بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

الأصل الثالث للدين :
النبوة الخاصة
صحيفة افضل الأنبياء وأشرفهم
نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم

هذه صحيفة النبوة الخاصة لسيد السادات وملتقى المكرمات ، نبي الأنبياء وصفي الأصفياء ، نجي الله ونجيبه ، وخليل الله وحبيبه ، صاحب المقام المحمود ، وغاية إيجاد كل موجود ، شمس سماء العرفان ، واس بناء الإيمان ، شرف الأشراف ، وغرة عبد مناف ، بحر السخاء ، ومعدن الحياء ، رحمه العباد ، وربيع البلاد ، الذي به اكتسى الفخر فخرا والشرف شرفا ، إمام المرسلين ، وفخر العالمين ، أبي القاسم محمد بن عبد الله ، خاتم النبيين ، صلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين .

تمهيد : أسلوب بحثنا في النبوة الخاصة :
الباب الأول : ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الفصل الأول : بعثة الأنبياء ضرورة تكوينية وتشريعية :
الفصل الثاني : التفكر يدل على ضرورة بعثة الأنبياء وبالخصوص خاتمهم :
الفصل الثالث : الله سبحانه يبين ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
الفصل الرابع : الإمام علي يشرح حال الناس في زمان بعثة نبينا محمد و يبين ضرورة بعثته صلى الله عليه وآله وسلم :
الفصل الخامس : فاطمة الزهراء تبين حال الناس قبل البعثة وبعدها :



إلى الأعلى





تمهيد : أسلوب بحثنا في النبوة الخاصة :
في النبوة العامة ذكرنا أهم البحوث والأصول التي يجب طرحاه في البحث في نبوة كل نبي من الأنبياء ، ولما كان تطبيق هذه البحوث في النبوة الخاصة لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتسليمها والإذعان لأدلتها ، ، تكوّن تصديقنا لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وبنفسها تكون أساس لتصديق نبوة جميع الأنبياء ، قدمنا وتوسعنا بعض الشيء في بيان أهم ما يدل على نبوته صلى الله عليه وآله وسلم وخواصها .
وأن كان تصديقنا كمؤمنين بنبوة جميع الأنبياء مُسَلم عندنا كتسليمنا بالإيمان بالله تعالى ، ولكن نبحث هذا من باب ليطمئن قلبي وليزداد إيماني ، ولقطع لجاج المعاندين وليكون تذكرة للمؤمنين ، وليكون عندنا دليل مقنع على اعتقاداتنا وبرهان على سبب أيماننا بالأنبياء ، وهنا وفي بحث نبوة كل نبي عندما نبحث عن نبوته الخاصة بالإضافة إلى ما ذكرنا نبحث عن أهم مواصفته ومواصفات مجتمعه والعبر والدروس المستفادة من ذكر تأريخهم الشريف .
وأهم البحوث التي نطرحها فعلاً في البحث الخاص لنبوة خاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم نضعها بين يديك في أبواب فيها فصول وبحوثها وهي :



إلى الأعلى




الباب الأول :
ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :

قد وضح الأمر في مسألة ضرورة بعثة الأنبياء وبانت لابدية بعثتهم عند البحث في النبوة العامة ، وكان بصورة تكفي لاطمئنان المؤمنين وتقطع لجاج المعاندين ، وهنا نحاول أن نشبع البحث في معنى ضرورة بعث الأنبياء والبخصوص بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله بأسلوب آخر ومعنا أوسع ؛ ليكون فيه ذكرى للمؤمنين ويرسخ في قلوب الطيبين ويقطع الشك عند كل المشككين فنتوكل على الله ونبينه في أمور :



إلى الأعلى





الفصل الأول : بعثة الأنبياء ضرورة تكوينية وتشريعية :

في الحقيقة ضرورة بعث الأنبياء وتجديد عهد التعاليم الربانية لهداية البشر التشريعية في كل فترة حسب استعدادهم لتحملهم المسؤولية الدينية ضرورة لا بد منها ، ومسيرها مرافق لمسير الهداية التكوينية .

فكما أن الوجود محتاج في كل آن لربوبية وهداية وقيومية الله التكوينية ليسير الوجود إلى غايته وغرض وجوده ومستقره الذي أعده الله تعالى له حيث في كل آن يحتاج لمدد الله وفيضه وإلى يفنى الوجود وينعدم لولاها .
كذلك البشر والموجودات المكلفة والمراد منها هداية تشريعية والسير وفق سراط الله المستقيم تحتاج لربوبية وهداية وقيومية لله التشريعية ، والهداية التكليفية متعلقة بأفعال العباد لتسلك بهم وتهديهم وتربيهم لحقيقة التعاليم الربانية في نعم الأخلاق والعبودية وجميع شؤون الحياة وفق آخر استعداد لهم ، كما كانت ولا زالت الهداية التكوينية متعلقة بذواتهم ونفس وجودهم وتنعم عليهم بالبقاء والاستمرار بالحياة .
فبعثة الأنبياء وتواترهم واحد بعد الآخر ضرورة وجودية تشريعية ملازمة للهداية التكوينية ومكملة لمسيرها ،، بل الهداية التشريعية غرض التكوينية وغايتها وبها يتم حسن وجود الخلق وجمال فعل الله تعالى وتمام كماله ، ويمكن أن يقال لا معنى للهداية التكوينية بدون وجود الهداية التشريعية .
ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعثته في آخر وأعلى استعداد للبشر لتلقي وتعلم المعارف الربانية ،
كان ضرورة تشريعية لابد منها لتتم به هداية الله تعالى وربوبيته وقيومية التكليفية التي ينزلها للبشر وليوصلهم بها لسعادة الدنيا والآخرة ولو كان بعد يوجد هناك تطور واستعداد أعلى للبشر لتعلم المعارف الربانية لما ختم الله تعالى النبوة به ، كما قام سبحانه باختيار الأنبياء جعل لهم أوصياء و خلفاء وأئمة مختارون ومصطفون من قبله تعالى يقومون مقام الأنبياء في المحافظ على الدين والتعاليم الربانية .
وبنصب من يعتصم به المسلمون من الاختلاف في تعاليم الله والمعارف التي أنزلها لهداية البشر هداية تشريعية ، وبجعل أوصياء النبي الخاتم الذين يبينون تعاليمه ومعارفه وحقائقها وشرحها وفق ما أنزلت على خاتم الأنبياء من دون أي تحريف واختلاف وتخلف ؛ تتم نعم الله ويكمل دينه وتختم النبوة ويحصل بمتابعة الأوصياء رضا الرب .
وهذا دليل عقلي : يؤده الله في كتابه الكريم ، وتبرهن عليه السنة المطهرة لخاتم الأنبياء ، ويقر به كل منصف ومتتبع لتعاليم الله تعالى وسنة نبيه ، ويقنع به كل من له إلمام بسيط بالثقافة والتعاليم الربانية .
وقد قدمنا البحث في ختم النبوة في البحث العام للنبوة والأسباب التي تدعو لختمها ، كما تم بيان بعض البحث في ضرورة بعثة الأنبياء ، على إن نخصص البحث هنا بضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والآن ندعم ما ذكرنا هنا وهناك بالآيات القرآنية والشواهد الأخرى تيمناً وتبركاً ، وليطيب قراءة البحث للمؤمنين ، وليستأنس به أهل التحقيق والمدققين ، ومن الله العون وعليه التوكل فنقول :




إلى الأعلى





الفصل الثاني : التفكر يدل على ضرورة بعثة الأنبياء وبالخصوص خاتمهم :
التفكر والتدبر في هذا الوجود الواسع والمترامي الأطراف بوجوده المتقن والمحكم والذي يسير لغايته بما في ذلك الإنسان ، كما يدل على وجود خالق له يدل على أن أفضل ما يطلب منه لسد النقص والحاجة سواء المادية أو المعنوية هو الطلب من خالق الكون .
ولما كان الإنسان بعد النعم المادية باحث عن النعم المعنوية التي بتطبيقها كقوانين ينعم بالنعم المادية فضلاً عن المعنوية ليسير في حياته بأمن وسلام وسعادة .
ولما كان الإنسان العادي يقصر عن الوصول لما عند الله تعالى من التعاليم يسعى للبحث عن من عنده تلك التعاليم ومن تمكن من الوصول للحصول عليها ، فيبحث عن الأنبياء وأوصياءهم لأخذ تعاليم الله تعالى منهم .

