هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

الباب الرابع
نعرف الله بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ولا رؤية لعظمته تعالى إلا بتجلي نورها

الذكر الثالث

معنى معرفة الله تعالى وعدم إمكان رؤية سبحانه

 

النور الأول

معرفة الله بنور الإيمان قلبا وعقلا لا نظرا بالبصر

يا طيب : عرفت في الباب السابق وغيره ، إنه تعالى لا يحاط به علما ، وإنه لا يحاط بشيء من خلقه صغيرا كان أو كبيرا ، بل يأخذ الإنسان درجة علمية بروفسور أو دكتوراه في معرف ذرة وشجرة ، أو معرفة ناقصة وبسيطة لكوكب ونجوم متناثر في الكون ، والذي لم يعرف جزء يسير منه ، فكيف يحيط أو يعرف خالق الكون كله ، ومعرفته لم تتم الأحد إلا بما عرفنا من عظمته ونور تجليه بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، وقد عرفت ذوق طيب وشمة كريمة طاهرة من نور سناءها وبهاءها أعلاه .

ولذا يا أخي : لا يمكن رؤية الله تعالى : لا رؤية عقلية فكرية ولا تصورية ، ولا خيالية وهمية ، ولا بأي نوع منها فضلاً عن المعرفة ولرؤية البصرية ، وحقيقة هذا المعنى ما ورد في الأثر : إلهي ما عرفناك حق معرفتك ولا عبدناك حق عبادتك ، أو فقل لا يحيطون به علما ، سبحان الله عما يصفون .

 وإنما معرفة سبحانه وتعالى : بأي نوع من معارف التوحيد ومعارف الأسماء الحسنى والصفات العليا ، كلها معارف وجدانية قلبية ، يؤمن بها الإنسان لما يراه من آيات المقدرة والعظمة لله تعالى المحيطة به وبالكون كله ، والذي يشعر به العبد بأن مبدأها وتكوينها وإيصالها لكمالها بنعم لا تحصى و مرجعها ومنتهاها ، هو لله سبحانه وتعالى ، وإنه لابد من خالق لها عظيم له القدرة والعلم المطلق.

وعدم إمكان معرفة الله تعالى : إلا بالقلب والإيمان العقلي الذي يحصل باليقين والذي تطمئن به النفس ، هو لكونه تعالى ليس من نوع الخلق ولا يحيط به الوهم ولا الفكر ، لأن الإنسان محدود فكره ، أغلبه تخيل لصور يخلقها بنفسه ، وبما علمه ومكنه الله تعالى ، وهو مهما توسع في الفكر وكبر صور خياله فهو تعقل وفكر محدود ، فكيف ومتى يمكنه أن يعرفه الخالق الغير محدود ، إذ كان كل ما يتصوره هو من مخلوقات فكره وصنع عقله ونفسه والله أقدره عليه ؟!!

فالله سبحانه وتعالى : لا يحيط به فكر فضلاً عن البصر الذي لا يدرك إلا الأجسام المادية وأعراضها ، والله تعالى لا جسم ولا عرض له فكيف يرى ؟!!

ونحن يا طيب : لا نرى عقولنا ولا نرى أرواحنا : التي هي نفس وجودنا ، فكيف يمكن معرفة خالقنا ، ولكن عرفنا إن لنا نفس وعقل وفكر ، ومن آثارها التي علمنا بها ، إنا نعلم ونفكر ، وفينا شهوات ، وفطرة ، وغرائز ، وإن لنا نفس وروح هي أساس وجودنا ، والله عرفنا بما أوجد في نفوسنا وفطرتنا وفي كل الوجود وآثاره ، بأن لنا ولها ولكل شيء في الكون مهما كان ، خالق حي عليم قدير على كل شيء ، ومحيط له كل كمال مطلق غير محدود .

