بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
واللعنة على اعدائهم إلى يوم الدين
ورحم الله من قال آمين
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ 
كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِه وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير    
 رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ 
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ  وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ
صحيفة الأصل الثالث للدين :
النبوة / النبوة العامة


النبوة العامة : معناها والأدلة عليها :
البحث الأول : معنى النبي النبوة وما يتعلق بهما :
فهنا أمور :
أولها النبي :
ثانيها النبوة :
ثالثها الوحي :
رابعها : النبي الرسول وأولي العزم :
البحث الثاني : ضرورة بعثة الأنبياء :
ختم النبوة :
ختم النبوة يتم إذا تم استكمال سببين :
الأول : استكمال البشر :
الثاني : أمن التحريف للتعاليم الربانية :

البحث الثالث : كيف يعرف صدق مدعي النبوة :
الأمر الأول : احتياج مجتمعه لنبي يهديه :
الأمر الثاني : وجود الكمال التام في صفاته الشخصية :
منها : الصفات الذاتية للنبي الكريم :
منها : أن يكون النبي أفضل الناس أخلاقا :
منها : علو الهمة في تبليغ دعوة :
الأمر الثالث : أن يبشر به النبي السابق عليه :
الأمر الرابع : ظهور المعجزة على يديه :
البحث الرابع : عصمة الأنبياء :
العصمة :
المعصوم :
الأول : العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغه :
الثاني : العصمة عن المعصية مما فيه هتك للعبودية :
خاتمة : لبحث النبوة العامة :



إلى الأعلى




النبوة العامة : معناها والأدلة عليها :
ونذكر فيها عدة بحوث :
البحث الأول : معنى النبي والنبوة وما يتعلق بهما :
فهنا أمور :
أولها النبي : وهو ذلك الإنسان الذي له من طهارة الروح وصفاءها والاستعداد النفسي التام والقوي جداً ، والقادر على تلقي الوحي الإلهي المخبر عن تعاليم الله تعالى ومعارفه التي توصل الناس لحقيقة عبودية الله وتُسعد البشرية في الدنيا والآخرة ، وهو مختار من قبل الله تعالى العالم بحقيقة البشر ، فلذا يعلمه ويؤيده بالمعجزة بما يثبت دعواه ، وسوف نبين أن مواصفات النبي في بيان المواصفات الذاتية الدالة على صدق مدعي النبوة إن شاء الله تعالى .

ثانيها النبوة : هي سفارة بين الله وبين ذوي العقول من عباده لتعليمهم ما يوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة .
وبتعريف آخر النبوة : وهي حالة إلهية غيبية يتلقى بها النبي المعارف الإلهية التي توحد البشر نحو العبودية لله تعالى وترفع التناقض والاختلاف بينهم بما يوصلهم لحقيقة تعاليم الله تعالى .
فالنبوة : هي منصب ألهي لمن تحصل له حالة معنوي فيها قد صفت روحه وطابت وطهرت واستعدت للارتقاء في الغيب وقدرت على التلقي للمعارف الإلهية ، والمعنى مأخوذ إما من معنى النبوة الرفعة أو من معنا النبأ الذي هو الخبر ، وعلى كل الأحوال المراد منها هو التشرف بالاتصال بالعالم العلوي للغيب لتلقي الوحي الإلهي الموصل لتعاليم الله ومعارفه لكي يبلغها للبشر ليعرفهم و يوصلوهم لحقيقة العبودية ولسعادة الدنيا والآخرة .

ثالثها الوحي : هو حالة الاتصال الروحي للنبي بما وراء المادة ـ الغيب ـ لتلقي وأدراك المعارف والتعاليم الإلهية الحقيقية بالطرق التي بينها الله في كتابه ، ونسبة النبي فيها إلى الناس نسبة المستيقظ إلى النائمين ، وإن نفس النبي وروحه الطاهرة هي التي تتلقى وتدرك الوحي بالكلام والرؤية ، وقيل من غير مشاركة للحواس الظاهرة المادية .
ولتقي الوحي طرق ثلاث : وهي إما إلقاء في القلب ونفث في الروع ، وإما تكليم من وراء حجاب ، أو إرسال ملك الوحي .
قال تعالى :
(( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ )) الشورى 51 .

رابعها : النبي الرسول وأولي العزم :
الرسول : وهو النبي الذي ينزل عليه الملك بالوحي فيراه ويكلمه ، والنبي الذي لم يبلغ مرتبة الرسول هو الذي يرى المنام ويوحى إليه فيه ، الاثنان مأموران بالتبليغ للتعاليم التي يتلقوها .
أولي العزم : هم الأنبياء و الرسول الذين يأتون بتعاليم مكملة للرسالة السابقة أو ناسخة لها وفق عصر الناس واستعدادهم الجديد ، والأنبياء الرسل المعروفون بأولي العزم هم خمسة : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليهم وآلهما أجمعين ، ومعنى العزم هو الثبات على العهد الأول المأخوذ على الأنبياء ، وكل واحد منهم صاحب شرعة ومنهاج وكتاب .
والنبي : سواء كان قد وصل لمرتبة الرسول أو لا كذلك مأمور بتبليغ التعاليم الإلهية التي تلقها أيضاً ونافي لتحريف التعاليم الذي تغيرت بمرور الزمان بيد المنحرفين عن الرسول السابق . وأولي العزم خصوا بأن لهم صياغة جدية لتعاليم الله تعالى مناسبة لعصرهم وبأسلوب يناسب استعداد البشر في زمانهم وزمان آتي بعدهم ، وهذا لا ينافي كون دين الله تعالى واحد ، حيث أن التعاليم نفسها داعية إلى عبودية الله تعالى وتوحيده وإلى سعادة البشر إلى أنه بأسلوب وصياغة جديدة مناسبة لعصرهم وما بعده حسب استعداد البشر وطاقتهم لتطبيق المعارف الربانية .
والرسالة : هي نفس التعاليم الإلهي التي تلقاها النبي وبلغها للناس .
فالنبوة هي حالة تلقي الوحي والتعاليم ، والرسالة هي نفس المعارف والتعاليم التي تلقاها لغرض تبليغها .
والكتاب : هو الذي يجمع بين دفتيه أصول التعاليم والمعارف الإلهية التي تلقاها النبي المرسل للتبليغ ، وفيه كل حكم إلهي مفروض وواجب الإتباع ولا يقبل النقض ، وبعض الأنبياء خصوا بصحف ، وسوف يأتي الكلام أن شاء الله .



إلى الأعلى




البحث الثاني : ضرورة بعثة الأنبياء :
قد أتفق أهل الملل قاطبة على ضرورة بعث الأنبياء من قبل الله تعالى إلى الناس لحكمة الوجود للوصول إلى كمال غايته وهدف خلقته وتمام هدايته ، وحيث إن الإنسان بطبعه الاجتماعي والمدني وبما أعطاه الله تعالى من المواصفات في الخلقة من المدنية والاجتماع والاختلاف في تشخيص المصالح والتخاصم الشديد في تطبيقها ، فإنه يحتاج لمرشد وهادي يعلمه سبيل الوصول لتمام سعادة وحقيقة أهدافه في جميع شؤون حياته المادية والمعنوية وبالخصوص إقامة حقيقة العبودية لله تعالى ، وكل ذلك وفق قانون عادل و دقيق ومتقن يصلح لجميع البشر في جمع الآفاق والبقاع ، و في جمع الأزمنة في حال ختم النبوة .
قال تعالى :
(( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )) البقرة 213 . والآيات في هذا الباب كثيرة .
ثم إن الله تعالى العالم بحقيقة البشر وجميع ما يحتاجون إليه لتطهير أرواحهم و ما ينتظم به أمر معاشهم ؛ هو الذي يختار أفضلهم وأطهرهم و أنزههم وأتقاهم لتبليغ تعاليمه ولقيادهم لكمال صلاحهم ، لذا لا يحق لأحد أن يرشح نفسه للنبوة ما لم يكن الله قد اختاره لتبليغ رسالته ، والآيات في هذا المعنى كثيرة تجد تفصيل الاصطفاء واختيار الأنبياء من قبله تعالى على علم منه بطهارتهم وصدقهم ، راجع مثلاً الآيات من 1 _ 61 من سورة آل عمران ترى فيها تفصيل اختيار الأنبياء من لدن آدم إلى نبينا محمد وذريته لعلمه تعالى بصدقهم لتبليغ دينه الحق الرافع للاختلاف بين الناس ، تدبر فيها ينجلي لك الأمر في هذا الباب بالتفصيل .

قال الإمام علي (عليه السلام)في [ اختيار الأنبياء]
(( وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ ـ وَلَدَ آدم ـ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ ، واتَّخَذُوا الأنداد مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ : مِنْ سَقْفٍ فَوْقَهُمْ مَرْفُوعٍ، وَمِهَادٍ تَحْتَهُمْ مَوْضُوعٍ، وَمَعَايِشَ تُحْيِيهِمْ، وَآجَالٍ تُفْنِيهمْ، وَأَوْصَابٍ تُهْرِمُهُمْ، وَأَحْدَاثٍ تَتَابَعُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُخْلِ اللهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ، أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ، أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ، رُسُلٌ لا تُقَصِّرُ بِهِمْ قِلَّةُ عَدَدِهِمْ، وَلاَ كَثْرَةُ المُكَذِّبِينَ لَهُمْ: مِنْ سَابِقٍ سُمِّيَ لَهُ مَنْ بَعْدَهُ، أَوْ غَابِرٍ عَرَّفَهُ مَنْ قَبْلَهُ. عَلَى ذْلِكَ نَسَلَتِ القُرُونُ، وَمَضَتِ الدُّهُورُ، وَسَلَفَتِ الأباء، وَخَلَفَتِ الأبناء.
[مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ]
إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله لإنجاز عِدَتِهِ وَتَمامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلادُهُ ، وَأهْلُ الأرض يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ للهِِ بِخَلْقِهِ، أَوْ مُلْحِدٍ في اسْمِهِ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرهِ، فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ. ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لُِمحَمَّدٍ صلى الله عليه لِقَاءَهُ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنبياء في أُمَمِها، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً، بِغَيْر طَريقٍ واضِحٍ، ولاَ عَلَمٍ ضچ قَائِمٍ )) نهج البلاغة الخطبة 1.

في الكافي : عن أبي عبد الله عليه السلام أنه :
قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت أل أنبياء والرسل ؟
قال : (( إنه لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه ، فيباشرهم ويباشروه ، ويحاجهم ويحاجوه ، ثبت أن له سفراء في خلقه ، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفى تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه عز وجل ، وهم الأنبياء عليهم السلام وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس - على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب - في شئ من أحوالهم مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة ، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين ، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته )) أصول الكافي جزء 1 كتاب الحجة حديث 1 .
نكتفي بهذا المقدار هنا عن البحث حول ضرورة بعثة الأنبياء على أن نعود معكم في بحث مكمل وفق طرق أخرى في بحث النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وضرورة بعثة الشريفة .
وإليكم بحث ختم النبوة .



إلى الأعلى




ختم النبوة :
ختم النبوة يتم إذا تم استكمال سببين :
وذلك لان المعروف أن دين الله تعالى واحد وهو الإسلام وكلما ينحرف الناس عن السراط المستقيم الذي بتعاليمه يتوصل الناس للسعادة المادية والمعنوية واختلفوا عنها ؛ يرسل من يجدد تعاليمه بالأسلوب المناسب لهم ووفق الاستعداد الحاصل للناس في تلك الفترة ، فيرسل الله سبحانه وتعالى مبشرين ومنذرين من الأنبياء والرسل لتبليغ تعاليمه الحقيقية ، قال تعالى : ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )) البقرة 213 .
فإذا استكمل الناس من الجهة الروحية والمعنوية لإمكانهم إقامة التعاليم الربانية وفق أخر استعداد معنوي واجتماعي ينزل الله تعالي تعاليمه وفق استكمالهم الأخير ويتم أمر تبليغ أحكام وتعاليم جديدة ، وإذا أمن رفع الاختلاف بين الناس وأمكن الحفاظ على تعاليمه من التأويل والتحريف بمؤمنين يمكنهم الحفاظ على حقيقة التعاليم من غير تحريف وعنهم تعرف حقيقة شرحها وتفسيرها ختم النبوة بالاكتفاء بهولاء المؤمنين والذين يسمون بأمير المؤمنين وهم بأوصياء أخر نبي وخلفائه وهم أئمة الناس بعده ويرجع لهم في تعلم حقيقة التعاليم ويرجع لحكمهم عند الاختلاف في الآراء .
ولبيان هذين السببين نقول :

الأول : استكمال البشر :
من المتعارف في التاريخ لمن سبره ودرسه : أن البشر لا يزالون يستكملون ويقوى استعدادهم الروحي المعنوي والاجتماعي والثقافي لتلقي المعارف الربانية ، فينزل الله تعالى في كل مرتبة من الاستعداد من التعاليم ما يرفع احتياجهم ، وحين يستكملوا أخر استعداد لهم ينزل الله تعالى أخر تعاليمه ومعارفه الهادية للبشر والكافية لإيصالهم إلى السراط المستقيم الذي يوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة على طول الزمان المتبقي حتى تقوم القيامة .
و ما ذكر لا ينافي أن دين الله واحد
بل يؤكد أن الله تعال مهتم بهداية البشر وفق أخر استعدادهم بما يصلحهم ، فإذا وصلوا لحالة من تقبل القوانين الروحية والمعنوية وفق آخر استعداد للبشر أنزل الله تعاليمه التامة وختم دينه ، والبشر قد يقال قد تطور اقتصادياً كثيراً إلا أن القوانين الإسلامية كافية له ويسعد إذا طبقها وكذا الاجتماعية وكذا في جميع مجالات الحياة ولم يستعد معنوياً لقبول أكثر منها ، مثلاً الآن يطيقون صلاة الليل فيوجبها عليهم ويوجب واجبات أخرى تقربهم وتربطهم بخالقهم والمنعم عليهم أكثر، ولو كان لهم استعداد اكثر لما ختم الله دينه ، هذا .
ولذا قد ختم الله المعارف والتعاليم التي يمكن أن تسعد البشر وتوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وقد قال تعالى ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا )) الأحزاب 40 .
وعرف سبحانه القرآن في تبيان كل شيء من التعاليم بقوله تعالى :
(( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )) النحل 89 .
وقد بين الله كل التعاليم التي يحتاجها البشر إلى يوم القيامة في جميع أنواعها العبادية والاجتماعية والثقافية الأخلاقية والاقتصادية في جميع نواحيها ، بحيث تناسب جميع العصور الآتية وقد أثبتت التجربة والبرهان على أن تعاليم الإسلام كافية لجميع العصور الماضية والآتية ، وبقي الحفاظ عليها وهذا يتم بيانه بالأمر الثاني :


الثاني : أمن التحريف للتعاليم الربانية :
بعد إن عرفنا أن اهتمام الله بدينه يدعوه للحفاظ عليه ، ولا يكفي إنزال آخر التعاليم والمعارف الربانية مع عدم الأمن من التحريف والاختلاف من دون ما يوجد من يرجعون إليه في تعلم المعارف الربانية الحقيقة من غير تحريف ، ويكفي لهذه المهمة أوصياء الأنبياء حيث لا يحتاجون لتلقي وحي جديد وتعاليم جديدة بل يمكنهم معرفة جميع ما يحتاجون إليه من كتاب الله الكريم وسنة نبيه المطهرة ، وقد عرفت أن القرآن فيه تبيان كل شيء ، بقي عليه تعالى أن يبين المعلم للقرآن بحقيقة تعاليمه ، ويكون هؤلاء المعلمون هم أوصياء النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وآله ، والحق وهم آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا .
ولا يعقل أن يقرر الله تعالى أن وجود الاختلاف بين الناس بالبغي كما عرفنا في قوله تعال
(( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )) البقرة 213 .
وقال سبحانه :
(( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ )) آل عمران 144 .
ثم لا يعقل ولا يتصور أنه سبحانه وتعالى :
يصر على أن يحافظ على كتابه الكريم من التحريف لفظاً دون أن يحافظ عليه معناً وتفسيراً وشرحاً وبياناً وتعليماً وهو القائل سبحانه :(( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) الحجر 9 ، ولا يتم الحفاظ على الدين كما عرفت إلا بتوسط الأنبياء أو أوصيائهم وقد عرفة انه قد تم ختم النبوة فلابد أن يوجد لخاتم الأنبياء أوصياء هم الذين يرفعون ما يرفع الاختلاف في الدين ويدلون الناس على السراط المستقيم ويبنون لهم حقائق التعاليم الربانية ، كما أنه لابد أن يبينهم الله تعالى للناس ويدل عليهم نبيه الأكرم خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وقلنا أن أوصياء نبينا هم آله وأهل بيته الطيبين الطاهرين صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين ، وهذا له كثير من الشواهد راجع فيه بحث الإمامة الأصل الرابع من أصول الدين ، أو راجع كذلك كتابنا صحيفة الثقلين تعرف أن الحق فيما ذكرنا كما يمكنك الرجوع للكتب المطولة مثل الغدير أو إحقاق الحق أو عبقات الأنوار أو المراجعات وإثبات الهداة وغيرها ويكفيك قوله تعالى بجعل الولاية للمؤمن الراكع ـ الإمام علي عليه السلام ـ على المؤمنين بعد ولايته سبحانه وولاية نبيه قال تعالى : (( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ )) المائدة 55 .



إلى الأعلى





البحث الثالث : كيف يعرف صدق مدعي النبوة :
يعرف صدق مدعي النبوة بأمور وهي :
الأمر الأول : احتياج مجتمعه لنبي يهديه :
بمعني أن يبعث النبي في زمان يحتاج المجتمع فيه لنبي يدلهم على مكارم الأخلاق والعمل عن اعتقاد بالعدل والصدق في أقوالهم وأفعالهم ليسود بينهم التعامل باللطف و الوئام والإيمان بالله تعالى ، وذلك بعد أن كان قد ساد بينهم الشرك والكفر الظلم والغش والخيانة والجهل ، فيرتفع بهم من ذل الانحطاط إلى عز الإيمان والحكمة ليصلوا لسعادة الدنيا والآخرة .
والتدبر في رسالة الأنبياء ودعوتهم للإصلاح لا يمكن إنكارها ويكفيك التدبر في القران لتعرف المهام التي جاء بها الأنبياء راجع سورة الأنبياء والآيات المتعرضة لقصص الأنبياء ، وقد قدمنا كلام الإمام علي عليه السلام في سبب بعث الأنبياء فتدبر فيه تعرف ما رمنا .
قال الله تعالى :
(( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ )) النحل 36 .
وقال سبحانه
:(( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ )) الحديد 25 .
وقال عز وجل
((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)) الجمعة 2 .
وآيات القران كلها يمكن إرجاعها لهذا المطلب بأن البشر محتاج لهداة جديدة كلما بدلوا حقيقة الأحكام الإلهية قال تعالى
: (( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ )) الرعد 7 .
وقال الله تعالى :
(( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )) النساء 163 ـ 135 .


الأمر الثاني : وجود الكمال التام في صفاته الشخصية :
يجب أن يكون النبي فيه مواصفات ذاتية متعلقة بشخص النبي الكريم تؤيد دعوته وتصدقه ، وهذه الصفات الفاضلة هي التي تؤهله لمقام النبوة وتحمل أعباء الرسالة وتبليغها ، ونذكرها هنا على نحو الشرح وراجع أصولها في بحث العصمة الآتي والصفات هي :
منها : الصفات الذاتية للنبي الكريم :
النزاهة عن دناءة الأباء وعهر الأمهات وأن يكون وليد بيت شرف ورفعة و من عائلة كريمة في أخلاقها ونسبها لسراية العرق الوراثي في الأبناء وتأثيره ، كما يجب أن يكون سالم الخلقة في البدن وعدم وجود ما ينفر الناس منه لا في ذاته ولا في لوازمها حتى يتوجه إليه مجتمعه و أن يطيعه الناس و يؤثر فيهم .
كما يكون سيد مجتمعه في طهارة النفس وفي العقل والذكاء والفطنة .
وذلك لكي تؤثر دعوته في الناس ويقبلون منه تعاليمه ولا ينتقص في شيء من النسب والمواصفات الخلقية .
قال تعالى
(( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ …. فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ )) آل عمران 33 _ 34 ـ 61 ، فحث الله ما بيناها عن طهارة مريم ويحي ثم يباهلهم بالنبي وآله الطيبين الطاهرين وينفي عنهم الكذب .

منها : أن يكون النبي أفضل الناس أخلاقا :
أن يكون ذو طباع كريمة وسيرة حسنة شريفة من عدالة في التصرف وأمانة وصدق ووفاء بالعهد والوعد عطوف رؤوف جامع لجميع الأخلاق الحميدة والصفات الفاضل على نحو الكمال والتمام ، فلذا يجب أن لا يكون لئيم فض غليظ القلب ولا يستخدم الغش والخيانة ولا إي صفة أخرى تدل على خسة الطبع ولا حتى قلة المروءة ولا الابتذال في التصرف ولا الانكباب على الدنيا وزينتها ، قال تعالى : (( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )) آل عمران 161 .
وقد قدم هذا المعنى في العصمة ، ويكفيك أن تراجع حياة الأنبياء وكيفية دعوتهم لأممهم وكم مدحهم الله تعالى وزكاهم وأيضا راجع بحث العصمة قد أشرنا لهذا المعنى فراجع وراجع البحث السابق في احتياج مجتمع النبي له ، هذا وقد أمر الله تعالى المجادة والدعوة بالتبشير والإنذار فقال تعالى : (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ )) النحل 125 ، هذا سبيل جميع الأنبياء في دعوتهم راجع قصصهم تعرف انهم على خلق عظيم ، وهذه المطالب يكفيها دليل أنهم أنبياء مختارون من قبل الله ومصطفون لتعليم دينه ولا ينال هذا المنصب إلا من كان افضل أهل زمانه .



منها : علو الهمة في تبليغ دعوة :
بالإضافة إلى الكمال الذاتي و الخلقي ، يجب أن يكون النبي عنده الشجاعة على تبليغ رسالته والإصرار على نشر مبادئه ، ويكون ثابت على دعوته مؤمن بتعاليمه ، بحيث يطبقها في الأول على نفسه كما يطلب من الآخرين الإيمان والعمل بها ، وأن يكون عنده حسن السياسة والتدبير و حكمة في القيادة والهداية ، وقوة على الوعظ والإرشاد والتبليغ متحمل للمصائب والمحن في سبيل تحقيقها ، لا يداهن على مبادئه ولا يتنازل عن تعاليمه .
كما يجب أن لا يستعمل الغش والخداع والمكر والحيلة والغدر للوصول إلى مقاصده وغاياته ولا أي صفة من صفات المنافية لكرامة المبدأ ولشرف المقصد .
ثبات الأنبياء في تبلغهم رسالات ربهم حكاه الله تعالى في كتابه الكريم راجع قصص حياتهم تعرف كم تحملوا في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى وكم الله تعالى أثنى عليهم وعلى صبرهم ، قال تعالى :
((وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)) السجدة 24 .
وقال عز وجل :
(( قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ )) الأنعام 33 ـ 34 .



الأمر الثالث : أن يبشر به النبي السابق عليه :
أن يخبر ويبشر بالنبي النبي السابق عليه بذكر بعض مواصفاته واسمه وبعض مواصفات عصره ومكانه ، كما انه يصدق دعوا الأنبياء السابقين عليه ، والله صدق في القرآن دعوا جميع الأنبياء ، وهذا شاهد معروف في قصص الأنبياء في مثل انتظار بني إسرائيل موسى وعيسى ونبينا محمد صلى الله عليم وآلهم وسلم حتى هاجر قسم من اليهود وسكن المدينة وما حولها وهجرة سلمان الفارسي معروفة عند المؤمنين ، وقال تعالى : (( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ )) الصف 6.

الأمر الرابع : ظهور المعجزة على يديه :
والمعجزة : هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي وعدم إمكان معارضته .
وهذا التأييد الرباني للأنبياء لكي لا يبقى حجة لضعاف النفوس لعدم الإيمان بالنبي وعدم قبول دعوته ولإقامة الحجة البالغة من الله على الناس .
المعجزة يجب أن تكون :
خارقة للعادة : ووجودها حقيقي بأسباب غير معروفة عادة وخفي على البشر العاديين الوصول إليها وعمل مثلها .
وان تكون المعجزة : مقترنة بالتحدي لتأييد دعوة النبي وإلا إذا لم تكون مقرونة بالتحدي فهي كرامة مثل الرزق الذي أعطي لمريم عليها السلام .
عدم إمكان إتيان الناس مثلها وعدم القدرة بمعارضتها .
وأن لا تكون عن رياضة وتمرين وتدريب ولا يمكنه عمل غيرها.
وأن يكون الغرض من إتيانها دعم دعوة النبي وتأييد منزلته عند الله القادر على كل شيء وتساعد على دعوة الناس لمبادئ النبي وعقائده .
وإن ما يقوله النبي فيما سوف يأتي به من المعجزة يكون مطابق لها ـ لا يقول شيء ويحصل شيء آخر مثل مسيلمة الكذاب تفل في بئر قليلة الماء ليزيده فغار جميع مائه ونشف ـ .
و في الغالب تكون أهم معجزة النبي غالبة وفوق ما اشتهر من فنون عصره وزمانه كما يمكنه عمل غير ذلك وقد اشتهر السحر في زمن موسى والطب في زمن عيسى والبلاغة في زمن نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .


وبعض المعجزات خالدة كالقرآن الكريم وبعضها تختص بزمان محدود وبعضها من الإخبار بالمغيبات وتحققها بعد حين ولو بعد زمان حياته ، ومعجز الأنبياء تناقلته الأخبار وبعضها لها آثر باقية كما حكي عن سفينة نوح ووجودها في جبال تركية وما ذكر من أسماء أهل البيت المنقوشة عليها ، وكفي معجزة القرآن الكريم الذي هو معجزة خالدة يؤيد جمع الأنبياء ويصدق دعوتهم ويذكر تحقق المعجزة منهم كما أن السنة المطهرة زاخرة في شرح معجزات الأنبياء ، واثبات معجزة القرآن دليل محكم لتحقق جميع المعجزات لجميع الأنبياء .
ونتبرك هنا بذكر بعض الآيات الذاكرة لبعض معجزات الأنبياء على أن ذكر مفصل والتفصيل في حياة كل نبي في صحف الأنبياء في المستقبل إن شاء الله ، وهكذا معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبالخصوص القرآن الكريم سوف نتكلم عنها في النبوة الخاصة في صحيفة النبي محمد عليه وعلى جميع الأنبياء وآلهم آلاف التحية والصلاة والسلام :
قال الله تعالى
(( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ )) المجادلة 20ـ21 .

وقال سبحانه : (( اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا ….. فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا )) يوسف 93 ، 96 .
وقال تعالى :
(( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا )) الإسراء 101ـ 103
وقال عز وجل :
(( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )) آل عمران49 .
وقال تعالى
(( وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ )) يونس 37 ـ 39 .



إلى الأعلى




البحث الرابع : عصمة الأنبياء :
العصمة : هي من الصفات النفسية الدالة على علو الهمة وكمال الروح بها يعتصم النبي ويتنزه عن الذنوب والمعاصي صغيرها وكبيرها وعن الخطأ والنسيان ، وكذا التنزه والطهارة عن ارتكاب ما يدل على خسة طبع وما يخالف المروءة في جميع أحواله سواء في فرحه أو في غضبه أو حله أو ترحاله ، وهي في الحقيقة ملكة تقوى الله تعالى الحاصلة عن معرفة في أعلى مراتبها وهي مطلقة غير محدودة في جانب معين تحصل للأنبياء وأوصيائهم بلطف من الله تعالى وباقي الناس لهم مراتب حسب تقواهم وقد تكون من جوانب أو جانب معين .
وتحصل العصمة للمعصوم لعلمه القطعي بعواقب الأمور من حسن الطاعة وقبح المعصية والدناءة فتسموا نفسه في حب الله وطاعته وتطهر عن معصيته ولا يطيب له فعل إلى ما كان يرضي الله ؛ فيشتغل في جميع أحواله في طاعة الله ورفض معصيته وكل ذلك عن إرادة واختيار من المعصوم من غير جبر على ترك المعصية والخطأ بل خوف الله وحب طاعته جعل لطف الله يوصله لمقامها ، ومن يكون في هذه المرتبة من التقوى يسدده الله في القول ويوفقه في العمل ويختاره لتبلغ رسالته وتعليم معارفه وبيانها للناس ويؤيده بالمعجزة .
فالعصمة : هي لطف من الله تعالى لمن له ملكة راسخة عن علم حقيقي وتقوا شديدة تصونه عن الوقع في الخطأ والمعصية .

والمعصوم : هو الذي له ملكة العصمة ويختاره الله تعالى على علم على العالمين لتبليغ تعاليمه ، ويكون المعصوم هو المبين للمعارف الإلهية والقدوة الصالحة في القول والعمل والسيرة والتقرير وأسوة للناس في جميع حالاته ، وحتى يثق به و يصدقه الناس ويطمئنون بأنه لا يقول شيء من عنده إلى ويكون له أصل فيما شرعه الله له و لمن يتبعه ، ولولا هذا لما كان مؤثر في التربية والتعليم ولما قبلت دعوته ودافع عنه أصحابه و متبعيه مع الإصرار على قبول تعاليمه على طول الزمان .
ولما مر يجب أن نؤمن أن جمع الأنبياء معصومين في القول والفعل سرا وعلناً قبل البعثة وبعدها وفي جميع أحوالهم .
وعلى هذا العصمة لها فرعان :


الأول : العصمة عن الخطأ في تلقي الوحي وتبليغه :
غرض الله هو هداية البشر بحقيقة تعاليمه التي اختلفوا فيها فلابد أن يكون من يبعثه الله تعالى لتبليغهم تعاليمه ومعارفه له القدرة والقوة والفهم الصحيح لتقيها بصورة تامة وفق ما أراد الله تعالى لتعليمها للبشر حقيقة من دون أقل تخلف أو اختلاف ، وإلا لو كان رسوله يخطأ في تلقيها وتبليغها لأخل بغرضه وتخلف مقصوده تعالى عن ذلك، وهذا ينافي إحاطة الله تعالى وعلمه وحكمته بل وقدرته وعدله .
قال تعالى :
(( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيه )) البقر 213 .
وقال تعالى :
((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا )) الجن 26ـ28 .
وهذه الآيات كما تبين أن الله تعالى يبعث الأنبياء لرفع اختلاف الناس ويبين لهم حقيقة تعاليمه ، وحقيقة التعاليم جميعها من دون اختلاف وتخلف لا يمكن إلى أن يكون النبي معصوم ولا يخطأ في تلقي الوحي وتبليغه .



إلى الأعلى


الثاني : العصمة عن المعصية مما فيه هتك للعبودية :
قد ذكرنا إن العصمة حاصلة لمن له مرتبة عالية من التقوى وحاصل له لطف من الله تعالى ليختاره لتبليغ تعاليمه ، وهي حاصلة لنبي أو وصي نبي ، وذلك لأن الله تعالى غرضه إيصال تعاليمه للناس ليقبلوها ولو كان مبلغها قد عصى الله أو صدر من ما هو مخالف للمروءة لا تسكن النفوس إلى صدقه وقبول دعوته .
والإنسان المبلغ للتعاليم الدينية ليس مثل غيره ممن يعلم تعاليم أخرى ، ولكي تسكن النفس وتطمئن بأن هذه التعاليم حقيقة من الله تعالى لابد أن يكون مبلغها معصوم من المعصية صغيرها وكبيرها لكي يكون أكثر قبول عند الناس من إنسان صدرت منه بعض المعاصي ، وهذا بالخصوص لمن يدعي النبوة والإمامة وأن تعاليم الله الحقيقة عنده وأن الله قد اختاره ووفقه لهذا المنصب العظيم الذي وأجب على الناس اتباعه والعمل بأقواله .
نعم لو كان فرد يقول أنا من اتباع النبي أو أنا قد أخطأ ولا يدعي أن جميع تعاليم الله عنده التي أنزلها لتعليم عباده وهدايتهم ، لأمكن القول يكفي أن يكون متقي ظاهر الصلاح أو أن يكون تائب بعد معصية وان كان اطمئنان الناس وقبول التعاليم منه أقل تأثير وليس مثل من لا يعلم منه معصية ولا وقعت عنه أصلاً .
والله تعالى إذا يريد أن يوصل حقيقة تعاليمه ويريد من الناس يقبلوها لابد يختار ويوفق بعض البشر بلطفه للعصمة عن المعصية قبل البعثة وبعدها على طول حياتهم من الولادة إلى الممات لكي تتم حجة ويكون أبلغ في تبليغ تعاليمه وقبولها من قبل الناس وليتم غرض دعوته لدينه وهداية الناس لتعاليمه ، هذا .
وقال الله تعالى :
((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ )) النساء 64 .
ولو أطيع من يخطأ في القول والفعل ومن تصدر من المعصية ويُقتدى به في جمع حالاته لكان الله أمر بما يخالف غرضه من هداية الناس لتعاليمه ،
والله تعالى يريد قطع عذر الناس وقبول تعاليمه بأحسن وجه (( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )) النساء 164 ، ولو كان مبلغ رسالاته عاصي في فترة من حياته لكان للناس عذر في عدم طاعته .
ومن يكون نبي لابد أن لا يلبس أيمانه بظلم وقال تعالى :
(( الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ
وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ
أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ))
82 -90 . وجعل آل النبي محمد وقرباه وآل بيته هم المعصومون بعده لتعليم الناس معالم دينهم إذ عرفت وآخر الآيات السابقة أن أجر رسول الله ذكرى للعالمين ثم جعل الله تعالى الذكرى للعالمين هي متابعة أله وقرباه ومودتهم (( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )) الشورى 23 .فجعل اقتراف الحسنات وزيادتها هي نفس متابعتهم ومودتهم ومعناه اخذ تعاليم الله تعالى منهم بعد نبيه .
ويؤيد هذا المعنى ما حكى الله تعالى عن نبيه إبراهيم أنه طلب من الله أن يبعث أنبياء يزكوهم فلابد أن يكون من يزكي الناس زكي طول حياته قال تعالى :
(( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ )) البقرة 129 .
والمراد من التزكية هو التطهير من الرذائل ودعوتهم للفضائل ، فذا جعل أئمة المسلمين مطهرون بالحصر التام والعناية الكاملة منه تعالى إذ قال سبحانه :
(( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )) الأحزاب 33 .
وفي بحوث العصمة أدلة كثيرة من يريد يرجع للمطولات ونكتفي بهذا المختصر ونذكر ما يجعل خاتمة بحثنا مسك في عصمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال عزّ وجلّ :
(( بسم الله الرحمن الرحيم
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ))
النجم 1 ـ 3 .
وبقي بعض القول في تفسر بعض الآيات التي يقال يشم منه عدم عصمة الأنبياء ممن تسول له نفسه أن الله قد يجعل تعليم اصل معارفه بيد العصات تركنها لركاكة استدلالهم ومن أراد ان يعرف المزيد عليه بكتب التفسير كتفسير الميزان للعلامة الطباطبائي قدس الله نفسه الزكية يعرف الحق في ذلك أو راجع
كتاب الانتصار ( أهم مناظرات الشيعة في شبكات الانترنيت ) الجزء الرابع فإن فيه بحوث عميقة كثر الجدل والنقاش فيها بين الطائفة المحقة القائلة في عصمة الأنبياء والطائفة المبطلة الباطل قولها .




إلى الأعلى




خاتمة : لبحث النبوة العامة :
هذا مختصر الكلام في النبوة العامة ، وبقية أمور ومناقشات لا يسعها هذا الإجمال هنا ، ومن أراد فعليه بالكتب المختصة المطولة ، وأما الكلام في النبوة الخاصة لكل نبي من أنبياء الله تعالى سوف نتعرض به في صحف الأنبياء في المستقبل إن شاء الله تعالى ، ونقدم البحث في نبوة نبيينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم الأنبياء الباقين من آدم إلى عيسى في المستقبل إن شاء الله تعالى .
و قد ذكرنا هنا في النبوة العامة أهم البحوث التي يجب طرحاه في البحث
كأصول عامة تطبق في بحث النبوة الخاصة في البحث عن نبوة كل نبي من الأنبياء ، ولما كان تصديقنا بالبحوث العامة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بنفسه يكون أساس لتصديق نبوة جميع الأنبياء ، لأنه لا يمكن الإطلاع الحقيقي عن خواص الأنبياء ومواصفات دعوتهم إلى من القرآن الكريم وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ولأن كتبهم قد حرفت وأممهم قد غبرت ولا يوجد منها إلى آثار قليلة .
فلذا سوف نقدم البحث ونتوسع بعض الشيء في بيان أهم ما يدل على نبوت نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعصمته صلى الله عليه وآله وسلم من باب ليطمئن قلبي وليزداد إيماني ، ولقطع لجاج المعاندين وليكون تذكرة للمؤمنين ويكون أصل عام يصدق نبوة الأنبياء جميعها ويدل عليها ، ويخصص البحث في كل نبوة كل نبي عندما نبحث عن نبوته الخاصة بالبحث عن أهم مواصفته ومواصفات مجتمعه والعبر والدروس المستفادة من ذكر تأريخهم الشريف .

وهنا لا يفوتنا كخاتمة لبحث النبوة العامة أن ذكر عدد الأنبياء وشرائعهم وعدد صحفهم :
قد صرح الله سبحانه وتعالى في كتبه الكريم بأسماء عدة من الأنبياء وقصصهم مع أممهم ولم يذكر أسماء جميع الأنبياء قال تعالى :
(( وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )) النساء 164 - 165 .
والأنبياء والرسل الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن المجيد (( 27 )) اسم من أسماء الأنبياء وهم عليهم السلام : (( آدم ، نوح ، أدريس ، هود ، صالح ، إبراهيم ، لوط ، إسماعيل ، اليسع ، ذو الكفل ، الياس ، يونس ، اسحق ، يعقوب ، يوسف ، شعيب ، موسى ، هارون ، داود ، أيوب ، سليمان ، أيوب ، زكريا ، يحيى ، إسماعيل صادق الوعد ، عيسى ، نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم )) .
وهناك كثير من الأنبياء لم يصرح الله سبحانه وتعالى بأسمائهم ولكن أشار بشيء من قصصهم والكثير الباقي لم يصرح بأسمائهم ولا أشار لقصصهم ، وجاء في الروايات عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
(( أن الأنبياء عددهم مائة وأربعة وعشرون ألف نبي ، والمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نبياً )) وسادات الأنبياء هم أولي العزم وهم كما عرفت خمسة (( نوح ، إبراهيم ، موسى ، عيس ، محمد ، صلاة الله عليهم وآلهم أجمعين )) وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
و
عرفت أن لأولي العزم كتب فيها أحكام إلهية مناسبة لعصرهم ولما بعده .

كما أن بعض الأنبياء لهم صحف وكتب لكنها لا تحتوي على أحكام زائدة على ما في كتب أولي العزم مثل زبور داود المخصص للدعاء .

واعلم أن يجب أن نؤمن بجميع الأنبياء والمرسلين قال تعالى
((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ )) البقرة 285 ، وعلى هذا المكذب لواحد منهم يكون مكذب لهم جميعهم لأن دينهم واحد ودعوتهم واحدة وكلمتهم متفقة على التوحيد قال الله تعالى في قوم نوح مع انهم كذبوا نوح انهم كذبوا جميع الرسل قال تعالى (( وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا )) الفرقان 37 .

كما يجب أن نؤمن أن الإسلام أخر الأديان السماوية وهو ناسخ لجميع الأحكام السابقة ومبين حقيقة تعاليم الله تعالى وغيره من المتبقي بيد غير المسلمين شرائع محرفة غير مقبولة عند الله تعالى ، قال تعالى : (( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ))
آل عمران 84 -85 ، فإن الإيمان بأن الله بعث أنبياء للأمم السابقة وأنزل عليهم كتب وشريعة أمر هو التصديق بما يدعوا إليه العقل وأخبر به الله تعالى في القرآن ، وأن الآن أن ما بين المتدينين بالأديان السابقة هي نفس ما أنزل الله على الأنبياء غير محرفة أمر آخر ، فلذا نحن نؤمن ببعث الأنبياء ونؤمن أن شرائعهم منسوخة والموجود منها بين المتدين كاليهود والمسيح هي تعاليم محرفة ليس هي التي أنزلها الله تعالى .

ه
ذا أهم ما أردنا بحثه في الأصل الثالث للدين النبوة العامة ، ويليه البحث في النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وأله وسلم ، ثم باقي الأنبياء من آدم حتى عيسى عليهم السلام ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ونسألكم الدعاء .




إلى الأعلى





مع تحيات أخوكم في الله
المحتاج لرحمة ربه وشفاعة نبيه
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري




إلى الأعلى