وبعبارة أخرى : إن الإنسان بوجوده ونفسه و في طبيعته وفي ذاته يحب الكمال ويسعى إليه ويحاول أن يحصل على كل ما ينفعه ويكمله ويسد نقصه ويرفع حاجته المادية والمعنوية ، فيتجه إلى من عنده الكمال المطلق وهو الله ويحاول الاتصال به بنفسه ، وإذا عجز بحث عمن قد ساعدته العناية الربانية و أتصل بخالق الكون ليأخذ منه كل ما يكمله ويوصله للكمال المطلق وما أنزل إليه من المعارف و التعاليم الربانية .
ونفس هذا التفكر يدعوا الإنسان الباحث عن الكمال الحقيقي أن يبحث عن آخر تعاليم الله من غير تحريف واختلاف ، ويجب أن يؤمن بآخر الأنبياء ، وإذا اخبر بختم النبوة يجب عليه البحث عن أوصياءه الحقيقيين وبالدليل المحكم .
إذا عرفت هذا تعرف أن النبوة ضرورة فطرية مغروسة في فطرة الإنسان السليمة تبع للفطرة الباحثة عن إله والطالبة للكمال منه الرافع لنقص الإنسان وحاجته ، وبالوصول بالبحث عن ختم النبوة يدعوه للبحث عن الأمام والخليفة الحق بعد النبي .
وأما من فسدة فطرته واتبع هواه وأغواه الشيطان فهذا له كلام أخر ويكون في الغالب يرى كماله في المصالح الشخصية الآنية دون المستقبلية ويتهرب من المسؤولية ولهذا يكون أيضا ممن جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم .
والله تعالى قد بين لما ذكرنا وأشار إليه في القرآن الكريم في مواطن متفرقة :
قال تعالى : (( قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى )) طه 50 .
وقال تعالى :
(( اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ )) إبراهيم 32 ـ 34 .
وقال عزّ وجلّ :
(( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ )) النحل 36 .

فإذا عرفنا أن الله أعطى كل شيء خلقه ثم هداه الهداية التكوينية نعرف أن الهداية التشريعية هي غاية وجود الإنسان الذي هو خلاصة الوجود وثمرته التي سخر الله تعالى له كل شيء وأعطاه كل ما سأله في وجوده وحاله ومقاله ،
فبعث سبحانه في كل أمة رسول يهدوه الهداية التشريعية ويعلموه المعارف والتعاليم الربانية ، وهذا مشهود لكل من يسير في أفاق وجود الكون ونفسه ليشعر أن الله تعالى كما خلقه بعث له هداة يعلموه ما يجب عليه سلوكه في مسيره في هذه الحياة وما هو المراد منه ، ونفس الشيء يحصل لكل من يسير في أفق التأريخ الديني للأمم الماضية .
والله تعالى أمرنا أن نسأله في كل يوم الهداية مع أنا مهتدون لدينه مسلمون له ، وما ذلك إلا لنبحث عن الحقيقة الإيمانية التي يجب تعلمها من خاتم أنبياءه و ببيان أوصياءه وخلفاءه الحقيقيين
فقال تعالى : (( إ ِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَـــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ )) الفاتحة 5 ـ 7 .
هذا من جانب أن وجود الإنسان يستلزم الهداية التشريعية المستلزمة لبعث الأنبياء ووجب البحث عن التعاليم الربانية منهم بالدليل والتحقيق لا من كل مدعي لوجود التعاليم الربانية عنده .

وقد عرفنا أن الله ختم دينه بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بقوله عز وجل : (( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا )) الأحزاب 40 .
وقال تعالى :
(( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا )) الفتح 48 ، وقال تعالى ((هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ )) التوبة 33 .
ولذا قال سبحانه وتعالى :
((وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) آل عمران 85 .
فأراد الله بعد ما ختم النبوة أن يظهر دينه برفع راية الإسلام وينصر رسوله ، وقد وفي الله بوعده كما يشهد لهذا تاريخ الإسلام ، وكثرة من اسلم ، ففاق المسلمون كل مذهب ودين ، وأن كان مطلوب منهم البحث عن حقيقة التعاليم الإسلامية التي عند أهلها أوصياء النبي بتعلم المسلمين الصلاة وأمرهم بطلب الهداية للسراط المستقيم في كل يوم عشر مرات ولله الحجة البالغة وعلى الناس اتباعها وعدم الانحراف عنها.



إلى الأعلى





الفصل الثالث : الله سبحانه يبين ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
قد بينا في بحث النبوة العامة وأشرنا هنا لأهم الأمور لبعث الأنبياء بتقرير احتياج البشر له بعد أن يحرف دين الله تعالى وتفقد تعاليمه ومعارفه من الأرض بالتحريف ويعم المجتمع والبشر الضلال وينتشر الكفر ، أو بتقرير أخر مكمل لما سبق أن الهداية الربانية ضرورة وجودية كالهداية التكوينيه لتصل بالبشر لسعادة الدنيا والآخرة موافقة لأخر استعداد لهم ، فنذكر في ذلك البحث آيات من القرآن الكريم تبين ذلك ، وهنا نذكر آيات سورة الجمعة الدالة على ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
قال الله تعالى :
(( بسم الله الرحمن الرحيم
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ))
الجمعة 1-4 .

فهذه خمس آيات من سورة الجمعة تبين أن الله برحمانيته ورحيميته جعل معنى الوجود المخلوق وقيمته وجماله أن يسبح لخالقه ويقدسه بتكوينه ووجوده ويظهر قدرة وعلو مقام موجده بعجائب موجوداته ودقت صنعها وسعة كونه وكثرتها ، ثم جاء دور عصارة الوجود والمفضل على كثير من الخلق أقصد الإنسان بعد أن اصبح أمي لا يعرف شيء من تزكية النفس ولا من التعاليم الله ومعارفه ولو بقي هكذا لفقد حكمة وجوده .
فبعث الله العزيز الحكيم من نفس هؤلاء البشر الأميين رسول يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم متفضل عليه وعليهم ، فعمهم خيره وفضله بتعاليمه لتشمل جميع جوانب الحياة و لكل من يطلب الحق سواء كان في زمن الأميين أو من يأتي بعدهم ، لأن الله ختم بتعاليمه التي أنزلها عليه وبه ختم النبوة بعد أن جعل عليها محافظ من أوصياءه وآله الطاهرين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب ـ وذريته من بعده ـ الذي بقي خلفه يصلي في تلك الجمعة المشهودة ومن أقر له بعد رسول الله بالخلافة ولم يتبع اللهو والتجارة ، والباقي تركوا النبي بهذا الرهط المختار لتحمل تعاليم الله يصلي بهم تلك الجمعة المشهودة .
فشبه الله تعالى الحادثة بمن يحمل علم الله ولا يعمل به مثل اليهود والحمار الذي يحمل أسفاراً لا يعرف ما يحمل ، تدبر سورة الجمعة إلى آخرها تعرف ما ذكرنا واستعلم حال من بقي يصلي خلف رسول الله من العلماء بالله تعالى وتعاليمه ومن تبع اللهو التجارة تعرف الأمام والخليفة الحق بعد رسول الله من غيره .



إلى الأعلى





الفصل الرابع : الإمام علي يشرح حال الناس في زمان بعثة نبينا محمد و يبين ضرورة بعثته صلى الله عليه وآله وسلم :
كان في زمان بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم المجتمع البشري بصورة عامة في جميع بقاع الأرض وبالخصوص في شبه الجزيرة العربية ؛ بحاجة ماسة وضرورة قائمة لنبي كريم يقوم بأعباء الرسالة والتبليغ لأحكامه الله تعالى وتعاليمه ، ولكي يرفع الناس إلى العدل والإنصاف والإيمان بالله تعالى ويدلهم على مكارم الخلاق والصفات الحميدة بصورة صحيحة ليصل بهم لسعادة الدنيا والآخرة ، وذلك بعدما ساد الجهل والظلم و انحطوا في الكفر والشرك النفاق وتعاملوا بالخيانة والغدر والمكر والحيلة ، و بدلو أكثر الناس نعم الله كفرا وظلوا عن سموا معرفته وآياته وأحكامه وتعاليمه .
فبعث الله سبحانه وتعالى نبي كريم في ذاته ونسبه وصفاته و شريف في جمع خصائصه وحالاته ، سيد المرسلين وخاتم للنبيين وحبيب لقلوب العالمين آلا وهو نبينا محمد بن عبد الله عليه وعلى آله أجمعين صلاة الله وسلامه ، وأيده بنصره وبكلامه الكريم القرآن المجيد بعد أن نص عليه بالتوراة والإنجيل الغير محرفين وعرفه الأنبياء السابقين لأممهم وبشروا به مجتمعاتهم ، فضلا عما أختص به صلى الله عليه وآله وسلم من خُلق عظيم يفوق جميع من سبقه ومن لحقه من الأولين والآخرين .

وهذا وصيه الكريم علي بن أبي طالب عليه السلام :
يبين حال الناس في زمان بعثة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويبين ضرورة بعثته وحاجة الناس إليه ، ولكي لا أطيل عليكم نذكر كلامه عليه السلام ونتدبر فيه :
قال عليه السلام :
(( إِلَى أَنْ بَعَثَ اللهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله لإنجاز عِدَتِهِ وَتَمامِ نُبُوَّتِهِ، مَأْخُوذاً عَلَى النَّبِيِّينَ مِيثَاقُهُ ، مَشْهُورَةً سِمَاتُهُ كَرِيماً مِيلادُهُ. وَأهْلُ الأرض يَوْمَئِذٍ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ، وَأَهْوَاءٌ مُنْتَشِرَةٌ، وَطَرَائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ ، بَيْنَ مُشَبِّهٍ للهِِ بِخَلْقِهِ ، أَوْ مُلْحِدٍ في اسْمِهِ ، أَوْ مُشِيرٍ إِلَى غَيْرهِ ، فَهَدَاهُمْ بهِ مِنَ الضَّلاَلَةِ ، وَأَنْقَذَهُمْ بمَكانِهِ مِنَ الجَهَالَةِ .
ثُمَّ اخْتَارَ سُبْحَانَهُ لِمحَمَّدٍ صلى الله عليه لِقَاءَهُ ، وَرَضِيَ لَهُ مَا عِنْدَهُ ، فَأَكْرَمَهُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا ، وَرَغِبَ بِهَ عَنْ مُقَارَنَةِ البَلْوَى ، فَقَبَضَهُ إِلَيْهِ كَرِيماً ، وَخَلَّفَ فِيكُمْ مَا خَلَّفَتِ الأنبياء في أُمَمِها، إذْ لَم يَتْرُكُوهُمْ هَمَلاً ، بِغَيْر طَريقٍ واضِحٍ ، ولاَ عَلَمٍ قَائِمٍ ))
. نهج البلاغة ، الخطبة الأولى .
وقال عليه السلام في خطبة أخرى له :
(( وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، أرْسَلَهُ بِالدِّينِ المشْهُورِ، وَالعَلَمِ المأْثُورِ، وَالكِتَابِ المسْطُورِ ، وَالنُّورِ السَّاطِعِ، وَالضِّيَاءِ اللاَّمِعِ ، والأمر الصَّادِعِ، إزَاحَةً لِلشُّبُهَاتِ ، وَاحْتِجَاجاً بِالبَيِّنَاتِ، وَتَحْذِيراً بِالآيَاتِ ، وَتَخْويفاً بِالمَثُلاَتِ وَالنَّاسُ في فِتَنٍ انْجَذَمَ فِيها حَبْلُ الدِّينِ ، وَتَزَعْزَعَتْ سَوَارِي اليَقِينِ ، وَاخْتَلَفَ النَّجْرُ وَتَشَتَّتَ الاََْمْرُ وَالمَصْدَرُ .
فَالهُدَى خَامِلٌ، واَلعَمَى شَامِلٌ. عُصِيَ الرَّحْمنُ، وَنُصِرَ الشَّيْطَانُ ، وَخُذِلَ الإيمان ، فَانْهَارَتْ دَعَائِمُهُ ، وَتَنكَّرَتْ مَعَالِمُهُ، وَدَرَسَتْ سُبُلُهُ ، وَعَفَتْ شُرُكُهُ أَطَاعُوا الشَّيْطَانَ فَسَلَكُوا مَسَالِكَهُ ، وَوَرَدُوا مَنَاهِلَهُ بِهِمْ سَارَتْ أَعْلامُهُ، وَقَامَ لِوَاؤُهُ .
في فِتَنٍ دَاسَتْهُمْ بِأَخْفَافِهَاوَوَطِئَتْهُمْ بأَظْلاَفِهَا وَقَامَتْ عَلَى سَنَابِكِهَا ًّ، فَهُمْ فِيهَا تَائِهُونَ حَائِرونَ جَاهِلُونَ مَفْتُونُونَ، في خَيْرِ دَارٍ، وَشَرِّ جِيرَانٍ ، نَوْمُهُمْ سُهُودٌ، وَكُحْلُهُمْ دُمُوعٌ، بأَرْضٍ عَالِمُها مُلْجَمٌ، وَجَاهِلُها مُكْرَمٌ ))
. نهج البلاغة الخطبة الثانية .

وقال عليه السلام في خطبة له عليه السلام فيها يصف العرب قبل البعثة :
(( إِنَّ اللهَ سُبحانَه بَعَثَ مُحَمَّداً نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ العَرَبِ عَلَى شَرِّ دِينٍ، وَفِي شَرِّ دَارٍ، مُنِيخُونَ (1) بَيْنَ حِجارَةٍ خُشْنٍ (2) وَحَيَّاتٍ صُمٍّ (3) تشْرَبُونَ الكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الجَشِبَ (4) وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ ، الأصنام فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ ، والآثام بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ )) نهج البلاغة الخطبة 26 .
____________
1. مُنِيخُون: مُقيمون. ، 2 . الخُشْن: جمع خَشْنَاء من الخشونة. ، 3 . وصف الحيّات «بالصّمّ» لاَنها أخبثها إذ لا تنزجر بالاَصوات كأنها لا تسمع. ، 4. الجَشِب: الطعام الغليظ أوما يكون منه بغير أدم.



ومن خطبة له عليه السلام
[ في الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم وبلاغ الإمام عنه] :
(( أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ (1)مِنَ الرُّسُلِ، وَطُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الاَُْمَمِ ، وَاعْتِزَامٍ (2) مِنَ الْفِتَنِ ، وَانْتَشَارٍ مِنَ الاَُْمُورِ، وَتَلَظٍّ (3) مِنَ الْحُرُوبِ، والدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا ، وَإِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَاغْوِرَارٍ (4) مِنْ مَائِهَا ، قَدْ دَرَسَتْ أعْلامُ الْهُدَى، وَظَهَرَتْ أَعْلاَمُ الرِّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ (5) لاََِهْلِهَا ، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ (6) وَطَعَامُهَا الْجِيفَةُ (7) وَشِعَارُهَا (8) الْخَوْفُ، وَدِثَارُهَا (9) السَّيْفُ.
فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللهِ، وَاذْكُرُوا تِيكَ الَّتي آبَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ(10) وَعَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ . وَلَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَلاَ بِهِمُ الْعُهُودُ، وَلاَ خَلَتْ فِيَما بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم الاََحْقَابُ (11) وَالْقُرُونُ ، وَمَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلاَبِهِمْ بِبَعِيدٍ ))
. نهج البلاغة الخطبة السادسة والعشرون ص [89]
____________
1. الفَتْرة: ما بين زماني الرسالة. ،2 . اعتزام، من قولهم: «اعتزم الفرس» إذا مرّ جامحاً. ، 3 . تَلَظٍّ: أي تَلَهّب. ، 4. اغْوِرار الماء: ذهابه. ، 5 . متجهّمة، من «تجهمه»: أي استقبله بوجه كريه. ، 6 . ثَمَرُها الفتنة: أي ليست لها نتيجة سوى الفتن. ، 7 . الجيفة: إشارة إلى أكل العرب للميتة من شدة الاضطرار. ، 8 . الشّعار من الثياب: ما يلي البدن. ،9 . الدّثار: فوق الشّعار. ، 10. مُرْتَهَنُون: أي محبوسون على عواقبها في الدنيا من الذل والضعف. ، 11. الاَحْقَاب: جمع حُقب ـ بالضم وبضمتين ـ قيل: ثمانون سنة، وقيل أكثر، وقيل: هو
الدهر.

 



إلى الأعلى





الفصل الخامس :فاطمة الزهراء عليها السلام تبين حال الناس قبل البعثة وبعدها :

قالت بضعة المصطفى سيدة نساء أهل الجنة فاطمة الزهراء بنت النبي عليها السلام في خطبة لها في مسألة غصب فدك : (( … واشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمّن القلوب موصولها ، وأنار في التفكير معقولها .
الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ، ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثالها ، كونها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلا تثبيتاً لحكته ، وتنبيهاً على طاعته ، وإظهار لقدرته ، وتعبداً لبريته ، وإعزازاً لدعوته ، ثمّ جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ، ذيادة لعباده عن نقمته ، وحياشة إلى جنته .


وأشهد أنّ أبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبده ورسوله ، أختاره وانتجبه قبيل أن أرسله ، وسماه قبل أن اجتبله ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونه ، علما من الله بمآل الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ، ومعرفة بعواقب الأمور .
ا
بتعثه الله تعالى ، إتمام لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذاً لمقادير حتمه ، فرأى الأمم فرقاً في أديانها ، وعكفاً على نيرانها ، عبادة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فأنار الله بابي محمد صلى الله عليه وآله ظلمها ، وكشف عن القلوب بهمها ، وجلى عن الأبصار غممها ، وقام في الناس بالهداية ، وأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى السراط المستقيم )) الاحتجاج 1: 145 ، وذكر في الغدير 7 : 192 بعض مصادرها .

وفي الحقيقة هذه الخطبة الصادرة من بضعة المصطفي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيها فلسفة وحكمة خلق الخلق وبعثة الأنبياء وأسبابهما ، والمتدبر في ما ذكرنا يفهم غاية الخلق والغرض من وجود الإنسان وتكليفه وبعث الأنبياء ، وبالخصوص المتابع لباقي الخطبة في خواص العبادات وحال المسلمين قبل وأثناء البعثة وبعدها يفهم المرام ، ومن يريد المزيد عليه المراجعة للخطبة في الاحتجاج والغدير وفي الكتب المكتوبة في فدك وحياة الزهراء عليها السلام .

وقد ذكرنا في بحث النبوة العامة أسباب ختم النبوة بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وذكرنا ، إذا تم استعداد البشر لتلقي أعلى ما يمكنهم من التعاليم الربانية ووجد من يحافظ عليها على طول الزمان المتبقي من الدنيا ، يختم الله النبوة وإنزال تعاليم جديده فراجعه إن أحببت أن تعرف التفصيل ، وبهذا المقدار نختم بحث ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وأله وسلم ، وندخل البحث الثاني .



إلى الأعلى





المحتاج لشفاعة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري




إلى الأعلى