لعلماء الكتابة :

عند التمسك بعلوم المبعث الكريم لا هدام ولا ميتيه ، لغرض البعثة الإلهية الصادقة ولا لتطبيقها

 

كتابات - حسن الأنباري

 

أيها الأخوة الكرام في كتابات : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته :

نبارك لكم أمل طلب الخير والصلاح لبني جلدتكم وأهلكم في كتاباتكم ، والعمل لهما بكل ما أوتيتم من قوة العلم والبيان في فكركم وبنانكم ، ونحن ندخل في شهر شعبان شهر النبي الأكرم وفضله العظيم وما يستحب فيه من الأعمال ، والذي يذكر فضله في الغالب في كتب الأدعية والزيارة التي يحث فيها على إظهار الإيمان وحقائقه والأعمال الصالحة الكريمة والتأدب بالآداب الإلهية .

 وهذا بعد إن كان في يوم المبعث المصادف 27 رجب قد باركت لكم وهنأتكم بمناسبة حلول هذا اليوم الشريف ، وتمنيت لكم ولكل الطيبين من أهلنا في العراق وغيره كل خير وسعادة وبركة ، ثم حببت في تلك الآيات أن أبين أهمية المبعث الكريم وما فيه من الكرامة في بيان أهمية العلم الحق والهدى الصادق وفضل تعلمه ، وتعليمه وتبلغيه والعمل به فضلا عن الإيمان به ، فنستمر بتتميم بيان ذكر وصية النور الإلهي التي جاءت في آيات نزلت في يوم المبعث ، ذلك اليوم المبارك الذي علم الله فيه نبينا الأكرم أول الدين وهداه المستمر لكل زمان ومكان ، والشامل لجميع شؤون الحياة الكريمة ، فأمره أن يقرأ لنا تعاليمه ويعرفنا هداه الظاهر فقال له :

بسم الله الرحمن الرحيم :

{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) } سورة العلق .

فعرفه وعرفنا سبحانه في هذه الآيات المجيدة أمر كريم به يسلك للصراط المستقيم والذي يوصل واقعا لهداه الحق ولواقع النعيم إن سلكه العباد ، فبدأ ببيان أدوات العلم وأهميته وسبيله ، والذي به تتم معرفة الهدى الحق المنقذ من الضلال ، وتعاليمه الصادقة الموصلة للنعيم الواقعي ، وسبيله الذي يحتاجه كل من يحب أن ينفتح على الحياة بهدى واقعي ، ألا وهو العلم والقلم المعبر عن حفظه وتبليغه .

ولكون العلم من رب العباد والعالم سبحانه بكل ما يصلح خلقه ويجعلهم في سعادة ونعيم ، فهو علم نور يقذفه الله ويفهمه من يراه خير العباد وأنبلهم وأكرمهم وأشرفهم وأحسنهم في كل صفاته ، فيهبه علم الكتاب والحكمة ليُعلم به كل من يجب أن يستنير ، ويبلغه لمن يطلب الهدى من ربه وخالقه ، بل عرفنا سبيل المحافظة عليه بالقلم والكتابة ليبقى ويستمر على طول الزمان ، وبه ينجي عباده من ظلام هذه الدنيا وفتنها وكل ما يطغي فيها ، وكل ما يحرفه المحرفون ويبتدعه الطغاة والمبطلون .

 وبهذا يتم التبليغ والدعوة للدين والموعظة الحسنة للمعاندين ، فإن هذه الآيات الماجدة كانت أول آيات نزلت من رب العالمين على نبي الرحمة ليخرج العباد من ظلام الجهل ، لنور العلم والتعلم والتعليم .

 

 ثم ذكر سبحانه بعدها آيات عرّفنا بها سبحانه المتمردين على هداها ممن يطغى من بني الإنسان عن عبادته ، وممن يتوان عن الجد في معرفة عظمته وقدرته في إتقانه لصنع ما خلق في جميع أطوار حياته ، والتي لخصها في آيات قليلة شرحتها تعاليم الدين وحقائق البحث العلمي ، فعرفنا فيها سبحانه إنه قد احسن خلق الخلق وأتقن هدى الوجود ، وإن لكل موجود هداية تكوينية وتشريعية حتى يصل لغايته بأحسن صورة ممكنة ، وهذا يعرفه المنصف الحر بأقل تدبر في الآيات أعلاه وعنده قليل من المعرفة بتعاليم الدين الحنيف القيم .

 

ثم يا أيها الكرام الطالبين للحق من العلم والمعرفة : إنه تعالى في الآيات بعد الآيات التي تلوناها عليكم ، ذكر لنا سبحانه علة طغيان من يطغى من العباد على التحقق بهدى رب العالمين ، ولخصها سبحانه بأنه قد استغنى ، فقال :

{ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى  ( 6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ( 8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى ... } العلق .

 ويستفاد شرحها من تعاليم الدين : بأن غنى من يستغني عن عبوديته تعالى : إما إنه أعتقد إن غناه الوجودي بمال ومادة فقط وأعتقد أن فيهم تمام كماله ، فاستغنى عن الحقائق المريحة للروح والتي بها حقيقة سعادة النفس والتي بها تطمئن ، فكان غناه المادي يعميه عن واقع نعيمه الروحي الذي هو حقيقة وجوده .

 أو إنسان قد استغنى بشيطان يوسوس له عمل السوء والمكر والحيلة ، فيغويه عن صادق الهدى والعدل والإحسان ، فيستخدم العلم الذي يجب أن يستخدم في الحق والعدل والرقي والتقدم والإصلاح ، في النية السيئة والعمل الطالح المشفوع بالكذب والخداع والغش ، فيستخدم كل فكرة تغطي عمله الطالح لتصبغه بالصلاح ويعطيه منظر الخير في ظاهرة ، ويخفي مكنونه من الشر ونتائجه المضرة له ولكل من يصله شرر عمله .

 وهكذا قد يستغني عن العلم الحق ومعارفه والعمل الصالح الحق ، وعن الإيمان بالهدى المنزل من رب العالمين والعدل والإحسان ، بهوى وشهوات نفس ليس له بها حق ، فيطغى ويطلبها بكل وسيلة ممكنة ولو بعيدة كل البعد عن العدل والصدق والعمل الصالح ، فيمتنع أو يمنع من تعاليم الهدى وعن عمل الخير فضلا عن البر والإحسان .

ومن هذا عرّفنا سبحانه أنه بعض بني الإنسان ممن يستغني بعض الغنى يطلب المزيد ، فيطغى عن طاعة الرب وكل ما أمر وعلم من ضرورة العدل والإحسان ، فيهدم ما يبنيه ويبعثر خيرات الوجود التي مَن الله بها عليه ، إما بتدمير بركات غيره ليسيطر عليه ، أو بشراء آلات التدمير بل يحول أدوات العلم لأدوات تدمير الغير ، فيقوم بالتنقيص من قيمته وأهميته حتى يستحوذ عليه بأخبث صورة من كذب وافتراء وخداع وظلم وعدوان ، فيستخدم ما مكنه الله ويصرف ما حصل عليه من فكر ومادة في ضد ما ينفعه ويريح به روحه ، وخلاف ما يسعد به نفسه وكل بني جنسه .

ومن يكون هذا حاله يلهوا عن الصلاة التي بها يقام شكره تعالى ، والتي بها يتم طلب الاستعانة به للسير على صراط مستقيم لكل خير ونعيم ، وإن صلى صلاة أخرى بأن سجد مرائي أو لمتكبر أو لمادة أو لظلم وظالم ، أو لشهوة أو لهوى نفس وفكرة يتعبد بها ويفني كل خيرات الوجود من أجلها ، مع أنه ليس له دليل حق لصدقها ولا برهان واقعي لحقه لا في أخذه ولا في تحقق نعيمه ، بل باطل يصبغه بصبغ الحق ، وكلام مزخرف يعطيه هيئة البرهان ، وأدلة كاذبة في الصغرى والكبرى والنتيجة يطليها بما يشابه الصدق ، وبهذا يخدع نفسه وغيره .

فترى من يطغى لأنه تمكن وأستغنى بمال وقوة وفكره وهوى : تراه بباطل ما عنده يبطل كل شيء حق وكل أمر خيّر وشريف ، وبما يستخدم من الخداع والحيلة والكذب والمكر والافتراء ـ وبالخصوص في هذا العصر الذي تطورت فيه سبل المعرفة بل القلم : صارت ترى كتابته في كل أنحاء العالم بعد لحظات من كتابته ، فينشر ظلامه أو هداه ، ويدخل كل بقاع الأرض وكل بيت بل فكر كل إنسان لا يعي حقيقة الحق من الباطل والهدى من الضلال ، وكل إنسان بحسبه ـ .

وبذلك يهجر من يستغني ويطغى إقامة حدود تعاليم الرب الرحمان الرحيم الهادي للحق ، و التي علمها للمنعم عليهم من الأنبياء وأوصياءهم ولكل من تعلم منهم ، وتمام الآيات بعد التي ذكرناها تشير لما أعد الله في العقبى من الخسران للطغاة وما يحاك في نواديهم من المنكر ، والتي تخص بمن لا يؤمن بالله وبمن يشرك برب العالمين والمنافقين والكفار ، كما وآخر السورة تهدي المؤمن لما يجب عليه عمله والإيمان به بأبلغ كلام وأعذب عبارة واحسن فصاحة .

 

 وكان هذا تفسير بسيط لبيان عظمة البيان الإلهي والحكمة الربانية في بيان غرض الدين القيم الإسلام في أول بدأ الدعوة وشروع أول الهدى بالظهور فيه ، وذلك بعد أن هجر أغلب الناس تعاليم الله الواقعية ، وبهذه الآيات الماجدة بين سبحانه غرض نزول دينه ، وهذا ما تشير إليه الآيات الكريمة إما بالنص أو بفحوى القول من غرض البعثة ، ويعرفه كل متدبر في هدى الله ويعرف شيء مما جاءت به تعليم الرب لنبي الرحمة ، ثم لنا لكي يعرفنا الخير والهدى والعدل والبر والإحسان والخلق العظيم الكريم ليهدينا لواقع النعيم وحقيقته .

 

ولكي نتعرف على علوم الدين الحق والهدى الواقعي الذي يوصل لكل خير وبركة ونعيم وعدل وإحسان ، وبصراط مستقيم لا ضلال فيه ولا باطل ، ولكي نعرف خصائص العلم الحق الذي بدأ بالظهور من أول الخلقة وختم بالنبي النجيب الكريم محمد صلى الله عليه وآله ، وأنه حافظ عليه بأئمة حق وهدى هم الذين كتبوا ما أمر الله به نبيه وهم الذين حافظوا عليه ، وغيرهم ممن طغى عن العلم والتعلم من نبي الرحمة منع منه ومن تفسيره ومعرفته بحقائق هداه من المطهرون المنعم عليهم بالكتاب والحكمة والموعظة الحسنة وتعليم الدين القيم ، وبالخصوص الانحراف عن الهدى الحق بسبب المنع من كتابة سنة النبي الأكرم ، فحرم كتابتها بكل وجوده حتى تمرد عليه أهل مذهبة ومن يدعو له مؤولين نهيه وبرروا غلطه ، ورجعوا ببعض الإنابة للحق من طلب المعرفة وصراطها المستقيم الذي عرفه الله سبحانه لنا في أول تعاليم الدين الإسلامي الحنيف ، ولكن بعد أن طمست كثير من السنن على يد أئمة الكفر وأتباعهم ، ولم يبقى إلا تعاليم الحق عند أهله من آل محمد عليهم السلام وممن تبعهم ورضي بهم أئمة ولم يطغى على أمر الله واختياره للهداة وأئمة الحق لدينه المطهرين .

 

ويا أخوتي الكرام ليس هذا محل الكلام في الإمامة والإمام فعلا بل يشار بما يجره الكلام قهرا ولضرورة البيان ، بل إذا عرفنا أهم أمر من أمر الدين وسبيل تحصيله بالعلم الحق ، يجب علينا أن نتحرى الدقة في معرفة الصراط المستقيم الذي يوصلنا للسعادة الواقعية وللنعيم الحق في كل ظرف وحال نمر به ، ولا نتبع تعاليم من طغى وهدم دينه وحرف الناس عن تعاليم البعثة لنبوية الكريمة ، وأمات السنة والهدى وكل ما يوصل للخير والصلاح باسم البعث والبعثة زروا وبهتانا ، ثم ما أكثر من يدور حول هذا المعنى ولو لم يتسمى بهذا الاسم ورفضه أو أوله بمعاني أخرى من الاشتراكية والعلمانية والقومية ، فيُعرف غير هدى الحق والدين الصادق فيكون مثلهم يدري أو لا يدري ، وهذا سبيله الطغيان لغنى فكره وشهوة شهرة أو أمر يكنه ، وإلا ما عنده من الحق خلاف تعاليم الرحمان ومعلم هدى الإنسان وما يصلحه بحق ويهديه لواقع نعيمه فليبينه ويرنا كلامه ودليله .

 

وبهذا المختصر يا كرام : قد عرفنا أنه قد لخص سبحانه هدى دينه وسبيله بأول آيات كريمة بدأت بالظهور بشكل جلي مقروء ومكتوب في يوم المبعث المبارك ، ولنتحقق هذا الهدى نذكر بعض الحقائق التي تعرفنا الهدى والدين الصادق ، فنتعرف على هذه الدعوة العلمية للدين وأهمية العلم وعلو شأنه وما يدعوا إليه من الحق والصدق الذي ترتاح له الروح ، لأنه يدعمه الدليل ويؤيده البرهان المحكم الراسخ ، والذي يدخل العقل الواعي ، ويؤمن به اللب الصاحي ، ويطمئن له القلب الخالص من الهوى ، وإن كان في الوصية التي ذكرناها عن الإمام موسى الكاظم في تعريف العقل والعقلاء في مقال سابق في ذكرى يوم شهادته عليه السلام ، تكفي اللبيب لمعرفة الحق من الهدى والدين ومحله وأهله الصادقين المصدقين .

 

وإذا عرفنا هذا نذكر بحوث مختصرة في معرفة أهمية العلم والتعلم والتعليم وآثاره وحقائقه وما يدعو للتحقق به والالتزام به ، وأسأل الله أن يكون بأحسن وجه يرضا به للتمسك بهدى واقعي يوصل لكل خير ونعيم صادق أبدي ، فنذكر ما عرفنا سبحانه من فضل العلم والحث عليه بنص كتابه المجيد أو في السنة المطهرة لنبي الرحمة ولآله الكرام صلى الله عليهم وسلم ، فنذكر بحوث متسلسلة في أول علم الإنسان وتعليمه ، وفي فضل العلم والمعلم والعالم والمتعلم وآداب التعلم وفضله وأهميته ، ثم إن وفقنا الله نذكر ما هي تعاليمه الصادقة التي تهدي للخير والنعيم الواقعي وغيرها من مسائله الحاثة عليه والطالبة من كل إنسان أن يسعى بجد لتحصيله وحفظه ونشره وتعلمه وتعليمه.

 

فهنا بحوث في تأريخ العلم والتعلم وأهميته ، وضرورة طلبه وأهميته وآدابه وفضله وثوابه وحسن التحقق به حسب هدى الله تعالى ، ونجملها في بحوث :

 

البحث الأول : العلم مع خلق أبينا آدم :

هذه آيات كريمة تعرفنا أول التعليم لأبي البشر أبينا آدم عليه السلام ، بعد ذكر محاورة كريمة تعرفنا أمر كريم ، بأن الإنسان المركب من عقل وشهوة ، ويعيش في عالم المادة التي يتزاحم فيها الخلق ، قد يستغل القوي الضعيف ويمكر به فيفسد في الأرض فيسفك الدماء ويعيث في الأرض فسادا ، ولذا قالت ما قالت الملائكة الكرام وعرفت فضلها الذي خصها الله به : من التسبيح لله عن النقص ، والحمد له بإظهار كماله في كل تصرف لهم ، لأنهم مخلوقين له فيستبين قدسه وعلوه تعالى بما يظهر لهم من الكمال والطاعة له فنعرف شيء عن قدرته وعلمه وحكمته ، ولنعرف قصة بدأ الخلقة لأبينا أدم عليه السلام ومع الملائكة ، وتحقق العلم في الأرض نذكر هذه الآيات الكريمة ، قال الله سبحانه :

{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً

قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ

وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ

قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } البقرة 30 .

 وهنا عرفهم سبحانه بأنهم لم يعرفوا كل حقيقة الخلقة ، وهم لهم علم بأنفسهم وشأنهم وإن عملهم التقديس والحمد بوجودهم وقولهم ، وإن علمهم بغيرهم ظاهري ناقص ، فإنه تعالى علم الإنسان الهدى والعلم الحق إن تبعه نجى ويكون أحسن منهم ولو كان في عالم المادة والماديات فقال تعالى :

{ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ  (31)  قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)  

 قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ( 33)

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا ِلأَدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ} البقرة34 .

ففي هذه الآيات الكريمة عرفنا الله أنه علم أدم علم كثير حتى أسماء الملائكة فضلا عن كل ما يحتاجه ويسعد وجوده ، وهذا ما تفسره الروايات وتشير له كثير من الآيات المختصة بشأن الخلقة وغرض وجود الإنسان ، راجع ما ذكرنا في صحيفة الثقلين أو في صحيفة التوحيد من موسوعة صحف الطيبين ، فإنه تعالى قد مكن الإنسان من كل ما يحتاج له ليصل لسعادته إن تبع ما علمه الله من الهدى والتعاليم التي تنجيه من الطغيان والضلال وكل ظلام لجهل ومكر وحيلة ، ولذا في أخر الأمر لما كان فيه من نور العلم وما حصل عليه هذه الإنسان الكريم الأول ، أمر سبحانه الملائكة للسجود له ، فأطاعت إلا أبليس الذي استخدم القياس وخلط الباطل بالحق ، فقال في آيات إنه قد خلق من نار والإنسان خلق من طين فهو أكرم ولم يبين دعواه بحق ، ولم يطع خالقه والذي أمره بما يكون به كماله وجمال عبادته ، وبالخصوص حين يركع لعالم معلَم بتعليم رباني ، قد نور وجوده وهداه بقدرته وفضله ، بل اصبح معلم بمنه ونبي بكرامة منه تعالى ، فلهذا الملائكة الكرام سجدوا لآدم كلهم بعد إن أمره سبحانه ، وما أمره للسجود له إلا بعد إن عرفهم فضله وعلمه وفضله عليه .

ثم هذا إبليس الذي كان في صف الملائكة تمرد وضل وطغى لما رأى له بعض الغنى بأنه مخلوق من نار ، ولطغيانه على عبادة رب العالمين ولعصيانه لأوامره أبعده الله عن محل القدس والتنزيه ومحل العلم والكرامة ، لمحل النقص والظلام والمكر والحيلة وتعليم الشر والعمل به ، وهذا شأن كل طاغية في أي زمان ومكان كان لا يرضى بما هداه الله لما يصلح وجوده ويقدسه ويزكيه ، بل يرى غناه بأمر مادي أقل من مرتبة من نور العلم الحق والهادي للعدل والإحسان والطاعة للإله الرب الرحمان التي بها تزكى الروح وتنموا بالمعرفة والكمال ، فتترقى في عالم القدس ، فيخرج الطاغي بفكره وقياسه من مرتبة العقل والتعقل والشكر لمرتبة الكفر الخداع والظلام بجهل مركب .

