بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

الأصل الثالث للدين :
النبوة الخاصة
صحيفة افضل الأنبياء وأشرفهم
نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم

الباب الثاني :
شواهد الصدق على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
( وجوده الكريم وسيرته المباركة )

تمهيد : بحوث هذا الباب :
الفصل الأول : احتياج مجتمع نبينا وجميع المجتمعات لمن يهديهم بعد أن ضلوا :
الفصل الثاني : وجود الكمال التام في الصفات الذاتية للنبي الكريم :
وفيه بحوث ثلاثة :
الأول : نوره في العالم الغيب والشهادة :
الثاني : نسبه وتاريخ ولادته صلى الله عليه وعلى آله :
الثالث : الأمور الحادثة في يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم :
باقي فصول هذا الباب في الصفحات التالية :



إلى الأعلى




الباب الثاني :
شواهد الصدق على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
( وجوده الكريم وسيرته المباركة )

ذكرنا في بحث النبوة العامة أن من أهم الأصول التي يبحث فيها بعد ضرورة بعث النبي ، هو البحث في الأمور الشاهدة والمصدقة لدعوة كل نبي من الأنبياء ، وذكرنا أمور إذا توفرت في شخص يجب التصديق بنبوته .
ونبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم في الحقيقة إنها من الأمور المسلمة لكل منصف من ذوي العقول ، ولكل من يريد أن يصل لحقيقة أن تعاليم الله تعالى الحقيقية ، فإنه لا يجدها في دين من الأديان لا الوضعية ولا من تدعي أنها من الله من غير تحرف إلا أن يجدها محصورة في الشريعة المحمدية ، ويعتقد بأن الله لا يقبل غير الإسلام ديناً لشواهد تحفه لا تتوفر في أي دين سابق عليه ، وإن رسالته صلى الله عليه وآله وسلم خاتمة للتشريع الإلهي لتخصصها بالمحافظين عليها باللفظ والمعنى .
ومن باب قل ربي زدني علماً ، ولطلب المعرفة عن حبيب الله والمؤمنين وخواص دعوة وشواهد نبوته صلى الله عليه وآله وسلم ، ولنعرف شيء عن الصفات الذاتية والخلقية ومعجزاته وكثير من الأمور التي يجب أن نقتدي بها ونتعلمها ندخل في هذا البحث المبارك ، فنذكر أهم الأمور التي تبحث في هذا المطلب ، جاعلين ذلك في فصول فيها بحوث ونسأل الله الصواب :



إلى الأعلى





الفصل الأول : احتياج مجتمع نبينا وجميع المجتمعات لمن يهديهم بعد أن ضلوا :
أقول ذكرنا في البحث الأول ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله من الشواهد التي تصدق البحث السابق وتبين ما يجب أن يقال في هذا البحث وتشير إليه من قريب لتداخل البحثين وقرب جهتهما .
ويكفك التدبر في سورة الجمعة وأقوال الإمام علي عليه السلام وبضعة النبي فاطمة الزهراء عليها السلام ، تعرف حال المجتمعات التي كانت تسود ذلك العصر الذي عمه الجهل والأمية وحرفت جميع الأديان ولم يبقى من تعاليم الله تعالى شيء يعتد به للتقرب لله أو للتعامل البشري المنصف ، وفقدت قبل زمان بعثته صلى الله عليه وآله وسلم كل القيم الإنسانية ، حتى جاء النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فجمعهم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ونصر الله دعوة حتى عمت أهم أقطار الأرض بعد فترة وجيزة وتمت حجت الله تعالى على جميع البشر .
هذا ولم يأتي نبي بعده صلاة الله عليه وآله من يدعي للنبوة وعنده شاهد صدق على دعوته ، ولا من حجة ودليل وبرهان يدعم مقولته ، حتى عرف بين البشر جميعهم بعد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجد نبي صادق ، وكل مدعي للنبوة بعده كاذب .
فلذا بختم النبوة كانت تعاليم الإسلام تسع البشرية كلها وفي جميع شؤونها وفي جميع الأزمنة والعصور .
ولما عرفنا بعض الشيء عن حال زمانه وضرورة بعثته عليه السلام نشير إلى عالمية الإسلام وفق أي القرآن حيث يصدق بها كل متتبع لتاريخ البشر الديني والمدين ويقيسها لتعاليم الإسلام ، حيث جاء الإسلام للناس كافة رحمة لهم ويرفع عنهم الأصر والأغلال ويهديهم السراط المستقيم ولحقيقة عبودية الله ويوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة :
قال الله تعالى :
(( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا )) الأعراف 158 .
وقال سبحانه :
(( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ )) سبأ 28 .
وقال عز وجل :
(( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )) الأنبياء 107 .
وقال الله تعالى :
(( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) الأعراف 157 .
قال تعالى :
(( بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )) النحل 44 .
وقال سبحانه :
(( وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) النحل 64 .
وقال عزّ وجلّ :
(( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ )) النحل 89 .