فمعرفة الله تعالى : لا يحيط بها فكر ولا عقل بما هو عقل بل معرفة عقلية قلبية ، أي معرفة وجدانية ، وفي داخل وجود النفس والروح ، وهي معرفة في الفؤاد ويقين وإيمان بوجوده العليم والمقتدر الحي ، والواهب لكل شيء وجوده وكماله ونعيمه وخيره وكل بركة تصل له منه تعالى ، وإن في البُعد عن رحمته كل ذل وفقر ونقص وحاجة بل نار الضيق والعدم . وكذلك لا يمكن أن يُنظر له تعالى ويُرى بالبصر والعين : لأنه غير محدود وليس بجسم ، والبصر يرى المحسوس بالبصر ، وانعكاس النور من الأشياء للعين عند رفع الموانع ومساعدة ظروف الإبصار .

بل معرفة الله : بما عرفنا من واجب معرفته في صنعه وكماله وآثار خلقه فينا وفي الوجود ، والذي هو من فيض كمال أسمائه الحسنى ، كما علمنا من كيفية التفكر وآثار أسمائه الحسنى التي ذكرها في القرآن المجيد وعلى لسان المطهرون نبينا الكريم وآل الطيبين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وعرفنا المهم منها من خلال ملاحظة تجليها في الوجود ، فعرفنا من خلال التدبر فيه إن موجدها وخالقها له كل الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وهي تشير لكماله مطلق الغير محدود ولا يناله نقص ، وقد مر في البرهان السابع للتوحيد بعض الأحاديث الشريفة في هذا المعنى .

فالوجود المقدس للذات المقدسة الإلهية : غير محدود ، وأبعد من أن تتصوره العقول ، أو تنال تصوره الأذهان وأوهامها أو تعرف حقيقته ، ولكن الله تعالى لم يحجب الواجب من معرفنه وكمال وجوده عن عقولنا لنعرف عظمته وكبرياءه ونحس بوجوده في ذواتنا ووجداننا وفطرتنا وأرواحنا ، وعرفت هذا المعنى في دليل الفطرة والشدائد المثيرة لها ، فالله تعالى جعل معرفته وجدانية في داخل أنفسنا تدعونا لها فطرتنا ، وتوقن بها أنفسنا عند التدبر في وجودها ووجود أي شيء في الكون وكائناته .

ومر الكلام في الباب الأول : في برهان التدبر في النفس أو برهان الفطرة وما تثير الشدائد في التوجه له تعالى ، وفي الذكر السادس من الباب الثاني ذكرنا بعض الأحاديث الشريفة الذاكرة لأحوال النفس ، كما أن في نور أذكار البراهين الأخرى واضحة موضحة البيان لهذه المعرفة الروحية ، والتي تشعر بها النفس في كل تدبر في الآفاق والأنفس ، وفي كل هدى الله ، وأن كل شيء وبالخصوص الإنسان فقير إلى الله والله هو الغني الحميد ، ومنه كل خير وبركة ونعيم وهدى ، فهو الخالق البارئ المصور ، وله الأسماء الحسنى والصفات العليا وسبحانه وتعالى عن كل حد وحاجة وهو المعطي لكل شيء وجوده وكل ما يوصله لغايته.

فتجليه تعالى : وظهور نوره بوجود الموجودات وكمالاتها وفطرتنا وعقولنا ككل ، يدلنا على صفاته وكمالاته التي فاض منها الوجود ، بالإضافة لما علمنا من الأسماء الحسنى والصفات العليا في القرآن المجيد وأحاديث الهداة لدينه القويم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .

فتحصل يا طيب : إن الله تعالى لا يرى في العقل على نحو التصور ، ولا يحد وجوده الفكري ، بل هي معرفة قلبية وجدانية ، ويقين نفسي بأن لنا ولكل شيء خالق له ، وله كل جمال وجلال غير متناهي ، ويفيض منه الوجود كله ومنه كل كماله ونعيمه ، وهو الغني الحميد وكل شيء فقير محتاج إليه .

كذلك لا يُرى سبحانه : بنظر البصر القاصر عن مواجهة مخلوق مثله كالشمس ، ولا يرى إلا ضيائها وآثارها من الحرارة والنور ، فكيف يرى منور النور وموجد الضياء ويقترب منه ، والوجود المحدود للعين ونظرها لا يرى عظمة الخالق ، ولا رؤيته كشبح أو بعيد فضلاً عن رؤيته شاب ورجل كما يقول المبطلون ، سواء عدم إمكان رؤيته الله تعالى في الدنيا أو في الآخرة ، لاكما يقول به بعض من ينتسب للإسلام ويدعي وحده توحيد الله ، ولغيره يقول مشرك مع أنه بعيد عن المعرفة الحقة بالله وتوحيده وهداه وشؤون عظمته وكبرياءه وعلوه.