البحث الثاني : العلم في ولد أدم وتطوره في وجودهم :

العلم : ليس أمر مادي بل هو نور تتمتع به الروح وتتكامل إن كان لهدى حق وبفكر يدعو للصلاح وللخير وللفضيلة ، ثم إنه بمعرفة حقيقة العلم والتدبر في منازله في النفس كافي لإثبات حقيقة وراء المادة تكون مفكرة وعالمه ، ولها عقل يمكنها أن تتفكر به وتتدبر فيه ، فيقر الإنسان لروحه ويطلب راحتها وهدوئها وكل ما يوصله لاطمئنان قلبه وهدوء لبه .

 فإن التدبر في مراتب النفس يكفينا لمعرفة أن ليس المادة هي كل شيء في الوجود ، بل توجد حقائق كريمة ورائها لها شرف التفكر والتحليل لما يأتيها من الحواس ، بل بالتفكر تترقى وتنمو إن كان بحق وإلا تتنزل فتكون ضالة مضلة ومتسافلة في الجهل المركب وظلام المكر والحيلة والقياس والخداع وما شابهه ، كما عرفت في قصص إبليس وغيره من الطغاة على تعاليم رب العالمين .

وعلى كل حال البحث في النفس له مجال آخر قد يأتي أمر منه ، ولكن نذكر حقيقة العلم وتطوره في بني أدم الذين كرمهم الله بالعلم ، وإن من تعلم بحق وعلم بحق وبين بحق كما علمه الله يكون قبلة للملائكة وتسجد له وتكون في خدمته وفي طاعته ، تبني مملكته في الظاهر والباطن وتوحي له فعل الخيرات وتساعده لكل ما يوصل للنعيم ، وهذا العلم يبدأ في الإنسان في الأرض ، من أول خلقته حيث ركب به أدوات الفهم والعلم وكل الحواس الضرورية التي تجعله عالم ومتعلم ، بل معلم يعمل عمل الأنبياء ويبلغه ويعلمه إن أطاع رب العالمين في تعاليم هداه وأخذه بحق وبلغه بصدق ، لهذا قال تعالى :

{ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا

وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } النحل78 .

وإن الشكر بعد التعلم والمعرفة ، و قد عرفت أدوات العلم والمعرفة وأسبابها في الإنسان حين تكلمنا عن القلم باعتباره حافظ للعلم ومدونه وسبب لنقله بحق وصدق ، وهذا ذكر لحقيقة الإنسان وللأدوات في حقيقة وجوده .

 فقد عرفت أن القلم أداة للمعرفة الخارجية يحافظ بها على تعاليم الدين ، ولكن المتعلم الحقيقي وهو لب الإنسان وعقلة المعبر عنه بالفؤاد في أدب الدين ، وإن الله جعل لنا الحواس فذكر أهم حاستين يريانا العلم ويجعلانا نسمع ونفهم من المتكلم به ، والذي خصه خالقه بكرامة النطق بعد التفكر والتعقل لما يقول في الغالب ، وذلك نعرف بالتدبر في آيات أخرى إذ قال تعالى في سورة الرحمان :

وقال تعالى :

{الرَّحْمَانُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2)

خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)

فإنه حقا رب رحيم رحمان علمنا الهدى وذكره في أول السورة ليعرفنا أهميته ، فإن نور القرآن هو العلم الحق والهدى الواقعي الموجب لنعيم الإنسان وسعادته وبحق تطمئن به روحه ، وبه يكون الإنسان إنسان ويستحق الخلق والنطق بالبيان ، ولولا الهدى النازل منه في كتابه المجيد على نبيه الكريم وما عرفنا من وحيه الطيف بنا ، وبتوسط هداه الحق وتعاليمه الموصلة لكل نعيم وسعادة شاملة لكل شؤون الحياة ، لما أستحق الإنسان وجوده وهو طاغية متمرد على كل هدى وعلم حق وتعليم صادق وأخلاق فاضلة تعطيه حقيقة سعادته ونعيمه وخيره وبركاته الواقعية .

ولنتعرف على معنى البيان بعد التعلم بالفؤاد بالوسائل الموجبة للعلم في نفس حقيقة الإنسان والمنمية لفكره وعقله والمتمكن في مملكة روحه وفؤاده ، من طريق السمع والبصر والبيان المعبر عن مكنون العلم والتعليم ، نتدبر الآيات الكريمة التالية التي تطالبنا ، بأن يكون بياننا ونطقنا حق موزون وعدل وإحسان لا طغيان فيه ولا تمرد ولا ضلال وكفران ، فنتدبر ما قال تعالى :

{ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ الرحمن (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6)

{ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

فإنه عرفنا إن كل شيء خلقه سبحانه محسوب تكوينه وهداه التكويني والتشريعي ، وكل شيء له غاية وهدى إن سلكه سار في الحق وسلك في النعيم ، ولا يحق لمن علمه الله البيان وحُسب له كل ما يهديه ويريحه ويجعله مطمئن بالهدى والسير للنعيم في كل وجوده وفي كل ما يحيط به ، أن يطغى ويتمرد على هدى الله الذي فيه صلاحه وخيره وبركات الوجود التي تصب له ، ولذا نهى سبحانه أن يطغى في الميزان وكل ظلم سواء مادي أو معنوي ، فكري أو خارجي عن الروح واللب والفؤاد ، علمي أو عملي ، وهذا ما عرفنا به سبحانه فقال بعد تلك الآيات :

{ أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8)

{ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9).

{ وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ ( 10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ ( 11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَان ..... } الرحمن12.

الميزان رمز للعدل والحق والإحسان ، وبه يعرف الحق من الباطل والخير من الشر سواء بالفكر والعلم أو بالعمل ، ولهذا سمى السيد العلامة الطباطبائي تفسيره للقرأن المجيد بالميزان ، أي موزون في مقدماته ونتائجه لا طغيان فيه ولا ضلال ، بل يسمى علم المنطق الذي يقاس به الكلام الحق في مقدماته ونتائجه بالميزان ، وتوجد بحوث جميلة في معنى الميزان للكلام والبيان لصدر المتألهين في كتابه مفاتيح الغيب وغيرها ليس مجال بيانها هنا ومن أحب فليراجع ما ذكرنا.

وإذا عرفنا أن الطغيان على أوامر الرب الرحمان والخالق المنان ظلم وعدوان ، وإنه يجب على العاقل أن يتبع القول الحسن حين يسمعه ، وبالوجدان على كل من يسمع البرهان الصادق أن يؤمن به ، وهذا بعض الكلام عن أهمية العلم وقبول الهدى والطغيان عليه في تعاليم رب العالمين لشرح آيات معدودة ، وسيأتي مزيد الكلام إن شاء الله ، وأرجو أن أكون وكل من تلا هذا الكلام من الطيبين أن يقول كما أدبنا رب العالمين ، حين يسمعه كلامه الذي بعثه لنبيه المبعوث محمد خير المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو سمع نداءه بعد حين ، أن يقول وهو صادق ومؤمن :

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ  (193) ـ يجب أن يتحرى الدقة في معرفة الأبرار المطهرون المصطفون الأخيار ـ

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ

 فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)

لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197)

 لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ } آل عمران 198 .

 

هذا ونسأل الله أن يرنا الحق حقا فنتبعه ، ويرينا الباطل باطل فنجتنبه ، ولا يلبس علينا فعل وقول ولا فكر وعلم ولا فعل وعمل ، ونسأله التوفيق لما يحب ويرضى بحق النبي محمد وآله الطيبين الطاهرين ، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين وصحبهم الأخيار المخلصين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

الراجي لرحمة ربه وشفاعة نبيه وآله الأطهار
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين