يا علماء الكتابة - نهنئكم بحلول المبعث ولا تطغوا فتكونوا بعثيه بل ميتيه

كتابات - حسن الأنباري  *
إلى جميع الطيبين وكل الأحرار الخيرين أهنئكم بمناسبة حلول يوم المبعث النبوي الشريف المصادف في يوم 27 من رجب وقبل 1434 سنة تقريبا ، فنزف لكم أحر التحيات وخالص الود والإكرام ، وأود أن أذكركم بشأن هذا اليوم العظيم ، يوم العلم والتعلم الذي أكمل الله به نور الوجود ، وأنزل هداه على نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ليسلك بعبادة الصراط المستقيم ، فيوصلهم لأحسن كمال ونعيم أبدي ، ويخلصهم من ظلام الباطل والضلال ونار الحرمان والنقص والعدم .
فإنه في هذه اليوم العظيم الذي أشرق نور الهدى التام في نزول الوحي على نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، بحق يجب نسميه :
يوم : العلم والمعلم .
 إذ فيه أمر الله تعالى نبيه بالقراءة والتعلم والتعليم والتبليغ للهدى ، وبدأ في الوجود تعليم أكرم خلقه ما يصلح كل بني الإنسان ، ويوصلهم لأرقى كمال ، ويتم حسن سيرة كل فرد في الدنيا وسلوكه ، ويصلح عمله بل تطمئن روحه بتطبيق هداه ، فيعيش في أفضل تعاليم في نفسه ومع أسرته ومجتمعه وفي جميع مجالات الحياة ، والتي لم يخلوا شيء وأمر من شؤونها لم تمسه تعاليم الدين وتعطيه هداه ، وتعلمه بيان الحق الذي يوصله لأفضل ما يمكن أن يتصوره إنسان في سبيل السعادة والكمال والود والراحة والاطمئنان في كل مسير حياته .
وشاهد صدقنا هو الآيات والأحاديث الكريمة التي تحث على طلب العلم وتأكيد على تحصيله وتطبيقه ، وتأمر بشده على تطبيق الهدى الواقعي الذي يفعم به الإسلام في تعاليمه الشاملة لكل مجالات الحياة ، بل إن أول ما نزل على نبي الرحمة هي أول خمس آيات من سورة العلق ، يأمر بها رب العزة والكمال نبي الرحمة لكي يقرأ ويأمر بتعليم القلم الذي هو أول أمر من مصادر رقي الإنسان ، وإن الله تعالى بهذه المنة علم الإنسان دم ما لم يعلم بعد إن كان علقة ومضغة ، بل بعد أن هيئ له كل وسائل الكمال وسخر له الوجود كله .
 وإن الإنسان إذا لم يتعلم بحق ، ولم يكتب بحق يكون طاغية يمنع من الهدى كما كان عليه الهدامية البعثية بل الميتيه أصحاب المقابر الجماعية عليهم ما على من يكتم العلم الدينين والهدى الحق من لعنة الله والناس أجمعين كما في قوله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ }(البقرة/159).
وهذا حال من يستغني عن تعاليم الإسلام والهدى الحق ، وهو سبيل كل الطغاة على أوامر رب العالمين ، فإنهم لو راعوا الحق وسبيل الهدى لما طغوا على ما جاء من التعاليم الراقية في الإسلام ، ولما حرموا الناس من معرفة الصراط المستقيم والعدل والإحسان والعمل الصالح الذي تدعوا له كل معارف الدين الإسلامي الحنيف .
ونحن إن شاء الله نذكر هنا أولاً الآيات التي نزلت على نبي الرحمة التي تأمره بالعلم وأسبابه ، ثم نذكر في حلقات أخرى ما حث به رب العالمين من طلب العلم في كتابه وفي لسان نبيه وأوصياءه الكرام صلى الله عليهم وسلم وعلى لسان صحبهم المتعلمين منهم :
 أولاً : هذه أول خمس آيات نزلت على نبي الرحمة في يوم المبعث :
بسم الله الرحمن الرحيم :
{ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ  (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ  (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} سورة العلق
 وهذه آيات بعدها نزلت لما طغى عتاة قريش وغيرهم على تعاليم رب العالمين ـ لا يهم الزمان ، لأن التعاليم كليه تنطبق في كل حين يوجد لها مصداق وفرد يتحقق ـ :
{ كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى  ( 6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ( 8) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى  (11) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى  (12) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (13) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى  (14) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَا بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ  (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَه  (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ( 18)} العلق .
فيا أخواني العلماء في كتابات وغيرها ، عليكم بقول الصدق والعدل والإحسان وكل ما يوصل أخوتنا في العراق وخارجه لكلمة الحق ، ولكل ما فيه نفع لمستقبل زاهر يكون فيه العدل والخير والبركة لأهلنا بل لنا ولكل بني الإنسان ، ولا تطغوا على تعاليم الإسلام فإنه فيها كل خير وبركة وهدى وصلاح ، وسنذكر لكم في الأيام القادمة إن شاء الله شيء منها للذكرى فإنكم أهلا لها إن شاء الله .
وأما في هذه الآيات الكريمة أعلاه : أمر رب العزة والكمال نبي الرحمة ، أن يتلو ما يُنزل عليه من الوحي ويقرأ ما أراد منه من تعاليم ومعارف ، ليتم بها تمام الوجود الكوني وهداه وكماله الحق ، والذي لا يستغني عنه عصارة الوجود وخالصته ، وهو الإنسان الذي سخر له كل شيء ، فبعث الله تعالى له نبي رحمه يهديه لما فيه صالحه النفسي والمادي وكل ما يحتاج إليه في مسيرة في هذه الحياة الدنيا من الهدى للصراط المستقيم الذي يسلك به لأحسن نعيم ، ولذا طلب من خالق الوجود وهاديه ربنا المتعال :
أن يقرأء بسم ربه الذي خلق ويستعينه به لأداء رسالته وبيان تعاليمه فقال له : أقرء بسم ربك الذي خلق ، ثم بين سبحانه أو الخلق يأنه من علق ـ وقد شرح الله هذه العبارة المختصرة وكيفية الخلقة في آيات كريمة يؤيدها العلم الحديث ليس هنا مجال بيانها وعله سنذكره إن شاء الله في مجال آخر ـ
ثم سبحانه قال : أقر وربك الكرم الذي علم بالقلم :
وهذا أهم أمر يحتاج إليه الإنسان بالضرورة لتطوره ولرقيه ولكماله الحق ، أي يحتاج للعلم وأدواته التي بها تحفظ جهوده وعلمه من الضياع ، لأن الإنسان قد ينسى بل يقال إنما سمي الإنسان إنسان لكثرة النسيان ، فلذا يكون القلم وما يقوم مقامه هو الحافظ لعلمه ، بل سبب لنقله وتعليمه لغيره ممن يأتي بعده فيستفاد منه ويفيد به بما علمه الله ومكنه .
 وبعد ما عرفتم يا كرام من التذكرة : أنقل لكم شيء من شرح العلامة محمد حسين الطباطبائي صاحب الميزان في تفسير القرآن ، وما ذكره في شرح باقي الآيات الكريمة لتعم الفائدة لنا ولكم :
 قال رحمه الله : قوله : "خلق الإنسان من علق" المراد جنس الإنسان المتناسل ، و العلق : الدم المنجمد ، و المراد به ما يستحيل إليه النطفة في الرحم.
ففي الآية إشارة إلى التدبير الإلهي الوارد على الإنسان من حين كان علقة إلى حين يصير إنسانا تاما كاملا ، له من أعاجيب الصفات و الأفعال ما تتحير فيه العقول ، فلم يتم الإنسان إنسانا و لم يكمل إلا بتدبير متعاقب منه تعالى و هو بعينه خلق بعد خلق ، فهو تعالى رب مدبر لأمر الإنسان بعين أنه خالق له فليس للإنسان إلا أن يتخذه وحده ربا ففي الكلام احتجاج على توحيد الربوبية.
 قوله تعالى : "اقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم" أمر بالقراءة ثانيا تأكيدا للأمر الأول على ما هو ظاهر سياق الإطلاق.
و قوله: "و ربك الأكرم" أي الذي يفوق عطاؤه عطاء ما سواه ، فهو تعالى يعطي لا عن استحقاق ، و ما من نعمة إلا و ينتهي إيتاؤها إليه تعالى.
و قوله: "الذي علم بالقلم" الباء للسببية أي علم القراءة ، أو الكتابة و القراءة بواسطة القلم ، و الجملة حالية أو استئنافية ، و الكلام مسوق لتقوية نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إزالة القلق و الاضطراب عنها حيث أمر بالقراءة و هو أمي لا يكتب و لا يقرأ .
كأنه قيل : اقرأ كتاب ربك الذي يوحيه إليك و لا تخف و الحال أن ربك الأكرم الذي علم الإنسان القراءة بواسطة القلم الذي يخط به ، فهو قادر على أن يعلمك القراءة والكتابه و أنت أمي ، و قد أمرك بالقراءة و لو لم يقدرك عليها لم يأمرك بها.
ثم عمم سبحانه النعمة فذكر تعليمه للإنسان ما لم يعلم فقال: "علم الإنسان ما لم يعلم" و فيه مزيد تقوية لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تطييب لنفسه.
 قوله تعالى: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى" ردع عما يستفاد من الآيات السابقة أنه تعالى أنعم على الإنسان بعظائم نعم مثل التعليم بالقلم و سائر ما علم و التعليم من طريق الوحي فعلى الإنسان أن يشكره على ذلك لكنه يكفر بنعمته تعالى و يطغى.
و قوله: "إن الإنسان ليطغى" أن يتعدى طوره، و هو إخبار بما في طبع الإنسان ذلك كقوله: "إن الإنسان لظلوم كفار": إبراهيم: 34.
و قوله: "أن رآه استغنى" من الرأي دون الرؤية البصرية، و فاعل "رآه" و مفعوله الإنسان.
و جملة "أن رآه استغنى" في مقام التعليل أي ليطغى لأنه يعتقد نفسه مستغنيا عن ربه المنعم عليه فيكفر به ، و ذلك أنه يشتغل بنفسه و الأسباب الظاهرية التي يتوصل بها إلى مقاصده ، فيغفل عن ربه من غير أن يرى حاجة منه إليه تبعثه إلى ذكره و شكره على نعمه فينساه و يطغى.
قوله تعالى: "إن إلى ربك الرجعى" الرجعى هو الرجوع و الظاهر من سياق الوعيد الآتي أنه وعيد و تهديد بالموت و البعث ، و الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قيل: الخطاب للإنسان بطريق الالتفات للتشديد، و الأول أظهر.

هذا ونسأل الله الموعظة والتعلم والتعليم بحق
* خادم علوم آل محمد عليهم السلام - موسوعة صحف الطيبين

 

الراجي لرحمة ربه وشفاعة نبيه وآله الأطهار
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين