هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
الأصل الثالث للدين صحيفة النبوة العامة   والخاصة  لنبينا الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه و آله و سلم

الباب السادس

أوصاف نبينا الأكرم وسلوكه وخلقه وآدابه وسننه وخصائصه الشريفة

 

في هذا الباب : نتعرف على سيرة وسلوك نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصفاته الشخصية وخلقه الكريم وآدابه في نفسه ومع صحبه ، وفي ملبسه ومأكله ومشربه ومشيه وجلوسه وكل ما تعلق به ، فنعرف به نور الخُلق العظيم الإلهي والرحمة الربانية لتعليم البشر الحياة الطيبة المطمئنة الكريمة حقاً .

 

تذكرة : بأنوار تجلي الرحمة الربانية لهداية العباد :

قال الله سبحانه وتعالى : { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم 4.

قال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ).

فلذا يا طيب : من عرّفه الله بالخلق العظيم وكونه بر رحيم ورحمة للعالمين بكلامه وفي كثير من الآيات المجيدة ، وبحق ظهر بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب والصفات وبكل وجوده علما وعملا وسيرة وسلوكاً ، وكان بحق دليل على نور الله في أرضه ورحمة هدى لعباده ، وبهذه المواصفات الحميدة كان نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم قدوة الوجود وأسوة البشر للوصول لرحمة الرب المعبود ، لأنه قد ربي بيد القدرة الإلهية والحكمة الربانية ، ورعاه وأهتم بشأنه الله في عالم الذر والآباء وفي حياته كلها حتى الجنة ، فكان أشرف موجود وغاية الوجود ، وبمعرفته ومعرفة صفاته الكريمة وسيرته وخصائصه يعرف التقى والإيمان ، ويُعرف رضى الله الرب الرحمان وصراطه المستقيم وتوحيده واليقين به وإقامة العبودية والإخلاص له ، فهو عين ظهور نور الهدى والإيمان .

فإنه كان صلى اله عليه وآله وسلم خُلقه ونطقه وصفاته القرآن الكريم : رحمة للمؤمنين ونقمه على أعداء الله والكافرين ، ولكنه لم يعتدي ولم يخن ولم يغدر ولم يظلم ولم يغل ، فإنه كان يدعوا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل الناس بالتي هي أحسن ، فأسلمت له الجزيرة العربية طوعاً وقريش طوعا وكرهاً ، وكلا حسب طلب لله وإخلاصه له ، عصمه الله من الضلال والمعصية وهداه لدينه القيم ومكنه من إقامته وحب ربه وشكره فسعد بنفسه حسب جده.

فإنه صلى الله عليه وآله وسلم : كان المصداق الكامل والحي والنابض بالتطبيق للصفات الإلهية في الرحمة والنعمة والكرم والنور والهدى واللطف والرأفة والعزة والمنعة للمؤمنين بل كان رحمة للعالمين ، وكذا كان تجسيده لنقمة الله وعذابه للكافرين والمنافقين ، وبحبه يُعرف الله ويتم الإيمان ، وبنوره وهداه يُعرف هدى الله ونوره ، فهو صراط الله المستقيم والنعمة الكبرى للبشرية كلها .

فمن حبه حب الله ، ومن أطاعه أطاع الله ، ومن والاه والى الله ، ومن قبل منه قبل من الله تعالى ، ومن رضي عنه رضي عن الله ، وكذلك من عصاه عصى الله ، ومن ضل عنه ضل عن الله ، ومن فارقه فارق الله ، فهو دين الله والإسلام كله علما وظهورا وتطبيقا ، وبه يُعرف وبه يُصل لتعاليمه .

وقد عرفت في الأبواب السابقة براهين كريمة وشواهد عزيزة تعرفنا بحق ضرورة وجوده العظيم وبعثته الشريفة ، وبعض الأمور الخاصة في سيرته الحسنة وشأنه الكبير وعلو منزلته ومقامه عند الله ، وثباته في نشر رسالته وجهاده في تبليغه دعوته الربانية .

 والآن نذكر لك يا طيب : بعض الأمور الخاصة والمتعلقة بشخصه الكريم من صفاته وخلقه وخصائصه وسُننه لتعرف فضله الكريم ، وخُلقه العظيم حيث ترى حقائق ما يمدحه الله تعالى به ونور ما يفتخر به المؤمنون المنتسبون له.

وبها نعرف : إن خلق نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو عين العمل الصالح والسباق للخيرات والإيمان الخالص ، تحدث عنه كل صحبه وكان له أكبر الأثر في تربية المسلمين فضلاً عن قبولهم لدينه والدفاع عنه ونشره والجهاد في سبيله ، بل كان يسمى صلاة الله وسلامه قبل البعثة بالصادق الأمين ، وفي حياته معهم كانوا يتسابقون لمعرفة صفاته وخلقه ومتابعة حركاته وسكناته لكي يتصفوا بها ويأخذوها دستور علما وعملا وحياة يستنون بها ويقتدون به .

 وسنعرف هنا في هذا الباب : علو منزلته واهتمام رب العالمين به ورعايته وتربيته ، ليربي أهل الوجود من الجن والإنس به معارف دينه القيم عملا،ويسلك بهم بتوسطه لرضاه وعبوديته ولسعادة الدنيا والآخرة الأبدية ، فتدبرها فإنها نور الله وهداه ونذكرها على نحو الإجمال والاختصار في بحوث فيها أمور .

البحث الأول

تعريف الله وآل نبينا وصحبة لخلُقه العظيم وآدابه الربانية

 

وفيه أمور :

الأمر الأول

تعريف ربنا لخُلق نبينا ووجوب التأسي به

قال الله تعالى : {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم 4 ولا يوجد وصف أحسن منه ، وهذه أوصاف متتالية لنبنا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرفنا بها رب العزة فقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا }الأحزاب 46 . يُعرف الله ودينه وآدابه وهداه لعباده فينور وجودهم، وبجد وبكل أخلاص حتى قال تعالى :

{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } التوبة 128 . { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ }آل عمران 159. فهو نور رحمة ويُطهر المؤمنين ويزكيهم ويجعلهم ينفقون في سبيل الله فيصل الغني الفقير ويساعد كل من سعته لنشر دين الله كما قال تعالى بمعارفه:

{ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً : تُطَهِّرُهُمْ ، وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ، وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } التوبة 103 . يهبهم الاطمئنان الذي يسكن قلوبهم ويطيب وجودهم بالطيبات والمعروف ويطهرهم بتحريم المنكر والخبائث ، كما علمه الله وأدبه ليرنا نوره وبره وإحسانه في كل عباده له وتعليما وعملا إذ قال تعالى :{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ : الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ، وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ، فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ، وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (157).  قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِ وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)  }الأعراف . فهذا رسول الله نبينا الأكرم محمد : صلى الله عليه وآله وسلم وخُلقه العظيم الذي يُطهر البشر ، فهو الشاهد والمبشر والنذير والداعي إلى الله والسراج المنير بحق ، يأمرهم بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل الطيبات ويرفع الخبائث وكل رجس ، ومع اللين واللطف الرحيم المزكي لمن أتبعه والمطهر لمؤمنين فهو كما قال تعالى :

{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } الأنبياء 107 ، فهو صلى الله عليه وآله وسلم من منن الله ونعيمه الأعظم علينا لذا قال تعالى : { لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ } آل عمران 164 . وهو تعالى قال : { هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } الحديد 9 .

وفي الحقيقة كل ما في القرآن كريم من أوامر ونواهي هي من خلق النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فهو كان أول عامل بها ومصداقها الحقيقي وفردها الذي لا ينازع ، فكان صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر بأمر إلا ويكون هو المجري له والعامل به ثم الآمر به ، فهو تطبيق للقرآن المجيد في كل حركاته وسكناته وأقواله حتى قال تعالى في حقه : { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } النجم5 { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }الحشر7.

ولهذا أو جب الله علينا طاعته والإقتداء به وجعله أسوة لنا فقال سبحانه : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا } الأحزاب 21 ، وقال تعالى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } آل عمران 31 . وهكذا كما يجب إتباعه وطاعته بحق لمن يحب الله فيجب أن يتحلى بها ، كذلك يجب معرفته من آله الكرام وطاعتهم وحبهم مثله ، فهم ولاة الأمر بعده كما عرفهم سبحانه فقال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } النساء 59 .

وهذا الولي بعد الله والنبي : قد عرفته في ملازمته له من صغره وفي نصره له في كل حروب الدين ، ولهذا قال الله تعالى يعرف شأن نفقة طاهرة له في أعز عبادة وأكرم حالة في التوجه له ، فيعرف ولايته حيث قال سبحانه :

{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ(56) } المائدة . فهذا حزب النبي الكريم يغلب كل ما يُبعد عن الله ويتطهر لأنه يتبع الطاهرون الذي طهرهم الله حيث قال تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) } الأحزاب . ولذا يجب أن نتصل بهم ونصلي عليهم كما أمرنا الله وعلمنا رسوله كيف أن نصلي عليهم ، فنتصل بهم ونحصل على رحمة الله بمعرفتهم وما عرفوه من خُلق النبي وهداه من سيرته وسلوكه وخُلقه وصفاته الكريمة كما سترى وحيث قال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) } الأحزاب . ومن كان هذا حاله في معرفة الاتصال بالنبي وآله ووصلهم والصلاة عليهم فله يكون ما قال تعالى :

{ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75) } الزمر .

فهذه وراثة الجنة لمن تعلم وتوصف بصفات وخلُق النبي وآله بما عرفوه ، فيحسن وجوده فيحف بهم حول عرش الله ، بل له مع وليه وراثة الأرض كما قال تعالى :{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) }الأنبياء .

 فإنه دين متكامل قد حفظه الله وحافظ عليه بكل ما يمكن من المعارف والتعاليم ، والتي من ظهر بها كان وارث الجنة والأرض بإيمانه وسكنه في النعيم ، فمن تبع ولي دينه يملك معه في الدنيا وراثة طيبة من الله كما يملك في الآخرة .

 وإذا عرفت يا طيب هذه المعارف الخُلقية التي عرفها الله لنبينا وآله المطهرون وصراط معرفتها، نذكر وصفهم وتعريفهم له ببعض التفاصيل ، فنبدأ بذكر ما عرفه خليفته بالحق الإمام علي عليه السلام ثم سبطاه ثم صحبه الكرام . ونسأل الله أن يعرفنا بها بحق المعرفة ويحلينا بها بحق حتى يرضى عنا ويجعلنا معه في الدنيا والآخرة إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

الأمر الثاني

حكيم الإسلام وربيب نبي الرحمة يصفه

عرفت ملازمة الإمام علي عليه السلام لنبي الرحمة المؤدب بآداب الله ذو الخق العظيم من طفولته وفي شبابه وفي حله وترحاله وفي حروبه وسكنه ، فهو أعرف الناس به بل النبي عرفت إنه كان يكرمه في كل أمر حتى لم يجعل قائد عليه ولا جعله تحت لواء أحد ، بل هو قائد ومبلغ عنه بأمر الله كما عرفت .

 وإذا عرّف نبينا الكريم بعد الله وكلامه المجيد : من يكون هذا حاله وهو من أهل البيت المطهر وولي الدين ، فتعرف بحق إنه يقول صدقا وينطقا حقا في تعريف نبيه وأخيه وسيده الكريم ، ولذا يجب أن نؤمن بما يقول ونتخذه حجة علينا في تعريف نبي الله وخُلقه الكريم وآدابه الحسنة ، ويجب أن نتخذه دين ، وبهذا يجب أن يكون معرفته منه بعد تعريف الله لنبي الرحمة ، وهو الحجة علينا فيجب الإقتداء والتأسي بالنبي بما نعرف من هذه الأوصاف والأخلاق الكريمة له وصراطها المستقيم ، وبه واقعا يتبين لنا بعض أوصافه الكريمة صلى الله عليه وآله وسلم بحق وصدق :

 

ومن خطبة للإمام علي عليه السلام قال :

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله : كَافٍ لَكَ فِي الأُسْوَةِ وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا ، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا ، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا ، وَوُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا(1) وَفُطِمَ مِنْ رَضَاعِهَا ، وَزُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا .

………

فَتَأَسَّ(2) بِنَبِيِّك2َ الأطْيَبِ الأطْهَرِ صلى الله عليه وآله : فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى ، وَعَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى ، وَأَحَبُّ الْعِبَادِ إِلَى اللهِ الْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ ، وَالْمُقْتَصُّ لأثَرِهِ .

 قَضَمَ الدُّنْيَا قَضْماً(3) : وَلَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً ، أَهْضَمُ(4) أَهْلِ الدُّنْيَا كَشْحاً(5) وَأَخْمَصُهُمْ(6) مِنَ الدُّنْيَا بَطْناً ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا ، وَعَلِمَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ ، وَحَقَّرَ شَيْئاً فَحَقَّرَهُ ، وَصَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ .

 وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ : حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اللهُ ، وَتَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اللهُ ؛ لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً للهِِ ، وَمُحَادَّةً(7) عَنْ أَمْرِ اللهِ .

 وَلَقَدْ كَانَ صلى الله عليه وآله : يَأْكُلُ عَلَى الأرض ، وَيَجْلِسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ ، وَيَخْصِفُ بَيَدِهِ نَعْلَهُ(8) ، وَيَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ الْعَارِيَ (9) وَيُرْدِفُ خَلْفَهُ(10) وَيَكُونُ السِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ التَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: يَا فُلاَنَةُ ـ لإحْدَى أَزْوَاجِهِ ـ غَيِّبِيهِ عَنِّي ، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا وَزَخَارِفَهَا .

 فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا بِقَلْبِهِ : وَأَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ ، وَأَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً(11) وَلاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً ، وَلاَ يَرْجُو فِيهَا مُقَاماً ، فَأَخْرَجَهَا مِنَ النَّفْسِ ، وَأَشْخَصَهَا(12) عَنِ الْقَلْبِ ، وَغَيَّبَهَا عَنِ الْبَصَرِ . وَكَذلِكَ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ ، وَأَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ .

وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله مَا يَدُلُّكَ عَلَى مَسَاوِىءِ الدُّنْيَا وَعُيُوبِهَا : إِذْ جَاعَ فِيهَا مَعَ خَاصَّتِهِ(13) وَزُوِيَتْ عَنْهُ(14) زَخَارِفُهَا مَعَ عَظِيمِ زُلْفَتِهِ(15).

فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ بِعَقْلِهِ : أَكْرَمَ اللهُ مُحَمَّداً بِذلِكَ أَمْ أَهَانَهُ !

 فَإِنْ قَالَ: أَهَانَهُ ، فَقَدْ كَذَبَ وَاللهِ الْعَظِيمِ .

 وَإِنْ قَالَ : أَكْرَمَهُ ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهَانَ غَيْرَهُ ، حَيْثُ بَسَطَ الدُّنْيَا لَهُ ، وَزَوَاهَا عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ مِنْهُ .

 فَتَأسَّى مُتَأَسٍّ بِنَبِيِّهِ : وَاقْتَصَّ أَثَرَهُ ، وَوَلَجَ مَوْلِجَهُ ، وَإِلاَّ فَلاَ يَأْمَنِ الْهَلَكَةَ ، فَإِنَّ اللهَ عزّ وجلّ جَعَلَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله ، عَلَماً لِلسَّاعَةِ(16) ، وَمُبَشِّراً بِالْجَنَّةِ ، وَمُنْذِراً بِالعُقُوبَةِ .

 خَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا خَمِيصاً(17) وَوَرَدَ الآخرة سَلِيماً ، لَمْ يَضَعْ حَجَراً عَلَى حَجَرٍ ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ ، وَأَجَابَ دَاعِيَ رَبِّه ِ، فَمَا أَعْظَمَ مِنَّةَ اللهِ عِنْدَنَا حِينَ أَنْعَمَ عَلَيْنَا بِهِ سَلَفاً نَتَّبِعُهُ ، وَقَائِداً نَطأُ عَقِبَهُ(18) )[1] .

وفي خطبة أخرى يصف رسول الله وأهل بيته :

 ( حَتَّى أَفْضَتْ كَرَامَةُ اللهِ سُبْحَانَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَعَادِنِ مَنْبِتاً(1) وَأَعَزِّ الاََْرُومَاتِ(2) مَغْرِساً(3) مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي صَدَعَ(4)مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ، وَانْتَجَبَ(5) مِنْهَا أُمَنَاءَهُ .

 عِتْرَتُهُ خَيْرُ الْعِتَرِ(6) وَأُسْرَتُهُ خَيْرُ الاَُْسَرِ ، وَشَجَرَتُهُ خَيْرُ الشَّجَرِ ؛ نَبَتَتْ فِي حَرَمٍ، وَبَسَقَتْ (7) فِي كَرَمٍ ، لَهَا فُرُوعٌ طِوَالٌ ، وَثَمَرٌ لاَيُنَالُ .

 فَهُوَ إِمَامُ مَنِ اتَّقَى ، وَبَصِيرَةُ مَنِ اهْتَدَى ، وسِرَاجٌ لَمَعَ ضَوْؤُهُ ، وَشِهَابٌ سَطَعَ نُورُهُ ، وَزَنْدٌ بَرَقَ لَمْعُهُ .

 سِيرَتُهُ الْقَصْدُ(8) ، وَسُنَّتُهُ الرُّشْدُ ، وَكَلاَمُهُ الْفَصْلُ ، وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ .

أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ(9) مِنَ الرُّسُلِ، وَهَفْوَةٍ(10) عَنِ الْعَمَلِ، وَغَبَاوَةٍ مِنَ الاَُْمَمِ )[2].

فيا طيب : هذا ولي المؤمنين وأخي سيد المرسلين قد وصفه لنا بأطيب الكلام وأحسنه ، وعرّف صفاته الكريمة وخُلقه الحسن بجوامع الكلم وببليغ البيان ، فهذه حكمة الله في تعليم خلقه وتدبير هداه في تعريف الطاهرين وخُلقهم العظيم ، حتى نعرف سيدنا ونبينا وخاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وآله فنجعله لنا قدوة وأسوة فنخلص لله بدينه ونتأدب بآداب الله التي ظهر بها نبيه ، فإنها بحق من الله وبتعليمه كما قال أمير المؤمنين في الخطبة القاصعة :

فضل الوحي :

أَنَا وَضَعْتُ فِي الصِّغَرِ : بكَلَاكِلِ الْعَرَبِ ، وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُر2ُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ ، وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله سولم ، بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ، وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ ، وَ أَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ ، وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ ، وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ ، وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ ، وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ ، وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ، وَ لَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ .

وَ لَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صلى الله عليه وآله وسلم : مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ ، وَ مَحَاسِنَ أَخْلَاقِ ، الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ .

وَ لَقَدْ كُنْتُ : أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً ، وَ يَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ،وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَ لَا يَرَاهُ غَيْرِي ، وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ  وَ خَدِيجَةَ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَ الرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ[3] .

 وهذا يا طيب : ريح النبوة بحق ونور خلقها العظيم وآدابها الكريمة كان بمعرفة ولي الله ووصيه رسوله يصفه لنا عليه السلام بحق ، وعن علم وبحق اليقين وعينه فإنه كان في كل أحواله معه ، فما ذكره يا طيب هو خلق من الله يعلمنا به وآداب لنبيه الكريم ذكرنا بها لعلنا نقتدي به ، وهذا بيان أخر جامع لأوصاف نبينا الأكرم الشخصية في هيئته وشمائله ، ولبعض سلوكه الحسن وآدابه الكريمة يعرفه لنا سبطاه وأهل بيته الطيبين الطاهرين ، نتدبره ونسأل الله أن يحققنا به إنه أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

الأمر الثالث

سبطا النبي ينقلا لنا شمائله وأوصفه الحسنة

وهذه يا طيب : صفات حسنة وشمائل كريمة يصفها سبطا النبي وريحانتيه في الدنيا وخلفائه الكرام بعد أبيهم على دينه وتعليم هداه وتبليغ رسالته ، وهما كانوا معه وعاشوا بكل وجودهم دينه وأدبه وعرفوا مكارم أخلاقه وتحلوا بها وظهروا بنورها علما وعملا ، وهما ينقلنا لنا بعض مكارمه وهيئته الحسنه وشكله الجميل بفضل الله ويريان حقائق وصفاً بهياً له .

فينقل الإمام الحسن عليه السلام : عن خاله وهو قد لازم جده وعرفه لكنه لكي يتقنها الناس عندما يكون من نقل وصافا للنبي بتأييد سبطه ، وبهذا الأسلوب الشيق الذي ستراه في هذه الرواية ، يعرف بعض تصرفاته وسيرته وسلوكه بما فيه بيان لتمام آداب الله لنبيه وعنايته بأشرف خلقه وتربيته له ، وهكذا سترى أوصفا أخرى عن نقل الإمام الحسين عليه السلام لأوصاف جده عن أبيه علي بن أبي طالب .

وهذا حديث كريم : فيه كثير من المواصفات لخَلق وخُلق نبينا نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم ولسلوكه ولسيرته ولصفاته ولتصرفه في نفسه ومع صحبه ، وهما يريانا حبهم للنقل بأحسن الأوقات له ليتحف أحدهم الآخر ، وهديه يهديها بعضهم لبعض ولنا ، فينقلها بأفضل حال وأسلوب ليشتاق لمعرفتها والتطيب بها المؤمنون الطيبون ، وهذا رواية سبطا نبي الرحمة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين لأوصاف جدهم العظيم نبينا الأكرم عن خالهم وأبيهم صلى الله عليهم وسلم صلى الله عليهم وسلم أجمعين :

 

قال الإمام الحسن بن علي عليه السلام :

 سألت خالي هند بن أبي هالة التميمي(1) ـ وكان وصافاً ـ عن حلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم  وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال :

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

 فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع وأقصر من المشذب (2) ، عظيم الهامة .

رجل الشعر(3) ، إذا انفرقت عقيصته قرن(4) وإلا فلا يجاوز شعره شحمه أذنيه إذا هو وفرة .

 أزهر اللون ، واسع الجبين .

 أزج الحواجب (5) سوابع في غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين(6) ، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم(7) .

 كث اللحية(8) ، سهل الخدين ، أدعج ، ضليع الفم (9) ، أشنب مفلج الأسنان(10) ، دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية (11) في صفاء الفضة .

 معتدل الخلق : بادنا متماسكا ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس (12) ، أنور المتجرد .

 موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط (13) ، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين .

 أعلى الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، سبط القصب ، شثن الكفين والقدمين (14) ، سائل الأطراف ، خمصان الأخمصين (15) ، مسيح القدمين (16) ينبو عنهما الماء .

 إذا زال زال قلعا ، يخطو تكفئا ، ويمشي هونا ، سريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت إلتفت جميعا .

 خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، ويبدر من لقي بالسلام .

 

قال الإمام الحسن عليه السلام لخاله : قلت له : صف لي منطقه ؟

قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة .

ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه (17) ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فصلا لا فضولا ولا قصيرا فيه .

 دمثا(18) ليس بالجافي ولا بالمهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، ولا يذم منها شيئا ، ولا يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها .

 إذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له ، ولا يغضب لنفسه ، ولا ينتصر لها .

 إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث أشار بها ، فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى .

 وإذا غضب أعرض وأشاح(19) ، وإذا فرح غض من طرفه .

 جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام(20) .

قال الإمام الحسن عليه السلام : فكتمتها الحسين زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه .

 فسألته عمن سألته فوجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله فلم يدع منها شيئاً .

  

قال الإمام الحسين بن علي عليهم السلام :

سألت أبي عن دخول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال :

 كان دخوله : لنفسه مأذونا له في ذلك ، وكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا لله عز وجل ، وجزءً لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزأ جزءوه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك على العامة والخاصة ولا يدخر - أو قال لا يدخر - عنهم شيئا .

فكان من سيرته في جزء الأمة : إيثار أهل الفضل بإذنه ، وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم وأصلح الأمة من مسألته عنهم ، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم .

ويقول : ليبلغ الشاهد الغائب ، وأبلغوني في حاجة من لا يستطيع إبلاغ حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون زواراً ، ولا يفرقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أدلة فقهاء .

 

قال عليه السلام : فسألته من مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟

قال عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، ويؤلفهم ولا يفرقهم – أو قال ولا ينفرهم – ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس الفتن ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه .

 ويتفقد أصحابه : ويسأل الناس عما في الناس ، فيحسن الحسن ويقويه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، معتدل الأسر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه .

الذين يلونه من الناس خيارهم : أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ، وأعظهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة .

 

قال عليه السلام : فسألته عن مجلسه ؟

فقال عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله جل اسمه ، ولا يوطن الأماكن ، وينهي عن إيطانها (21) ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك ، يعطي كلا من جلسائه نصيبه ، حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه .

 من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه .

 ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول .

 قد وسع الناس منه بسطه وخلقه ،  فكان لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء .

 مجلسه : مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا يوهن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتاته (22) ، متعادلون متفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعون ، يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ، ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون - أو قال يحوطون الغريب .

 

قال : قلت : كيف كانت سيرته مع جلسائه ؟

قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا صخاب (23) ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ، فلا يؤيس منه ،ولا يخيب فيه مؤمليه .

 قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكثار ، ومما لا يعنيه .

 وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته .

ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه : إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا .

 ولا يتنازعون عنده الحديث : من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوليهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصير للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته ، حتى أن كان أصحابه ليستجلبونهم (24) .

 ويقول : إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه (25) ، ولا يقبل الثناء إلا عن مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز ، فيقطعه بانتهاء أو قيام .

 

قال عليه السلام : قلت : كيف كان سكوته ؟

قال عليه السلام : كان سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أربعة : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر .

 فأما تقديره : ففي تسوية النظر ، والاستماع بين الناس .

 وأما تفكره : ففيما يبقى ويفنى .

 وجمع له الحلم والصبر : فكان لا يغضبه شيء ولا يستنفره .

 وجمع له الحذر في أربعة : أخذه بالحسن ليقتدي به ، وتركه القبيح لينتهي عنه ، واجتهاده فيما أصلح أمته ، والقيام فيما جمع لهم خير الدنيا والآخرة)[4] .

 

 

 

البحث الثاني

آل نبينا وأصحابه يصفون نبينا الأكرم في نفسه ومعهم

 

يا طيب : هذه بعض الأوصاف العملية الفعلية التي يصفه بها من عاصر نبي الرحمة فأحبه بوجوده كله ، فيذكر لنا نوراً من أخلاقه الكريمة وآدابه الشريفة ، و بشكل فعلي ظهر بها مع بعض الأفراد أو صفات كليه تختص بموضوع معين ، بعد إن عرفنا جملة من أوصافه بجمعها بجمل جميلة ، وبشكل كلي ببليغ الكلام وقصار الحكم عن آله الكرام صلى الله عليهم وسلم .

فهنا يا طيب : أمور لأحول متعددة تصف نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في سيرته وسلوكه مع آله وصحبه وفي أحواله معهم ، فنذكر جمل لأحاديث شريفة تعرفنا بره وجوده وآدابه في تصرفاته لإقامة أحوال نفسه ، ومع صحبه في سلامه عليهم وملاقاته للمسلمين وترحيبه بهم ، وفي حياءه وعفته ومروءته ، وفي شجاعته وثباته في كل أحواله وبالخصوص في حروبه ، وعلامات : رضاه وغضبه ، وحلمه ورفقه ، و مزاحه وضحكه ، و حزنه وبكاءه ، وفي مشيه وإجابته للدعوة ، وجمل أخرى من أوصافه وأحواله وأخلاقه الكريمة من التي يجب على المؤمن التحلي بها ليكون مقتدي برسوله ومتأسي بحبيب رب العالمين ومتأدب بآدابه الشريفة ، رزقنا الله منها برحمته إنه أرحم الراحمين وصلى الله على بينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ورحم الله من قال آمين .

فهنا أمور تدبرها يا طيب وتحلى وتجلى بها وتخلى عما يخالفها :

 الأول

جملة من أخلاقه مع من صحبه وتواضعه

عن كتاب مكارم الأخلاق عن كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره ، عن أنس بن مالك قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعود المريض ، ويتبع الجنازة ، ويجيب دعوة المملوك ، ويركب الحمار ، وكان يوم خيبر ويوم قريضة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف تحته إكاف من ليف (1) .

وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلس على الأرض ، ويأكل على الأرض ، ويعتقل الشاة ، ويجيب دعوة المملوك .

وعن أنس بن مالك قال : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا إليه لما يعرفون من كراهيته لذلك .

وعن أنس بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على صبيان فسلم عليهم وهو مغذ .

وعن أسماء بنت يزيد قالت : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بنسوة فسلم عليهن .

وعن ابن مسعود قال : أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل يكلمه فأرعد . فقال : هون عليك فلست بملك، إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القد(2) .

وعن أبي ذر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجلس بين ظهراني أصحابه ، فيجئ الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ، فطلبنا إلى النبي أن يجعل مجلسا يعرفه الغريب إذا أتاه ، فبنينا له دكانا من طين فكان يجلس عليها ونجلس بجانبيه .

سئلت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنع إذا خلا ؟ قالت : يخيط ثوبه ، ويخصف نعله ، ويصنع ما يصنع الرجل في أهله .

وعنها : أحب العمل إلى رسول الله الخياطة .

 

من كتاب النبوة عن أبي عبد الله عليه السلام يقول : مرت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأة بذية وهو جالس يأكل .

 فقالت : يا محمد إنك لتأكل أكل العبد وتجلس جلوسه .

 فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ويحك ! وأي عبد أعبد مني . فقالت : أما لي فناولني لقمة من طعامك . فناولها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقمة من طعامه . فقالت : لا والله إلى التي في فيك .

قال : فأخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقمة من فيه فناولها فأكلتها . قال أبو عبد الله عليه السلام : فما أصابت بداء حتى فارقت الدنيا .

وعن أنس بن مالك قال : خدمت النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع سنين فما أعلمه قال لي قط : هلا فعلت كذا وكذا ولا عاب علي شيئا قط .

وعن أنس بن مالك قال : صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشر سنين وشممت العطر كله فلم أشم نكهة أطيب من نكهته .

 وكان إذا لقيه أحد من أصحابه قام معه فلم ينصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف عنه ، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول بيده ناولها إياه فلم ينزع عنه حتى يكون الرجل هو الذي ينزع ، وما أخرج ركبتيه بين يدي جليس له قط ، وما قعد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجل قط فقام حتى يقوم .

وعن أنس بن مالك قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه (3) جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ، ثم قال له : يا محمد مرّ لي من مال الله الذي عندك ، فالتفت إليه رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، فضحك وأمر له بعطاء .

وعن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر .

 

 

الثاني

جود نبينا وبره وإحسانه وحياءه

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجود الناس كفاً ، وأكرمهم عشرِة ، مَن خالطه فعرفه أحبه .

من كتاب النبوة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قال : أنا أديب الله ، وعلي أديبي ، أمرني ربي بالسخاء والبر ، ونهاني عن البخل والجفاء ، وما شيء أبغض إلى الله عز وجل : من البخل ، وسوء الخلق ، وإنه ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل .

و برواية أخرى عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه كان إذا وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول :

كان أجود الناس كفاً ، وأجرأ الناس صدراً ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفاهم ذمة ، وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة ، من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه ،لم أر قبله ، ولا بعده مثله صلى الله عليه وآله وسلم  .

وعن ابن عمر قال : ما رأيت أحدا أجود ولا أنجد ولا أشجع ولا أوضأ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  .

وعن جابر بن عبد الله قال : لم يكن يسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  شيئا قط فيقول : لا .

وعن أبي سعيد الخدري يقول : كان رسول الله حييا ، لا يسأل شيئا إلا أعطاه .

وعنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه .

وعن أبن عباس قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه .

فقال : يا رسول الله ثلاث أعطنيهن ؟

قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجملهم أم حبيبة أزوجكها ، قال : نعم . قال : ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك ، قال : نعم . قال : وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين ، قال : نعم .

و قال ابن زميل : ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم  ما أعطاه إياه لأنه لم يكن يسأل شيئا قط إلا قال : نعم .

وعن عمر قال : إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  فسأله فقال : ما عندي شيء ولكن اتبع علي ، فإذا جاءنا شيء قضيناه ، قال عمر : فقلت : يا رسول الله ما كلفك الله ما لا تقدر عليه .

 قال : فكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم  قوله .

 فقال الرجل : أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا .

قال فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعرف السرور في وجهه .

 

 

الثالث

شجاعته نبينا وثباته في تبليغ رسالته

عن علي عليه السلام قال : لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ (4) بالنبي  صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو أقربنا إلى العدو ، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا .

وعنه عليه السلام قال : كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم إتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه .

 

وعن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشجع الناس وأحسن الناس ، وأجود الناس .

 قال : لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق الناس قبل الصوت ، قال : فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد سبقهم ، وهو يقول : لم تراعوا وهو على فرس لأبي طلحة وفي عنقه السيف .

قال : فجعل يقول للناس : لم تراعوا وجدناه بحرا أو إنه لبحر .

 

الرابع

علامات رضا نبينا الأكرم وغضبه

عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى ما يحب قال :

 الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

وعن عبد الله بن مسعود يقول : شهدت من المقداد مشهدا لان أكون أنا صاحبه أحب إلي مما في الأرض من شيء ، قال :

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا غضب احمر وجهه .

وعن كعب بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

إذا سره الأمر استنار وجهه كأنه دارة القمر .

قال أبو البدر : سمعت أبا الحكم الليثي يقول : هي المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها على الجدار . يعني قوله : يلاحك الجدر .

 

 

 الخامس

مزاحه وضحكه صلى الله عليه وآله وسلم

روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :

 إني لا مزح ولا أقول إلا حقا .

وعن ابن عباس أن رجلا سأله : أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمزح ؟ فقال : كان النبي يمزح .

وعن الحسن بن علي عليه السلام قال : سألت خالي هنداً عن صفة رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : كان إذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، يفتر عن مثل حبة الغمام .

وعن أنس بن مالك قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبسم حتى بدت نواجذه .

وعن أبي الدرداء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث بحديث تبسم في حديثه .

وعن يونس الشيباني قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام: كيف مداعبة بعضكم بعضا ، قلت : قليلاً . قال : هلا تفعلوا فإن المداعبة من حسن الخلق ، وإنك لتدخل بها السرور على أخيك . ولقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يداعب الرجل يريد به أن يسره .

 

السادس

بكائه صلى الله عليه وآله وسلم

عن أنس بن مالك قال : رأيت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يجود بنفسه ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون .

وعن خالد بن سلمة المخزومي قال : لما أصيب زيد بن حارثة انطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزله ، فلما رأته ابنته جهشت (8) فانتحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له بعض أصحابه : ما هذا يا رسول الله ؟ قال : هذا شوق الحبيب إلى الحبيب .

وقد عرفت بكاه على قبر أمه وفي شهادة حمزة وجعفر صلى الله عليهم وسلم .

 

السابع

في الرفق بأمته صلى الله عليه وآله وسلم

عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه ، فإن كان غائبا دعا له ، وإن شاهدا زاره ، وإن كان مريضا عاده .

وعن جابر بن عبد الله قال : غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى وعشرين غزوة بنفسه ، شاهدت منها تسع عشر غزوة وغبت عن إثنتين ، فبينا أنا معه في بعض غزواته إذ أعيا ناضحي تحت الليل فبرك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أخريات الناس يزجي الضعيف ، ويردفه ويدعو لهم ، فانتهى إلي وأنا أقول : يا لهف أماه ما زال لنا ناضح سوء (5) .

فقال : من هذا ؟ فقلت : أنا جابر بأبي وأمي يا رسول الله .

 قال : وما شأنك ؟ قلت : أعيا ناضحي . فقال : أمعك عصا ؟ فقلت : نعم ، فضربه ، ثم بعثه ، ثم أناخه ووطئ على ذراعه وقال : أركب .

فركبت وسايرته فجعل جملي يسبقه فاستغفر لي تلك الليلة خمسة وعشرين مرة ، فقال لي : ما ترك عبد الله من الولد  ـ يعني أباه ـ ؟ قلت : سبع نسوة .

 قال : أبوك عليه دين ؟ قلت : نعم .

 قال : فإذا قدمت المدينة فقاطعهم ، فإن أبوا فإذا حضر جداد نخلكم(6) فآذني . فقال : هل تزوجت ؟ قلت : نعم ، قال : بمن ؟ قلت : بفلانة بنت فلان بأيم(7) كانت بالمدينة .

 قال : فهلا فتاة تلاعبها وتلاعبك ؟

قلت : يا رسول الله ، كن عندي نسوة خرق – يعني أخواته – فكرهت أن آتيهن بامرأة خرقاء ، فقلت : هذه أجمع لا مري .

قال : أصبت ورشدت ، فقال : بكم اشتريت جملك ؟ قلت : بخمس أواق من ذهب ، قال : بعنيه ولك ظهره إلى المدينة .

فلما قدم المدينة أتيته بالجمل ، فقال : يا بلال ، أعطه خمس أواق من ذهب يستعين بها في دين عبد الله ، وزده ثلاثا ، ورد عليه جمله .

 قال : هل قاطعت غرماء عبد الله ؟ قلت : لا يا رسول الله ، قال : أترك وفاء ؟ قلت : لا ، قال : لا عليك فإذا حضر جداد نخلكم فآذني .

فآذنته ، فجاء فدعا لنا فجددنا واستوفى كل غريم ما كان يطلب تمرا وفاء ، وبقي لنا ما كنا نجد وأكثر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ارفعوا ولا تكيلوا ، فرفعناه وأكلنا منه زمانا .

وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حدث الحديث أو سئل عن الأمر ، كرره ثلاثا ليفهم ويفهم عنه .

وعن ابن عمر قال : قال رجل : يا رسول الله ، فقال لبيك .

روى عن زيد بن ثابت قال : كنا إذا جلسنا إليه صلى الله عليه وآله وسلم إن أخذنا في حديث في ذكر الآخرة أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الدنيا أخذ معنا ، وإن أخذنا في ذكر الطعام والشراب أخذ معنا ، فكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وعن أبي الحميساء قال : تابعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يبعث فواعدته مكانا فنسيته يومي والغد فأتيته اليوم الثالث ، فقال عليه السلام : يا فتى لقد شققت عليَّ ، أنا هاهنا منذ ثلاثة أيام .

وعن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : دخل بعض بيوته فامتلأ البيت ، ودخل جرير فقعد خارج البيت ، فأبصره النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأخذ ثوبه فلفه ورمى به إليه ، وقال : أجلس على هذا ، فأخذه جرير فوضعه على وجهه وقبله .

وعن سلمان الفارسي قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متكئ على وسادة ، فألقاها إلي ، ثم قال : يا سلمان ما من مسلم دخل على أخيه المسلم فيلقي له الوسادة إكراما له إلا غفر الله له .

 

 الثامن

مشي نبينا صلى الله عليه وآله وسلم

عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  إذا مشى تكفأ تكفئا كأنما يتقلع من صبب ، لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وآله وسلم (9) .

وعن جابر قال : كان رسول الله إذا خرج مشى أصحابه أمامه وتركوا ظهره للملائكة .

وعن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  إذا مشى مشى مشيا يعرف أنه ليس بمشي عاجز ولا بكسلان .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدع أحدا يمشي معه إذا كان راكبا حتى يحمله معه ، فإن أبي قال : تقدم أمامي وأدركني في المكان الذي تريد .

ودعاه صلى الله عليه وآله وسلم قوم من أهل المدينة إلى طعام صنعوه له ، ولأصحاب له خمسة فأجاب دعوتهم ، فلما كان في بعض الطريق أدركهم سادس ، فماشاهم ، فلما دنوا من بيت القوم قال صلى الله عليه وآله وسلم للرجل السادس : إن القوم لم يدعوك فأجلس حتى نذكر لهم مكانك ونستأذنهم لك .

 

 التاسع

جمل كريمة في أحواله وأخلاقه

من كتاب النبوة عن علي عليه السلام قال :

ما صافح رسول الله أحدا قط فنزع صلى الله عليه وآله وسلم يده حتى يكون هو الذي ينزع يده .

 وما فاوضه أحد قط في حاجة أو حديث فانصرف حتى يكون الرجل هو الذي ينصرف. وما نازعه أحد الحديث فيسكت حتى يكون هو الذي يسكت .

وما رئي مقدما رجله بين يدي جليس له قط ، ولا خير بين أمرين إلا أخذ بأشدهما .  وما انتصر لنفسه من مظلمة حتى ينتهك محارم الله ، فيكون حينئذ غضبه لله تبارك وتعالى .

وما أكل متكئا قط حتى فارق الدنيا . وما سئل شيئا قط فقال لا .

وما رد سائل حاجة قط إلا بها أو بميسور من القول .

وكان أخف الناس صلاة في تمام ، وكان أقصر الناس خطبة ، و أقلهم هذراً(10) . وكان يعرف بالريح الطيب إذا أقبل ، وكان إذا أكل مع القوم كان أول من يبدأ وآخر من يرفع يده ، وكان إذا أكل أكل مما يليه ، فإذا كان الرطب والتمر جالت يده(11).

وإذا شرب شرب ثلاثة أنفاس ، وكان يمص الماء مصا ولا يعبه عباً (12) .

وكان يمينه : لطعامه وشرابه وأخذه وإعطائه ، فكان لا يأخذ إلا بيمينه ، ولا يعطي إلا بيمينه ، وكان شماله : لما سوى ذلك من بدنه .

 وكان يحب التيمن في كل أموره : في لبسه وتنعله وترجله .

وكان إذا دعا دعا ثلاثا ، وإذا تكلم تكلم وترا ، وإذا استأذن استأذن ثلاثا .

وكان كلامه فصلاً يتبينه كل من سمعه ، وإذا تكلم رئي كالنور يخرج من بين ثناياه ، وإذا رأيته قلت : أفلج الثنيتين وليس بأفلج (13) .

 وكان نظره اللحظ بعينه . وكان لا يكلم أحدا بشيء يكرهه . وكان إذا مشى كأنما ينحط من صبب .

وكان يقول : إن خياركم أحسنكم أخلاقا ، وكان لا يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا يتنازع أصحابه الحديث عنده ، وكان المحدث عنه يقول : لم أر بعيني مثله قبله ولا بعده صلى الله عليه وآله وسلم.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رئي في الليلة الظلماء رئي له نور كأنه شقة قمر .

وعنه عليه السلام قال : نزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إن الله جل جلاله يقرئك السلام ويقول لك : هذه بطحاء مكة إن شئت أن تكون لك ذهبا ، قال : فنظر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء ثلاثا ، ثم قال : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما فأحمدك ، وأجوع يوما فأسألك . وعنه عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحلب عنز أهله .وعنه عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لست أدع : ركوب الحمار مؤكفا (14) ، والآكل على الحصير مع العبيد ، ومناولة السائل بيدي .

وعن جابر بن عبد الله قال : كان في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خصال : لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه وريح عرقه ، ولم يكن يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له .

وعن ثابت بن أنس بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أزهر اللون ، كأن لونه اللؤلؤ ، وإذا مشى تكفأ ، وما شممت رائحة مسك ولا عنبر أطيب من رائحته ، ولا مسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ، كان أخف الناس صلاة في تمام .

وعن جرير بن عبد الله قال : لما بعث النبي أتيته لأبايعه ، فقال لي : يا جرير لأي شيء جئت ، قال : قلت لأسلم على يديك يا رسول الله ، فألقى لي كساءه ، ثم أقبل على أصحابه فقال : إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه .

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واعد رجلا إلى الصخرة فقال : أنا لك هنا حتى تأتي ، قال : فاشتدت الشمس عليه ، فقال له أصحابه : يا رسول الله لو أنك تحولت إلى الظل ، قال : وعدته ههنا وإن لم يجئ كان منه الجشر (15) .

وعن عائشة قالت : قلت : رسول الله إنك إذا دخلت الخلاء فخرجت دخلت في أثرك فلم أر شيئا خرج منك غير أني أجد رائحة المسك ، قال : يا عائشة إنا معشر الأنبياء بنيت أجسادنا على أرواح أهل الجنة ، فما خرج منا من شيء ابتلعته الأرض .

وعن ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبيه ، فقال : يا نبي الله لو اتخذت فراشا ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما لي وللدنيا وما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف(16) فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها .

وعن ابن عباس قال : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم توفي ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود على ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله .

وعن أبي رافع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يقول : إذا سميتم محمدا فلا تقبحوه ، ولا تجبهوه (17) ، ولا تضربوه ، بورك لبيت فيه محمد ، ومجلس فيه محمد ، ورفقة فيها محمد .

أقول : اللهم صل وسلم ، على محمد وآل محمد ، وبارك على محمد وآل محمد ، واجعلنا مع محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة ورحم الله من قال آمين.

 

العاشر

رأفته في أمته وجلوسه مع أصحابه

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة ، أو يسميه ، فيأخذه فيضعه في حجره تكرمه لأهله ، فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين يبول فيقول صلى الله عليه وآله وسلم لا تزرموا بالصبي (18) فيدعه حتى يقضي بوله ، ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته ويبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعده .

ودخل عليه صلى الله عليه وآله وسلم رجل المسجد وهو جالس وحده فتزحزح له صلى الله عليه وآله وسلم فقال الرجل : في المكان سعة يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن حق المسلم على المسلم إذا رآه يريد الجلوس إليه أن يتزحزح له .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

 من أحب أن يمثل له الرجال فليتبوأ مقعده من النار .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تقوموا كما يقوم الأعاجم بعضهم لبعض ، ولا بأس بأن يتخلل عن مكانه .

وروي عن أبي عبد الله من كتاب المحاسن قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل منزلا قعد في أدنى المجلس حين .

 وروي عنه عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ما يجلس تجاه القبلة .

وعن أنس قال : كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلسنا حلقة.

وروي عنه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :

 إذا أتى أحدكم مجلسا فليجلس حيث ما انتهى مجلسه .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  قال :

إذا قام أحدكم من مجلسه منصرفا فليسلم . فليست الأولى بأولى من الأخرى.

 وروي عنه عليه السلام إنه قال :

 إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع فهو أولى بمكانه .

وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أعطوا المجالس حقها .

قيل : وما حقها ؟ قال : غضوا أبصاركم ، وردوا السلام ، وأرشدوا الأعمى ، وأمروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر .

وجلس القرفصاء (19) .

من كتاب المحاسن كان النبي صلى الله عليه وآله : يجلس القرفصاء وهو أن يقيم ساقيه ويستقلهما بيديه فيشد يده في ذراعيه ، وكان يجثوا على ركبتيه ، وكان يثني رجلا واحدا ويبسط عليها الأخرى ، ولم ير متربعا قط وكان يجثوا على ركبتيه ولا يتكي(20) )[5] .

 

البحث الثالث

آداب النبي العظيم في مأكله ومشربه

هذه بعض الآداب الكريمة لنبي الرحمة والهدى في آداب المائدة من الأكل والشرب وكيفية الجلوس لتناول الطعام ، وما يحب من الفاكهة والخضار ، والماء والشراب الطيب ، وكيف يتناول ويشرب صلى الله عليه وآله وسلم ، وفيها أخلاق عالية وآداب سامية تعرفنا كريم وقاره وجميل تهذيبه لنفسه ولمن يراه ، فيحب الإقتداء به والتأسي بمكارم مظاهره التي تجعله نور في كل وجود من تعلم منه وطبق هداه الذي يرضى الله ، وكل ما يناسب شأن المؤمن الكريم ذو المروءة العالية ، والتي تجذب الناس إليه ليهتدوا بسمته وتُحسِن المعاشرة والرأفة والحب بين المؤمنين وكل الطيبين من المسلمين الذين يحبون هدى الله الحسن ودينه القيم بكل تعاليمه ويحبون أن يكونوا في كل شيء مع رسول الله حتى في أكله وشربه فضلا عن الكون معه في جنة الخلد في نعيم رب العالمين مع الكرامة والعز والمجد في أعلى عليين . رزقنا الله المربي والمؤدب بأحسن الآداب : آداب نبينا الكريم وتعاليمه في كل شيء ، وعرفنا حقائق هداه وجعله طاعة خالصة لوجه الكريم إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين . وفي البحث أمور :

 

 الأول

صفة أدب النبي على المائدة وأكله وما يحب

من كتاب مواليد الصادقين : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يأكل كل الأصناف من الطعام ، وكان يأكل ما أحل الله له مع أهله وخدمه إذا أكلوا ، ومع من يدعوه من المسلمين على الأرض ، وعلى ما أكلوا عليه ومما أكلوا إلا أن ينزل بهم ضيف فيأكل مع ضيفه ، وكان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف(1) .

ولقد قال ذات يوم وعنده أصحابه : اللهم إنا نسألك من فضلك ورحمتك اللذين لا يملكهما غيرك ، فبينما هم كذلك إذ أهدي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم  شاة مشوية فقال : خذوا هذا من فضل الله ، ونحن ننتظر رحمته .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  إذا وضعت المائدة بين يديه قال :

بسم الله اللهم اجعلها نعمة مشكورة نصل بها نعمة الجنة .

وكان كثيرا إذا جلس ليأكل يأكل ما بين يديه ، ويجمع ركبتيه وقدميه ، كما يجلس المصلي في اثنتين إلا أن الركبة فوق الركبة والقدم على القدم ويقول صلى الله عليه وآله وسلم  : أنا عبد آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما أكل رسول الله متكئا منذ بعثه الله عز وجل نبيا حتى قبضه الله إليه متواضعا لله عز وجل .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم  إذا وضع يده في الطعام قال :

 بسم الله اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وعليك خلفه .

وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  كان إذا أفطر قال : اللهم لك صمنا ، وعلى رزقك أفطرنا ، فتقبله منا ، ذهب الظمأ وابتلت العروق وبقي الأجر .

وقال عليه السلام : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أكل عند قوم قال : أفطر عندكم الصائمون ، وأكل طعامكم الأبرار .

وقال : دعوة الصائم تستجاب عند إفطاره .

وقد جاءت الرواية : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم  :

كان يفطر على التمر وكان إذا وجد السكر أفطر عليه .

عن الصادق عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفطر على الحلو ، فإذا لم يجده يفطر على الماء الفاتر ، وكان يقول : إنه يبقي الكبد والمعدة ، ويطيب النكهة والفم ، ويقوي الأضراس والحدق ، ويحد الناظر ، ويغسل الذنوب غسلا ، ويسكن العروق الهائجة والمرة الغالبة ، ويقطع البلغم ، ويطفئ الحرارة عن المعدة ، ويذهب بالصداع (2) .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم لا يأكل الحار حتى يبرد ويقول :

إن الله لا يطعمنا نارا ، إن الطعام الحار غير ذي بركة فأبردوه .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  :

إذا أكل سمى ، ويأكل بثلاث أصابع ومما يليه ، ولا يتناول من بين يدي غيره ، ويؤتى بالطعام فيشرع قبل القوم ثم يشرعون ، وكان يأكل بأصابعه الثلاث الإبهام والتي تليها والوسطى وربما استعان بالرابعة ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل بكفها كلها ولم يأكل بأصبعين ، ويقول : إن الأكل بأصبعين هو أكلة الشيطان .

 

ولقد جاءه بعض أصحابه يوما بفالوذج فأكل منه وقال : مم هذا يا أبا عبد الله ؟  فقال : بأبي أنت وأمي ، نجعل السمن والعسل في البرمة(3) ونضعها على النار ، ثم نقليه ، ثم نأخذ مخ الحنطة إذا طحنت فنلقيه على السمن والعسل ، ثم نسوطه حتى ينضج(4) فيأتي كما ترى .

 فقال صلى الله عليه وآله وسلم  : إن هذا الطعام طيب .

ولقد كان يأكل الشعير غير منخول خبزا أو عصيدة في حالة كل ذلك كان يأكله صلى الله عليه وآله وسلم  .

ومن كتاب روضة الواعظين قال العيص بن القاسم قلت للصادق عليه السلام حديث يروى عن أبيك أنه قال : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  من خبز بر قط ، أهو صحيح ؟

فقال : لا ما أكل رسول الله خبز بر قط ولا شبع من خبز شعير قط .

وقالت عائشة : ما شبع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  من خبز الشعير يومين حتى مات .

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يأكل على خوان قط حتى مات ولا أكل خبزا مرققاً(5) حتى مات .

وقالت عائشة : ما زالت الدنيا علينا عسرة كدرة حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ، فلما قبض صبت الدنيا علينا صبا .

ومن كتاب النبوة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ما زال طعام رسول الله الشعير حتى قبضه الله إليه .

عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يجيب دعوة المملوك ويردفه خلفه ، ويضع طعامه على الأرض ، وكان يأكل القثاء بالرطب والقثاء بالملح ، وكان يأكل الفاكهة الرطبة ، وكان أحبها إليه البطيخ والعنب ، وكان يأكل البطيخ بالخبز وربما أكل بالسكر ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم  ربما أكل البطيخ بالرطب ، ويستعين باليدين جميعا .

ولقد جلس يوما يأكل رطبا فأكل بيمينه وأمسك النوى بيساره ولم يلقه في الأرض ، فمرت به شاة قريبة منه فأشار إليها بالنوى الذي في كفه فدنت إليه وجعلت تأكل من كفه اليسرى ، ويأكل هو بيمينه ويلقي إليها النوى حتى فرغ وانصرفت الشاة حينئذ .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  : إذا كان صائما يفطر على الرطب في زمانه .

وكان ربما أكل العنب حبة حبة . وكان صلى الله عليه وآله وسلم  ربما أكله خرطا حتى يرى رواله على لحيته كتحدر اللؤلؤ (6) .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يأكل الحيس (7) ، وكان يأكل التمر ويشرب عليه الماء ، وكان التمر والماء أكثر طعامه .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يتمجع باللبن والتمر(8) ويسميهما الأطيبين ، وكان يأكل العصيدة من الشعير بإهالة الشحم (9) .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يأكل الهريسة أكثر ما يأكل ويتسحر بها ، وكان جبرائيل قد جاءه بها من الجنة فتسحر بها .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يأكل في بيته مما يأكل الناس .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يأكل اللحم طبيخا بالخبز ، ويأكله مشويا بالخبز . وكان يأكل القديد وحده ، وربما أكله بالخبز ، وكان أحب الطعام إليه اللحم ، ويقول : هو يزيد في السمع والبصر .

وكان يقول صلى الله عليه وآله وسلم : اللحم سيد الطعام في الدنيا والآخرة ولو سألت ربي أن يطعمنيه كل يوم لفعل .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يأكل الثريد باللحم والقرع (10) ويقول : إنها شجرة أخي يونس .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يعجبه الدباء ويلتقطه من الصفحة (11) ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يأكل الدجاج ، ولحم الوحش ، ولحم الطير الذي يصاد ، وكان لا يبتاعه ولا يصيده ويحب أن يصاد له ، ويؤتى به مصنوعا فيأكله أو غير مصنوع فيصنع له فيأكله .

وكان إذا أكل اللحم لم يطأطأ رأسه إليه ويرفعه إلى فيه ثم ينتهشه انتهاشا (12) ، وكان يأكل الخبز والسمن .

وكان يحب : من الشاة الذراع والكتف ، ومن الصباغ الخل(13) ، ومن البقول الهندباء والباذروج (14) وبقلة الأنصار ويقال إنها الكرنب (15) .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث ولا العسل الذي فيه المغافير ، وهو ما يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه في العسل فيبقى ريح في الفم .

وما ذم رسول الله طعاما قط ، كان إذا أعجبه أكله وإذا كرهه تركه .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :

 إذا عاف شيئا فإنه لا يحرمه على غيره ولا يبغضه إليه.

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم  :

 يلحس الصحفة ، ويقول : آخر الصحفة أعظم الطعام بركة .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم : إذا فرغ من طعامه لعق أصابعه الثلاث التي أكل بها ، فإن بقي فيها شيء عاوده فلعقها حتى تتنظف ، ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه واحدة واحدة ويقول :

 إنه لا يدري في أي الأصابع البركة .

وكان صلى الله عليه وآله : يأكل البرد ، ويتفقد ذلك أصحابه فيلتقطونه له فيأكله ، ويقول إنه يذهب بأكلة الأسنان(16) .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :

يغسل يديه من الطعام حتى ينقيهما فلا يوجد لما أكل ريح .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أكل الخبز واللحم خاصة غسل يديه غسلا جيدا ، ثم مسح بفضل الماء الذي في يده وجهه .

 وكان لا يأكل وحده ما يمكنه ، وقال : ألا أنبئكم بشراركم ؟  قالوا : بلى .  قال : من أكل وحده ، وضرب عبده ، ومنع رفده (17) )[6].

 

 

الأمر الثاني

آداب نبينا في صفة شربه

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  :

إذا شرب بدأ فسمى ، وحسا حسوة وحسوتين (1) .

ثم يقطع فيحمد الله ، ثم يعود فيسمي ، ثم يزيد في الثالثة ، ثم يقطع فيحمد الله .

 فكان له في شربة ثلاث تسميات وثلاث تحميدات .

 ويمص الماء مصا ولا يعبه عبا ، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم  :

 إن الكباد من العب (2) .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : لا يتنفس في الإناء إذا شرب ، فإن أراد أن يتنفس أبعد الإناء عن فيه حتى يتنفس ، وكان صلى الله عليه وآله وسلم  ربما شرب بنفس واحد حتى يفرغ .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يشرب في أقداح القوارير التي يؤتى بها من الشام ، ويشرب في الأقداح التي يتخذ من الخشب ، وفي الجلود ، ويشرب في الخزف ، ويشرب بكفيه ، يصب فيهما الماء ويشرب .

ويقول : ليس إناء أطيب من الكف ويشرب من أفواه القرب والأداوي (3) ولا يختنثها ختناثا ، ويقول : إن اختناثها ينتنها (4) . وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يشرب قائما وربما يشرب راكبا ، وربما قام فشرب من القربة أو الجرة (5) أو الاداوة وفي كل إناء يجده وفي يديه .

وكان يشرب الماء الذي حلب عليه اللبن ويشرب السويق .

 وكان أحب الأشربة إليه الحلو . وفي رواية : أحب الشراب إلى رسول

 الله صلى الله عليه وآله وسلم  الحلو البارد .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يشرب الماء على العسل .

وكان يماث له الخبز فيشربه أيضا . وكان صلى الله عليه وآله وسلم  شربة يفطر عليها ، وشربة للسحر ، وربما كانت واحدة ، وربما كانت لبنا .

 وربما كانت الشربة خبزا يماث ، فهيأتها له صلى الله عليه وآله وسلم  ذات ليلة فاحتبس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فظننت أن بعض أصحابه دعاه ، فشربتها حين احتبس ، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم بعد العشاء بساعة فسألت بعض من كان معه : هل كان النبي أفطر في مكان أو دعاه أحد ؟

 فقال : لا . فبت بليلة لا يعلمها إلا الله خوف أن يطلبها مني النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يجدها ، فيبيت جائعا فأصبح صائما وما سألني عنها ولا ذكرها حتى الساعة .

ولقد قرب إليه إناء فيه لبن وابن عباس عن يمينه وخالد بن الوليد عن يساره ، فشرب ثم قال لعبد الله بن عباس : إن الشربة لك أفتأذن أن أعطي خالد بن الوليد ـ يريد الأسن ـ ؟ فقال ابن عباس : لا والله لا أوثر بفضل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  أحدا ، فتناول ابن عباس القدح فشربه .

ولقد جاءه صلى الله عليه وآله وسلم ابن خولي بإناء فيه عسل ولبن فأبى أن يشربه فقال : شربتان في شربة وإناءان في إناء واحد ، فأبى أن يشربه ثم قال : ما احرمه ولكني أكره الفخر ، والحساب بفضول الدنيا غداً ، واحب التواضع ، فإن من تواضع لله رفعه الله [7] .

 

 

البحث الرابع

آداب نبينا الكريم في تزينه وتجمله

 

يا طيب: بعد إن عرفنا كثير من صفات وآداب النبي وأخلاقه في نفسه وفي معاشرته مع صحبه بصورة مجملة وبجمل نور متواصلة ، أو عبارات مفصلة لمعرفة كثير من صفاته وسلوكه بتصرفه ، وفي آداب مشيه وجلوسه ومحادثته وجوده وكرمه وحلمه وكثير من أحواله في آداب المائدة والأكل والشرب وغيرها .

نذكر يا طيب في هذا البحث : ذكر جميل آخر لآداب نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في تجمله وتزينه وتطهيره لنفسه وظهور بمظهر النبي الكريم الوقور ، والمهذب الذي يُعلم بكل حركة له وسكون آداب رب العالمين التي يرضاها لعباده بكل شيء ، فيهذبهم بمكارم الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة الجميلة الباهرة ، والتي بحق تكون ملائمة للإنسان الشريف والسيد الحليم والوقور الفاضل ، والواجب عليه تطبيقها والظهور بها لينال كماله في سلوكه في حياته العامة كلها ، فضلا عن سيرته الخاصة في نفسه وأحوال نفسه .

فنذكر هنا في هذا البحث : أمورا كريمة : عن نبينا الماجد وسيد الأنبياء والمرسلين ذو الخلق العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن خلال معرفة تطهير بدنه وغسله وتدهين شعره وتسرحه ، وعطوره وطيبه وتكحله ، ونظره في المرآة وطلائه لإزالة الشعر ، وما يصلح لسفره ، وفي لباسه وعمامته وقلنسوته ، وكيفية لبسه ، وفي خاتمة ونقشه ، وفي نعليه وفراشه ، ونومه ودعائه عند مضجعه وعند قيامه ، وسواكه وغيرها من الأمور الكريمة التي كان يمارسها ليظهر بما يرضى الله بكل أدب ووقار .

وكل مظهر حسن كريم : له صلى الله عليه وآله وسلم يتوق لمعرفته الطيبون ، والمؤمنون الكرام لأن يتعلموه فيتحلوا بأفضل الآداب الإلهية الحسنة لعباده والتي مكن منها نبيه وألهمه وأقدره على أين يواظب عليها ويعلمها للعباد ، فيقتدوا به ويتحلوا بها ويطيعوا الله بما يرضيه من شأن المؤمن الكريم المؤدب بطيبات التهذيب والأخلاق الحسنة .

 

فيا أخي الكريم الطيب : نسأل الله أن يعلمها لنا ويحفظها لنا ويقدرنا على ممارستها والمواظبة عليها كلها ، فإنها معارف دين قيمة تهدي لنور الكمال الإنساني فتهبه الوقار والحشمة ، وتزينه بالشمائل الحسنة والآداب الكريمة ، وتعرفنا بحق إن نبينا الكريم بما نقل عنه كان أسوة وقدوة في كل شيء من مظهره وأحواله وصفاته ، حتى كان بكل تصرف له دليلا قويا وبرهانا محكما يدلنا على أنه إنسان قد ربي بيد القدرة الإلهية والرحمة الربانية فبعثه الله رحمة للعالمين ، و نال أشرف مقام في الوجود ، وأخلص للرب المعبود بكل وجوده فكان أشرف الأنبياء والمرسلين وسيد الكائنات أجمعين صلى الله عليه وآله وسلم ، وجعلنا الله معه في محل الكرامة عنده ومعه نحف به ، إنه أرحم الراحمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

فهنا أمور :

الأول

تسريحه صلى الله عليه وآله وسلم لشعره

وكان صلى الله عليه وآله : يتمشط ويرجل رأسه بالمدرى ( 1 ) ، وترجله نساؤه ، وتتفقد نساؤه تسريحه إذا سرح رأسه ولحيته ، فيأخذن المشاطة ، فيقال : إن الشعر الذي في أيدي الناس من تلك المشاطات .

 فأما ما حلق في عمرته وحجته فإن جبريل عليه السلام كان ينزل فيأخذه فيعرج به إلى السماء . ولربما سرح لحيته في اليوم مرتين .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يضع المشط تحت وسادته إذا تمشط به ويقول : إن المشط يذهب بالوباء .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يسرح تحت لحيته أربعين مرة ومن فوقها سبع مرات ويقول : إنه يزيد في الذهن ويقطع البلغم .

وفي رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من أمر المشط على رأسه ولحيته وصدره سبع مرات لم يقاربه داء أبدا .

 

الثاني

دهنه صلى الله عليه وآله وسلم لشعره

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يحب الدهن .

 ويكره الشعث ويقول : إن الدهن يذهب بالبؤس (2) .

وكان يدهن بأصناف من الدهن : وكان إذا ادهن بدأ برأسه ولحيته ويقول : إن الرأس قبل اللحية .

 وكان يدهن بالبنفسج ويقول : هو أفضل الأدهان .

وكان صلى الله عليه وآله : إذا ادهن بدأ بحاجبيه ، ثم بشاربيه .

ثم يدخله في أنفه ويشمه ، ثم يدهن رأسه .وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يدهن حاجبيه من الصداع ، ويدهن شاربيه بدهن سوى دهن لحيته .

 

الثالث

طيبه صلى الله عليه وآله وسلم وتعطره

كان صلى الله عليه وآله وسلم : يتطيب بالمسك حتى يرى وبيصه في مفرقه(3).

وكان صلى الله عليه وآله: يتطيب بذكور الطيب(4)وهو المسك والعنبر .

وكان صلى الله عليه وآله : يطيب بالغالية تطيبه بها نساؤه بأيديهن .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يستجمر بالعود القماري (5) .

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يعرف في الليلة المظلمة قبل أن يرى بالطيب ، فيقال : هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم  .

عن الصادق عليه السلام قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ينفق على الطيب أكثر من ينفق على الطعام .

وقال الباقر عليه السلام : كان في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث خصال لم تكن في أحد غيره : لم يكن له فئ . وكان لا يمر في طريق فيمر فيه أحد بعد يومين أو ثلاثة إلا عرف أنه قد مر فيه لطيب عرفه . وكان صلى الله عليه وآله وسلم  لا يمر بحجر ولا بشجر إلا سجد له .

 وكان لا يعرض عليه طيب إلا تطيب به ويقول : هو طيب ريحه خفيف حمله ، وإن لم يتطيب وضع إصبعه في ذلك الطيب ثم لعق منه .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يقول : جعل الله لذتي : في النساء والطيب ، وجعل قرة عيني في الصلاة والصوم .

 

الرابع

تكحله صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم  يكتحل : في عينه اليمنى ثلاثا ، وفي اليسرى اثنتين . وقال : من شاء اكتحل ثلاثا وكل حين ، ومن فعل دون ذلك أو فوقه فلا حرج . وربما اكتحل وهو صائم ، وكانت له مكحلة يكتحل بها بالليل ، وكان كحله الأثمد .

 

 الخامس

نظره صلى الله عليه وآله وسلم في المرآة

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم  :

ينظر في المرآة ويرجل جمته (6) ويتمشط .

وربما نظر في الماء وسوى جمته فيه .

 ولقد كان يتجمل لأصحابه فضلا عن تجمله لأهله .

وقال ذلك لعائشة ، حين رأته ينظر في ركوة (7) فيها ماء في حجرتها ويسوي فيها جمته وهو يخرج إلى أصحابه ، فقالت : بأبي أنت وأمي تتمرأ (8) في الركوة وتسوي جمتك وأنت النبي وخير خلقه ؟

فقال : إن الله يحب من عبده

إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل.

 

السادس

غسل رأسه وطلائه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :

 إذا غسل رأسه ولحيته ، غسلهما بالسدر .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :

 يطلى فيطليه من يطليه حتى إذا بلغ ما تحت الأزار تولاه بنفسه .

 

السابع

ما يصحبه في سفره صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :  لا يفارقه في أسفاره :

 قارورة الدهن ، والمكحلة ، والمقراض ، والمسواك ، والمشط .

وفي رواية : يكون معه :

الخيوط، والأبرة، والمخصف ، والسيور ، فيخيط ثيابه ، ويخصف نعله.

 

الثامن

لباسه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يلبس الشملة ويأتزر بها ، ويلبس النمرة ويأتزر بها أيضا (9) .

 فتحسن عليه النمرة لسوادها على بياض ما يبدو من ساقيه وقدميه .

 وقيل : لقد قبضه الله جل وعلا وإن له لنمرة تنسج في بني عبد الأشهل ليلبسها صلى الله عليه وآله وسلم  .

وربما كان يصلي بالناس وهو لابس الشملة .

 وقال أنس : ربما رأيته صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بنا الظهر في شملة عاقدا طرفيها بين كتفيه .

 

التاسع

عمامته وقلنسوته صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يلبس القلانس تحت العمائم ، ويلبس القلانس بغير العمائم ، والعمائم بغير القلانس .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يلبس البرطلة (10) ، وكان يلبس من القلانس اليمنية ، ومن البيض (11) المصرية ، ويلبس القلانس ذوات الأذان في الحرب ، ومنها يكون من السيجان (12) الخضر ، وكان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه يصلي إليها .

وكان صلى الله عليه وآله كثيرا ما يتعمم بعمائم الخز السود في أسفاره وغيرها ، ويعتجر اعتجارا (13) ، وربما لم تكن له العمامة فيشد العصابة على رأسه أو على جبهته ، وكان شد العصابة من فعاله كثيرا ما يرى عليه .

وكانت له صلى الله عليه وآله وسلم عمامة يعتم بها يقال لها :

السحاب ، فكساها عليا عليه السلام ، وكان ربما طلع علي فيها .

فيقول : أتاكم علي تحت السحاب يعني عمامته التي وهبها له .

وقالت عائشة : ولقد لبس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  جبة صوف وعمامة صوف ، ثم خرج فخطب الناس على المنبر ، فما رأيت شيئا مما خلق الله تعالى أحسن منه فيها .

 

العاشر

كيفية لبسه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : إذا لبس ثوبا جديدا قال :

 الحمد لله الذي كساني ما يواري عورتي وأتجمل به في الناس .

 وكان إذا نزعه نزع من مياسره أولاً .

وكان من أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم :  إذا لبس الثوب الجديد حمد الله ، ثم يدعو مسكينا فيعطيه القديم ، ثم يقول :

ما من مسلم يكسو مسلما من شمل ثيابه ، لا يكسوه إلا لله عز وجل ، إلا كان في ضمان الله عز وجل وحرزه وخيره وأمانه ، حيا وميتا .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :

إذا لبس ثيابه واستوى قائما قبل أن يخرج قال :

 اللهم بك استترت وإليك توجهت وبك اعتصمت وعليك توكلت .

 اللهم أنت ثقتي وأنت رجائي ، اللهم اكفني ما أهمني وما لا أهمني وما لا أهتم به وما أنت أعلم به مني ، عز جارك وجل ثناءك ولا إله غيرك .

اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير حيثما توجهت " .

 ثم يندفع لحاجته .

وكان له صلى الله عليه وآله وسلم :

 ثوبان للجمعة خاصة ، سوى ثيابه في غير الجمعة .

 وكانت له صلى الله عليه وآله وسلم : خرقة ومنديل يمسح به وجهه من الوضوء ، وربما لم يكن مع المنديل ، فيمسح وجهه بطرف الرداء الذي يكون عليه.

 

الحادي عشر

خاتمه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : لبس خاتما من فضة ، وكان فصه حبشيا فجعل الفص مما يلي بطن الكف .

 ولبس خاتما من حديد ملويا عليه وفضة أهداها له معاذ بن جبل فيه محمد رسول الله ، ولبس خاتمه في يده اليمنى ثم نقله إلى شماله ، وكان خاتمه الأخر الذي قبض وهو في يده خاتم فضة ، فصة فضة ظاهرا كما يلبس الناس خواتيمهم وفيه محمد رسول الله .

ويروى أنه لم يزل كان في يمينه إلى أن قبض .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : ربما جعل خاتمه في إصبعه الوسطى في المفصل الثاني منها . وربما لبسه كذلك في الإصبع التي تلي الإبهام . وكان ربما خرج على أصحابه وفي خاتمه خيط مربوط ليستذكر به الشيء .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يختم بخواتيمه على الكتب ويقول : الخاتم على الكتاب حرز من التهمة .

 

الثاني عشر

نعله صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : يلبس النعلين بقبالين (14) وكانت مخصرة (15) معقبة ، حسنة التخصير مما يلي مقدم العقب،  مستوية ليست بملسنة ، وكان منها ما يكون في موضع الشيء الخارج قليلاً .

وكان كثيرا ما يلبس السبتية (16) التي ليس لها شعر .

وكان إذا لبس بدأ باليمنى وإذا خلع بدأ باليسرى .

وكان يأمر بلبس النعلين جميعا وتركها جميعا كراهة أن يلبس واحدة دون أخرى . وكان يلبس من الخفاف من كل ضرب .

 

الثالث عشر

فراشه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان فراشه صلى الله عليه وآله وسلم : الذي قبض وهو عنده من أشمال وادي القرى محشواً وبراً .

 وقيل : كان طوله ذراعين أو نحوهما وعرضه ذراع وشبر .

عن علي عليه السلام : كان فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  عباءة . وكانت مرفقته (17) أدم حشوها ليف . فثنيت ذات ليلة ، فلما أصبح قال : لقد منعني الليلة الفراش الصلاة ، فأمر صلى الله عليه وآله وسلم  أن يجعل له بطاق واحد .

وكان له صلى الله عليه وآله وسلم : فراش من أدم حشوه ليف ، وكانت له عباءة تفرش له حيثما انتقل وتثنى ثنتين .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم : كثيرا ما يتوسد وسادة له من أدم حشوها ليف ويجلس عليها .

وكانت له قطيفة فدكية يلبسها يتحنشع بها .

 وكانت له قطيفة مصرية قصيرة الخمل (18) ، وكان له بساط من شعر يجلس عليه وربما صلى عليه .

 

 

الرابع عشر

نومه صلى الله عليه وآله وسلم

كان صلى الله عليه وآله وسلم : ينام على الحصير ليس تحته شيء غيره .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم:يستاك إذا أراد أن ينام ويأخذ مضجعه.

 وكان صلى الله عليه وآله وسلم : إذا أوى إلى فراشه اضطجع على شقه الأيمن ووضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ، ثم يقول :

" اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك " .

 وتوجد أدعية أخرى مذكورة في كتب الدعاء وهذا قسم آخر في الأمر الأتي .

 

الخامس عشر

دعائه عند مضجعه صلى الله عليه وآله

وكان له أصناف من الدعوات يدعو بها إذا أخذ مضجعه ، فمنها أنه كان يقول : " اللهم إني أعوذ بمعافاتك من عقوبتك ؛ وأعوذ برضاك من سخطك ؛ وأعوذ بك منك ، اللهم إني لا أستطيع أن أبلغ في الثناء عليك ولو حرصت ؛ أنت كما أثنيت على نفسك " .

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول عند منامه : " بسم الله أموت وأحيا وإلى الله المصير ، اللهم آمن روعتي ، واستر عورتي ، وأدعني أمانتي " .

كان يقرأ آية الكرسي عند منامه ويقول : أتاني جبرائيل فقال : يا محمد إن عفريتا من الجن يكيدك في منامك فعليك بآية الكرسي .

 

السادس عشر

دعائ عند اسيتقاظه صلى الله عليه وآله

عن أبي جعفر عليه السلام قال : ما استيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  من نوم إلا خر لله ساجدا .

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم : كان لا ينام إلا والسواك عند رأسه فإذا نهض بدأ بالسواك .

وكان مما يقول إذا استيقظ : " الحمد لله الذي أحياني بعد موتي إن ربي لغفور شكور " .

وكان يقول : " اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ونوره وهداه وبركته وطهوره ومعافاته ، اللهم إني أسألك خيره وخير ما فيه وأعوذ بك من شره وشر ما بعده " .

 

السابع عشر

سواكه صلى الله عليه وآله وسلم

وكان صلى الله عليه وآله وسلم :  يستاك كل ليلة ثلاث مرات : مرة قبل نومه ، ومرة إذا قام من نومه إلى ورده ، ومرة قبل خروجه إلى صلاة الصبح . وكان يستاك بالأراك ، أمره بذلك جبرائيل عليه السلام .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم  : لقد أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي .

عن الصادق عليه السلام قال : إني لأكره للرجل أن يموت وقد بقيت عليه خلة من خلال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  لم يأت بها )[8] .

 

يا طيب إن ما ذكرنا : من آداب نبينا الكريم وصفاته الفاضلة في هذا الباب ولم نذكر مصدره ، فهو من كتاب : مكارم الأخلاق الشيخ الجليل رضي الدين أبي نصر الحسن بن الفضل الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري ص1ـ40 ، ومن أراد التوسع في معرفة كل ما نقل عن النبي الكريم في صفاته الحسنة وأخلاقه الفاضلة وآدابه الكريمة فعليه بالكتاب ومراجعة باقي فصوله .

 كما إنه هناك : جمع من الكتب نقلت الكثير من أخلاقه وآدابه وسننه صلى الله عليه وآله وسلم ووصفت أحواله ، ومنها ما ذكر في كتاب الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي رحمه الله ، وقد ذكر جملة من أخلاق وآداب النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، بل ذكر معنى الآداب وآداب الأنبياء في القرآن وجملة من الأحاديث التي تتجاوز المائة والثمانون ، وهو في الجزء السادس في تفسير الآيات من116ـ120 من سورة المائدة .

 وخصص في كتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي رحمه الله في أخلاق النبي الجزء السادس عشر من الصفحة مئة وأربعة وأربعون حتى الجزء السابع عشر الصفحة مئة وثمانية وخمسون ، بل القسم الثاني من كتاب بحار الأنوار بعد بيان العقائد وسيرة المعصومين بعد الجزء خمسون ، هو في بيان آداب الدين وسننه وطيباته وحلاله وما يطاع به الله ، وبها من تعاليم الإسلام ما يدل على عظمته وشموله لكل جوانب الحياة التي عرفها لنا نبي الرحمة وسيد الكائنات الهادي لمعارف الله نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

 

وفي هذا الباب : كان مختصر من المعرفة لنبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في أغلب أوصافه وخصائصه وأخلاقه الفاضلة ، وآدابه الشريفة . ومكارم سننه العفيفة وحالاته الكريمة : في كل شيء سواء في الملبس والتختم ، أو المأكل والطعام والمشرب ، وفي الحضر والسفر ، وفي المشي والجلوس والقيام ، وصفات نعله وثوبه ومنامه ، وصومه وصلاته ودعاءه وبكاءه ، وكلامه وسلامه ومصافحته ، وكل ما يتصل به صلى الله عليه وآله وسلم .

وكلها تبين لك أن كان زاهد عابد : لا يعمل شيء إلا وأن يكون رضا الله فيه ، فهو المتواضع مع ما مكنه الله وأعطاه ، لم تغره الدنيا وزينتها ، فتجده هو العفيف الرءوف الرحيم الشجاع ، يلاطف أصحابه ويتجمل لهم ، ويتطيب ويتطهر ويظهر بأفضل مظهر .

 علمهم وعلمنا وعلم كل الدنيا : مكارم الأخلاق وأشرف الآداب ، التي تجعل الإنسان في كل أحواله مع الله ذاكراً له ، سواء في صحبته للإخوان وجلوسه ونومه ويقظته ، أو في لبسه وفي أكله وشربه وفي كل  شيء من أحواله ، لا ينسى ولا يغفل ولا يسهو عن نعمة الله وذكره ، وإقامة العبودية له وشكره الله سبحانه ، وفي كل حركه من حركات العبد المؤمن و سكناته .

ولو استطاع إنسان : أن يطبق قسم منها ويراعيها لحصل له مقام عالي ورفيع ، ولعرف فضله في عالم الدنيا والآخرة ، وعرف نفسه وعرفه الناس أنه الإنسان الوقور الفاضل العارف المؤمن الموقن ، وذو الشيم العالية والمناقب الفاضلة ، ولكان إنسان متين شريف له حسن المكارم والآداب في منطقه ومشيه وجميع حركاته وسكناته ، ولهابه الناس ونال أعلى الاحترام من قبل كل من جالسه أو ممن يراه ، ولكان في قمة الحسن في الأخلاق والآداب في ذاته وصفاته وأفعاله وأقواله ، ولكان أقرب الناس في طاعته من الله ، ولكان في مقام القرب عند الله ، ومع النبي وآله الطيبين الطاهرين في الدنيا والآخرة يحف بهم ويتنعم بنعمة الله عليهم وعلى كل الصالحين والطيبين من المؤمنين المقتدين بهم ، ولكان في زمرة الشهداء والصديقين وحسن مع أولئك رفيقا .

 

فيا طيب : إن كل ما ذكرنا من الأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة والسنن الكريمة عن نبي الرحمة وسيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ترينا بحق كلها ضرورة وجوده ليُعلم العباد ما فيه كمال معاشرتهم فيما بينهم و حسن الخلق بالعشرة الطيبة ، بعد إن كانوا جفاة لا يرجون ولا يرحمون إلاً ولا رحما ولا ذمة ولا يفون بعهد ولا وعد ولا قيمة لخلق كريم عندهم إلا لمن لندر منهم ، وكما عرفت حال الناس قبل البعثة في الباب الثاني : بما وصف لنا حالهم الإمام علي وبنت النبي وجعفر بل الله تعالى في كتابه ذكر حال الناس والأمم والمجتمعات الذين تخلوا عن الله وعن مكارم آدابه لعباده فوهبهم به الكتاب والحكمة والآداب الكريمة والأخلاق العظيم وكل حلال وطيب .

 

فهذا باب كريم يا أخي الطيب : وهو من شواهد الصدق لنبوة نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهداه ونوره ونعيم الله عليه وفضله وكرمه ،  بل هي عين آثار النبوة وشؤونها ،

 

 ونسأل الله أن يفهمها لنا وأن لا ننساها ونحفظها بوعي ، وأن نتحلى بأخلاقه وصفاته وأحواله صلى لله عليه وآله ، بل يجب علينا أن نجعله قدوة وأسوه لنا في كل شيء ، ونسأل الله أن يمكننا من السير على هداه والأخذ بسنته ويجعلنا نعمل بكل ما كتبناه وقرأناه عن مكارمه ، ومراعين لآدابه الكريمة وأخلاقه الفاضلة كلها ويمكنا منها ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين .

 

 

 

 



[1] بيان : (1)الاَكناف: الجوانب. وزَوَى: قبض.(2) تأسّ: أي اقْتَدِ.(3) القَضْم: الآكل بأطراف الأسنان، كأنه لم يتناول إلاّ على أطراف أسنانه، ولم  يملاَ منها فمه.(4) أهْضَمُ: من الهضم وهو خمص البطن، أي خلوها وانطباقها من الجوع.

(5)الكَشْح: ما بين الخاصرة إلى الضِّلْع الخلفي.(6)أخْمَصُهم: أخلاهم.(7)المُحَادّة: المخالفة في عناد.(8) خَصَفَ النعلَ: خرزها.(9) الحمار العاري: ما ليس عليه بَرْدَعة ولا إكاف.

(10) أرْدَف خلفه : أركب معه شخصاً آخر على حمار واحد أو جمل أو فرس أو نحوها وجعله خلفه.(11) الرِّياش: اللباس الفاخر.(12) أشخصها: أبعدها.(13) خاصّته: اسم فاعل في معنى المصدر، أي مع خصوصيته وتفضله عند ربه.(14) زُوِيَت عنه ـ بالبناء للمجهول ـ : قُبِضَت واُبْعِدت ، ومثله بعد قليل: زَوَى الدنيا عنه: قبضها.

(15)عظيمَ زُلْفَتِه : منزلته العليا من القرب إلى الله. (16) العَلَم باتحريك: العلامة، أي أن بعثته دليل على قرب القيامة إذ لا نبي بعده. (17) خميصاً: أي خالي البطن، كناية عن عدم التمتع بالدنيا. (18) العقِب ـ بفتح فكسر ـ : مؤخر القدم. ووطوء العقب مبالغة في الاتباع والسلوك على طريقة، نقفوه خطوة خطوة حتى كأننا نطأ مؤخر قدمه.

نهج البلاغة خطبة 160.

 

[2] بيان : (1) مَنْبت ـ كمجلس ـ : موضع النبات ينبت فيه.(2) الاَرُومات ـ جمع أرُومَة ـ : الاَصل. (3) المَغْرِس: موضع الغَرْس. (4) صَدَعَ فلاناً: قصده لكرمه. (5) انتجب: اختار واصطفى. (6) عتْرَته: أهل بيته، وعترة الرجل: نَسْله ورَهْطُهُ الاَدْنَوْنَ. (7) بَسَقَتْ: ارتفعت. (8) القَصْد: الاستقامة. (9) الفَتْرَة: الزمان بين الرّسولَين. (10) هَفْوَة: زَلّة وانحراف من الناس عن العمل بما أمر الله على ألسنة الأنبياء السابقين.
[3] نهج‏البلاغة ص : 301.
[4] (1) هو أخو فاطمة عليها السلام من قبل أمه ، وكان رجلا فصيحا ، قتل مع علي عليه السلام يوم الجمل . (2) المشذب كمعظم : الطويل . (3) أي ليس كثير الجعودة ولا شديد السبوطة ، بين الجعودة والاسترسال . (4) العقيصة : الفتيلة من الشعر وفي الشعر كثرته . (5) " وفرة " كدفعة . و " أزج الحواجب " أي الدقيق الطويل . السوابع : الاتصال بين الحاجبين .  (6) العرنين : الأنف . أقنى العرنين أي محدب الأنف . (7) الشمم : ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه .

(8) يعني كثيف الشعر في لحيته . رجل سهل الوجه : قليل لحمه .(9) الدعج : سواد العين . وضليع الفم واسعه وعظيمه .(10) شنب الرجل فهو أشنب : كان أبيض الأسنان ، والمفلجة من الأسنان : المنفرجة . (11) المسربة : الشعر وسط الصدر إلى البطن . والدمية بالضم : الصورة المزينة فيها حمرة كالدم .

(12) الكردس : الوثاق المفصل . (13) اللبة : موضع القلادة من الصدر . (14) " رحب الراحة " : وسيع الكف كناية عن الرجل الكثير العطاء . القصب : كل عظم ذي مخ أي ممتد القصب . وشثن الأصابع غليظها . (15) لم يصب باطن قدمه الأرض . (16) مقدم قدمه ومؤخره مساو .

(17) الأشداق : جوانب الفم ، والمراد أنه لا يفتح فاه كله ، وفي بعض النسخ ( بابتدائه ) . (18) الدماثة : سهولة الخلق .(19) أشاح : أظهر الغيرة ، والشائح : الغيور . (20) الغمام : السحاب ، والمراد أنه تبسم ويكثر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة .

 (21) يعني لا يتخذ لنفسه مجلسا يعرف به .(22) نثوته نثوا من باب قتل : أظهرته . والفلتات : الهفوات أو الامر فجأة .(23) الصخاب من الصخب وهو شدة الصوت .

(24) يعني أنهم يستجلبوا الفقير لئلا يؤذي النبي .(25) الرفادة . الضيافة وورود المدعو على الداعي . والرفد بكسر الرا : الهبة والعطية .

مكارم الأخلاق ص11 ، معاني الأخبارج1ص79. بحار الأنوار ج16ص161. عيون‏أخبارالرضا(ع)     1     315    29- ما جاء عن الرضا ع في صفة النبي

[5] (1) المخطوم : من خطم الحمار بحبل أي جعله على أنفه . والاكاف : برذعة الحمار وجله .(2) القد بالكسر : الشيء المقدود ، وبالفتح جلد السخلة ، وبالضم : سمك بحري .(3) جبذه : أي جذبه(4) اللوذ:الاستتار والاحتصان به.ولاذ به:أي استتر والتجأ إليه .

(5) نضح الماء : حمله من البئر أو النهر . هذا أصله ثم استعمل في كل بعير وإن لم يحمل الماء .(6) أجد النخل : حان وقت جداده ، أعني قطعه .(7) أيم وزان كيس : المرأة التي لا زوج لها وهي مع ذلك لا يرغب أحد في تزويجها .(8) جهش إليه : فزع إليه باكيا .(9) تكفأ في مشيته أي مشي الهوينا والصبب ، الأنحدار والمراد نفي التبختر في مشيه .

(10) هذر في منطقة : تكلم بما لا ينبغي .(11) جالت يده : أي أخذت من كل جانب .(12) مص الماء مصا : أي شربه شربا رقيقا مع جذب نفس بخلاف العب فانه شرب الماء بلا تنفس .(13) الفلج : فرجة بين الثنايا والرباعيات .(14) مؤكفا من اكف الحمار : شد عليه الأكف أي البرذعة وهي جلته .

(15) الجشر : الترك . وبالتحريك المال الذي يرعى في مكانه ولا يرجع إلى أهله في الليل  (16) الصائف : الحار ، ويقال : " صيف صائف " كما يقال : " ليل لائل " .(17) جبهه الرجل : رده عن حاجته . ضربه على جبهته .(18) زرم البول : انقطع . ولا تزرموا : يعني لا تقطعوا بوله .  (19) القرفصاء ممدودا ، ومثلثة القاف والفاء : أن يجلس الرجل على إليته ، ويلصق فخذيه ببطنه ، ويحتبي بيديه ، ويضعهما على ساقيه ، أو يجلس على ركبتيه منكبا ، ويلصق بطنه بفخذيه ، ويتأبط كفيه . (20) جثا فلان كرمي ودعا : جلس على ركبتيه ، أو قام على أطراف الأصابع .

[6] (1) الضفف : التناول مع الناس ، أو كثرة الأيدي ، ومعناه : إنه لم يأكل خبزا ولا لحما وحده .  (2) فتر الماء : سكن حره . النكهة : ريح الفم . الأضراس جمع ضرس : الأسنان والسن . النقاء : النظافة . وأحداق وحداق جمع حدقة محركة : سواد العين . المرة : خلط من أخلاط البدن غير الدم والجمع مرار . (3) البرمة كغرفة قدر من الحجر .(4) السوط : الخلط . ونضج اللحم : استوى وطاب أكله .

(5) يقال : خبز رقاق بالضم : أي رقيق خلاف الغليظ . (6) خرط العنقود : وضعه في فمه وأخرج عمشوشه عاريا .(7) الحيس : طعام مركب من تمر وسمن وأقط ، وربما جعل معه سويق (8) التمجع : أكل تمر اليابس باللبن معا أو أكل التمر وشرب عليه اللبن .(9) العصيدة : طعام من الشعير باهالة الشحم والإهالة : شحم المذاب أو دهن يؤتدم به .

(10) القرع : نوع من اليقطين ويقال أيضا : الدباء ، والقديد . اللحم المقدد .(11) الصحفة : قصعة كبيرة منبسطة تشبع الخمسة ، أو مناقع صغيرة للماء .(12) " ينتهشه انتهاشا " : الأخذ بمقدم الأسنان للآكل . وقيل : النهس بالمهملة .(13) الصبغ بالكسر : ما يصطبغ به من الادام والزيت لان الخبز يغمس فيه .(14) باذروج : نبات يؤكل ، وهو نوع من الريحان الجبلي .

(15) بنات بستاني أحلى وأغض من القنبيط .(16) أكل وتأكل السن ، صار منخورا وسقط .(17) الرفد : الضيف .

 

[7]  (1) الحسوة بالضم والفتح : الجرعة ، وحسا حسوا : شرب منه شيئا بعد شيء . (2) الكباد بالضم : وجع الكبد .(3) اداوي : جمع أدواة ، المطهرة " وهي إناء صغير من جلد يتطهر ويشرب " .(4) الاختناث من خنث السقاء : كسر فمه وثناه إلى الخارج . (5) الجرة المرة من الجر : إناء من خزف له بطن كبير ، وعروتان ، وفم واسع .

 

[8] (1) المدرى : نوع من المشط ، يقال درى الرأس : حكه بالمدرى . (2) الشعث : تلبد الشعر ، ومنه رجل أشعث وامرأة شعثاء ، وأصله الانتشار والتفرق . (3) وبيصه : من وبص وبصا : لمع وبرق والمفرق : موضع (4) الذكارة والذكورة : ما يصلح للرجل . وهو ما لا لون له كالمسك والعنبر والعود .

(5) القمارى بالفتح : نوع من عود منسوب إلى القمار ، وهو موضع .(6) الجمة بالضم : مجتمع شعر الرأس .(7) الركوة : إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء .(8) من الرؤية والميم زائدة ، أي تنظر .(9) الشملة : كساء دون القطيفة يشتمل به . والنمرة بالفتح والكسر : شملة أو بردة من صوف فيها خطوط بيض وسود .

(10) البرطلة : قلنسوة طويلة وفي بعض النسخ " البرطل " .(11) البيض : الخوذة " وهو من آلات الحرب لوقاية الرأس " (12) السيجان جمع الساج : الطيلسان الواسع المدور .(13) إعتجر : لف عمامته . والاعتجار : لبس العمامة دون التلحي وهو أن يلفيها على رأسه ويرد طرفها على وجهه ، ولا يعمل منها شيئا تحت ذقنه . (14) القبال بالكسر : زمام النعل .

(15) مخصرة : أي مستدقة الوسط ، وكانت نعله مخصرة أي لها دقة في الوسط ، وكانت معقبة أي جعل لها العقب ، غير ملسنة : أي ما جعلت شبيهة باللسان في دقة مقدمه .

(16) السبت : الجلد المدبوغ .(17) المرفقة : المخدة .(18) الخمل بالفتح : ما يكون كالزغب على القطيفة والثوب ونحوهما وهو من أصل النسيج .

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق سيد الأنام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة النبوة بسلام