إلى الأعلى



الفصل الثاني :
وجود الكمال التام في صفاته الشخصية :

بعد أن عرفنا ضرورة بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفق الهداية التكوينية والتشريعية وغرض الخلقة من جانب واحتياج الإنسانية إليه في عصرة وبعده لرفع الاختلاف الحاصل بين الأديان وتكميل التعاليم الإلهية وفق أخر استعداد للبشر .
حان الآن أن نذكر بعض المواصفات الشخصية له صلى الله عليه وآله وسلم ، والتي تبين وتعرفنا به نسباً وأخلاقاً وصدقاً ، ولتكون حاكية لشيء من تاريخ حياته وتكون شاهد صدق لدعوته وتأييد لرسالته ، حيث كلها تبين طهارته وطيبه في نفسه وفي وتصرفاته وسيره وسلوكه ، وتبين أحواله التي لا توجد إلا في نبي مختار من قبل الله تعالى قد اصطفاه من بين جميع البشر لتبليغ رسالته وتعاليمه ومعارفه التي لا يمكن أن تنزل إلى على طيب طاهر صادق أمين مختار من رب العالمين ، وتجمع هذه الخواص والمواصفات في نبي الرحمة وخاتم الأنبياء وسيد الرسل ونبينه في بحوث في صفاته الذاتية ، إن لنبينا الأكرم وآله صفات تخصهم لا توجد لغيرهم من أبناء البشر فلذا نذكر :

أولا : نوره في مراتبه الثلاثة في عالم الغيب وتقلبه في أصلاب آبائه وفي وجوده .
ثانياً نذكر نسبه وولادته عليه السلام .
ثالثاً نذكر الأحداث الحاصلة حين ولادته .
فهاهنا أحوال وأدوار في حياته الكريمة قبل نشأته وبعثة تؤيد دعوته وشاهد على نبوته ، كما سنفرد فصل في نشأته حتى بعثته ، وكذلك صفاته الخُلُقية فنبحثها في فصل مستقل :

ففي هذا الفصل بحوث ثلاثة :



إلى الأعلى




البحث الأول : نوره في العالم الغيب والشهادة :
لنبينا الأكرم وآله الطاهرين نسب علوي غيبي في الخلق الأول تؤيد جوده جمع من آي القرآن مثل آيات الذر والميثاق والعهد المأخوذ على الأنبياء و نون والقلم والنور ، كما تفصلها أحاديث كثيرة وتحكي عنها ، وذلك كأحاديث العقل الأول والنور والاصطفاء وغيرها الكثير وسوف نتحدث عنها في مقال مستقل إن ساعدنا التوفيق .
وأما النسب الدنيوي فهو أشرف نسب في الوجود حيث كان نور يتنقل في أصلاب الأنبياء وأوصيائهم من آدم إلى والد النبي ولآله الطيبين الطاهرين ، ولم يوجد في الدنيا نسب اعتنى الناس في نقله وحفظه والتحدث عنه مثل نسب نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وإن كان فخر أجداده به لا فخره بأجداده ، ولكن لأجداده من شيم الأخلاق وعظم المنزلة والتاريخ المشرف ما تناقلته الناس كقصص يعتني بها كل من أراد أن يتوغل في تاريخ الأنساب ويتبحر في علم شرف الأصلاب .

ولنوره المتنقل في صلب أجداده حكايات أخرى عرفها المتفرسون ، وذكرها العارفون لأجداده أن في صلبكم نبي آخر الزمان وسيد الأنبياء من قبل تولده في سنوات كثيرة ، وهذه الحوادث والتي قبلها يحتاج لها كتيب أو كتاب ولا يسعها مختصرنا هذا وسوف نجمعه مع ما قبله إن شاء الله في فرصة أخرى ، ولما ما لا يدرك جله لا يترك كله نذكر بعض الآيات والروايات الحاكية عن نوره في الميثاق وتقلبه في الأصلاب الطاهرة ، لتكون مقدمة للبحث في سيرة نسبه وحكاية تولده صلى الله عليه وآله وسلم فنقول والله المستعان :
قال الله تعالى :
(( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ )) الأعراف 81 .
وقال عز وجل :
(( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا )) الأحزاب 7،8 .
قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى :
( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ) :
أي واذكر يا محمد حين أخذ الله الميثاق من النبيين خصوصا بأن يصدق بعضهم بعضا ، ويتبع
بعضهم بعضا .


وقيل : أخذ ميثاقهم على أن يعبدوا الله ويدعوا إلى عبادة الله ، وأن يصدق بعضهم بعضا ، وأن ينصحوا لقومهم
( ومنك ) يا محمد ، وإنما قدمه لفضله وشرفه ( ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ) خص هؤلاء لأنهم أصحاب الشرائع ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) أي عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا من أعباء الرسالة ، وتبليغ الشرائع .
وقيل : على أن يعلنوا أن محمدا رسول الله ، ويعلن محمد أن لا نبي بعده
( ليسأل الصادقين عن صدقهم ) قيل : معناه : إنما فعل ذلك ليسأل الأنبياء والمرسلين ما الذي جاءت به أممكم . مجمع البيان 8 : 339 .
ومثله يشهد لأخذ الميثاق من النبي في العالم العلوي للتبشير بالنبي الآتي بعده وبالخصوص خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقال تعالى :
(( وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ )) آل عمران 81 .
ولمعرفة تقلبه في الأصلاب والأرحام الطاهرة قال تعالى :
(( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ )) الشعراء 227ـ228 .
عن أبي جعفر عليه السلام قال : ((
( الذي يراك حين تقوم ) في النبوة ( وتقلبك في الساجدين ) قال : في أصلاب النبيين )) ، تفسير القمى : 474 .

ومثله جاء في كنز جامع الفوائد عن أبي الجارود قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن
قوله عز وجل :
( وتقلبك في الساجدين ) قال عليه السلام :(( يرى تقلبه في أصلاب النبيين من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم عليه السلام )) .