فإن القول : بالرؤية البصرية أو الخيالية هو حد له وتجسيم وجعله مخلوق ، وهو يرجع لمعنى عبادة الأصنام وعبادة الشمس والقمر مهما كبره الفكر والنظر ، أو صوروا له صورة بالخيال أو أوجدوا له مصداق في الخارج من شمس وقمر أو صنم وحجر ، وتعالى الله علوا كبيراً عن كل هذه الخرافات والأنظار والأفكار القاصر عن معرفة خالقها ومدبر الوجود كله ، و سبحان الله عما يصفون وتنزه وتقدس عما يفكرون ويتوهمون المبطلون .

 

النور الثاني

أدلة القرآن والأحاديث لعدم رؤية الله بالبصر وإنما بالإيمان

يا طيب : عرفنا نور الإيمان بالله تعالى وحده في ما مر من الأبواب السابقة ، وعرفنا عظمة الله في توحيد في كل شيء ، وعرفنا عظمة كبرياءه ومعاني لأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، وإن كل شيء يكون متجل في التكوين ونعمه التي لا تحصى هو من نور ظهورها ، وبحق نرى نور تجليها في أنفسنا وفي داخل وجودنا، سواء تفكرا بأن من عرف نفسه وحاجته عرف ربه ، أو أعرف الناس بنفسه أعرفهم بربه ، أو بالفطرة الباحثة عن الكمال الحق المطلق الدائم الجميل واقعا ، فنرى إنه لابد من له الكمال المطلق هو الواهب لنا وجودنا وكل شيء ، فنؤمن به ونشكره على نعمه ونطلب منه المزيد ، ولذا يا طيب يمكن أن يقال :

نعم يُرى الله في وجودنا وأنفسنا : وفي كل شيء في الكون ، بأن الكائنات ومخلوقاتها وكمالها مخلوق لله تعالى ، وهذا أكثر تجليا ووضحا حين التدبر لبيان عظمة الله تعالى في الموجودات الكبيرة أو الدقيقة ، أو التي نرها حسنة وتعجبنا ، فنقول سبحان الله ، دليل عن تنزيه وجوده تعالى عن الحد، أو أن يرى بما هو فيه حد بنفسه بل هو خالق له وأعظم منه ، وهكذا في الكون كله الذي لا نعرف عنه إلا اليسير ، فالله تعالى يُرى بخلقه من حيث خالق له وموجد له ، وبهذا يُفسر كلام الإمام علي عليه السلام : ( ما رأيت شيء إلى ورأيت الله قبله ومعه وبعده ) ، أي رأيت الله بتقديره وخالقيته له وإحاطته به وهو القيوم عليه والهادي له لغايته ومنعم عليه نعم لا تحصى ، وهو يدل بوجوده على الخالق المنعم القادر العليم الخبير المتعال الذي له الأسماء الحسنى والصفات العليا وحده لا شريك له ، وهذا كلام الله شاهد ومعلم له ولنا إنه لا يحاط به علما ولا بصرا.

 

الإشراق الأول :

آيات كريم تنفي الرؤية بالبصر لله تعالى :

يا طيب : جاءت آيات كريم في كتاب الله القرآن المجيد تنفي النظر لله تعالى ، بل لا يوصف إلا بما عرفه المصطفون الأخيار وما علمه في كتابه ، فكيف يرى أو يتوهم ، وهذه آيات كريمة نتدبرها :

آيات لنفي الإحاطة العلمية :

 قال الله تعالى : { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ

وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتْ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ

وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } (طه/111).  

وهذه الآيات لنفي النظر البصري لله تعالى دنيا وآخرة :

قال الله تعالى : { إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ذَلِكُمْ اللهُ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ (95)  فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُون (98)

وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ

سبحانهُ وَتعالى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)

ذَلِكُمْ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102)

 لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ

وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير (103)

قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ

وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)

وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (106) وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ }( الأنعام95 /107 ) .

وقال تعالى : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ

 رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ

قَالَ لَنْ تَرَانِي

وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي

فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ }( الأعراف/143 ) .

{ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلاَّ عِبَادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ } (الصافات/160).

يا أخي : هذه آيات كانت تنفي الرؤية البصرية والنهي عن لتفكر بها أو طلبها منه تعالى ، وبعد أن بينت عظمة الله وإنه يُعرف بما يتفكر بخلقه وما أتقنه من صنع تكوينه ، وهدايته ونظمه كما عرفت التدبر العلمي بها في النور السابق وغيره ، وهذه الآيات الآتية تنفي النظر في الآخرة أيضا وحتى السابقة كانت تنفيه في التدبر بها ، وإنما النظر هو لرحمته ونوره فتدبرها :

قال الله تعالى : { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ( الصافات/182 ).

قال الله تعالى : { وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانهُ وَتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)  وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)

وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ }(الزمر/70).

يا طيب : هذه آيات كريمة تعرفنا ، نور الله وعظمة وقدرته ، وإنها هي الواضحة والمكشوفة لعبادة بأعلى مراتب العظمة والكبرياء يوم القيامة ، حقا إن من يقول بالنظر بالبصر لله هنا ويوم القيامة ، لم يقدر الله حق قدره ، ولا عرف عظمته تعالى ، وكان قد عبد ربا مجسما ينتظر ظهوره له .

 فإنه يا أخي : في هذه الآيات أعلاه قد ذكر سبحانه إن الأرض في قبضته يعني تحت قدرته وسلطانه وقيوميته عليها ، وإن السماوات وما في كل الفلك شمس وقمر وكواكب ومجرات كلها مطوية في يمينه ، فكيف نرى من الله شيء على فرض القول بالجسمية تعالى الله عنها ، وإن مسافة كيلو متر أو ألف ذراع من الأرض لا يرى كله مربعا أو طولا  ، فكيف بكل هذه العظمة والكبرياء وسلطان المجد الإلهي ، يرى في يوم القيامة ويجسم تعالى الله عما يقول المبطلون والمجسمون والحشوية ، وإن صوت لخلقه يفني من في السماوات والأرض وكل ما فيهما فيجمعه وينشره .

فإنه كما في الآيات الكريمة : الحق إنما هو النظر لرحمة الله في يوم القيامة وفيض نور عظمته وكرامته ، ومن يأتي من الطيبين الطاهرين هم برحمة الله ونوره المُشرق في الكون للطيبين ، وللناس الذي يتبعون الحق الذي عرفه أئمة الحق والهدى ، فيتم نورهم ويفوزون بكرامة الله تعالى .

وإن القول الحق : كما عرفت إنه تعالى لا يحاط به علما فكيف يحاط به بصرا ، وكل شيء مطوي في يمينه المعبر عن عظمته ومجده وكبرياءه وقدرته وعلمه .

وإنما المشبهة والمجسمة لم يعرفوا تأول قوله تعالى :

{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ( 23)

وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } القيامة25 .

وإن تفسيرها : بقرينة الآيات السابقة ، وما عرفنا من العظمة والكبرياء والمجد الإلهي ، وهو يكون نظر لتوقع رحمة الله ولطفه وثوابه الجزيل واليقين بالنجاة من تلك المواقف العظيمة في ويوم القيامة ، وهي لمن تبع الحق وهدي بنور أئمة الحق ، وإنه باسر كاسف وجهه مسود فقير من يظن بالله التجسيم والتحجيم والتصغير لشأنه وكبرياءه وعظمته ويراه ، وهو لا يمكن أن يرى خلق من خلق الله كله فضلا عن كل خلق الله الواسع للسماوات والأرض المطوية في يمين قدرته وعظمته .

وهكذا يُفسر : ويدل ما جاء من رؤية نبينا في المعراج ، وهو إنه رأى من المعرفة والشهود الوجداني والنفسي في داخل وجوده الشريف ، والحاصل من حوادث المعراج وبهاء العظمة في الخلق ما صار أقرب له من معرفة نفسه الشريفة وكل الأمور التي تدله على وجوده تعالى حتى اليقين ، ولذا أيد الله هذه المعرفة الشهودية من غير حجاب العلم والاستدلال والفكر ، بل بمعرفة ذاتية وجدانية عميقة في قرار النفس ، رزقنا الله وإياكم بها ، ونورنا ببهائها وسيأتي شيء من معارفها فأنتظر يا طيب .

فالنظر للرب في الآيات السابقة : هو نظر لتوقع رحمته تعالى حتى يشهد له يقين المؤمنين بالرحمة والفوز والرضوان ، ويقين المعاندين والكفار بالخسران الذي عبر عنه بالظن في نفس الآيات ، وهذا اليقين والمعرفة لكل إنسان بحسبه يوم القيامة  ، وهذا مثل قوله تعالى :

{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا

فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيد ٌ} ق22 .

 يعني إن كل إنسان : يرى حقائق البعث والنشر في يوم القيامة ، وقيام الناس للحساب بما لا يبقى له شك ، بأن المبدأ لوجود الخلق هو المعيد ، وهو القادر والواحد الأحد ، ويحصل على معرفة يقينية بأن الله وحده لا شريك له بيده كل شيء ، فيفرح المؤمن وتقر عينه بثوابه وينتظر حسابه ليحصل على رحمة الله ونعيمه ، والكافر والمنافق يكون على يقين بالهلاك والخزي .

فيا طيب : إن مآل كل الآيات في هذه الباب الحاكية عن الرؤية أو النظر لله تعالى ، هو أنه يقصد بها أنه أصبح على يقين من أن يوم القيامة قام والحاكم المطلق هو الخالق سبحانه ، وأنه قد بعثه الله القادر على كل شيء لكي يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بسيئاته ، ونسأل الله أن يوفقنا لطاعته وأن يعصمنا عن معصيته وعن الزلل في معرته ورحم الله من قال آمين .

وهذه أحاديث شريفة في إبطال الرؤية الوهمية والعقلية والبصرية ، وهي أساس ما ذكرنا وعرفنا معناها مما مرّ ، نذكرها لعل لله تعالى يركز معرفتنا به ويقبل منا إيماننا به وتوحيدنا الخالص الكامل له ، آمين يا رب العالمين :

 

 

الإشراق الثاني :

أحاديث شريف تبطل رؤية الله مطلقا وإنما معرفة لعظمته :

يا طيب : جاء في الكافي بالإسناد : عن يعقوب بن إسحاق قال : كتبت إلى أبي محمد عليه السلام أسأله : كيف يعبد العبد ربه وهو لا يراه ؟

فوقع عليه السلام : ( يا أبا يوسف :

جل سيدي ومولاي والمنعم علي وعلى آبائي أن يرى ) .

قال : وسألته : هل رأى رسول الله صلى الله عليه وآله ربه ؟

 فوقع عليه السلام : ( إن الله تبارك وتعالى

أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحب )[4] .

 

وفي الكافي عن صفوان بن يحيى قال : سألني أبو قرة المحدث أن ادخله على أبي الحسن الرضا عليه السلام ، فاستأذنته في ذلك ، فأذن لي فدخل عليه فسأله عن الحلال والحرام والأحكام ، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال أبو قرة :

 إنا روينا أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين :

 فقسم الكلام لموسى ، ولمحمد الرؤية .

 فقال أبو الحسن عليه السلام : ( فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن والأنس : { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ }الأنعام103 ، { و َلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } طه110، و{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }الشورى11 .

 أليس محمد ؟ قال : بلى .

قال عليه السلام : كيف يجيء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله ، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله ، فيقول : { لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ  } و { َلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } و{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } .

 ثم يقول : أنا رأيته بعيني ، وأحطت به علما ، وهو على صورة البشر ؟ ! أما تستحون ؟ !

ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي من عند الله بشيء ، ثم يأتي بخلافه من وجه آخر ؟ !

 قال أبو قرة : فإنه يقول : { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى }النجم13.

فقال أبو الحسن عليه السلام : إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى . حيث قال : { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } النجم11 .

 يقول : ما كذب فؤاد محمد ما رأت عيناه ، ثم أخبر بما رأى فقال :

{ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } النجم18 ، فآيات الله غير الله ، وقد قال الله : { وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } طه110، فإذا رأته الأبصار فقد أحاطت به العلم ووقعت المعرفة .

 فقال أبو قرة : فتكذب بالروايات ؟

 فقال أبو الحسن عليه السلام : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذبتها . وما أجمع المسلمون عليه : أنه لا يحاط به علما ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله شيء ؟ )[5]

وفي الكافي بالإسناد عن عبد الله بن سنان ، عن أبيه قال : حضرت أبا جعفر عليه السلام فدخل عليه رجل من الخوارج فقال له :

 يا أبا جعفر أي شيء تعبد ؟ 

قال عليه السلام : الله تعالى .  قال : رأيته ؟

 قال عليه السلام : ( بل لم تره العيون بمشاهدة الأبصار .

ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان .
 لا يعرف بالقياس ، ولا يدرك بالحواس ، ولا يشبه بالناس ، موصوف بالآيات ، معروف بالعلامات ، لا يجور في حكمه ، ذلك الله ، لا إله إلا هو
).

 قال : فخرج الرجل وهو يقول : " الله أعلم حيث يجعل رسالته " [6].

 

وعن أبي الحسن الموصلي ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟ قال : فقال :  ويلك ما كنت أعبد ربا لم أره .

 قال : وكيف رأيته ؟ قال : ( ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ) [7].

 

يا طيب : هذه هي حق المعرفة بالله تعالى ، لا عين تره ، ولا يحده بصر ، ولكن القلب يراه بالإيمان به تعالى ، وبالاطمئنان الذي يشعر به الإنسان عند ذكره والالتجاء إليه حين تعييه المذاهب ، فيرى الله عنده فيكفيه همه ويرفع غمه ، وبهذا عرفت بعضه في الباب الثاني في أنوار الشدائد والفطرة ، بل كل بحوث التوحيد والتدبر بالكون يعرفنا هذا ، ويحس الإنسان بها عند معرفة دليلها ويتقن برهانها ، وأنه يرى الله في قرار روحه ، وبداخل وجوده ، ويملك نفسه بأنه يرى الله تعالى محيطا بكل شيء ، وعالما بكل شيء ، وقديرا على كل شيء ، وهادي كل شيء ، وهو الولي والمالك الرب المدبر الذي بيده كل شيء .

وهذه رؤية القلب : ولكن بالبعض الذي يحجب عن سبيل المعرفة الحقة والصراط المستقيم لمصدر الولاية والإمامة للنبي وآله عليهم السلام ، يقع فيما يقع فيه من الاشتباه في مسألة الرؤية ، بل كل معارف الله وتوحيده ، فيحده ويجسمه ثم يراه ، وأين الثرى من الثرية وأين تعاليم معاوية من تعاليم علي عليه السلام ، والسلام على من أتبع الهدى وعبد رب عرّفه له أمير المؤمنين وآله آل رسول الله الطيبين الطاهرين صلاة الله و سلامه عليهم أجمعين .

وخلاصة هذا الكلام والمعرفة : هذه الكلمة له عليه السلام ، وإن ذكرناها مسبقاً ، ولكنها لكونها قيمة فيها باب معرفة الله الذي يفتح منه ألف باب لمعرفة الله وتوحيد ، وبكل أنواع التوحيد أسمائي أو صفاتي أو فعلي أو معرفة وعبادي :

قال الإمام علي عليه السلام في خطبة له فيها جملة من صفات الربوبية والعلم الإلهي :

 ( الْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَطَنَ خَفِيَّاتِ الاَُْمُورِ ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ أَعْلاَمُ الظُّهُورِ .

 وَامْتَنَعَ عَلَى عَيْنِ الْبَصِيرِ ؛ فَلاَ عَيْنُ مَنْ لَمْ يَرَهُ تُنْكِرُهُ ، وَلاَ قَلْبُ مَنْ أَثْبَتَهُ يُبْصِرُهُ .

