هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة التوحيد الإلهي / الثانية / للكاملين / أدلة التوحيد ومراتبه

الباب الخامس
تجلي الأسماء الحسنى الإلهية  بمراتب الوجود وغرضه وغايته وكيفية التحلي بنورها

الذكر الثالث
آداب طلب الله بالأسماء الحسنى والتوسل والدعاء بها

يا طيب : قد مر كلام في معنى الإيمان والذكر في أدلة التوحيد وفي مراتبه بما يناسبه ، وهنا نتعرض للذكر والدعاء بعد المعرفة بالأسماء الحسنى ، فنذكر يسير من البيان في كيفية التوسل بالله وذكره ودعاءه ، ونجعله كخاتمة لبحث صحيفة التوحيد وهو وثمرة طيبة علمية وتطبيق عملي لما تدبرنا به هنا ، ويعرفنا ببيان جميل كيف يتم ظهور الأسماء الحسنى في المؤمن الموحد حتى يصل لأعلى كمال وأجمل مقام في الكون والوجود ، ويكون في أقرب محل من رضا المعبود وفضله وخيره ونعيمه وكل بركة وإحسان جعله للممكن بالوجود .

 وقبل أن ندخل في هذا البحث : والذي يعرفنا كيف نتلبس ونتحلى بفيض الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية بعد إن عرفنا تجليها بكل الوجود في النور الأول ، وغاية الكون وهدفه في النور الثاني ، نقدم هدى في بحث جود الله وكرمه وتفضله سبحانه على بني الإنسان ممن يستعد لتحصيل خيره ونعيمه .

فنعرف يا طيب : كيف تظهر وتتجلى أسماء الله الحسنى ويفيض علينا كرمه فيغني وجودنا بالكمال ، وإن كان عرفناه إنه بالعدل والإحسان في أول نور من هذا الباب وإنه لكل الكون ومنه الإنسان ، فنذكر به لأنه بعد العموم يخصنا والذكرى تنفع المؤمنين ، ولنسعى بإذن الله تعالى للحصول عليه بكل وجودنا، ولكل منا حسب حاله وطلبه وسعيه والتوفيق منه سبحانه وتعالى يحصل على خيره وكماله ونعيم هداه وطيبات الوجود الدائم .

وفي الحقيقة هذا البحث : ثمرة ونتيجة عليمة وعمليه وتطبيق وتدبر لما عرفنا من ضرورة الإيمان بالله تعالى ، وما عرفنا من مسائل التوحيد ومراتبه ، وكيف وما هي الأمور التي يجب أن نوحد الله بها ، وبالخصوص مسألة كيفية ظهور الأسماء الحسنى وتجليها في الوجود .

 وهذا الهدى : هو قريب المعنى مما عرفنا من ضرورة وجوب معرفة الله تعالى والإيمان به وتوحيده ، ولكن ذلك قبل المعرفة ، وهذا بعد المعرفة ، فيكون فيه معاني أجمل وتدبر أرقى ، ونذكر هذا البحث لكي نتوجه بجد لطب ما عند الله ، ونعرف أن نعبده ونطيعه تعالى بما له من الشأن العظيم ، ونطلبه بسحب ما أدبنا وعلمنا ، وباحثين عن هداه الحقيقي بجد ، ونطبقه بكل جهاد نفس ، وبهذا تتم الراحة الدائمة والمنعمة الخالدة لنا .

طبعاً هدى الله تعالى : لا تتم معرفته إلا بالصراط المستقيم الذي عينه الله تعالى ، وما ذكرنا في النور السابق في الحقيقة هو بحث عميق تمامه تجده في كتاب صحيفة الثقلين ، وهو كتاب في تقارن كتاب الله والعترة النبوية المباركة ، وإنه يبين تلازمهما حسب حديث الثقلين ، ولكن على فرض بعد إن عرفنا إن هدى الله تعالى متقن ومحكم ومستمر وكما سنشير له هنا ، وإن الإنسان قد سعى بجد لطب دين الله تعالى ، والآن يريد أن يصل للكمال المطلوب بعد المعرفة بالهدى الواقعي لله تعالى ، ومن الصراط المستقيم للمنعم عليهم ، فإذا عرفنا هذا المعنى القيم ، نتعرف على بحث جميل يرشدنا لمعنى راقي وهو معنى طلب الله ودعاه والتوسل به بالأسماء الحسنى والصفات العليا ، وموحدين ومخلصين له الدين إن شاء الله .

وأسأل الله : أن يتفضل علينا بمنه ويكرمنا بإحسانه ويجعلنا مع المصطفين الأخيار من عباده الذين جعلهم ولاة لأمره وهداة لدينه إنه ولي حميد وغفور شكور وسميع عليم وأرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.

 

النور الأول

ظهور الأسماء الحسنى الإلهية بالعدل والإحسان في الداعي

 

يا طيب : عرفنا إن غاية وجودنا هو أنه يجب علينا أن نقيم لله وحده العبودية والطاعة بإخلاص وباختيارنا ، وهو معنى طلب تجلي الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية وظهورها فينا ، ليتم كمال وجودنا وننال نعيم الله وهداه وكل خير وبركة تأتي منها ، فنسعد ونرتفع لأعلى مراتب الوجود بالجود الإلهي وإحسانه ، وقد عرفنا أنه لا ينال منه الإنسان شيء إلا بالتهيؤ له ، وبخلق الاستعداد لتحصيل فيض الأسماء الحسنى الإلهية الجمالية التي تفيض كل كمال ونعيم ، وقد عرفت إنها تظهر بالعدل والإحسان من الله وبالتفضل على من يريد الله سبحانه ، ولابد أن يكون الطلب بشكل صحيح ووفق ما هدانا الله تعالى له ، ولا جزاف ولا غلبه ولا مكر ولا حيلة ولا باطل في تحصيلها ، بل لابد من الجد والاجتهاد .

وبهذا نعرف يا أخي : إنه ليس للإنسان إلا ما سعى وطلب من تجلي فيض أسماءه الحسنى ، وإنه لا يكلف فوق الطاقة ، ويعطي كل موجود حسب حاله ، وبما أطاع الله به ، ولذا قال سبحانه :

{ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) ـ الله يحاسب على النية ولكنه بتفضل وإحسان ، ويتفضل على من يؤمن وعنده قابلية لفضل الله عليه فيغفر له أنظر الآية بعدها ـ

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) ـ فجب علينا الإيمان بالله تعالى وأن نوحده وبكل ما طلب منا من الإيمان بملائكته وبكتبه ورسله ، ويجب أن نسمع ونطيع لكل ما يأتونا به من تعاليمه لننال فضله وجوده ، والله لم يكلفنا فوق طاقتنا ، ولكن فيضه حسب سعينا وظرف وجودنا وطلبنا له ، ولما كنا بأحسن أحوالنا قاصرين عن أداء حق شكره تعالى ، يجب أن نطلب منه أن يتجاوز عن تقصيرنا ويغفر لنا ، وندعوه بكل وجودنا فضلاً عن امتثال كل ما أمرنا به سبحان ، وأنظر تمام الآيات السابقة في قوله تعالى :

{ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ

رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا   رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا   رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ   وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا   أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ }البقرة286 .

فإذا عرفنا يا طيب : إنه لا ينال ما عند الله بجور ولا يفيض إلا بحسب السعي لطلب ما عنده ، ونحن القاصرون ، فبهذا نعرف إن العدل والقسط ساري في كل الوجود سواء في ظهور وبطون نفس الأسماء الحسنى ، أو في ظهور الوجود كله التابع لظهورها ، وبالحق يحصل كل شيء على نصيبه من فيض الله ، وبحسب حاله وبمقدار استعداده حتى وجود الوجود كله ، وإن كان لا يمكن تصور أحسن منه لأنه بالخلق الأول ، وبالهدى المحكم المتقن كان .

ولذا كان الإنسان : بالخصوص لتشرفه بتكليف الله يحصل على خير ونعيم الله حسب قوة معرفته وإيمانه بالله تعالى ، وبمقدار طاعته والسير على صراطه المستقيم ، وبالإخلاص في طلب هدى الله ودينه يحصل الإنسان على فيض وتجلي الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية عليه .

فهي بالعدل بل وبالإحسان والرحمة الإلهية : تصلنا وبحسب توجهنا لله وطلبنا له وبمقدار ما نسعى ونجد ونجتهد نحصل على هدى الله ونعيمه ، وكل كمال لوجودنا من الأسماء الحسنى الإلهية ، ولا يمكن أن ينال ما عند الله من غير طلب حالي ومقالي وسعي واستعداد لتحصيل فيضه تعالى ، ولا يكون بالقهر والغلبة أو بالمعصية والبعد عن الله وبالفرار من رحمته ، فإنه الشارد من رحمة الله بعد دعوته له ، خرج منها ، وبطلبه للخروج منها أبعده ، بل قد يلعنه والعياذ بالله ، وهذا من العدل أن يعطي ويمد كل شيء بحسب حاله .

 ولذا يكون المؤمن بالله : والعارف به والمتوجه له والطالب لهداه والعامل بدين الله في أحسن حال ، ومطمئن في ذكر الله ، وإن كان مهما ما أدى من الطاعة والعبادة لله يشعر بالقصور والتقصير ، لأنه نعم الله لا تحصى ، ولا يمكن أن يؤدى حق شكره وعبادته ، ولذا يطلب منه ويتوسل به أن يغفر له تقصيره ويستر عليه قصوره وغفلته وخطأه ونسيانه .

وبهذا الطلب والتوجه يفيض علينا الكمال من الله : وكل نعيم حقيقي تتحقق به ذواتنا ووجودنا وصفاتنا وأفعالنا ، فيتفضل علينا الله تعالى ، وبما يستحق المؤمن بوجوده المطيع الطيب المخلص له ينال منه كل بركة فيض وتجلي للأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية التي ذكرناها ، وهذا لا يتم إلا بالعلم والمعرفة ولإيمان والعمل والسعي لتحصيل ما عند الله ، والذي علمه لنا بدينه المتخلص بتعاليم ومعارف كتابه المجيد ، وما بينه أولياء دينه نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين .

وإلا بدون هذا التوجه والطلب : فالحرمان والبعد عن فيض وتجلي الأسماء الحسنى ، وهو الضيق الوجودي وعدم الكمال ، ونار الحرمان وجنهم سجن الطبيعة المادية والعياذ بالله ، والله تعالى لا يعجزه ولا يمنعه شيء عن فعله وتجلي كماله ونعيمه إلا عدم توجهنا له وعدم طلبه وعدم ذكره .

وإنه لا بخل منه تعالى : ولا منع لمن يطلبه سبحانه ، وحسب استعداد وقابليته كل موجود وطالبه منه ينال فيضه ، ويتجلى عليه ليكون بأفضل وحسن صورة ممكنة ، ومن ينكمش وجوده ويحرم فيض الله ورحمته وإحسانه ، فهو لعدم قابليته ولنقص في وجود استعداده لتقبل رحمته وهداه .

ولما كان ظهور الأشياء والوجود : هو إخبار عن كمال الموجودات وإنباء عن جمالها ، وحسن ظهورها وطلعتها ، وبديع إتقانها ودقة تكوينها في الوجود ، فهي مبينة لعلوه وعزه ومجده وكبرياءه وعلمه وقدرته وكل اسم حسِن يعبر عن كماله المطلق ، فهي حامدة له وشاكرة ، فهو تعالى المحمود والحامد والحميد ، والشاكر والشكور والمشكور ، وكل شيء يسبح بحمده ويشكره ويمجده ، ولكن لا نفقه تسبحهم إلا بما علمنا عز شأنه ، وهو الحميد المجيد .

وعلى الإنسان بالإضافة لطلب الله : وشكر وحمده وتمجيده وعبادته بوجوده ، عليه طلب مقالي وعملي اختياري ، وهو الإيمان بالله تعالى ، ويوحده ويؤمن بكل ما أمره وأراد منه ، ويقيم له الطاعة ، ويعبده بكل أحواله وصفاته وسيرته وسلوكه ، ويدعوه ويخلص له وحده لا شريك له .

وإذا عرفنا هذه المقدمة من البيان : في أنه كيف ينال الإنسان فيض الأسماء الحسنى ، نذكر كيف يتم طلب الله ويعبد ويدعى بالأسماء الحسنى والصفات العليا حسب حال الإنسان ومقاله ، هذا .

 ومن أراد المزيد : من معرفة حقيقة العبادة ومعناها وكيف يعبد الله وما هي الأمور التي يعبد بها ويطاع ويخلص له بها وسبيلها ، فعليه بمراجعة ما ذكرنا في صحيفة ( ذكر علي عليه السلام عبادة ) وهو في جزء العبادة والذكر غني في بيان معنى العبادة وبيان ملك الله لنا ، وكيف نحضر عنده سبحانه وما هي الأحكام والأمور العبادية التي يجب أن نطيع الله فيها ونتعبد له بها ، أو راجع أيضا صحيفة الطيبين من موسوعة صحف الطيبين إن راقك بياننا.

 

النور الثاني

يؤدبنا الله لطلبه بالدعاء والذكر لنيل الكمال منه

يا طيب : قد عرفنا في نور الذكر السابق أنه علينا بالإضافة للهداية والعبودية التكوينية التي نسبح بها الله ونحمده بوجودنا ، إنه علينا عبودية ودعاء تشريعي بطلب الله منا سبحانه ، وهو غني عن طاعتنا ولا تضره معصيتنا ، وهو تأديب إلهي لنعرفه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، ولننال بركاتها ولفيض تجليها علينا ، ولنقيم كل ما أمرنا به من هداه ولذا قال تعالى :

 { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } الأعراف55 .

 وفي الآية بيان لطيف : وهو إن من يعرف ربه وإنه له كل كمال وجمال وجلال وعظمة وكبرياء وما له من الشأن والعز والمجد ، وأنه تعالى واهب كل نعيم وهدى وخير في الكون ، وأنه وحده تعالى الواحد القهار لا شيء له استقلال في الوجود، وكل شيء لا بقاء له إلا برحمته وهداه وربوبيته وقيموميته .

 وإن العبد المؤمن : قد عرفه بما عرفت من الأسماء الحسنى وآمن به إيمان حقيقي وبتوحيد صادق ، فحق عليه أن يدعوا الله تضرعاً وخفية في كل وجوده بمقاله وحاله وعلمه وخلقه وعمله وبكل صفاته وكسبه ومطعمه ومشربه وبكل الظروف والأحوال ، وهذه عباده يستحقها الله بما له من الجمال والكمال المطلق ، وهي عبادة الأحرار لا نظر فيها لطمع في كمال ولا خوف من حرمانه ، بل كما قال الإمام علي عليه السلام : ( وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ) .

وإلا من يغفل : عن واهب الكمال والجمال والنعيم لكل شيء وينساه بالمرة ولا يقيم له وزنه ، وهو بما له من الشأن العظيم ، حقاً لمعتدي ومتجاوز وطاغي على مولاه وسيده الذي بيده ملكوت كل شيء ، فإن من لا يلتفت لعبادة الله تعالى وكماله وللجمال المطلق ، ولا يتوله به فيدعوه ولا يعبده بكل أسماءه الحسنى بعد أن يعرف عظمته وعلو شأنه ، لناقص في وجوده ولئيم في صفاته ومحروم النعيم والهدى في تصرفه وسيره وسلوكه ، وهو مفسد ومتجاوز حده وما خُلق لأجله ويحرم بركات تجلي فيض الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، ولذا قال تعالى :

{ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا

وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا

إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ } الأعراف56 .

 عرفت إن من عرف عظمة الله : عبده تضرعاً وخفيه ، ولكن الله للطفه ولرحمته التي وسعت كل شيء ، رخص لنا أن نعبده ولو طمعاً لحب الكمال والجمال المطلق ونعيمه وخيره وبركاته ، وللابتعاد عن النقص وخوف الحاجة ، فإنه بالقرب منه نحصل على كل سعادة وخير وبركة وكرامة ونأمن كل شر وحاجة وحرمان ونقص .

 والجميل في بيان الله سبحانه وتعالى : في الآية السابقة ، بيّن تعالى أنه ينزل علينا بركاته وفضله حتى نكون محسنين نحن في أنفسنا ، وكل عاقل يعرف لكي يكون الإنسان محسن فلابد عنده من فضل الله عليه والتوفيق له ، ولكن الله لعظمة وجميل تربيته لنا يبين حصول النتيجة القطعية لمن يتوجه له ويطلبه ولو يدعوه خوفاً وطمعاً ، فيكون محسن حصل على تجلي الله تعالى وكل بركه منه ، ويكون أقرب شيء من رحمته والتجلي عليه بكل أسماءه الحسنى الإلهية ، فيحصل على النعيم والفضل والبركة ، فيكون سعيد في وجوده مطمئن بذاته بذكره لله تعالى ، وبذكر الله له بالإحسان والبركة فيكون من المحسنين بإحسان الله تعالى عليه ، وهذا قريب منه معنى قوله تعالى :

{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151)

فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِي (152) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ }البقرة153.

وبهذا إذا عرفنا : إنه سبحانه يعلمنا الكتاب والحكمة ، ويزكينا ويطهرنا بالمعرفة والهدى ، فيجب أن نعبد الله ونطلبه بكل وجودنا إيمانا وعقيدة ودينا له وحده ، وبكل ما يترتب على الإيمان به من السعي المجد بالطاعة والعبادة والدعاء وسبيل الوصول لها بالحق ، حتى نكون من الصابرين في أطاعته ، وممن لم يضلوا عنه ولم يغريهم شيء من حطام الدنيا ، فنكون مع المخلصين من أهل الذكر والشكر ، ونبتعد عن الكافرين ، بل نكون بأنفسنا صابرين ويكون الله معنا ، ومن معه الله ليكرمه ويجزيه بالحسنى ، لأن علمه وعمله حسن معه ، وله منه كل خير وتجلي لأسمائه الحسنى وكل بركة ونعيم مقيم دائم .

وإذا عرفنا يا طيب : إن الأسماء الحسنى الإلهية تتجلى وتفيض علينا حسب حالنا وطلبنا وذِكرنا له تعالى ، نذكر في الهدى الآتي بعض البيان لما يعلل به الله تعالى بعض أنواع تجليه في الوجود وحسب الأسماء الحسنى ، أو إن الحرمان من فيضه ونعيمه وبركاته هو إن سببه الابتعاد بأمور في نفس العباد وأعمالهم وسيرهم وسلوكهم الفار عن رحمة الله ، وبها يكونوا مطرودين بسبب شرودهم عن بركاته وخير الكمال المتجلي منه ، ومبعدين عن الكون تحت حيطة ظهور الأسماء الحسنى والصفات العليا الجمالية التي يأتي منها كل كمال في الكون ، وهذا بعض البيان وفي الهدى التالي نتدبره معاً ونسأل الله أن ينفعنا به .

 

النور الثالث

الله يعلمنا إن ظهور الأسماء الحسنى حسب طلبنا منه

 

إشراق الأول :

تعليل أفعال الله بظهور نور الأسماء الحسنى :

يا طيب : بعد إن عرفنا إن الله يطلب منا أن نذكره ليتجلى علينا ، ويكرمنا ويحسن علينا لنكون محسنين في ذاتنا وصفاتنا وكل سير وسلوك يصدر منا ، ويجب أن يكون حسِن وجميل مناسب للأسماء الحسنى والصفات العليا التي تفيض علينا خير وبركة وكل نعيم ، نذكر هنا بعض الأمثلة التي يبين الله تعالى فيها إن فيض الأسماء الحسنى والصفات العليا هو حسب حال الموجود ، وإن منع عن عبد من العباد عنها لكونه لم يستعد ولعدم تهيؤه لطلب ما عنده فيُحرم أو يُمنع أو يُطرد بل قد يُلعن ، وإلا فيض الله تعالى عام وشامل لكل الوجود .

والله منزل بركاته بالعدل والإحسان : لا مانع منه إلا عدم توجهنا له وقد عرفنا هذا الأمر الكلي والقانون الكوني الساري في الوجود كله ، ونذكر له أمثلة تبين إن الله تعالى يعلل فعله بالأسماء الحسنى الإلهية : وهذا مذكور في كثير من آيات القرآن المجيد ، فإنه تعالى بعد أو قبل ذكر فعل معين ، يبين أن سبب هذا الفعل وعلته ، هو لكونه الله تعالى له هذا الاسم ولهذه الصفة حصل هذا الأمر ، وقد يذكر اسمين أو أكثر ، فكان هذا الفعل مجال لتجليه بهذه الأسماء الحسنى ، وتكوّن بهذا الحال صفات العبد ، وإن العبد قد هيئ نفسه وأستعد لتحصيل الكمال والنعيم منه تعالى ، أو لكون أن هذا الموجود أبتعد وعمل عمل معين أبعده الله عن نيل ما يتجلى بكماله وبركات الأسماء الحسنى ، بل قد يكون ممن لُعن وطرد بسبب ما خالف به ما يناسب تجلي رحمة الله تعالى .

فإنه تعالى في القرآن المجيد : يذكر إنه في مجال الرحمة واللطف والود ، أنه رحمان رحيم ودود عطوف لطيف ، وفي مجال الكبرياء والعظمة والغنى والعز ، يذكر أنه تعالى هو الكبير المتعال العلي العظيم الغني الحميد العزيز الحليم ، وهكذا في كل ما يذكر ويبين سبحانه كل حال مناسب من حال الأسماء الحسنى وظهورها كان الفعل الحسن المتقن الفلاني ونال ما يناسبه ، أو أبتعد وغيّر الهدى ولم يتبع الحق ؛ فُحرم وطرد بل لُعن وسُجن في أطابق الظلام .

وهذا التعليم والتأديب الرباني : هو لكي نتعلم منه حينما نريد منه شيء أن ندعوه بالاسم المناسب لحالنا ولظروفنا ، ولذا من المناسب بل يجب بعض الأحيان لكي نحصل على الخير المناسب لحالنا أن ندعوه بالأسماء الحسنى المناسبة لما نريده من كرمه ونعيمه تعالى.

وهذه التأديب والتكريم من الله لنا كمسلمين : هو قمة التعاليم الإلهية ولا تجد هذه التعاليم في الأديان الأخرى إلا نادراً ، أو ليس بمثل تعاليم القرآن المجيد بما فيها من التأديب وحسن البيان وإحكام الهدى ، وقد تغافل عنها حتى من كتب كتبها المقدسة وتناساها ، والإسلام غني في هذه المعارف سواء في كتاب الله أو في خطب وكلامات نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وخلفاءه وأوصياءه بالحق ، وقد مر عليك بعض الكلام لمولى الموحدين الإمام علي عليه السلام وآل نبينا الكريم صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين في كل البحوث السابقة.

وهكذا نحن : يجب أن نختار المناسب من الأسماء الحسنى لحالنا ، ونذكر الله بها وندعوه بها ونتوسل بها إليه سبحانه ، وعندها نصل للكمال المطلوب المناسب لرفع الحاجة الملحة من المرض أو الرزق أو نعمة الهداية وغيرها .

 

الإشراق الثاني :

 تدبر بنور سورة الفاتحة وفيض أسماء الله الحسنى فيها :

تدبر تأديب الله الحسن وتعاليمه الراقية التي يرفعنا بها لهدى الإسلام ، ويعرفنا قمة معارف الدين ، وهي سورة الفاتحة إذ قال الله تعالى :

{ بِاِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ

غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }الفاتحة7.

تدبر يا طيب : ظاهر في هذه السورة الكريمة لتعرف كيف إن الله عز وجل يؤدبنا أن نطلب هداه ، وبعد أن نذكر عدة من الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية وهي : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين .

ثم بعد هذا نطلب منه تعالى : أن يهدينا للصراط المستقيم ، كما عرفنا الله أن هذا الصراط المستقيم هو صراط الذين أنعم عليهم ، وإنه يجب على الإنسان الذي يدعوا الله تعالى في اليوم عشر مرات بتأديب الله تعالى ، أن يتعرف على ما طلب من الله سبحانه بتلاوة هذه السورة المباركة ، والتي هي فيها خلاصة تعاليم ورب العالمين وسبيل هداه ، ولا تكون صلاته وذكره ودعاءه يحيله على مجهول أو منعم عليهم في الأمم السابقة ، وينسى هداة دينه والمنعم عليهم حقاً في الإسلام وهو خاتم الأديان والمطلوب من كل البشر إلى يوم القيامة التعبد به لينا في بركات نوره ورضه ، ولا أنه لا يعرف منهم الذين أنعم عليهم وجعل هدى الصراط المستقيم عندهم .

ولذا يا طيب : إذا عرف العبد المؤمن : بحق المنعم عليهم ومن عندهم الصراط المستقيم ، فهو من أهل الهدى ، وقد وفقه لله لتحصيل أحسن نعيم ، وبقمة البركة والتفضيل الإلهي ، وبدأ يرتع في تحصيل تجلي الأسماء الحسنى الإلهية ونعيم الصفات الحسنى الربانية ، بل كان محل لها ومستعد بكل وجوده لنيل فيضها وكرمها وإحسانها .

وإذا لم يعرفهم : ولم يسعى لمعرفتهم ، فقد كان كما حكى الله تعالى عنه هو من المغضوب عليهم والضالين ، وكان محروم من تجلي استعانة الله ورحمة ، ولم يكن تحت حيطة الأسماء الحسنى التي ذكرها ، لكونه لم يكن صادق في طلبه وغير جاد في معرفته بالله تعالى ، وإن دينه متقن محكم دقيق في هداه التشريعي كالوجودي في تكوينه وهداه ، وإن الله بكلامه وبكلام نبيه الكريم أقام حجة تامة في تعريفة منهم لأنهم أئمة دين الله الصادقين ، وأولياءه الحقيقيين الذين عينهم .

ولذا مَن تغافله ولم يُوفق : في طلب صراط الله المستقيم عند المنعم عليهم ، يكون ممن يتبع المغضوب عليهم من ولاة وأئمة دين غاصبين عينهم البشر المخدوعين ، أو هم بالغصب وبالحيلة تسلطوا عليهم وعينوا أنفسهم أئمة دين ويحكون عن رب العالمين وليس لهم سلطان منه ولم يتم اصطفائهم واختيارهم من قبله سبحانه .

 ولذا كان طلب الله تعالى : يجب أن يكون على الحقيقة وعن معرفة واقعية بهداه سبحانه ، وأن يكون بحق عارف بحكمة وغرض الوجود وعن علم صادق ، ويجب أن لا يكون الإنسان من المقلدين لضالين وأئمة كفر مغضوب عليهم ، ولذا ذكرنا سابقاً في وجوب المعرفة إن الله تعالى يطلب منا أيمانا راسخا وعن دليل محكم وببرهان قاطع في كل أصول الدين ، فراجع وجوب المعرفة وتدبر ما بينا هناك في الباب الأول .

فإن معرفة الله رب قيوم هادي حكيم بل عدل حقيقة : يجب أن يكون معرفته بأنه له هدى عند من هداهم ممن اصطفاهم وعينهم ولاة دينه ، ويعصم بهم عباده من الاختلاف في هداه وتحصيل فيض الأسماء الحسنى الإلهية ، وهذا البحث أشرنا له عند البحث عن الاسم الأعظم الإلهي عند تعريف ولي دين الله تعالى الذين هم امتداد لولاية الله تعالى وستجد كثير من مصاديق هذا المعنى في شرح الأسماء الحسنى فتابع البحث يا طيب .

 وهكذا ذكرنا هذه المعرفة : في مسائل التوحيد ومراتبه التي بينا فيها ضرورة توحيد الله بالحقيقية والواقع ، وعن معرفة في العبادة والهداية التشريعية ، ومعرفة كيفية تتم حاكمية الله وتوحيده بالتقنين والتشريع ، وأنه هو المقنن والحاكم بمن اصطفاهم لبيان تشريع دينه وأختارهم لنعيم هداه وجعلهم أصحاب الصراط المستقيم ، فراجع مراتب التوحيد تعرف هذا ، فإن عرفت هذا تدبر أمثلة أخر في مجال آخر تبين سنة الله في تجليه و بما يناسب ظهور الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية سواء في التكوين ونفس الوجود ، أو في تجلي الهدى والنعيم حسب حال الموجود .

 

الإشراق الثالث :

كل من يتوجه لله ينال فيضه لأنه واسع عليم :

وهكذا يا طيب تدبر في القرآن المجيد : ترى إن الله يعلمنا ويؤدبنا بتعاليم ومعارف توصلنا لكل نعيم وخير وبركة ، وإن كل شيء منه تعالى وبتجلي فيضه وبركاته علينا ، بل هذا ليس في الهدى والثواب والجزاء التشريعي فقط ، بل قانون ظهور الأسماء الحسنى في الوجود حسب حال الأشياء بما يناسب وجودها من الأسماء الحسنى ، وهو كما عرفته سنة جارية في كل الوجود ومنه وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } البقرة115 .

فإنه لكون الوجود واسع جدا : فأين ما توجه لله الإنسان وطلب الله ودعاه نال منه رحمة ، فقال بعد ذكر أسمه الكريم واسع ذكر بعده عليم ، فيعطي كل شيء ما يريد بما توجه له وكيف كان توجه لله تعالى وحسب حاله يوصله لغرضه وطلبه ، لكونه واسع الرحمة والعطاء ، وعليم بالمتوجه له وبما أراد منه ، ولذا وجب أن يتوجه له الإنسان عن إيمان ومعرفة وبالهدى الحق والعمل الصالح بالطاعة والعبادة المخلصة ، وبهذا ينال الخير والبركة الدائمة والنعيم المقيم ، لأنه واسع الرحمة وغني بالعطاء ، وعليم بمن توجه له ودعاه وطلب منه ، فلا منع من جهته سبحانه .

 

الإشراق الرابع :

يهدي الله العباد الطيبين لأنه عزيز حكيم :

ويا طيب : هذا تأديب وتعلم أخر لكيفية طلب الله والدعاء والتوسل بالأسماء الحسنى الإلهية وبالمناسب منها للحال والزمان ، وهو في طلب نبي الله إبراهيم عليهم السلام لذريته في مكة حتى بعث الله نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله بعد جدهم الأول نبي الله إسماعيل ، هو في قوله تعالى :

{ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)

 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }البقرة129 .

فإنه تعالى : عرفنا إنه هو التواب الرحيم ، على من يرى مناسكه وعمل بها ، وقد تجاوز عن تقصيره في طاعته ، لأنه عرفت إن نعمه لا تحصى وتعليمهم الهدى نفسه نعمة من الله تعالى ، وهذا أدب وكلام يحكيه سبحانه عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، إذ يطلب أن يرى هدى الله ومناسكه وما يعبده به ويقيم له به طاعته ، لكنه لما يلتفت إنه لا يمكن أن يؤدي حق شكر الله سبحانه قال إنك أنت التواب الرحيم ، وهذا قمة التعليم والمعرفة وهو أن يكون في حال قمة المعرفة يشعر بالتقصير أمام نعم الله ، وإنه لا يمكنه أن يؤدي حق شكره ، فيذكره بأنك التواب ، الرحيم لخصوص ما طلب من الهدى التشريعي وأن يعلمه بالإضافة لنعمة التكوين وهداه التي لم يؤدى حق شكرها بعد .

 وهكذا بعده : عندما يطلب أن يبعث فيهم نبي يُعلم ذريته الكتاب والحكمة ليزكيهم ، وليرفع شأنهم وليحصلوا على الكمال الإلهي والهدى والخير الكثير ، والذي يأتي من الله وهو الكتاب والحكمة ، وقد سمى الله تعالى الحكمة الخير الكثير ، وفي آية سمى سبحانه ملك الكتاب والحكمة ملك عظيم  .

وبنفس الروحية والمعرفة الراقية والتدين المهذب : يعترف نبي الله إن الله عزيز لا يطلب منه بجور ، بل يطلب رحمة منه أن تنزل كما قدم الاسم الرحيم في الآية السابقة ، وإن الحكيم هو الذي يهب الكتاب والحكمة على من يصطفي من عبادة ليزكي العباد وليرفعهم لقمة الهدى والمعرفة الإلهية ، لا انه ينزل عليهم كلهم الكتاب والحكمة حتى على الظالم الماكر ويجعله إمام بل يكون معاند للإمام الحق وإمام ظلام .

فإن الله تعالى : وإن لم يؤدى حق نعمه التكوينية يغفر ويرحم وينزل هداية تشريعي فيحكم هدى عبادة وهو العزيز لا يطلب منه ولا يؤخذ غلابا وغصب بل رحمة وحكمة وعدل وإحسان ليصل كل شيء لهداه بأحسن صورة ممكنة .

 

الإشراق الخامس :

آيات في تعليل فيض أسماء الله الحسنى بالعدل للمحسنين:

قال تعالى : { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ

وَمَا تُقَدِّمُوا ِلأَنفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ

 تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } البقرة110 .

 لأن الأعمال العبادية فيها حركة فكرية وعملية غالبة عبر سبحانه بأنه بكل ما يعملون بصير ، يراهم ويعرف نياتهم ، وكل حركة يطلبوه بها ، فيتقبل من المخلص منهم ويهب له خيره ، وفي الحقيقية الإنسان يقدم لنفسه بعمل الخير عندما يمتثل أوامر الله تعالى ، فيجد النعيم يفيض عليه من الله تعالى .

 ولذا يأتي البيان بعد هذه الآية : إنه ليس يحصل من الله خيره ولا تنزل بركات نور الأسماء الحسنى بالقول ولأماني والادعاء ولو كان مبطلا مخادعا ، أو ليس له سلطان من الله ولا تقدم بهدى صادق يطلب به نور الله وتجليه عليه بالأسماء الحسنى وبركاتها ، بل من كان صادق ينال خير الله أنظر قوله يحتاج الإنسان لبرهان في كل ادعاء وبالخصوص مع الله تعالى ، ولذا قال تعالى :

{ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ

قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِين (111)

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة112.

نعم من يخلص إيمانه بالله : ويعمل الأعمال الحسنة التي علمها الله لنا بهداه ، يكون الإنسان حسن وله أجر حسن من الله ، ولا خوف عليه من نقص وحرمان وتجلي أسماء الله القاهرة المدمرة عليه فلا حزن له ، بل له كل خير وبركة من الله تعالى ، بهذا عرفنا سبب عدم خوفهم وليس لهم حزن لأنهم توجهوا له توجه حسِن مسلمين لكل ما أراد منهم ، فجزاهم كل خير .

 

الإشراق السادس :

الطرد والبعد باللعن لمن يكتم هدى الله الحق :

وقال سبحانه : {  إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ

 أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ }البقرة159  .

 فإنه هذا تعليل : بأن لعنة الله عليهم لكونهم ابتعدوا عن هداه ، بل حرفوا ما أراده من عباده ، وعلموا دين لم يأمر به فلعنهم الله ، ولهذا ستتجلى عليهم أسماء الحسنى الجلالية القاهر المعذبة للمتعصين على نور هدى الله ، وعلى الممتنعين والمانعين من تحقق أسماء الجمال لهم ولمن في حيطتهم بصدهم عن هدى الله تعالى ، ولذا يجب أن لا نتبع الملعونين ، بل يجب أن نعرف بجد الذين عندهم هدى الله تعالى ، وإلا الحرمان والضلال عن الهدى ، ويكون من يتبعهم داعية لدينهم ملعون مثلهم والعياذ بالله ، ويكون واقع في ما هرب منه لتساهله في طلب حق المعرفة لهدى الله الدقيق المتقن الحق التشريعي.

 وهذا البيان الإلهي : لسبب تجلي فيضه تعالى ، وإنه حسب حال العبد ولكون أسماءه الله الحسنى بجمالها وجلالها ، فإنه لا مانع منها ، وتفيض وتتجلى على كل إنسان حسب تهيؤه واستعداده ، وتجده في بيان كل الأسماء الحسنى التي يذكرها الله في كتابه المجيد ، والتي يبين لنا بها سبحانه إن تجليها حسب حالنا ومقالنا وطلبنا منه تعالى ، وإنه لكون له أسماء حسنى وصفات عليا يأتي منه كل خير وبركة لعبادة ، ومن يعصي الله ويخرج عن الهدى ويلعن ويطرد والعياذ بالله بل يدخل تحت أسماء الجلال والبعد والانتقام والقهر والغلبة .

 

 

الإشراق السابع :

بشارة لنا تجلي نور الغفور الشكور لمن يعرف الحق فيتبعه :

إليك يا طيب : هذه الهدية في التدبر في تجلي بعض أسماء الله الحسنى على عباد الله مؤمنين الذين يعملون صالحا ، وهو تعليم جميل وفيه ربنا يشكرنا عليه إن طبقناه فضلاً عن كونه يغفر لنا ، ويزيدنا حسنات ويضاعف أجره لنا ، وبه تعالى يعرفنا هداه الذي عند من يجب أن نحب ونود ونتبع من عباده المخلصين وهو في قوله تعالى :

{ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى

وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا

إِنَّ اللهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }الشورى23 .

 فهذه بشارة : من الله تعالى لكل مؤمن طيب ، وبها أدبنا وعلمنا دينه ، وهي إنه إذا أردنا وتحققنا بحقيقة الإيمان والعمل الصالح ، وعن معرفة حقيقة صادقة لأتباع الرسالة الإلهية والمرسل بها وللمرسل ، فإنه يجب أن نعرف أجرها ونتيجتها والفيض الذي يأتي من الله تعالى والمناسب لها ، وما يتجلى به على أشرف رسله وخاتم الأنبياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين كأجر لحاله في الدنيا فاض عليه .

 فإن الله تعالى : كرم نبيه بتجلي أسماءه الحسنى ، وهو جعل حب قرباه وآله المقربين أجر لرسالته ، وفيض تجلي الأسماء الحسنى له بالهدى المناسب لأجر عمله العظيم ، وهو جعل تعاليمه عندهم مثله ، وهذا تكريم له ولهم ولنا ، ولذا أمرنا بودهم وعرفنا بهداه عندهم ، وإن رسالته ودينه القيم هو دينهم ، ولا يأمر سبحانه بود عاصيين أو كلامهم وتعليمهم وسيرهم وسلوكهم غير مرضي له ، وهذا خلاف العدل في تجلي أسمه الهادي والحكيم والعالم والخبير بالعباد ، وبهداهم وتربيتهم وسوقهم لأحسن غاية لهم ، وهو لا يكون إلا بود ومتابعة أولياء دينه المنعم عليهم وأصحاب الصراط المستقيم ، وهذا التكريم مثله حكاه الله بآية التطهير والمباهلة وتمام النعمة وكمال الدين ، بل والكوثر وإيتاء ذي القربى حقه وغيرها من الآيات والسور ، ونرجع لبيان الآية السابقة .

قال الله تعالى : هذه بشارة لنا ، وهو يريد أن ينبهنا ويعرفنا كيف نطلب الصراط المستقيم للإيمان به تعالى ، وكيف نعلم دينه لنؤمن ولنعمل صالح حسن لتحسن ذواتنا وصفاتنا وأفعالنا ومحيطنا ، فننال أجر حسن مضاعف عندما نقترف حسنة بحب القربى ، ونكون في قمة الثواب والأجر الإلهي ، والذي هو بيان لتجلي الله علينا بالأسماء الحسنى :

 الغفور : الذي هو مبالغة من الغفران وهو إنه ستر كل قصور منا في عدم إمكان شكر الله ، وهذا الأجر للنبي بود القربى له ولآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم ، إن عملنا به فقد تم إيماننا به ووحدناه كما أراد سبحانه من طاعته ، وصلح علمنا وعملنا ، وحسن ظهوره في سلوكنا وعلمنا وعملنا فله أجر حسن من الله الذي له الأسماء الحسنى .

 وبهذا يكون سبحانه : قد تجاوز عنا ، بل وضاعف لنا الحسنى ، ورفعنا لمقام أعلى لا علو بعده في المقام عند الله تعالى ، هو أن يشكرنا الله وهو الشكور ، فضلاً عن كونه غفور لنا ، وضاعف حسناتنا وآجرنا ، فهنيئاً لمحبي نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين .

وهذه المعارف يا طيب : تجدها في كل القرآن المجيد وكلام الله الحسن وهداه المتقن المحكم ، وبه يعرفنا ديننا وكيف يتجلى على عباده بالإحسان والتفضل والعدل ، و لا يظلم عنده من عبده ، بل وغيره حتى العاصي أن توجه له بحق وتاب يغفر له بحبه للنبي وآله ، بل لكل منهم ما يناسبه وله أحسن الأجر والحسنى ، وكل خير وبركة ونعيم إن كان مؤمن ، وإلا له ظلمات أفكاره الشيطانية وحيل ومكر خداعه وظلمة وخباثته تُرد عليه نار وحرمان ونقص في وجوده ، فيكوي نفسه بأعماله وما أكتسبه لا ظلم منه تعالى وإنما هي أعمالكم ترد إليكم .

والويل لمن يحرم نفسه فيضل : عن طلب تجلي الأسماء الحسنى الجمالية ، فيلعنه الله ويطرده لضلاله عن طريق هداه كما عرفت ، ويطلب بحاله ومقاله أن تتجلى عليه أسماء القهر والغلبة والانتقام الجلالية .

وإذا عرفنا يا طيب : هذه المعارف الراقية ، وهي كعبة قلوب العباد الصادقين في طلب هدى رب العالمين ، نذكر بعض الأسماء الحسنى التي تناسب كل داعي وطالب لله تعالى .

 وهي متممة لما عرفنا ، فإن هذا كان بتأديب الله لنا وتعلمينا بعض تجلي أسماءه حسب حال عباده وطلبهم ، والهدى الآتي هو تطبيق لهذه التعاليم والعمل بها ، والله الموفق والهادي لنا بأولياء دينه ومعرفي تعاليمه المنعم عليهم والهداة للصراط المستقيم .

 

 

النور الرابع

أدب النداء والتوسل حسب الحال بالأسماء الحسنى وتجليها

 

يا طيب : إذا عرفنا هذه المعرفة العلمية لتجلي الأسماء الحسنى الإلهية والصفات العليا الربانية ، نتدبر في معرفة تطبيقها عملاً وكيف ندعو الله ونطلبه بها ، وهي غاية عمليه لأرباب القلوب المحبة لرب العالمين بعد المعرفة العلمية ، وإلا ما الفائدة في العلم بدون تطبيق وظهور منا لحقائقه فيبين صدقنا في معرفتنا ، وإنا بحق كنا طالبين مع الإيمان الحقيقي ما يظهر آثاره وتجليه في كل وجودنا .

فإنه كما قلنا : إن الله له كل كمال وجمال في حقيقة ذاته تعالى بنحو البساطة لا كثرة فيه ، لا إنها أسماء فقط لا تعبر عن حقيقة الوجود الذي له الغنى المطلق بكل صفة واسم حسن ، ومنه ظهر الوجود وهدى التكوين ، وهو أثرها ، ولذا يجب علينا أن نكتسبها ونطلبها علما وعملا وخلقا ، لا فقط معرفة وطلب للترف العلمي ، بل يجب أن يكون للتلبس اليقيني بها والكون تحت حيطة الأسماء الحسنى الجمالية والكمالية ، والتي تفيض علينا خير وبركة وبر ورحمة ورأفة وإحسان ، وتفيض منا على معرفة بكيفية الظهور والتجلي بها بعد أن نتحلى بها .

ثم إنه وإن كان هناك كثير من التعاليم الإلهية : والتي يمكننا أن نعبد الله بها ، ولكن قمتها في المعرفة والعلم والعمل والشموخ والهدى هي معارف التوحيد ، وبالخصوص مسائل تجلي الأسماء الحسنى وظهورها ، وكيف نطبقها على أنفسنا ونصل لها حتى تفيض علينا وتظهر بنا في كل وجودنا علم وعمل وسيرة وسلوك وصفات ، فيظهر المناسب منها فينا عندما نتحلى به علما ونية وعملا وخلقا وسلوكا و في الزمان والمكانه المناسب ، فيكون المؤمن رحمة ولطف ومودة على عباد الله الصالحين ، وعلى الكافر والظالم عداء وبُعد أو إصلاح إن قدر ولم يطغوا ويتجبروا عليه .

ثم إنه قد مرّ ذكر الآيات الذاكرة للأسماء الحسنى : فيما سبق وعرفنا كثير من الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية وتدبرنا في بعضها ، ولكن نذكر هنا بعض الآيات الذاكرة للأسماء الحسنى ، لنذكر ونعرف إنه تعالى يؤدبنا ويعلمنا ويقيم علينا الحجة في ضرورة معرفته ، وكيف نطلبه ويفتح لنا باب من المعرفة واسع فيه وبه نصل له ، ونحصل على ما عنده من النعيم والخير والبركة والهدى ، ولذا قال في بعض آيات كتابه المجيد :

{ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسماء الحسنى

 يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }الحشر24 .

 { وَلِلَّهِ الأسماء الحسنى فَادْعُوهُ بِهَا

وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ

سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }الأعراف180.

وطبعاً : لا يكون ذكر ولا عبادة ولا دعاء إلا بمعرفة الداعي لمن يدعوا ، ويعرف أسمه وأسمائه التي تفيض منه كمال وجمال ورحمة ، وما يعطي منه وكيف يجب طلبها ، وهذا عرفنا بعضه في ما مر من بحوث التوحيد ، وفي معرفة الأسماء الحسنى ، والآن حان أن نعرف كيف نتوسل وندعو الله حسب الحاجة والحال .

وأنت عالم : بأن الطالب لله يطلب فيضه وحقيقة الكمال ، وكل ما يرفعه ويعزه ويعطيه الكرامة الحقيقية ، وبها يرتفع نقصه وحاجته ، ولا يطلب لفظ اسم ومعنى فقط ، فمعرفة أسماء الله الحسنى ومعناها ضرورية لنعرف ما نذكر وندعو وننادي به الله تعالى في أول المعرفة ، ولكن الداعي والذاكر الحقيقي يطلب حقيقة الوجود ونفس تحقق الفيض والعطاء والنعيم من ذكر الأسماء الحسنى إن كان يذكر ويدعوا لخوف أو طمع ، وإلا نفس وجوده تعالى الذي له كل كمال وجمال هو حقيقي بالذكر والطلب ، وهو العالم بالحال وينزل فيضه على من يطلبه بكل اسم حسن له تعالى وصفة ، ولكن لما كان بعض الأحوال للإنسان مخصوص يجب به الطلب ويحب قضاءه ، وهو مستعجل ويريد ويحب قضاءه بأسرع ما يمكن ، يطلب الله سبحانه باسم مخصوص وطلب حاجة معينه مخصوصة .

فالذاكر والداعي لله تعالى : بأسمائه الحسنى يطالب منه تعالى لأن يخلق ويوجد فيه من ذلك الكمال المطلق شيء يكمله ، ويرفع حاجته ويسد نقصه ، بل ويرفعه ويعزه ويكرمه ويغنيه ويهديه ، وإن الداعي والمتوسل بالله والطالب له بالإيمان وبتوحيده وعبوديته يطلب في الحقيقية أن يتجلى عليه من الله الكمال الذي يحب الوصول إليه ، وبهذا تم له القرب منه والتنعم بفيضه والتحلي به والوصل إليه والاتصاف بنور تجليه وكرمه بقدر والوسع والطاقة ، وبهذا يحاول المؤمن العارف الداعي العامل بل من يجاهد بكل علم وعمل وتطبيق وسير وسلوك أن يتصف به ، وليتم له الحصول عليه ، والتلبس به والكون فيه ، وإيجاد المناسبة ليتجلى عليه الله بأسمائه الحسنى المناسبة لحاله ومقاله ، وليكون في نعيم الله وكرمه وإحسانه وهداه ، فيكون في قمة العزة والعلو والكرامة والنعيم عند الله .

والله تعالى يعلمنا : في القرآن المجيد وعلى لسان نبيه الكريم وآل النبي الأطهار صلى الله عليهم وسلم أسماء حسنى وصفات عليا لكي نعرفه ونقدسه بها ، وهي التي تشير لكماله المطلق في علمه وقدرته وغناه وما يتفرع عليها من الأسماء الحسنى ، وذلك لكي نفهم إحاطته تعالى بنا في كل صفاته وأسماءه الحسنى ، وبكل ما يتجلى ويفيض منه في الكون بما ينسب له من فعله في الوجود من الذوات والصفات ، والمعبرة عن الخلق الإيجاد وقيوميته وتدبيره وهداه تعالى لكل شيء في الكون .

وبهذا نعرف أن معنى النداء : يا رحمان يا رحيم يا معين يا عليم يا قدير يا غني يا كريم يا غفار يا ستار ، هو معناه يا الله ارحمني وأعني وعلمني واجعلني قادر وأغنني وأكرمني واغفر لي واستر عليَّ ، وهكذا الدعاء في باقي الأسماء الحسنى ، وكل حسب حاله يكون طلبه ودعاءه .

 والأمر والنداء: من الداني للعالي توسل ودعاء وذكر وإطراء ، وليس أمرا .

لأنه ذكر في الأصول وبالعرف : إن طلب الداني دعاء وتوسل وليس بأمر ، كما إن طلب المساوي التماس ، ولا مساوي لله في الوجود ، بل كل شيء له عباد ساجدون تكويناً وإن عصى بعضهم تشريعاً ، فضلاً من أن يوجد من يأمره ، بل كل شيء حسب حاله التكويني بظهور إتقانه وجماله وحسن صنعه وحكمة وجوده ، فهو شاكر وحامد ومسبح له تعالى بوجوده ، وكل شيء حسب حاله أو مقاله داعون طالبون متوسلون عابدون مطيعون يريد الكرامة والعز والمجد والنعمة والرحمة منه تعالى ، ولكن بعض يطلب لراحة مؤقتة دنيوية عاجلة فيمده لله وتنقلب عليه ، وبعض يطلب راحة دائمة ونعيم مقيم وسعادة باقية لا تزول ، وهذا يحتاج لطلب مقالي وحالي وفيه اختبار ووجوب طلب وعبادة ، وبعض الآداب والأدعية والأذكار ، فيجب على العبد أن يراعيها حتى يحصل على تجلي الله علية بالأسماء الحسنى والصفات العليا الجمالية .

ثم إن الله سبحانه وتعالى : لم يجعل دعاء وذكر وتوسل وطلب باسم من أسماءه الحسنى يصدر من خلق ، ويحصل في ذلك الوجود الاستعداد والقابلية ؛ إلا وأمكنه وهداه لأن ينال فيضه ويحصل على تجلي منه له كريم ، وبمقدار موافقة الاستعداد الحالي للمقالي ، والإلحاح الوجودي يكون موافق للكلام يستبين صدق النية ، وتتم الموافقة العملية بين الحال والمقال ، ويحصل الاستعداد لتقبل الكمال ، فيتجلى الفيض الإلهي والربوبي على السائل وينال مراده ويحصل على ما يطلبه منه ، فلذا يجب مراعاة آداب الذكر والدعاء عند التقرب من الرب والمولى المتعال :

فالمريض يقول : يا رحمان يا رحيم يا مشافي يا معافي يا لطيف يا عطوف يا طبيب ارحمني وشافني وعافني  وألطف بي واعطف عليَّ وطيبني يا الله .

والمذنب يقول : يا غفور يا غفار يا ستار يا قابل التوب ، أغفر لي واستر علي وارحمني ، فإني أستغفرك وأتوب إليك يا رب .

والمحتاج ينادي : يا غني يا واسع يا منعم يا جواد يا معطي يا مقني  .

وطالب العلم ينادي : يا عالم يا عليم يا هادي يا حكيم يا خبير ،  علمني وفهمني واهدني واعطني الحكمة .

وهكذا كل إنسان : ينادي حسب حاله ، ولا يقول المريض : يا منتقم شافني أو يا شديد العقاب طيبني ، ولا يقول : طالب العزة والجاه والوجاهة والغنى يا مذل يا مفقر يا مدمر أغنني وأعزني ، وهكذا غيره ، ولذا يجب على الإنسان معرفة بعض الأسماء الحسنى ومعانيها ليعرف كيف يدعوا الله ويذكره ويتوسل به ويعبده .

 ثم أعلم يا طيب : إنه خير من يُعلم معرفة الأسماء الحسنى : و التوسع في معرفـتها وشرحها ولو من خلال الدعاء والاستعداد لها بالحال مع المقال وبالتأدب وبحسن الطلب ، بعد القرآن المجيد هم نبينا الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، راجع كلامهم المستقى من الله في تعليم عباده وتعريفهم الدعاء وذكر الله ، وإن بعضها تُخصص لأيام معدودة وأماكن معينة مقدسة ، ويكفيك التدبر بدعاء عرفة للإمام الحسين عليه السلام ، أو التدبر في دعاء كميل بن زياد الذي علمه له الإمام علي بن أبي طالب ، فإنه قمة المعرفة بالله وكيفية الدعاء والتوسل والذكر لله به ، وقد واظب وتمسك به محبي الله ونبينا وآله بالدعاء به في كل يوم خميس  في أخره أي ليلة الجمعة ، وحشودهم مشهود أين ما وجدوا فإنه جمال المعرفة في كلماته وقمة الذكر لله وأس الطلب من الله تعالى بالأسماء الحسنى والصفات العليا ، ومع ما فيه من معاني التوحيد وكيفية تجليه تعالى على عباده وأحوالهم في دنياهم وأخرتهم .

ثم إن المأثور : من آداب الدعاء والذكر عند الرجوع للأدعية المشهور المروية عن نبينا وآله الكرام في كتب الدعاء ، فهي غنية بالأسماء الحسنى وكيفية الدعاء والتوسل بها والذكر له سبحانه ، فإنها تذكر الأسماء الحسنى المناسبة لكل حال من أحوال الإنسان ، بل كل نوع من الحوائج والأمراض والأحوال والأزمنة والأمكنة .

ويكفيك من كتب الأدعية : مفاتيح الجنان ، وهو لا يخلو منه أهل بيت محب لله ورسوله وآله الأطهار ، ومبوب بأحسن تبويب حتى غلب كل ما أُلف في هذا المجال سواء القديمة  كتاب الإقبال ، والأمان من أخطار الأسفار و الأزمان‏ ، المجتنى من الدعاء المجتبى ، والبلد الأمين والدرع الحصين ‏، مهج الدعوات ، ومصباح الكفعمي ، وعلى غيرها من كتب الأدعية والذكر الكثيرة ، بل حتى غلب استعماله لسعته وحسن ترتيب محتواه على  الصحيفة السجادية والتي هي زبور آل محمد عليهم السلام ، ولعله لكونه حوى لكثير من أدعيتها وهي مختصة بخمسين ونيف من الأدعية العظيمة المعنى والمضمون ، فضلاً عن كتب الأدعية الحديثة كضياء الصالحين والمنتخب الحسني وغيرها ، وإن كانت كلها حسنة وجميلة ورائعة في باب الدعاء والذكر والزيارة ، وفيها أحلى الآداب الموجبة للأنس والمحبة والصحبة مع الله وطلبه والتوجه له لإصلاح كل حال وفي كل زمان ومكان .

وإن ما موجود في معارفنا : والأدعية المأثورة عن أهل بيت العصمة والطهارة المناسبة لكل زمان ومكان وحال ومقال وظروف لكل جماعة وفرد ، يندر أن تجد ولو دعاء واحد منها مناسب لأحوال الإنسان مثلها في كتب أخرى من غير الواردة عن نبينا محمد وآله الأطهار صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وفتش في جميع الأديان الأخرى بل المذاهب الإسلامية الأخرى ، فتشعر بيقين إن ديننا الإسلام وبما فيه من المأثور من الأدعية والخطب عن النبي الأكرم وآله الأطهار عليهم السلام ، إن هذا هو الدين القيم والعروة الوثقى لمعرفة الله والتوسل به وطلبه ، وإن الله لم يهمل تعليمنا بل أحكم هداه التشريعي وأتقنه بجعل المحافظين عليه والإدلاء على معرفته الصادقة الحقة  ، بجعل المصطفين الأخيار من عباده فكانوا هم الدليل على الله تعالى ، والسبيل الأقوم إليه ، وبهم الهداية الحقيقة للصراط المستقيم ، ولكل نعيم من تجلي الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية .

ثم إنك عرفت : أنه لا تكفي معرفة الأسماء الحسنى دون الطلب الحقيقي لها بالحال قبل المقال ، والاستعداد وتهيئة النفس للتلبس بها وقبول فيضها والتخلق والعلم بها ، وتعليمها وبيانها والعمل بها بحسب الوسع والطاقة في كل الأحوال وبقدر الإمكان .

كما يجب مراعاة : آداب الدعاء والذكر قبله وبعده في الحال والمقال ، وتهيئة النفس والعقل والفكر ، وذلك لكي يحصل الإنسان على فيضها وتؤثر أثرها فيه عندما يوجد استعداد قبول تجليها فيه ، فإنها الدواء لكل داء وفقر وحاجة أو مرض أو نقص أو بلاء أو وباء أو كل مصيبة ، بل لطلب الرفعة والعلو والغنى ولكل كرامة وعز وهدى ، وبها نصل لله والقرب منه والحصول على رضاه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ، وكل هذه المسائل تجدها في كتاب مفاتيح الجنان وغيره من كتب الأدعية .

وقال الإمام علي عليه السلام في هذا المعنى :

( الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، الَّذِي لاَ يُدْركُهُ بُعْدُ الهِمَمِ، وَلاَ يَنَالُهُ غَوْصُ الفِطَنِ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَلاَ نَعْتٌ مَوْجُودٌ، وَلا وَقْتٌ مَعْدُودٌ، وَلا أَجَلٌ مَمْدُودٌ.

الاََوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيءٌ قَبْلَهُ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ .

 لَيْسَ بِذِي كِبَرٍ امْتَدَّتْ بِهِ النِّهَايَاتُ فَكَبَّرَتْهُ تَجْسِيماً، وَلاَ بِذِي عِظَمٍ تَنَاهَتْ بِهِ الْغَايَاتُ فَعَظَّمَتْهُ تَجْسِيداً بَلْ كَبُرَ شَأْناً، وَعَظُمَ سُلْطَاناً ) .

وإذا عرفنا يا طيب : بعض آداب الدعاء ، والذي يجب قبله أن نتخلى عن كل مانع محرم وغير طيب وخبيث ولؤم وضلال وعدم صدق نية في الإيمان والطاعة ، وعن مولاة أهل الضلال وحبهم ، أو طلب الحرام والتلبس به وغيره مما ليس فيه رضى الله ، ليصدق جدنا في توجهنا لله بما يحب ويرضى ، وبتهيئة أنفسا وتصفية أرواحنا وإخلاص نياتنا مع الله ، وحينها نذكره بالأسماء الحسنى فنكون مع الله ويكون الله معنا ، فيوفقنا هدى ونصرا وكل ما يوصلنا للخير وللسعادة التامة الأبدية ، وحتى يجعلنا إن شاء الله مع أشرف خلقه وأكرمهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عيهم وسلم أجمعين ، إنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

النور الخامس

حقائق الإيمان بالله وحده وبركاته نوره

يا طيب : نذكر هنا بعض أنوار تشرق علينا هداه ونجعلها خاتمة مسك في معرفة توحيد الله والإيمان به تعالى ، وهي إن شاء الله من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين ، وهي تختص في التدبر في معرفته الله وسعتها ، وإنه يجب تطبيقها عملاً وعن معرفة علمية يقينية ، وبها يقام كل ما يترتب على الإيمان بالله تعالى من الإيمان بكل تعاليم الدين وتطبيقها ، فهنا مشارق نور ثلاثة :

 

الإشراق الأول :

سعة معارف وبراهين الإيمان بالله وتوحيده :

يا طيب : إن معارف التوحيد الإلهي كثيرة جداً ، والسلوك لمعرفة الله وأسلوب البحث متنوع ، وقد يتم التفصيل في بعض البحوث كبراهين التوحيد ، أو شرح الأسماء الحسنى حتى تستوعب كتابا كاملا ، بل معارف تجليها أو معرفة الكونيات يسع كتب ، بل خصائص خلق من خلق الله قد تكون المعرفة به تستوعب كتاب تتعدد أجزاءها ، والله عظمته واسعة ، والتدبر في الكون الآفاقي وعلم النجوم والطبيعة والأرض ، وكل ما بها وفيها ، والأنفس والبدن وطبه ومعارف خصائصه وأحواله النفسية ، كلها تدلنا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى ، وتبرهن على ضرورة الإيمان بالله تعالى ، ويعرفنا تجلي عظمته وكل أسماء الله الحسنى ، ويعرفنا كمال الله الذي لا يحد ، وإن هذا الوجود وما فيه لابد أن يكون من الحي الغني بالعلم والقدرة الواسعة التي لا تحد ، وله الملك وله الحمد وحده لا شريك له .

ويا أخي في الإيمان : إن هذه الصحيفة الثانية في التوحيد الإلهي للكاملين : أعدت لمعرفة توحيد الله تعالى بمعارف خاصة من أدلة التوحيد والبراهين الكلية في التدبر بكل الكون أو في النفس ، وفيها مسائل من التوحيد ذكرت بصورة مختصرة ، وإن كان في أمهات مسائل التوحيد وخلاصة مطالبه المهمة شرحت شرحا حسنا ، إلا أنه مهما طال فهو مختصر ، لأنه فقط توحيد العبادة : وحده قد يتعدد البحث في معناه وما يقال فيه لعدة أجزاء ، ولذا كان هنا بيان أصول المسائل والبراهين و بشكل كلي ، وإن كان أتقن بيانه وبرهانه حتى يوصلنا لليقين بعظمته سبحانه ونؤمن بالله وحده لا شريك له في الذات والصفات والأفعال ، وبكل ما يترتب على الإيمان بالله تعالى من الإيمان بملائكته وكتبه ورسله وتعاليم دينه .

كما إنه لم نستقصي : كل ما قيل وقال ولم نتوسع في نقل الأقوال ، ونسأل الله تعالى ، أن تكون البحوث والمعارف التي طرحناها فيه مرضية لدية وينفعنا وإخواننا المؤمنين بها ، وللتوسع توجد كتب مفصلة أخرى مثل كتب آية الله الأستاذ السبحاني وغيره من أعلام الطائفة المحقة .

ثم يا طيب : أعلم أن هذا العلم التوحيد الإلهي هو أول معرفة دين الله سبحانه وتعالى .... وإن عرفت سعته بما ذكرنا ، ولكنه الحق إن بكل تفصيله مختصر ، وإن معرفة الله واسعة وقد عرفت إنه تعالى له في كل شيء بالوجود آية تدل عليه وترينا عظمة أسماء الله الحسنى ، ولذا يجب أن نطلب المعرفة الحقة من بابها بما علمه أولياء دين الله تعالى وبالخصوص معاني التوحيد والأسماء الحسنى وتجليها فضلاً عن ذكر الله ودعاءه ، وإلا بعد أن تقام الأدلة على وحدانية الله تعالى قد يشرك قوم بالله من ناحية مسائل متعددة من سائل توحيده ومعارف دينه تعالى ، وقد أشرنا لمسألة الجبر والتفويض أو الأسماء الخبرية أو ما عرفت من القول بكثرة أسماء الله تعالى وغيرها وإنهم لم يعرفوا الله وتوحيده بل والإيمان به حق المعرفة .

ولذا يجب الدقة في معرفة هدى الله تعالى : ولا يحق لإنسان أن يقول بغير علم على الله مع أنه يدعي الإيمان ويقيم أحسن الأدلة والبراهين على توحيده سبحانه وضرورة الإيمان به تعالى ، كما إنه لا بد أن نعرف شأن ذكر الله وعبادته وما يجب طلبه به وكيف تتم ، فإنه قد يشتبه البعض في معاني الذكر وطرقه وقد ذكرنا إن أبواب نبينا وآله الطيبين الطاهرين مشرع في تعليم كل شيء من دين الله وبالخصوص باب الذكر والدعاء .

 

الإشراق الثاني :

سبيل التدبر بذكر الله بالأسماء الحسنى وغيرها :

يا طيب : قد عرفنا إن كل شيء بالتدبر به يدلنا على الله ، ويبرهن لنا ضرورة أن يكون لخالقه كل كمال وجمال ، والتي تعبر عنه الأسماء الحسنى والصفات العليا الإلهية ، وهي المشيرة لتلك الحقيقة المتعالية التي لها كل وصف على الحقيقية ومن غير كثرة ولا حد ، ومن ثم حتى يمكن أن يوجد هذا الكون المتقن الواسع ، ولكن مع ذلك ترى البعض قد يشتبه في مسائل معرفة الله وتوحده حتى في حال الذكر والتدبر ، ونشير لمسألة ذكرها الله تعالى إذ قال سبحانه :

{ قُلْ ادْعُوا اللهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ

أَيًّامَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى

وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا } الإسراء111 .

 فإنه شأن نزول هذه الآيات الكريمة : إنه لما سمع المشركون نبينا الكريم يتلوا بسم الله الرحمن الرحيم ، قال المشركون يذكر أكثر من إله ، وهو يدعوا لإله واحد ، فأجابهم الله إن كل اسم حسن فهو لله تعالى بالأصالة ومنه تنزل وفاض على غيره من عباده ، ولا فرق في دعاءه باسم الله أو الرحمن فهو يراد به الله الذي له كل كمال وجمال ، بل وجلال وإن بطن جداً .

 ثم أدب سبحانه نبيه الكريم بتعاليم أخرى لدينه : فيبين أن الدين كله ليس فقط ذكر الله ، بل الصلاة هي ذكر لله وتوصل له،  ويجب أن يقول فيها ذكر الله تعالى ، فيجب أن يعلم مع تعدد أسماء الله الحسنى ، فإنه واحد أحد سبحانه ليس له شريك ، ووحده له الملك ، وليس له ولي من الذل لأنه غني فلا ذل له ، ويجب أن نذكر الله ونعلم علم اليقين ، أننا لا يمكن أن نحيط به علما ، ونكبره تكبير مع ذكره بأسمائه الحسنى والصفات العليا ، ونؤمن بأنه أكبر من أن يوصف سبحانه وتعالى بحد أو تصور أو ما شابه .

 وهذه الأسماء الحسنى والأوصاف العليا الإلهية : تدل على معاني له وتبين كماله الذاتي والفعلي ، والذي لا يحيط به عقل ولا وهم ، ولكن إيمان ومعرفة قلب ويقين في العقل ، وهو بأنه وحده لا شريك له الملك وله الحمد كما عرفت ، وهذا الإيمان به تعالى يستتبع على المؤمن كل ما يجب عليه في أمور دينه ، وهي كل ما جاء في القرآن المجيد وما بينه بقوله وسيرته وسلوكه نبينا الكريم صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله ، وأحد تعليم الله الدعاء والذكر الخاص ، وإلا كل دينه وتعاليم الإسلام العمل بها وتطبيقها ذكر له تعالى ومراقبة لما أراد كقوله تعالى :

{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَمًا (75) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)

قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا } الفرقان77 .

 فإن ذكر الله والدعاء : وطلبه سبحانه أن ندعوه بهذه الشدة ، هو نفسه يطلب منا في آيات أخرى وبنفس الشدة كثير من تعاليم دينه ومعارفه ، بل كلها يجب الإيمان بها ، وأفتح القرآن المجيد وتدبر الآيات قبل هذه الآية الكريمة ، بل كل القرآن فإن أسمه ذكر أو فرقان مع أن فيه كل تعاليم الله ومعارفه كأخلاق والأحكام وبيان هداه كله ، وفيه ذكر لكثير من أحوالهم الأمم مع أنبياءهم  ، والدعاء أحد تعاليم الله وما أراد منا ، والذي هو لمن ليس له سبيل ولا حيلة ولا وسيله إلا التوجه لله وطلب ما عنده بكل إخلاص وهو القائل سبحانه :

{ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ

وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ}النمل62 .

 فإن الله تعالى : هو الذي يجيب المضطر وهو يكشف السوء ، وهو جعلنا خلفاء الأرض ولا إله معه وحده لا شريك له ، وله الأسماء الحسنى والصفات العلياء ، والآيات التي تأدبنا الدعاء والذكر بالأسماء الحسنى كثيرة ، جداً والله هو الولي الحميد .

 وعرفت كيف : تم تأديبنا بسورة الحمد للاستعانة به سبحانه لطلب هداه بعد ذكر عدة من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، أو بعد ما عرفت تدبر الإقرار بسورة التوحيد وهي تبين معاني التوحيد ويقال لها نسبة الرب تعالى ، أو تدبر في التعوذ بسورة الفلق والناس التي هي أخر سورة القرآن ، والتي بعد إن علمنا الله تعالى سبيل هداه في أوله القرآن المجيد وفيه كله بيّن كل تعاليمه وهداه ، وحكى لنا من قصص الأمم مع أولياء دينهم وكيف تسلط الحكام الظلمة ليختبر العباد وكانوا يقتلون الأنبياء ، فإنه تعالى في آخر القرآن يذكر التوسل به أيضاً كما توسلنا به بسورة الفاتحة بأسماء حسنى ، ولكنه في سورة الفلق والناس التي هي آخر القرآن المجيد وكلامه الذي هو أحسن الحديث ، يحذرنا خلقه من الذين لهم قدرة الظلال من الشيطان الرجيم والجنِّة والناس الذين ضلوا الطريق .

 ولذا كان يجب علينا : أن نتعلم دينه ومعارفه تعالى بحق وبجد وحسب ما يريد تعالى ، ولا نقع في حبال من مكنهم الله ليختبر عبادة في بقدرتهم وتسلطهم ، وليعرف صدق طلبه لدينه كله منا ، فضلاً عن الإيمان به وتوحيده .

 

الإشراق الثالث :

 سعة دين الله في تعاليم الهدى التشريعي :

أعلم يا طيب : إن معرفة التوحيد والأسماء الحسنى الإلهية في عين إنها كل الطريق إلى الله وأس المعرفة به ، إلا أنها في تدبر آخر ترى إنها أول الطريق لله تعالى ، والله تعالى لم يأمرنا برهبانية أن يجلس أحدنا ويذكر الله فقط ، أو على طريقة بعض الصوفية الذين يكتفون بالذكر الله والدعاء ويتركون كل عبادات الله تعالى ، فإن لله تعاليم شاملة لكل الحياة أسرة وفرد ومجتمع ودولة واقتصاد وسياسة وحكومة وولاية وكل مجالات الحياة العامة والخاصة والجزئية ، لم يكتفي سبحانه بالذكر فقط ، ولكنا توسعنا به وذكرنا كثير من البحوث فيه لنتعلم تطبيق الأسماء الحسنى الإلهية في جميع مجالات الحياة التي ذكرناها ، وفي كل عبادة وطاعة لله التي شملت كل شيء ، كما إنها نافعة في التدبر في كتاب الله ومعارف توحيده كلها ، ولتكون لنا تطبيق عملي حقيقي لا معرفة نظرية فقط .

فإن ذكر الله حسن على كل حال : ولكن لابد أن نعرف إن ذكر الله هو بكل تعاليمه وأوامره ، ولذا عندما ختمنا بحث وجوب المعرفة في أول الكتاب ذكرنا حديث طويل وهو في صفحات عن الإمام الرضا يعلم به أصول الدين وكثير من فروعه ، وهو لكي لا يشتبه المتكاسل والمتقاعس عن دينه بالذكر وحده ويترك باقي العبادات ، ويقول أنا مؤمن بالله وكفى ، فإنه وإن كان معرفة الله أول الدين ، ولكنه يجب أن نعلم أنه لابد أن نسير في طلب الله في كل مجال تجلى به من معارف دينه وهداه وتعاليمه ، والتي بتطبيقها يتم الهدى المحكم للحياة ويحصل إتقان التشريع الإلهي والإيمان الصادق به .

وأحب أن أشير لك يا طيب : إنه كانت لنا محاورة في معنى ذكر علي عليه السلام عبادة ، كان يقول الوهابي شرك التعبد لله بذكر علي عليه السلام وليس من العبادة ، ولكن بحمد الله عرفناه إنه الشرك هو ترك الدين كله وهو عند ترك علي الذي يعرفنا تعاليم الله ويدلنا على هداه بعد نبينا الكريم ، والمحاورة موجودة على موقع صحف الطيبين تجدها إن شاء الله ، كما كتبنا كتاب كامل في معنى عبادة الله وذكره كتوضيح لهذه الشبهة التي يكتفي بها بعض الناس بذكر الله وحده وينسى وتغافل من أن توحيد الله يتم بكل مراتبه حتى الولاية والتشريع والتقنين والحاكمية لله على عبادة ، وإن أولياء الله هم يعلمونا معارف الله وكيف نطلبه حتى في الدعاء والذكر فضلاً عن الصلاة والصوم والحج والخمس والزكاة وجهاد وكل تعاليم الله تعالى .

ولذا يجب معرفة الله بعد الإيمان : هو أنه يجب الإيمان والتوحيد التام حتى بإقامة العبادة وتعاليمها ، وبهذا نعرف أن هدى الله كامل شامل لكل ما يتطلبه الإنسان في جميع أدوار حياته وسعتها كمجتمع ودولة ، ومن الطفولة حتى الكهولة بل حتى بعد الموت والدفن والتصدق والإحسان عنه وأرثه وغيرها من المسائل .

وهذا هدى الله تعالى : المحكم المتقن الواسع من العليم القدير الذي ينير حياتنا بمعرفته والإيمان به وتوحيده بكل مراتبه وما أراد منا ، فنعرفه بأنه تعالى الهادي والولي والمشرع والحاكم والرب والمربي والولي والقيوم وغيرها من الأسماء الحسنى بسعتها وبها جميعها يتم التوحيد .

وإذا عرفنا هذا يا طيب : ندخل في معارف الجزء الثاني من صحيفة التوحيد للكاملين ، وهو مختص بشرح الحديث الشريف ، لله تسعة وتسعين أسما من أحصها دخل الجنة ، وأسأل الله نورها لك ولي إنه أرحم الراحمين .

 والحمد لله رب العالمين : وأسأل الله أن يمن علينا برضاه فيصدقنا النية في الإخلاص له ، ويجود علينا بكل خير وبركه ، وبكل أسماءه الحسنى عز وكرامة ومجد وعلو ورفعة ومعرفة وكل نعيم وسعادة واطمئنان وراحة دائمة ، حتى يجعلنا مع نبينا وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم أجمعين ، إنه أرحم الراحمين ، وهو الولي الحميد والغفور الشكور  ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.


[1]نهج البلاغة : الخطبة 49 .

   

تمت مراجعته في ليلة القدر
19 شهر رمضان 1425 ليلة شهادة الإمام علي عليه السلام
أخوكم في الإيمان والمحب لأهله والرافض لمن رفضهم وضل عنهم
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com

وتم رفع إلى الإنترنيت في ليلة القدر المباركة 23 شهر رمضان الكريم سنة 1425 للهجرة الشريفة

وأسأل الله عز وجل : القبول ، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم ، وأن يغفر لي ولكل طيب قرءه وعرفه للطيبين ، ولمن نشره ولمن هيئ الظروف لكتابته ولمن له حقا علينا ولوالدينا جميعا ، وأن يشكر سعينا ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

يا طيب إلى أعلى مقام صفح عنا رب الإسلام بحق نبينا وآله عليهم السلام


يا طيب إلى فهرس صحيفة توحيد الله العام طيبك الله وطهرك بالإسلام