عن أنس قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : (( كنت أنا وعلي عن يمين العرش ، نسبح الله قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، فلما خلق آدم جعلنا في صلبه ، ثم نقلنا من صلب إلى صلب في أصلاب الطاهرون وأرحام المطهرات حتى انتهينا إلى صلب عبد المطلب ، فقسمنا قسمين : فجعل في عبد الله نصفا ، وفي أبي طالب نصفا ، وجعل النبوة والرسالة في ، وجعل الوصية والقضية في علي ، ثم اختار لنا اسمين اشتقهما من أسمائه : فالله المحمود وأنا محمد ، والله العلي وهذا علي ، فأنا للنبوة الرسالة ، وعلي للوصية والقضية)) أمالي ابن الشيخ : 115 .
وعن أمير المؤمنين عليهم السلام قال : (( قال النبي صلى الله عليه وآله : يا علي خلقني الله تعالى وأنت من نور الله حين خلق آدم ، فأفرغ ذلك النور في صلبه ، فأفضى به إلى عبد المطلب ، ثم افترق من عبد المطلب أنا في عبد الله ، وأنت في أبي طالب ، لا تصلح النبوة إلا لي ، ولا تصلح الوصية إلا لك ، فمن جحد وصيتك جحد نبوتي ، ومن جحد نبوتي كبه الله على منخريه في النار )) أمالي ابن الشيخ : 185 .
بإسناده عن أنس بن مالك قال : قلت للنبي صلى الله عليه وآله : (( يا رسول الله علي أخوك ؟ قال : نعم علي أخي ، قلت : يا رسول الله صف لي كيف علي أخوك ؟ قال : إن الله عز وجل خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام ، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن خلق آدم ، فلما خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم ، إلى أن قبضه الله ، ثم نقله إلى صلب شيث .
فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في عبد المطلب ، ثم شقه الله عز وجل نصفين : فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب ، ونصفه في أبي طالب ، فأنا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر فعلي أخي في الدنيا والآخرة . ثم قرأ رسوله صلى الله عليه وآله : ( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ) ))
. أمالي ابن الشيخ : 197 و 198 .

عن أبي عبد الله عليه السلام قال : (( إن بعض قريش قال لرسول الله صلى الله عليه وآله :
بأي شئ سبقت الأنبياء وفضلت عليهم وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟
قال : إني كنت أول من أقر بربي جل جلاله ، وأول من أجاب ، حيث أخذ الله ميثاق النبيين ، وأشهدهم على أنفسهم :
ألست بربكم ؟ قالوا : بلى ، فكنت أول نبي قال ( بلى ) فسبقتهم إلى الإقرار بالله عز وجل )) معاني الأخبار : 52 و 53 .
وحكيت كثير من القصص في نوره وتقلبه في الأصلاب ومعرفة أهل العلم والرهبان عن معرفة نوره في صلب أجداده يطول المقام بذكرها ونكتفي بهذا على أن نعود معكم بنقل تفاصيلها في المستقبل إن شاء الله تعالى .



إلى الأعلى




البحث الثاني : نسبه وتاريخ ولادته صلى الله عليه وعلى آله :
هو سيد البشر : محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هشام بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن مرة بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن بن خزيمة مدرك بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان ، وهم سادات العرب وقريش وجدهم الكبير هو أبو الأنبياء إبراهيم خليل الرحمان من ابنه نبيي الله إسماعيل المفدى من الذبح كما أن بني إسرائيل من ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم أخو إسماعيل الأصغر .
والإيمان الحق بنسبه الطاهر : هو أن نؤمن بان كل أجداده نبينا الأكرم وجداته إلى أدم علهم السلام مؤمنون بالله ولم يقع نوره لا في صلب مشرك ولا رحم مشرك ، والأحاديث من الخاصة والعامة كثيرة تشير إلى ذلك ، كما أنهم كانوا كلهم من الصديقين إما أنبياء وإما أوصياء أنبياء وكانوا على شريعة إبراهيم إلى أن وصل الأمر إلى عبد المطلب فجعل أبا طالب وصيه وسلم ودائع النبوة وآثارها إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم .
مولد النبي الأكرم : ولد كما عرفة في أسرة بني هاشم وهم سادات قريش وبيتهم أصيل في العروبة مشهور بالكرم والسخاء والعفاف والستر ولا يدانيهم أحد في الشرف .

و المشهور بيننا أنه ولد النبي الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة المكرمة عند طلوع الفجر من يوم الجمعة في اليوم السابع عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل ـ الذي جاءوا به لتخريب الكعبة المكرمة فأهلكم الله بحجارة من سجيل ـ سنة 570 لميلاد المسيح .
وقيل ولد صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول وعلى هذا القول بعض أهل السنة والبعض من الشيعة .
وجعل المؤمنون الحقيقيون هذا الاختلاف في يوم إشعاع نوره المعظم أيام وحدة وأسبوع التوحيد وجمع الشمل بين المسلمين سنة وشيعة ، ليجتمعوا في مثل هذه الأيام ويعقدوا مؤتمرات وندوات وجلسات يتباحثون فيها في الأمور التي تقدم الدين وتدعوا لوحدة المسلمين وقوتهم واجتماع كلمتهم أمام الأحقاد الاستعمارية والصهيونية التي تدعوا لتفرق المسلمين وتشتيت كلمتهم .
وللوقوف أمام عملائهم الذين يروجون للتفرقة والتباغض والتباعد بين طوائف المسلمين ، فتجعل الاحتفالات في مناسبة مولده الشريف أيام فرح للتقارب بين جميع المسلمين الطيبين ،
وللوصول لمعرفة حقائق الدين والبحث عن ما تهدف إليه تعاليم رب العالمين ، وللأخذ بما جاء به سيد المرسلين من الحق بالدليل والبرهان واليقين ، ورحم الله من قال آمين .



إلى الأعلى




البحث الثالث : الأمور الحادثة في يوم ولادته صلى الله عليه وآله وسلم :
وقعت حوادث كثيرة تبشر بميلاد نبي الرحمة وخاتم المرسلين وسيد البشر من الأولين والآخرين حبيب رب العالمين المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا يسع هذا المختصر بسردها كلها ، ولذا نشير إلى قسم منها .
روى في البحار عن إكمال الدين والأمالي مسنداً عن أبي طالب حدث أبيه عبد المطلب قال : بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ، فأتيت كاهنة قريش وعلي مطرف خز ، وجمتي تضرب منكبي ، فلما نظرت إلي عرفت في وجهي التغير فاستوت وأنا يومئذ سيد قومي .
فقالت : ما شأن سيد العرب متغير اللون ؟ هل رابه من حدثنان الدهر ريب ؟

فقلت لها : بلى إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر ، كأن شجرة قد نبتت على ظهري قد نال رأسها السماء ، وضربت بأغصانها الشرق والغرب ، ورأيت نورا يزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفا ، ورأيت العرب والعجم ساجدة لها ، وهي كل يوم تزاد عظما ونورا ، ورأيت رهطا من قريش يريدون قطعها ، فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها ، وأنظفهم ثيابا ، فيأخذهم ويكسر ظهورهم ، ويقلع أعينهم ، فرفعت يدي لا
تناول غصنا من أغصانها ، فصاح في الشاب وقال : مهلا ليس لك منها نصيب .

فقلت : لمن النصيب الشجرة مني ؟ فقال : النصيب لهؤلاء الذين قد تعلقوا بها وسيعود إليها ، فانتبهت مذعورا فزعا متغير اللون .
فرأيت لون الكاهنة قد تغير .
ثم قالت : لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب ، وينبأ في الناس ،
فتسرى عني غمي ،
فانظر أبا طالب لعلك تكون أنت ، وكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث والنبي صلى الله عليه واله قد خرج ، ويقول : كانت الشجرة والله أبا القاسم الأمين.
كمال الدين : 103 ، الأمالي : 158 ، البحار 15 : 254.

وفي الأمالي روي في سنده عن أبي عبد الله الصادق صلى الله عليه وآله قال : كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع ، فلما ولد عيسى عليه السلام حجب عن ثلاث سماوات ، وكان يخترق أربع سماوات ، فلما ولد رسول الله صلى الله عليه واله حجب عن السبع كلها ، ورميت الشياطين بالنجوم ، وقالت قريش : هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع أهل الكتب يذكرونه .
وقال عمرو بن أمية : وكان من أزجر أهل الجاهلية : انظروا هذه النجوم التي يهتدي بها ، ويعرف بها أزمان الشتاء والصيف ، فإن كان رمي بها فهو هلاك كل شئ ، وإن كانت ثبتت ورمي بغيرها فهو أمر حدث ، وأصبحت الأصنام كلها صبيحة ولد النبي صلى الله عليه واله ليس منها صنم إلا وهو منكب على وجهه .
وارتج في تلك الليلة أيوان كسرى ، وسقطت منه أربعة عشر شرفة ، وغاضت بحيرة ساوة ، وفاض وادي السماوة ، وخمدت نيران فارس ، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا ، قد قطعت دجلة ، وانسربت في بلادهم ، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه ، وانخرقت عليه دجلة العوراء ، وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطار حتى بلغ المشرق ، ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا ، والملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك وانتزع علم الكهنة ، وبطل سحر السحرة ، ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن صاحبها ، وعظمت قريش في العرب ، وسموا آل الله عز وجل .
قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : إنما سموا آل الله لأنهم في بيت الله الحرام .
وقالت آمنة أم النبي الأكرم :
إن بني والله سقط فاتقى الأرض بيده ، ثم رفع رأسه إلى السماء فنظر إليها ، ثم خرج مني نور أضاء له كل شئ ، وسمعت في الضوء قائلا يقول : إنك قد ولدت سيد
الناس فسميه محمدا ، وأتي به عبد المطلب لينظر إليه وقد بلغه ما قالت أمه ، فأخذه فوضعه
في حجره
ثم قال :
الحمد لله الذي أعطاني ، هذا الغلام الطيب الأردن ، قد ساد في المهد على الغلمان .
ثم عوذه بأركان الكعبة ، وقال فيه أشعارا .


قال :
وصاح إبليس لعنه الله في أبالسته فاجتمعوا إليه ، فقالوا : ما الذي أفزعك يا سيدنا ؟ فقال لهم : ويلكم لقد أنكرت السماء والأرض منذ الليلة ، لقد حدث في الأرض حدث عظيم ما حدث مثله منذ رفع عيسى بن مريم عليه السلام ، فاخرجوا وانظروا ما هذا الحدث الذي قد حدث ، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه فقالوا : ما وجدنا شيئا ، فقال إبليس لعنه الله : أنا لهذا الأمر ، ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى إلى الحرم فوجد الحرم محفوظا بالملائكة .
فذهب ليدخل فصاحوا به ، فرجع ثم صار مثل الصر وهو العصفور فدخل من قبل حرى
، فقال له جبرائيل : ورأك لعنك الله ، فقال له : حرف أسألك عنه يا جبرائيل ، ما هذا الحديث الذي حدث منذ الليلة في الأرض ؟
فقال له : ولد محمد صلى الله عليه واله .
فقال له : هل لي فيه نصيب ؟ قال : لا ، قال : ففي أمته ؟ قال : نعم ، قال : رضيت ))
الأمالي : 171 و 172 .
في هذا الباب أخبار كثيرة من أراد المزيد عليه بمراجعة البحار وكتب السيرة يطلع على كثير من الأحداث المبشرة بعظمة تولد نبي الرحمة والمؤيدة لحجة الله المبالغة لتعاليمه في المستقبل ولتكون دليل على أن له نبأ عظيم وهي كمعجزات مقدمة لتأييد دعوة النبي الأكرم خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .


يتبع في الصفحات التالية للباب الثاني : ـ
شواهد الصدق على دعوة النبي الأكرم ـ فصول :
الفصل الثالث : الكمال التام في الظروف التي أحاطت بنشأته وصباه حتى بعته صلى الله عليه وآله :
الفصل الرابع : تبشير الأنبياء السابقين على بعثته المباركة :
الفصل الخامس : بعثه المباركة :
الفصل السادس : ظهور المعجزات على يديه :
الفصل السابع : كون النبي أفضل الناس أخلاقا :
الفصل الثامن : علو الهمة في تبليغ دعوة :



إلى الأعلى




الراجي لرحمة ربه وشفاعة نبيه
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري



إلى الأعلى