 سَبَقَ فِي الْعُلُوِّ فَلاَ شَيءَ أَعْلَى مِنْهُ ، وَقَرُبَ فِي الدُّنُوِّ فَلاَ شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْهُ ، فَلاَ اسْتِعْلاَؤُهُ بِاعَدَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلاَ قُرْبُهُ سَاوَاهُمْ في المَكَانِ بِهِ.

 لَمْ يُطْلِعِ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ ، ولَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ معرفتهِ ، فَهُوَ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ أَعْلاَمُ الْوُجُودِ ، عَلَى إِقْرَارِ قَلْبِ ذِي الْجُحُودِ ، تعالى اللهُ عَمَّا يَقولُ الْمُشَبِّهُونَ بِهِ وَالْجَاحِدُونَ لَهُ عُلوّاً كَبِيراً ! )[8] .

صدق ولي الله وأنا من الشاهدين وبقوله من المؤمنين جعلنا الله معه .

ويا أخي الطيب : إنه قد مرت معارف في وجوب المعرفة ، وهذه الكلمات تشير إلى المعرفة الشهودية ، والتي تُكمل وتُتم بعد مرحلة العلم والتفكر ، وتحصيل البراهين القيمة في معرفة الله ، وعن يقين وإيمان قطعي حضوري بعظمة الله في القلب ، وحتى تكون الروح تشعر في كل آن أنها معلقة بعز قدسه سبحانه .

 راجع يا طيب : هذه المعارف الكريمة في أواخر دعاء عرفة للإمام الحسين أو أول دعاء الصباح للإمام علي عليهم السلام ، وكثير من الأدعية واضحة موضحة لهذا الباب من المعرفة ، وهذه معرفة من دعاء المناجات الشعبانية وتجدها في مفاتيح الجنان في أعمال الشهر ، وهي عظيمة المعارف ، وفيها علم المشاهد الكريمة ، نذكر قسما منها نختم به الباب ، فتكون مسك إن شاء الله فيحققنا بها الله مذاقا وشهودا وتحققا بكل وجودنا :

 

( ....... اِلـهي : اُنْظُرْ اِلَيَّ نَظَرَ مَنْ نادَيْتَهُ فَاَجابَكَ ، وَاْستَعْمَلتُهُ بِمَعونَتِكَ فَاَطاعَكَ ، يا قَريباً لا يَبْعُدُ عَنِ المُغْتَرِّ بِهِ ، وَيا جَواداً لا يَبْخَلُ عَمَّنْ رَجا ثَوابَهُ .

 اِلـهي : هَبْ لي قَلْباً يُدْنيهِ مِنْكَ شَوْقُهُ ، وَلِساناً يُرْفَعُ اِلَيْكَ صِدْقُهُ ، وَنَظَراً يُقَرِّبُهُ مِنْكَ حَقُّهُ .

 اِلـهي : إنَّ مَنْ تَعَرَّفَ بِكَ غَيْرُ مَجْهُول ، وَمَنْ لاذَ بِكَ غَيْرُ مَخْذُول ، وَمَنْ اَقْبَلْتَ عَلَيْهِ غَيْرُ مَمْلُول .

 اِلـهي : اِنَّ مَن انْتَهَجَ بِكَ لَمُسْتَنيرٌ ، وِاِنَّ مَنِ اعْتَصَمَ بِكَ لَمُسْتَجيرٌ ، وَقَدْ لُذْتُ بِكَ يا اِلـهي فَلا تُخَيِّبْ ظَنّي مِنْ رَحْمَتِكَ ، وَلا تَحْجُبْني عَنْ رَأفَتِكَ.

 اِلـهي : اَقِمْني في اَهْلِ وِلايَتِكَ مُقامَ مَنْ رَجَا الزِّيادَةَ مِنْ مَحَبَّتِكَ .

 اِلـهي : وَاَلْهِمْني وَلَهاً بِذِكْرِكَ اِلى ذِكْرِكَ ، وَهَمَّتي في رَوْحِ نَجاحِ اَسْمائِكَ وَمَحَلِّ قُدْسِكَ .

 اِلـهي : بِكَ عَلَيْكَ إلاّ اَلْحَقْتَني بِمَحَلِّ اَهْلِ طاعَتِكَ وَالْمَثْوىَ الصّالِحِ مِنْ مَرْضاتِكَ ، فَاِنّي لا اَقْدِرُ لِنَفْسي دَفْعاً ، وَلا اَمْلِكُ لَها نَفْعاً .

 اِلـهي : اَنَا عَبْدُكَ الضَّعيفُ الْمُذْنِبُ ، وَمَمْلُوكُكَ الْمُنيبُ ، فَلا تَجْعَلْني مِمَّنْ صَرَفتَ عَنْهُ وَجْهَكَ ، وَحَجَبَهُ سَهْوُهُ عَنْ عَفْوِكَ ، ...

اِلـهي : هَبْ لي كَمالَ الانْقِطاعِ اِلَيْكَ ، وَاَنِرْ اَبْصارَ قُلُوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها اِلَيْكَ ، حَتّى تَخْرِقَ اَبْصارُ الْقُلُوبِ حُجُبَ النورِ فَتَصِلَ اِلى مَعْدِنِ الْعَظَمَةِ ، وَتَصيرَ اَرْواحُنا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ .

 اِلـهي : وَاْجَعَلْني مِمَّنْ نادَيْتَهُ فَاَجابَكَ ، وَلاحَظْتَهُ فَصَعِقَ لِجَلالِكَ ، فَناجَيْتَهُ سِرّاً وَعَمِلَ لَكَ جَهْراً .

 اِلـهي : لَمْ اُسَلِّطْ عَلى حُسْنِ ظَنّي قُنُوطَ الاِْياسِ ، وَلاَ انْقَطَعَ رَجائي مِنْ جَميلِ كَرَمِكَ .

 اِلـهي : اِنْ كانَتِ الْخَطايا قَدْ اَسْقَطَتْني لَدَيْكَ ، فَاصْفَحْ عَنّي بِحُسْنِ تَوَكُّلي عَلَيْكَ .

 اِلـهي : اِنْ حَطَّتْني الذُّنوبُ مِنْ مَكارِمِ لُطْفِكَ، فَقَدْ نَبَّهَني الْيَقينُ اِلى كَرَمِ عَطْفِكَ .

 اِلـهي : اِنْ اَنَامَتْنِى الْغَفْلَةُ عَنِ الاسْتْعِدادِ لِلِقائِكَ ، فَقَدْ نَبَّهَتني الْمعرفةُ بِكَرَمِ آلائِكَ ... ) .

 

ويا طيب : بعد إن عرفنا معارف كريمة في التوحيد الإلهي وضرورة الإيمان به بكل مراتبة ، والإيمان بظهور الذات المقدسة الإلهية بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، فنرى عظمته تعالى متجلية في كل شيء ككل ، حان الآن لندخل في باب كريم يشرق علينا أنوار عظيمة في معارف تجلي الأسماء الحسنى في مراتب الوجود وظهور الكون المخلوق بمراتبه في الغيب والشهادة ، بعد إن كانت المعارف السابقة في عظمة الله العالية في نفس معرفة نور وجوده واتصافه بالأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، والإيمان به وحده خالقا للوجود وهادي وربا لكل شيء بصورة عامة .

فيكون الباب الآتي في الحقيقة : هو في فعل الله وظهور تجلي الأسماء الحسنى في الكون ومراتبه وغايته ، وهدى الله في الوجود الكوني والتشريعي ، وبالخصوص للإنسان وكيف يتوسل به ليصل إلى معدن العظمة ونور بهاء الكرامة الإلهية ، وبعض المعارف الأخرى لتجلي الأسماء الحسنى ونور ظهور الكائنات بدأ وهدا وعودا إليه وحده لا شريك له .

 وأسأل الله : لك ولي أن يوفقنا لما يحب ويرضى ، ويهبنا معارف نور تجلي الأسماء الحسنى ، وبأحسن كمال وجمال تجلى به لأحد من خلقه ، إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


[4] الكافي ج1ص95ح1 .

[5] الكافي ج1ص95ح2 .

[6]  الكافي ج1ص97ح5 .

[7] الكافي ج1ص97ح6 .

[8] نهج البلاغة الخطبة 49.

   

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين
http://www.msn313.com

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام