وثبت إشراقها في قلوبنا إيمان خالصا لوجهه الكريم وبما يحب ويرضى ، على أن يكون التفصيل في الباب الآتي وما بعده :

النور الأول : مرتبة توحيد الله تعالى في مرتبة الذات المقدسة :

النور الثاني : توحيد الله تعالى في الصفات العليا وأسمائه الحسنى :

النور الثالث : توحيد الله في أفعاله وولايته التكوينية :

النور الرابع : توحيد الله في العبادة :

المرتبة الخامس : توحيد الله في الولاية التشريعية :

خاتمة : تشرق فيها وجوب إخلاص التوحيد لله في جميع مراتبه وأنواعه :

النور الأول

توحيد الله تعالى في مرتبة  الذات المقدسة

 

يا طيب : يجب أن نؤمن أن الذات المقدسة لله تعالى التي لا معرفة لأحد بحقيقتها وكنهها ، إلا بما أخبرنا الله تعالى في كلامه المجيد في القرآن الكريم ، بأنه تعالى لا يحاط به علما ، ووفق ما علمنا نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما جاء من التوضيح والشرح والتفسير في الأحاديث والكلمات المعتبرة عن الأئمة الأطهار من أهل بيت النبي الطيبين الطاهرين ، والمقصود من توحيد الذات المقدسة : يتم بيانه في مرتبتين :

 

الإشراق الأول : مرتبة توحيد الله في بساطة الذات المقدسة :

  وهو أن نؤمن : بأن  الذات المقدسة لله تعالى بسيطة غير مركبة من أجزاء ، ولا ينالها التبعيض ، ولا التحليل ، ولا التغيير ، ولا التجزئة .

 بل وجوده تعالى : بسيط بمعنى غير مركب من أجزاء ، كما أنه تعالى لا بعض له من يد ورجل ووجه ولسان وغيرها من الجوارح ، بل وجود أحدي له كل كمال مع بساطة الذات .

ويسمى هذا التوحيد بالتوحيد في الأحدية :

 وهو توحيد في نفس الذات وشؤونها بعدم تصور الكثرة فيها أبدا ، ولا حتى تصورها والفكر فيها .

وبهذا ينقطع الكلام هنا فلا تصور له ، بل إيمان وتصديق بعظمة وكبرياءه وعلو مجده ، وإن العقل ليعجز للتفكر في خلق بسيط من تجلي نوره ، ويأخذ به دكتوراه وبروفسور وغيرها من المناصب لمعرفة الإلكترون والنواة ، وغيرها من شجر وماء وهواء .

وتدبر ما شئت : في خلق الله وعظمته في الكون كله ، ومجراته وفي السماء والأرض وما بينهما ، يدلك على عظمة الخالق وإحاطته ، وسعت وجود كبرياءه وقدرته وعلمه ، وإنه لا يحاط علما بخلقه لا عددا وكثرة ، ولا أمدا وبقاء ، ولا حسن صنع ، ولا دقة تكوني ، ولا حكمة هدفا وغاية .

 وإن العجز : عن المعرفة بالذات المقدسة تفصيلا بعد العلم واليقين بسعة علمه وقدرته ، وعظمة حكمته وإحاطته ، هو عين المعرفة واس اليقين ، فسبحانه ما أعظمة شأنه وأجل كبرياءه .

 

الإشراق الثاني : مرتبة توحيد الله في نفي الشريك له :

 يا طيب : هو أن نؤمن بأن الله واحد ، لا شريك له ، ولا نظير ، ولا ويتصور له شبيه ، ولا مثيل ، ولا وزير ، ولا ند ، كما أنه تعالى لا ينفصل من شيء ولم ينفصل منه شيء ، ولا صاحبة له ، ولا ولد ، ولا أب ، ولا أم ، ولا خالق له ،  وهذا المسمى بتوحيد الذات بنفي الشريك والمثيل حيث إن لا ثاني له تعالى في الوجود ، ولا غير الله تعالى في الكون مستقل بذاته ، وكل الوجود من فيضه تعالى وتجليه ومحتاج إليه .

ويسمى التوحيد في الواحدية .

وخلاف التوحيد : في بساطة الذات ونفي الشريك ، يكون شرك في توحيد الذات والعياذ بالله تعالى :

 إما شرك : في الاحتياج وعدم غنى الذات بذاتها تعالى الله عنه .

 أو شرك : بالمثيل والند والصاحبة والولد والتكاثر ، ووجود إله غيره سبحانه وتعالى عنه ، وأقرأ سورة التوحيد ـ الإخلاص ـ تعرف البيانين .

 

النور الثاني

توحيد الله تعالى في مرتبة صفاته العليا و أسمائه الحسنى

يا طيب : إن أسماء الله الحسنى والصفات العليا كثيرة ، فبعضها صفات ذات ، وبعضها صفات أفعال ، فللتوحيد في معرفة الأسماء الحسنى المعبرة عن الكمال المطلق لله تعالى ، يكون نوعين ونذكره بإشراقين :

 

الإشراق الأول : مرتبة التوحيد الصفاتي للذات المقدسة :

مرتبة : التوحيد لصفات الذات المقدسة : والتي تعرف بمعرفة الله ، والتوجه إليه ، سواء بالفطرة ، أو بالبراهين والأدلة العقلية والنقلية ، وهي أسماء الله الحسنى المعبرة عن صفاته المبينة لكماله تعالى ، والتي نعرفها من أول وهله وهي كصفة : العلم ، والقدرة ، والحياة ، والسمع ، والبصر .

فنقول : إنه تعالى : عليم ، قدير ، حي ، سميع ، بصير ، وغيرها ك: العلي والعظيم ، والواحد والأحد ، والأزلي والأبدي ، المُعَبر عنها بالأسماء الحسنى والصفات العليا للذات المقدسة الإلهية ، وإن كانت متعددة بالمفهوم إلا أن مصداقها واحد .

وبعبارة أخرى : يجب أن نؤمن ونعتقد إن صفات الله التي تتصف بها الذات المقدسة بعينها ونفس وجودها وكلها واحدة مع الذات ، ولها مصداق واحد فرد غير متكثر ، بل وجوده تعالى بسيط ، وهذا الوجود الواحد الأحدي البسيط له كل كمال وجمال وجلال من غير كثرة ، وأن تعددت الأسماء وتكثر الصفات الإلهية بحسب المفهوم والمعنى والمنطوق ، إلا أنها بحسب المصداق واحدة غير كثيرة ، ولا أنها غير الذات ، ولا زائدة عليها ، بل وجود واحد بسيط له كل كمال وجمال وجلال .

 

وأعلم أن القول : بتعدد الصفات الإلهية في المصداق ، وعلى أنها زائدة على الذات على نحو يوجب تعدد وجود الذات المقدسة ؛ شرك .

وهذا يكون النوع الثاني : من الشرك المخالف للتوحيد الصفاتي للذات المقدسة لله تعالى ، نعم معانيها ومفهومها مختلف ، ونفهم من العلم غير القدرة ، ولكن لكون الذات المقدسة بسيطة الوجود لا كثرة فيها ، فهي واحدة ، وإن تكثر المنتزع منها مفهوما ، وذلك لكون وجوده تعالى واحد بسبط لا كثره فيه ، وله كل كمال وجمال وجلال في عين وجوده الواحد من غير تكثر .

 

الإشراق الثاني : مرتبة التوحيد الصفاتي الأفعالي :

وهو توحيد الله : في صفات الأفعال ، هو بأن نؤمن بأن الله وحده لا شريك له وهو : المريد ، الخالق والبارئ المصور ، و الرب والمدبر والهادي ، والرازق والمنعم ، والمشافي والمعافي ، والودود والعطوف ، وهي الأسماء الإلهية للصفات الحسنى المنتزعة من مقام الفعل والخلق والإيجاد للكون ، أو من الهداية والربوبية والمالكية والتدبير والقيومية .

والصفات الفعلية الإلهية : متكاثرة في المصداق والمفهوم ، وهي غير ذاتية وزائدة على الذات ، وهي انتزاعية ، وليست كالصفات الإلهية الذاتية متحدة مع الذات مصداقا وهي نفس نورها ، ومتكثرة بالمفهوم والمعنى فقط .

وأسماء صفات فعل الله أو الصفات الفعلية الإلهية : هي منتزعة من صفة فعله وأحوال الموجود معه وشأن المخلوق لنفسه أو لغيره ، وهي : حسب إضافتها لكل فعل من أفعاله تعالى نأخذ صفة معينه وأسم لشأنه معه .

وبحسب المفهوم : المضاف إليه اعتبار وجوده ، ومع الموجودات المخلوقة له تعالى من فعله ، وإيجادها لنفسها ولغيرها ، تتكثر الصفات والأسماء الحسنى لفعله تعالى ، سواء أيجاد ذات الشيء ، أو صفة كمالية له ، أو نعمته عليه ، أو قيومية عليه ، وإحاطة عليه ، أو هدايته له ، وربوبيته له .

فهي أسماء حسنى لصفات فعله تعالى : ومنتزع من مقام الفعل ، ومتكثرة بتكثر المخلوقات وحدودها ، فهي كثير من ناحية نسبت المخلوق للخالق ، فيتصف الله بها لفعله وإيجاده لخلقه وهداه له وتدبيره له وقيوميته عليه ، وهي بعد خلقه للخلق وإيجاده للكون ، والصفات الفعلية أنوار للصفات الذاتية وظهور لها في عالم الخلق والتكوين ، فهي زائدة على الذات المقدسة باعتبار وجود المخلوق غير وجود الخالق ، وإن كان شأن من شؤونه وتجلي من فيضه .

ومن يخالف هذا المعنى : ويجعل الصفات الفعلية عين الذات ، وغير كثيرة في المصداق حسب المخلوق ، ويجعلها كالصفات الذاتية السابقة يكون مشرك في التوحيد لله تعالى في ذاته وصفاته .

 

الإشراق الثالث : التوحيد في الصفات الخبرية :

الصفات الخبرية هي مثل : يد الله ، وجه الله ، وعرش الله واستوائه عليه ، وما شابهها من الألفاظ المشعرة بالتجسيم والحركة المستحيلة على الله تعالى ، فهي تدل على قدرة الله وعلمه بخلقه ، وإحاطته وقيوميته عليهم ، وتدبيره لهم بما يوصلهم لكمالهم المطلوب الذي خلقوا له ، ومن غير مانع يمنعه ولا ممتنع عليه ، وهو تعالى : بحكمته يتصرف ، وعلمه محيط ، وقدرته نافذة .

 فالصفات الخبرية : هي صفات تدل على قدرة الله وأحاطت علمه وتدبيره ، ويحرم حملها وفهمها على أن أنها يد الله على الحقيقة على أنها عضو من أعضائه لأنك عرفت لا كثرة له ولا جزء بل وجوده تعالى بسيط ، بل يجب حملها على قوته وسلطانه وهي كناية عن الخلق والإيجاد والتكوين ، أو الهداية والربوبية والتدبير والقيومية .

وكذا استواءه على العرش سبحانه : يعني علمه المحيط وقدرته وسلطته وحاكميته النافذة المطلقة على التكوين والكائنات ، وإن العرش تحت حيطة الله وسلطانه وهو من مراتب الوجود العالية في الخلق والتكوين ، ثم تأتي بعده مرتبة الكرسي في التكوين وهو تحت حيطة العرش ، وكلهم تحت قدرة الله وخلقا له .

 وكل من يُفرغ الصفات الخبرية عن معناها : ويحليها على غائب ومعنى مجهول ، فهو لم يعرف الله حق معرفته ، وكل من يحملها على الحقيقة ، وإن نفى الكيفية عنها ، فهو مشرك في توحيده ، إما بوصفه سبحانه بالأجزاء ، أو بالحركة ، أو بالاحتياج لهما حسب تفسيره لها ، كما سيأتي الكلام في معرفة الأسماء الحسنى ، وتفصيل لأنواعها فيما يأتي ، فأرتقب بإذن الله شرحها وبيان أوسع في معرفة الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية وكذا الصفات الخبرية .

وإذا عرفنا مرتبتين من التوحيد للذات المقدسة بالتوحيد الخالص من الوهم ونفي الشريك له بأي صورة .

وكيفية اتصافها بالأسماء الحسنى والصفات العليا ، بأن :

الصفات الذاتية : العليم القادر وغيرها : متحدة مع الذات في المصدق والوجود وإن تكثرة مفهوما ومعنى .

والصفات الفعلية : الخالق الرب وغيرها ، زائدة على الذات متكثرة مصداقا ومفهوما ، وهي انتزاعية تعبر عن شؤون خلقه ونسبته له تعالى .

والصفات الخبرية : يد الله وأمثالها : تعبر عن قدرته تعالى أو علمه حسب المورد ، لا أن له يد سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا  .

والآن يأتي يا طيب : دور التوحيد الفعل والخلق تكوينا، لا توحيد أسماء ووصف الفعل كالسابق ، وأسأل الله الإيمان الحق والتوحيد الصادق ، آمين .

 

النور الثالث

مرتبة توحيد الله تعالى في أفعاله

 

توحيد الله سبحانه في فعله : هو يجب أن نؤمن ونعتقد ، بأنه لا مؤثر  بالذات في الوجود إلا الله وحده لا شريك له ، وهو تعالى لا يحتاج إلى معونة أحد أو شيء غيره في الإيجاد والتأثير ، ولا مادة أو مثال ، لا لخلق الكون ولا لأجزائه، وهو الهادي له والرب والمالك له القيوم عليه والموصل له نعيمه وكماله.

والله سبحانه : هو الذي خلق الموجودات مع خصائصها وخواصها وأحوالها ، وأعطاها إمكانية الفعل والقدرة عليه قوة وعلما ، وكل الكائنات مستنده في وجودها لله تعالى وغير مستقلة في فعلها عنه ، وهو تعالى قيوم عليها ورب لها وهادي .

 فهنا نوعان من التوحيد في الأفعال وأسأل الله أن ينورنا إشراق نورها:

 

الإشراق الأول :

 مرتبة توحيد الله تعالى في الخالقية للوجود :

 والتوحيد في الخالقية : وهو إنه تعالى وحده لا شريك له هو : الخالق ، والمصور ، والبارئ لكل شيء في الوجود ، ومن فيضه وتجليه تم إيجاد الموجودات وتكوين الكائنات من غير معين ولا شريك ، فهو وحده لا شريك له خالق كل شيء وموجده ومعطيه كمالاته ، وكل صفاته وخواصه وأحواله ، أي معطي الوجود والكائنات جواهرها ، أي نفس وجودها لذواتها وأعراضها ، أي وجود صفاتها وكمالاتها .

الإشراق الثاني :

رتبة توحيد الله في الربوبية والتدبير والمالكية والقيومية :

يا طيب : يجب أن نوحد الله تعالى : توحيد في الهداية والربوبية والتدبير والمالكية والقيومية لله تعالى على جميع خلقه ، فهو وحده لا شريك له : الرب والمالك لكل شيء ، والقيوم المحيط على كل شيء .

 وإن ما يعمل : كل موجود من شيء إلا بالقدرة المستمدة منه تعالى ، وبالفيض الذي يمد به الموجودات ، وهو المتجلي خلقا لها والمعين والمدبر والمربي لها ، والهادي لمخلوقاته لتصل لكمالها ، وتعمل عملها بقدرته ونعيم عطائه .

ويجب : أن نؤمن إن الخلق محتاج لمدد الله تعالى في كل آن ، وإنه خلق الخلق محتاج له تعالى في كل لحظة ، ولم يستقل الخلق في وجوده ولا في بقائه من دون الله تعالى ، بل مثاله كيف نور الشمس وحرارتها متصل بالشمس محتاج لها وجودا وبقاء ، فكذلك الخلق محتاج لله وجودا وبقاء ، بل هو تجلي له وظهور لنور الأسماء الحسنى الإلهية ، والخلق ليس مثل البناء للبناء بأن تركه وذهب بعد إن بناه ، بل مثل نور الشمس للشمس مادامت الشمس مشرق يوجد نورها وهكذا تكون نسبة وحقيقة المخلوق للخالق ، وإن كان التشبيه من وجه والله هو الخالق لكل شيء، والشمس وشعاعها محتاج لله وجودا وبقاء ،وهكذا كل شيء محتاجا له ، وعرفت في الذكر السابق معنى معلوم الإنسان وكلام الإمام علي عليه السلام في الإشراق الخامس وقبله فراجعه وتدبر نسبة الخلق للخالق كيف هيه.

ومخالفة ما مرّ من التوحيد في التكوين والربوبية: يترتب عليه قسمين من الشرك : الشرك الأول : هو إعطاء خلق وتأثير وإيجاد لمخلوق لغير الله ، فيكون شرك في الخالقية والإيجاد والتأثير ، وتعالى أن يوجد ثاني غير الله موجد للوجود .

الشرك الثاني : هو إعطاء استقلال لموجود غير الله تعالى في أفعاله ، فهو شرك في مالكية الله للوجود ، وهو يكون شرك في الربوبية والتدبير والقيومية .

 

الإشراق الثالث :

الشرك الخفي في الخالقية والربوبية والقيومية :

يا طيب : الشرك له أنواع كثيرة وقد مر قسما منها وستأتي أنواع أخرى منه ، وأما هنا في التوحيد الأفعالي ، فالشرك يكون سواء في الخالقية ، بأن يعتقد بأن هناك خالق غير الله ، أو هناك واسطة مستقلة تفيض من دون مدد الله وتعمل بدون إذنه أو يمكن أن تخالفه بقوتها ، سواء كانت مستقلة ابتداء وهذا يكون في شرك غير المسلمين ، أو مخلوقة له ثم استقلت بنفسها أو بفعلها .

وقد يأتي معنى خفي في الشرك عند المسلمين : ويرجع معناه لتدبير الله لخلقه ، وإنه هل يستقل الموجود بنفسه من دون الله بعد خلقه أو لا ، وبالإفراط والتفريط بهذين القسمين صار بهذا التفسير كثيرين من المسلمين لو تتدبر بحالهم مشركون ، وهو شرك في معنى الخالقية و الربوبية ، أو قل التدبير بعد الخالقية ، وحاجة الخلق له بعد الخلق وحين يعملون لأنه يمدهم بكل لحظة ، وإنه حتى فعلهم لم يستقل عنه بل هو فعله ومجبرون عليه ، أو لا أنهم خلقوا واستقلوا وفوض إليهم وجودهم وفعلهم وإرادتهم واستغنوا عن الله في وجودهم وفعلهم أو في فعلهم فقط ومفوض إليهم في الأمر .

وبالتفسير لهذين النوعين : نعرف شركا خفيا والعياذ بالله منه :

وقد وقع فيه كثير من المذاهب ، حيث يتصور فيه في الوهلة الأولى أحد أمرين من  الجبر  أو التفويض ، وبيانهما :

شرك الجبر : ويحصل من القول : بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله تعالى ، ويفسر إن معناه أن الله تعالى يفعل بدون سلسلة العلل والأسباب والمؤثرات الطولية والمسماة بالشفعاء الكونية المخلوقة له أيضا ، كالملائكة المأذون لها وبمدده وبقدرته الفائضة عليهم يعملون وهكذا كل الخلق ، فيعتقدون أن فعلها فعل الله يوجده فيها لا بتوسطها بل بالمباشرة بنفسه تعالى ، وهذا يؤدي للجير والقسر لكل الكائنات حتى الإنسان ، ففرق بين القول إن الله تعالى أوجدها قادرة على الفعل وتستمد منه الحيل لفعلها ، وبين القول إن فعلها فعل الله مباشرة ، وهو الفاعل بدلها ، وإن ظهر الأثر منها لكنه للعادة ، وهو فعل الله نفسه وقرر ظهوره منها.

فكل المخلوقات عندهم : تكون غير فاعلة ولا مؤثرة ولا ينسب لها فعل ، وإن فعل الموجودات كوجودها لا ينسب إلا لله تعالى ولا ينسب لها أيضاً ، كما يتصور أن الله تعالى أجبر الخلق على أفعالهم ويعاقب المتصف فعله بالمعصية والمخالفة لأوامره ، ويكون الله الفاعل ، والمعاقبَ غيره على قولهم ، أو هو الفاعل ويعاقب نفسه سبحانه وتعالى عما يقولون وهذا قول المجبرة .

شرك التفويض : كما أن عكس المجبرة المفوضة : الذين يقولون : إن الإنسان أو الموجودات تفعل أفعالها بنفسها ، وهي غير مستمدة للعون وللفيض الإلهي وهي مستقلة في وجودها وفعلها ، وأن الله تعالى خلقها وتركها تعمل بدون مدده ، وأن الله تعالى فرغ من الخلق وأوجده وهو يفعل أفعاله دون مدد منه وتجلي وعون ، ومنذ خلقه أعطاه الحيل والقوة ولم يحتاج للحيل والقوة من الله تعالى ، ويجعلون كل موجود مقابل الله مستقل في نفسه غير محتاج لله تعالى ، وهم أيضاً مشركون لجعل كل مخلوق خالق لفعله مستقل في فعله ، مستغني عن الله تعالى وعن مدده وحيله وقوته .

وأستغفر الله من تصور هذين الشركين الجبر والتفويض .

والحق التوحيد الأفعالي الكامل هو أن نؤمن ونعتقد أنه :  لا جبر ولا تفويض : وهذا ما ستطلع عليه في مبحث العدل الإلهي إن شاء الله ، فالإيمان الحقيقي أنه لا جبر ولا تفويض في فعل الله ، ولكل شيء فعله بحسبه ، فالموجود المادي فعله طبيعي له ومدده من الله كوجوده ، وأن كل الوجود مخلوق لله تعالى ويفعل أفعاله بالقوة المستمدة منه تعالى ، والمخلوق المكلف كالإنسان غير مجبور ولا تام الاختيار بل الله تعالى أعطاه القوة والاختيار ليعمل ، ويثاب إن أطاع ويعاقب إن عصى ، كما يستطيع الله تعالى أن يسلب القدرة والاختيار من أي موجود متى أراد سبحانه ويقطع مدده منه فيفنى أو لا يقدر على الفعل .

وعلى هذا يكون الإيمان الحق في التوحيد الأفعالي لله تعالى : إن الله سبحانه خالق جميع الموجودات وأقدرها على أفعالها وهي تستمد الحيل والقوة والعون منه تعالى في كل لحظة ، والمكلف من الموجودات كالإنسان والجن الله سبحانه يعطيه القدرة ويمده بالاستطاعة ، وكذا أقدره على الاختيار لأفعاله ولم يجبره على الفعل ولا فوض له بحيث يعمل بدون مدده والقدرة المستمدة له منه في كل لحظة .

كما أن الموجود الغير مختار فعله يوجد منه وينسب له ، حيث أوجده الله قادر على فعل معين بطبيعته ولو من غير اختيار ، ففعله له نوع من النسبة له والصدور منه ، وإن قلنا : إن الله أوجده قادر وممده ومعينه ، وهو الحفاظ لوجوده وبقاءه وأعطاه القدرة على فعله .

وسيأتي البحث في العدل الإلهي في الأمرين أمر الاستطاعة والقدرة أو أمر الاختيار بالنسبة للإنسان فأنتظر .

 

النور الرابع

مرتبة توحيد الله تعالى في العبادة

بعد إن عرفنا : التوحيد في الذات المقدسة ، والتوحيد في الأسماء والصفات الذاتية والفعلية ، وبعد إن عرفنا التوحيد في الفعل الإلهية ونسبتنا إليه ، جاء يا طيب دور التوحيد في العبادة :

والتوحيد في العبادة : بأنه يجب أن نؤمن بأن العبادة لا تكون إلا لله وحده لا شريك له ، ولا أحد غير الله يستحق العبادة له . وأذكر لك يا طيب : ما ذكره الأستاذ السبحاني حفظه الله في كتاب التوحيد بتصرف ، كما أن أصل التقسيم له ، وشرحناه وبيناه بما عرفت ، وبيان ضرورة توحيد العبادة لله وحده هو : إن الله وحده : هو الذي يستحق العبودية بالإخلاص له من غير شرك له بغيره ، ولا أحد غيره سبحانه يمكن أن يُتخذ معبوداً يعبد مهما بلغ من الكمال والجمال والجلال ، ومهما حاز من الشرف والجاه إلا الله تعالى .

 وذلك لأن الخضوع بالعبودية لا يجوز لأحد ألا أن يوجد فيه ميزتان يستحق أن يعبد لأجلهما :  الأولى : أن يبلغ الذي يعبد ( المعبود ) حداً من الكمال المطلق المتناهي ، بحيث يخلو معه من العيب والنقص والاحتياج للغير .

الثانية : أن يكون المعبود الذي يجب أن يتوجه له بالخضوع والعبادة ، بيده مبدأ الوجود وتربيته ، وإيصاله لكماله وغايته بما يستحقه ، وبما في ذلك الإنسان ، فيكون هو خالقه وهاديه ورازقه ومنعم عليه نعم لا تحصى .

و كل من وجد هذان الوصفان فيه فهو يستحق أن يعبد ، وهذان الوصفان لا يوجدان في غيره تعالى ، ولا حتى وصف واحد منها لا يوجد لغيره تعالى مهما كان شرفه في رتبة الوجود والخلق .  وعليه : كل من يعبد غير الله تعالى فهو مشرك بالعبودية والعياذ بالله من الشرك بالله تعالى .

 

النور الخامس

مرتبة توحيد الله تعالى في الولاية التشريعية

 

يا طيب : حيث أشرنا للولاية التكوينية في النور الثالث حين ذكر التوحيد الأفعالي ، كما عرفنا قبل هذا توحيد الذاتي والتوحيد الصفاتي ، وفي النور الرابع التوحيد في العبادة والتوله بالله وحده لا شريك له .

 فهنا نذكر وجوب الإيمان بتوحيد الله تعالى في الولاية التشريعية :  وهي التي بها تنتظم شؤون الفرد والمجتمع في جميع مجالات حياته الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والقضاء والحكومة ، وكيفية إقامة العبودية لله وطريقاها من الأحكام الشرعية ، وهي ولاية الله تعالى وأولي الأمر من الأنبياء وأوصياءهم المنصوبين والمعينين من قبله سبحانه .

وذلك لأن الله تعالى : لا يباشر العباد ولا يوحي لكل فرد منهم تعاليمه ، كما أنهم يحتاجون لمن يقودهم في كل مجالات الحياة ويهديهم لصراطه المستقيم ، فلذا الله يختار ويصطفي من البشر لعلمه بأشرفهم وأحسنهم ذاتاً وعلماً وعملاً وصفتاً وخلقاً ، فيجعلهم أئمة يهدون بأمره ، ويقودون عباده للصراط المستقيم وهداه التشريعي ، وهم ولاة أمره على عباده وخلفائه في أرضه .

فيجب أن نعتقد ونؤمن : بأن المعين للولي وللحاكم على العباد وهاديهم لما فيه صلاحهم وما يستحقوه كونا وتشريعا ، هو الله تعالى لعلمه بما يصلحهم ، وفي الهداية التشريعية : هو تعالى يصطفي ويختار من يراه أكرم وأشرف وأكمل عباده في قوة معرفته وإخلاصه له ، فيختصه برسالته وبالتعاليم ويوصلهم لحقيقة سعادتهم وعبوديته ، ويمكنه وأوصياءه وخلفاءه من تبليغها أو المحافظة عليها لكي تصل للعباد بما يحب ويرضى من الهدى التشريعي الذي يحب أن يعبد به .

ولذا يجب أن نطيع من عينهم وولاهم وأختارهم الله تعالى .

ويجب أن نقبل كل ما يأمرونا به في جميع الأحكام الشرعية بكل أبعادها.

 ولذا يجب معرفة الرسول بالرسالة ، والإمام بالإمامة ، ونبحث عنهم ونتيقن أنهم هم أئمة الحق والهدى الإلهي والمنعم عليهم ، وهم أصحاب الصراط المستقيم ، فنواليهم ونتبعهم ونحبهم ، ونأخذ تعاليم الله ومعارف دينه منهم .

ولذا يا طيب : كان بحث النبوة والإمامة من أصول الدين ، وواجب معرفتهما بالدليل المحكم وبالبراهين المرسخة للإيمان بها كما عرفت في بحث التوحيد ، ولمعرفة التفصيل راجع بحوثها في الباب الأول .

ولهذا يجب على من آمن بالله وما عرفت من مراتب التوحيد .

أن يؤمن أيضا بتوحيد لله تعالى : في الولاية والتدبير والهداية التشريعية في معرفة ولاة أمره وخلفائه في أئمة الحق نبينا وآله صلى الله عليهم وسلم .

 

 ومن يخرج عن هذا : فيوالي غير أولياء الله المطهرون المصطفون المختارون له من عباده،  ولم يسير على هدى الله الخالص عند المصطفون الأخيار ، فهو مشرك في تدبير الله التشريعي ، وهو ضال عن الله وعبوديته بتوليه لغير أولياء الله ، والتعبد له بدينهم وهداهم المخالف لدين وهدى أئمة الحق .

ويمكن حصر التوحيد التشريعي بأقسام ثلاثة يشرق علينا نورها إيمانا إن شاء الله تعالى :

الإشراق الأول : التوحيد في الحاكمية لله تعالى :

وتوحيد الله في الحاكمية : هو أن نؤمن بأن الولاية في الأرض والحكومة لابد أن تكون لله تعالى ، وهو تعالى يخولها بأذنه لمن يشاء من عباده ، وهو الذي يصطفي بعلمه من يشاء للحكومة كالأنبياء وأوصياءهم المعينون من قبله تعالى ، وهو سبحانه الحاكم والمعين للحاكم على العباد والمصطفي والمختار له .

لا على نحو ما قال الخوارج : ( أن لا حكم إلا لله يا علي لا لك ولا لأصحابك ) ، وذلك لأن الله تعالى لا يباشر الناس بالحكومة ، بل يبعث أنبياء هم يحكمون بين الناس ، وهم الذين يعينون الحكام بعدهم لكي لا يقع الناس في الاختلاف والهرج والمرج والصراع على الحكومة ، وتحصل المفاسد العظيمة في التشريع والانحراف عن المنعم عليهم بالهداية للصراط المستقيم .

والخوارج بكلمتهم تلك : وقعوا في ما فروا منه ، حيث حكموا أنفسهم ، وجعلوا أنفسهم حكام دون الله ، فنصبوا حاكما من أنفسهم وأطاعوه وحاربوا ولي الله الذي عينه رسول الله في غدير خم ، وعرفه الله تعالى في آيات الولاية ، وآية وهم راكعون ، وطهره بآية التطهير ، وأمر بمودته في آية المودة ، وباهل به رسول الله بأمر الله فجعله نفسه وهكذا أبنيه الحسن والحسين بعده ، وبرفضهم حكومة الله : مع الدعوة إليها ، حين رفضوا حكومة الله وعينوا من أنفسهم حاكما لهم لم يجعل الله له حكومة ، أشركوا في حاكمية الله وولايته من حيث يدرون أو لا يدرون .

 وكذلك من يفوض الحكومة للناس : أي الناس ينتخبون إمامهم وولي دينهم وخليفتهم ، دون الله ورسوله ، وقالوا : بأن الله فوض هذا للناس يختارون من يشاءون من صحب النبي بعدهم من غيرهم ، فيكونون قد أشركوا في الحكومة الإلهية وجعلوا أنفسهم حكام مباشرة على الناس دون الله تعالى ، فرفضوا اختيار الله تعالى وانتخابه للحاكم وللخليفة له على عباده ، واختاروا حاكما حتى لو حكمهم بالخداع أو بالقوة وبرروا فعله وأعطوه شرعية لم يستحقها من الله ولا من رسوله ، وفوضوا أنفسهم في جعل الحكومة الإلهية بدل تعين الله لهم ، وهم عينوا الحاكم لأنفسهم ورفضوا الحاكم على عباده المعين من قبله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم .

فهؤلاء مفوضه في الولاية والتدبير التشريعي ، والخوارج مجبرة في الولاية والتدبير التشريعي لكن لأنفسهم ، وهو على حد الجبر والتفويض التكويني .

وعملاً وفعلاً : الطرفان مشركون في قبول حكمة الله وحاكميته وولايته وربوبيته وقيوميته ، لتنصيب أنفسهم حكام بدلا عن الله تعالى ، إما بتعين أنفسهم خلفاء له أو لرضاهم بالحاكم الغير معين من الله ، وحادوا وانحرفوا عن حكومة الله على الناس بقولهم ما لا يعلمون ، وهجروا تدبير الله وحكمته وربوبيته وجديته من إرادة العبودية الحقيقة من عباده بما يحب ويرضى من الدين القيم فقط ، وذلك بجعل خليفة وإمام منصوب من قبله يكون حاكم عدل ، وعالم مختار له ، وهو الذي يجب أن يشرح ويبين تعاليمه بحق، وهو مجتبى ومتربي ومعتنى به من قبله سبحانه وبيد رسوله ، وقد بيناه للمؤمنين بالنص ، وعينوه لهم بكل ما يرشدهم إليه ، وهو ولي الله تعالى في الحكومة ، لأنه تعالى هو الذي قام بتنصيبه حاكما واختاره لهم بعلمه بما يصلحهم وينفي الهرج والخلاف بين العباد ، لا أنهم يختارون بذوقهم كل مَن يتسلط عليهم أو يستطيع أن يخدعهم أو يغلب عليهم بالقوة ، فيرضوا به واقعا مفروضا ، فيعزلوا الله عن حاكميته وولايته وربوبيته وتدبيره وقيوميته .

ومن لا يرى هذا الحق : من الحاكمية والتدبير الشرعي لله تعالى فهو مشرك من هذه الناحية والعياذ بالله منه ، يعني مشرك في حاكمية الله تعالى وولايته في تدبير خلقه وربوبيته لهم .

 

الإشراق الثاني : توحيد الله تعالى في الطاعة :

يا طيب : كما يجب أن نوحد الله بالحاكمية ، فلا يجوز إطاعة غيره تعالى ولا يجوز أخذ الأوامر إلا منه ، ولما كان هو تعالى لا يباشر الناس بل يبعث أنبياء ، فيجب أطاعت الله من خلال إطاعة الأنبياء ومن يخولونهم كامتداد لهم ولتبليغ تعاليمهم التي جاءتهم من الله تعالى .

 وهذه الطاعة لله ولمن اصطفاهم من عباده من الأنبياء والأئمة المنصوبين من قبل الله تعالى : وهي ليست إطاعة لهم على نحو الاستقلال ، بل باعتبار امتثال لأمر الله بإتباعهم ، وتكون طاعتهم هي طاعة الله تعالى ، والخضوع لولايتهم خضوع وقبول لولاية الله التي جعلها الله لهم .

وذلك حيث أنه سبحانه : أمر بوجوب إتباعهم واخذ أحكامه الحقيقية منهم لا من غيرهم ، وذلك لكي لا يختلف الناس ويدعي كل واحد حق الطاعة له دون غيره ، فلذا لا تكون الطاعة إلا لله ومن يخوله حق الطاعة بإذنه .

ومن لا يقبل هذا المبدأ : بأن طاعة المختارون أولياء دين من قبل الله هي نفس إطاعة الله وامتداد لطاعته بأمره ، فهو مشرك بالله تعالى من هذه الناحية ، يعني مشرك في طاعته تعالى ، وغير خاضع لولايته والعياذ بالله ، ولا يقبل ربوبيته ، ولا ولاية تدبيره ومالكيته التشريعية .

 

الإشراق الثالث : توحيد الله تعالى في التقنين والتشريع :

توحيد الله تعالى في التقنين والتشريع : وهو أن نؤمن بأن الله تعالى هو وحده المشرع للقوانين ، وللأحكام التي توصل لعبوديته وحقيقة طاعته ، وتسعد المؤمنون في الدنيا والآخرة ، وكذا ما يتعلق بها من القوانين المنظمة لحياة البشر ليتمكنوا من إقامة العبودية له ، سواء تشريع أحكام عبادية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو فردية .

 فيجب أن نوحد الله : في قبول كل تعاليمه وفي جميع مجلات الحياة العبادية والمعاملاتية والتجارية ، والأحكام والتي بها يتوصل الإنسان لسعادة الدنيا والآخرة ، كما إنه لا يمكن أن يوصل إليها بالحقيقة إلا من الدين الإسلامي لأنه خاتم الأديان وبيان من جعلهم في أرضه أئمة حق ، وأختارهم أولياء لدينه وخلفاءه على عباده ، أي رسول الله ومن أصطفى وأختار بعده من آله صلى الله عليهم وسلم ، وإن أحببت المزيد راجع يا طيب صحيفة الثقلين ، وصحيفة النبوة والإمامة وصحيفة الإمام علي وصحيفة الإمام الحسين عليهم السلام ، وغيرهن من موسوعة صحف الطيبين لتعرف هذا .

 

وبهذا نعرف : أنه لا يجوز لأحد غير الله تعالى أن يقوم بالتشريع ولا سن الأحكام والقوانين من عنده ، ولا بدون أذن الله تعالى .

وكل من يسن تشريع : مخالف لأحكام الله فهو مشرك ، وكل من يطيع مشرع غير الله وغير من أختاره الله ، فهو أشرك بالله من ناحية الطاعة ، وإن وحده في باقي مراتب التوحيد ، يعني أنه مشرك بالله تعالى من ناحية عدم طاعته تعالى بالتقنين والتشريع ، وهو يرجع للشرك في حاكميته وولايته وتدبيره وهداه .

 

 

إشراق : وجوب إخلاص التوحيد في جميع مراتبه وأنواعه :

يا طيب : هذه كانت أنواع التوحيد وأقسامه ومراتبه باختصار وإيجاز ، ويجب الإيمان بها كلها من غير تبعيض ، وعدم الإيمان بواحدة منها أو من فروعها يعتبر شرك بالله تعالى ، والعياذ بالله من الكفر والشرك والمعصية ، كما يجب أن نخلص لله في توحيدها ونتقبلها كلها من غير شك ولا شبه .

قال الإمام علي عليه السلام : ( أَوَّلُ الدِّينِ معرفتهُ ، وَكَمَالُ معرفةِهِ التَّصْديقُ بِهِ ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ توحيدُهُ ، وَكَمَالُ توحيدِهِ الاِِْخْلاصُ لَهُ ) .

 والإخلاص له تعالى في جميع مراتب التوحيد وأنواعه ، وهي بإيجاز :

التوحيد الذاتي : توحيد في بساطة الذات ، وتوحيد بنفي الشريك لها .

التوحيد الصفاتي : بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية : الأسماء والصفات الذاتية : هي عين الذات مصداقا وحقيقة وإن اختلفت مفهوما . والصفات الفعلية : زائدة على الذات وغيرها ، ومختلفة ذاتا ومفهوما ، وهي إنتزاعية منتزعة من مقام فعله ونسبه خلق الله لله .

التوحيد الأفعالي : بأن نعتقد بأن الله تعالى وحده لا شريك له خلق الخلق كله ، وإن الخلق محتاج له وجودا وبقاء ، أي خلقا وتدبيرا وربوبية .

التوحيد العبادي : وهو يجب أن يعبد الله وحده لا شريك له .

توحيد الله تعالى في الولاية التشريعية : وهو : التوحيد في الحاكمية لله ، ولمن نصبهم . وتوحيد الله بإطاعته : بأنه يجب إطاعته وإطاعة من اصطفاه و أنهم استمرار لولايته ، وتوحيد الله في التشريع والتقنيني : بأن نأخذ قوانين الله وأحكامهم منه وحده ، أي ممن اصطفاه وأختاره لهداية عباده في أرضه .

وهذا معناه : أنه يجب نؤمن بأن ولاية الله مستمرة في خلقه تكوينا وتشريعا ، وإنه تعالى هو الخالق : والرب المشرع لهم دينهم والناصب لهم حاكمهم وخليفته في أرضه ، ويجب إطاعة من أرسلهم بهداه أو حافظ عليه بهم ، وهم من الرسل وأوصياءهم ، فنقبل حاكميته ، وربوبيته وقيوميته شرعا وتكوينا ، إي كما خلقنا فهو يهدينا تكوينا وتشريعا بمن يختار من أولياء دينه .

ولما عرفنا الأدلة الموجبة للإيمان بالله وتوحيده وعرفنا مراتب التوحيد وأنواعه ، نتعرض في الباب الأتي لمعرفة الأسماء الحسنى الإلهية ، وكيفية الإيمان بها عن معرفة ودراية وباختصار ، لتكون مقدمة لما يأتي في الجزء الثاني من صحيفة التوحيد للكاملين ، وهي المختصة بشرح الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية.

 ثم إن شاء الله : تأتي معارف أعلى في التوحيد في صحيفة التوحيد الثالثة للعارفين وللكاملين الواصلين .

 وأسأل الله : أن يوفقنا وإياكم ويشكر سعينا ويرضى توحيدنا كله وديننا وعبوديتنا له ، فيجعلها خالصة لوجهه الكريم ، بحق نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


[1] التوحيد ص 243ب 26ح2 .

[2] الاحتجاج 71.

[3] الخطبة 64.و151.

[4] الخطبة31 صفحة 496.

[5] الخصال ص2ح1. والتوحيد83ب3ح3.

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام