هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
 صحيفة فاطمة الزهراء عليها السلام
الجزء الأول : نور حياتها في الملكوت والأرض
الباب الثاني
نور مولد الزهراء في الملكوت
والأرض وهجرتها إلى المدينة

النور الأول

نور مولد فاطمة الزهراء وطينتها في ملكوت السماء

الإشراق الأول

كلام في معنى النور في الملكوت

الله عز وجل : نور وهو نور السماوات والأرض وما بينهن ، وبظهور نور أسماءه الحسنى ظهر نور كل نور لكل شيء في الوجود ، وحصل على مدده وهداه ومكانته ومرتبة في التكوين وبما يستحقه بحسب منزلته وشأنه في الوجود .

 ومعنى النور : في معارف الدين الإسلامي هو مساوي لكلمة الوجود في الفلسفة وعند الحكماء ، وفي الإسلام معنى النور معنى راقي وله معرفة كريمة قد لا تجدها في معارف العرفاء فضلا عن الحكماء والفلاسفة ، لأنه كما يُعرف معنى الوجود والعلية والمعلولية وخلقها وتكوينها وأصلاها النوراني بالنور الأول وعلة العلل سبحانه وتعالى ، فإنه يعرف معنى روحاني فيه معنوية يتوق للتحقق بها وتحصيل مددها كل مؤمن طيب قد تنور قلبه بمعارف آداب الدين وهداه القويم .

ويا طيب : قد كتبنا بحث مفصل في عدة أجزاء من صحيفة الإمام الحسين عليه السلام من موسوعة صحف الطيبين في معنى النور ومعارفه ، فإن أحببت المزيد فراجعه ، وتجد ملخص معنى معارف النور في الباب الثالث من الجزء الأول ، وتفصيلة في الباب الرابع وما بعده لأخر أجزاء صحيفة الإمام الحسين عليه السلام ، وقد وضعنا الجزء الأول منه في موقع موسوعة صحف الطيبين على الانترنيت وسنضع الأجزاء الباقية في المستقبل إن شاء الله وهو ولي التوفيق .

وأما هنا : في هذا الباب نذكر معرفة مبسطة ومختصرة تعرفنا شأن فاطمة الزهراء عليها السلام ، ونورها في الملكوت وطينتها التي خلقت منها وبعض المعارف المختصة بيوم مولدها ، كما سنبحث مولدها في الأرض وشأنها الكريم في يوم تولدها وقبله ، ويأتي بحثا آخرا في النور في باب مرتبة زواجها في الملكوت وكزواجها في الأرض ، ويأتي بحث في باب آخر يعرفنا نورها في ملكوت الجنة وشيء كريم من نورها ومقامها الرفيع فيها بل ومقام محبيها فيها .

 فتابع يا طيب : البحث تعرف شمة كريمة طيبة من معنى النور الذي هو حقيقة وجود كل شيء ، والذي يكون وجود كل شيء ، مع العلم إن النور في كل الكائنات وهداها كان أصله الله وتجليه في خلقه الأشرف فالأشرف ، والأكمل فلأدنى ، وهو العلة الأولى ومنه وجود كل نور ومدده لكل كائن علة أو معلول في أي مرتبة وشأن عالي أو داني وإلى يوم القيامة وملكوتها وبعده .

وإنه يا طيب : لا نور وحقيقة ووجودية لشيء دون مدد الله سبحانه لها ، وكل شيء له نصيبه من مدده النوراني وحسب شأنه ، ولتعرف مدد النور لكل شيء من تجلي أسماء الله الحسنى وحقيقتها في الوجود راجع شرح الأسماء الحسنى من موسوعة صحف الطيبين ، لتعرف كيف يحصل كل شيء على حقه من النور حسب شأنه وتوجهه لاستقبال نور الله والظهور به بحسب الجهة للاسم الحسن الإلهي وتعرف كيف تقتبس نوره من مصدره التكويني لأفضل متحقق به .

كما يا أخي : إنه لا يمكن لإنكار الحقيقة النورانية للوجود مع وجود أكثر من أربعين آية في كتاب الله المجيد تبين نور الله ونور خلقه في الوجود ، سواء تكوين النور وخلقه ووجوده ، أو هداية ومدده ومحله وكيف يُقتبس ، وهذه أحاديث شريف تعرفنا بعض الشأن الكريم لشرح تنزل النور ومراتبه وخلقه وتحققه ومدده بالنسبة للصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام ، ونسأل الله أن يمنحنا الإيمان بها حتى نؤمن بما أنزل الله ، فنتحقق به فنكون مع أهل النور ولا يحرمنا نوره بسبب إنكار بعض من تعاليمه في كتابه المجيد وفي سنة نبيه وفي التكوين، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

الإشراق الثاني

نور فاطمة الزهراء في الملكوت

 

الحديث الأول : الأنوار الأول ونور فاطمة :

عَنْ مُرَازِمٍ عَنْ الإمام أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصادق عليه السلام قَالَ :

 قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى :

يَا مُحَمَّدُ : إِنِّي خَلَقْتُكَ وَ عَلِيّاً نُوراً يَعْنِي رُوحاً بِلَا بَدَنٍ ، قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ سَمَاوَاتِي وَ أَرْضِي وَ عَرْشِي وَ بَحْرِي ، فَلَمْ تَزَلْ تُهَلِّلُنِي وَ تُمَجِّدُنِي .

 ثُمَّ جَمَعْتُ رُوحَيْكُمَا : فَجَعَلْتُهُمَا وَاحِدَةً فَكَانَتْ تُمَجِّدُنِي وَ تُقَدِّسُنِي وَ تُهَلِّلُنِي ، ثُمَّ قَسَمْتُهَا ثِنْتَيْنِ ، وَ قَسَمْتُ الثِّنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةً ، مُحَمَّدٌ وَاحِدٌ ، وَ عَلِيٌّ وَاحِدٌ ، وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ثِنْتَانِ ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ فَاطِمَةَ مِنْ نُورٍ ابْتَدَأَهَا رُوحاً بِلَا بَدَنٍ ، ثُمَّ مَسَحَنَا بِيَمِينِهِ فَأَفْضَى نُورَهُ فِينَا[1] .

يا طيب : هناك مراتب أعلى في النور لم نذكرها وبدنا من النورين ، إن أحببت المزيد راجع صحيفة الإمام الحسين عليه السلام

 الحديث الثاني : الأنوار الأولى تعلم التسبيح لما بعدها من الخلق :

وعن بن عمير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال :

سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول :

 إن الله خلقني ، و خلق عليا ، و فاطمة ، و الحسن و الحسين و الأئمة من نور ، فعصر ذلك النور عصرة فخرج منه شيعتنا .

 فسبحنا فسبحوا ، و قدسنا فقدسوا ، و هللنا فهللوا ، و مجدنا فمجدوا ، و وحدنا فوحدوا .

ثم خلق الله : السماوات و الأرضين ، و خلق الملائكة فمكثت الملائكة مائة عام لا تعرف تسبيحا و لا تقديسا و لا تمجيدا ، فسبحنا فسبحت شيعتنا فسبحت الملائكة لتسبيحنا ، و قدسنا فقدست شيعتنا فقدست الملائكة لتقديسنا ، و مجدنا و مجدت شيعتنا فمجدت الملائكة لتمجيدنا ، و وحدنا فوحدت شيعتنا فوحدت الملائكة لتوحيدنا ، و كانت الملائكة لا تعرف تسبيحا و لا تقديسا من قبل تسبيحنا و تسبيح شيعتنا .

 فنحن الموحدون : حين لا موحد غيرنا ، و حقيق على الله تعالى كما اختصنا و اختص شيعتنا ، أن ينزلنا في أعلى عليين ، إن الله سبحانه و تعالى اصطفانا و اصطفى شيعتنا من قبل أن تكون أجساما ، فدعانا و أجبنا فغفر لنا و لشيعتنا من قبل أن نسبق أن نستغفر الله [2].

 

الحديث الثالث : عظمة نور شيعة الخلق الأول فكيف هم :

وعن الإمام أبا عبد الله عليه السلام قال :

 إن الكروبيين : قوم من شيعتنا من الخلق الأول ، جعلهم الله خلف العرش ، لو قسم نور واحد منهم على أهل الأرض لكفاهم ، ثم قال : إن موسى لما سأل ربه ما سأل أمر واحدا من الكروبيين فتجلى للجبل فجعله دكا [3].

الأحاديث أعلاه : أحاديث شريف تبني شأن النبي وآله وشيعتهم من خلقه الله في عالم التكوين الأول ، وتعرفنا غرض خلقهم من التسبيح والتقديس لله سبحانه وتعالى بإظهار كماله والخضوع له ، وإنهم هنا أيضا بنفس هذا المقام هم الموحدون لله وحده لا شريك له ، وإن من خالفهم خالف عبودية الله وعدم معرفته ولا معرفة المكرمين عنده وأولياؤه الصادقين المصدقين .

ويا طيب : هذه أحاديث أخرى تبين نوع تنزل النور في مراتب الوجود ، ونظرها لبيان تنزل مراتب الوجود فضلا عن بيان مقام الأنوار الأولى المخلوقة .

 

الحديث الرابع : تفصيل فتق نور الكائنات من الخلق الأول :

ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله في كتابه مصباح الأنوار قال : في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمه العباس بمشهد من القرابة و الصحابة ، روى أنس بن مالك قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأيام صلاة الفجر ، ثم أقبل علينا بوجهه الكريم ، فقلت له :

يا رسول الله : إن رأيت أن تفسر لنا قوله تعالى : فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً .

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : أما النبيون فأنا ، و أما الصديقون فأخي علي ، و أما الشهداء فعمي حمزة ، و أما الصالحون فابنتي فاطمة و أولادها الحسن و الحسين .

قال : و كان العباس حاضرا فوثب و جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، و قال : أ لسنا أنا و أنت و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من نبعة واحدة . قال : و ما ذاك يا عم ؟

قال : لأنك تعرف بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين دوننا .

قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم و قال : أما قولك يا عم أ لسنا من نبعة واحدة فصدقت ، و لكن يا عم :

إن الله خلقني : و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق الله آدم ، حين لا سماء مبنية و لا أرض مدحية ، و لا ظلمة و لا نور ، و لا شمس و لا قمر ، و لا جنة و لا نار .

فقال العباس : فكيف كان بدأ خلقكم يا رسول الله ؟

فقال يا عم : لما أراد الله أن يخلقنا تكلم كلمة خلق منها نورا .

ثم تكلم كلمة أخرى فخلق منها روحا .

ثم مزج النور بالروح فخلقني و خلق عليا و فاطمة و الحسن و الحسين . فكنا نسبحه حين لا تسبيح ، و نقدسه حين لا تقديس .

 فلما أراد الله تعالى : أن ينشئ الصنعة :

 فتق نوري : فخلق منه العرش  ، فالعرش من نوري و نوري من نور الله ، و نوري أفضل من العرش .  ثم فتق نور أخي علي : فخلق منه الملائكة ، فالملائكة من نور علي و نور علي من نور الله و علي أفضل من الملائكة .

ثم فتق نور ابنتي فاطمة : فخلق منه السماوات و الأرض ، فالسماوات و الأرض من نور ابنتي فاطمة ، و نور ابنتي فاطمة من نور الله و ابنتي فاطمة أفضل من السماوات و الأرض .

 ثم فتق نور ولدي الحسن : و خلق منه الشمس و القمر ، فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن ، و نور الحسن من نور الله ، و الحسن أفضل من الشمس و القمر . ثم فتق نور ولدي الحسين : فخلق منه الجنة و الحور العين ، فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين ، و نور ولدي الحسين من نور الله ، و ولدي الحسين أفضل من الجنة و الحور العين .

ثم أمر الله الظلمات : أن تمر على سحائب القطر ، فأظلمت السماوات على الملائكة ، فضجت الملائكة بالتسبيح و التقديس و قالت : إلهنا و سيدنا منذ خلقتنا و عرفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسا ، فبحق هذه الأشباح إلا ما كشفت عنا هذه الظلمة .

 فأخرج الله من نور ابنتي فاطمة : قناديل فعلقها في بطنان العرش ، فأزهرت السماوات والأرض ، ثم أشرقت بنورها، فلأجل ذلك سميت الزهراء.

 فقالت الملائكة : إلهنا و سيدنا لمن هذا النور الزاهر الذي قد أشرقت به السماوات و الأرض ، فأوحى الله إليها هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتي فاطمة ابنة حبيبي ، و زوجة وليي و أخي نبيي ، و أبي حججي على عبادي .

 أشهدكم ملائكتي : أني قد جعلت ثواب تسبيحكم و تقديسكم لهذه المرأة و شيعتها و محبيها إلى يوم القيامة .

قال : فلما سمع العباس من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وثب قائما و قبل بين عيني علي عليه السلام ،  و قال :

و الله يا علي : أنت الحجة البالغة لمن آمن بالله و اليوم الآخر [4].

 

تدبر يا طيب : في الحديث ترى فيه معارف واسعة في معنى النور في العالم العلوي وكيف تنزل نور رحمة الله في الخلق وعظمة النور وشأنه الكريم في المراتب العالية ، وكيف تأثيره حسب العلية والمعلولية ،  والأسباب والمسببات وتنزل النور في المراتب الكونية وتكوينها وهداه ومددها حتى يوم القيامة لكل قابل للنور ولم يتعصى عليه ، وتدبر عدة أسماء لفاطمة الزهراء عليها السلام في هذه الأحاديث الشريف والآتية كلها وعظمة نورها الزاهر في الكائنات .

 

الحديث الخامس : معرفة أبينا آدم بعظمة نور الخلق الأول :

وهذا الحديث الآتي : يعرفنا مرتبة أنزل في خلق التكوين وهو حين خلق نبي الله آدم أبو البشر عليه السلام ، ويختصر تفاصيل الخلق الأول وكيف سبحوا ومراتب العرش ، بل توجه لبيان معرفة نبينا آدم والملائكة بالنور في مرتب الخلق الأدنى في النور وسبب سجودهم لآدم و سبب عصيان إبليس وتعصيه وتكبره وطرده من رحمة الله ، وكيف فاز من تمسك بنور الله وهداه المشرق من مصدر إشراقه في الخلق الأول فنجى من ظلمات المعاصي وضلال الشيطان وأتباعه وكل ما يبعد عن الاستعداد لتلقي نور الله والكون من أصحاب النور المكرمين في الجنة ، نتدبره معا :

عن عبد الرحمن بن يزيد عن أبي عبد الله عليه السلام قال :

إن الله تبارك و تعالى : كان و لا شي‏ء ، فخلق خمسة من نور جلاله و جعل‏ لكل واحد منهم اسما من أسمائه المنزلة : فهو الحميد : و سمى النبي‏ محمدا ، و هو الأعلى و سمى أمير المؤمنين عليا ، و له الأسماء الحسنى فاشتق منها : حسنا و حسينا , و هو فاطر : فاشتق لفاطمة من أسمائه اسما .

فلما خلقهم : جعلهم في الميثاق ، فإنهم عن يمين العرش ، و خلق الملائكة من نور ، فلما أن نظروا إليهم عظموا أمرهم و شأنهم ، و لقنوا التسبيح فذلك قوله : وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ .

فلما خلق الله تعالى آدم عليه السلام :

 نظر إليهم عن يمين العرش ، فقال : يا رب من هؤلاء ؟

قال يا آدم : هؤلاء صفوتي و خاصتي خلقتهم من نور جلالي ، و شققت لهم اسما من أسمائي .  قال يا رب : فبحقك عليهم علمني أسماءهم .

قال يا آدم :فهم عندك أمانة سر من سري لا يطلع عليه غيرك إلا بإذني .

قال . نعم يا رب .

قال يا آدم : أعطني على ذلك العهد ن فأخذ عليه العهد ، ثم علمه أسماءهم ثم عرضهم على الملائكة ، و لم يكن علمهم بأسمائهم ، فَقالَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .

قالُوا : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .

قالَ : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ .

علمت الملائكة : أنه مستودع و أنه مفضل بالعلم .

و أمروا بالسجود : إذ كانت سجدتهم لآدم تفضيلا له ، و عبادة لله إذ كان ذلك بحق له ، و أبى إبليس الفاسق عن أمر ربه .

فقال : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قال أ: َنَا خَيْرٌ مِنْهُ .

قال : فقد فضلته عليك حيث أمرت‏ بالفضل للخمسة الذين لم أجعل لك عليهم سلطانا ، و لا من شيعتهم ، فذلك استثناء اللعين [ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ].  قال : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ ، و هم الشيعة[5] .

و الحديث أعلاه : كما إنه يبين مرتبة معرفة أدم عليه السلام يعرفنا مرتبة عظيمة للشيعة الحقيقيين الذين لم يتسلط عليهم الشيطان ، وإلا من تسلط عليه في فترة وأغراه ، فعليه بالتوبة والتوجه بالوسيلة إلى الله ويهتدي بهداهم حتى يخرج من الظلمات إلى النور بفضل نور الله المشرق منهم ، وهذا الحديث كانت يتكلم عن مرحة من تحقق النور حين كان خمسة وهذا حدث في مرتبة الولاية وعرض الأمانة على الخلق بتفصيل أكثر :

 

الحديث السادس: وجوب التولي للأنوار الأولى بدون طغيان :

في هذا الحديث : حرمة الطغيان على النور الأول وحسده سواء في منزلته في الملكوت أو شأنه في الأرض وحين نزوله ، وحرمة مخالفته وهجر هداه ، لأنه الإنسان يبتعد عن رحمة نور الله ويمنعه مدده وعنايته ، وهذا الحديث فيه معنى كريم واسع في عدم حفظ حرمة عهد الله وميثاقه وأمانته التي عرضها على السماوات والأرض ، وفي وجوب اقتباس نور الله ونور هداه من المصطفين الأخيار ، وضرورة التوبة بمجرد العناد لنور هداهم وعدم حفظ منزلة تعاليمهم ودينهم أو عدم احترام منزلتهم وشأنهم الكريم فتدبر .

عن المفضل بن عمر قال قال أبو عبد الله عليه السلام :

 إن الله تبارك و تعالى : خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ، فجعل أعلاها و أشرفها أرواح محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم صلى الله عليهم وسلم ، فعرضها على السماوات والأرض والجبال.

فغشيها نورهم : فقال الله تبارك و تعالى : للسماوات و الأرض و الجبال هؤلاء أحبائي و أوليائي و حججي على خلقي ، و أئمة بريتي ، ما خلقت خلقا هو أحب إلي منهم ، و لمن تولاهم خلقت جنتي ، و لمن خالفهم و عاداهم خلقت ناري ، فمن ادعى منزلتهم مني : و محلهم من عظمتي ، عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ، و جعلته مع المشركين في أسفل درك من ناري .

و من أقر بولايتهم : و لم يدع منزلتهم مني و مكانهم من عظمتي جعلته معهم في روضات جناتي ، و كان لهم فيها ما يشاءون عندي ، و أبحتهم كرامتي و أحللتهم جواري ، و شفعتهم في المذنبين من عبادي و إمائي .

فولايتهم : أمانة عند خلقي ، فأيكم يحملها بأثقالها ، و يدعيها لنفسه دون خيرتي ، فأبت السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها ، و أشفقن من ادعاء منزلتها و تمني محلها من عظمة ربها .

فلما أسكن الله عز و جل : آدم و زوجته الجنة .

قال لهما : كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ ، يعني شجرة الحنطة فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ، فنظرا إلى منزلة : محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم ، فوجداها أشرف منازل أهل الجنة .

فقالا : يا ربنا لمن هذه المنزلة ؟  فقال الله جل جلاله : ارفعا رءوسكما إلى ساق عرشي ، فرفعا رؤوسهما ، فوجدا اسم محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة بعدهم صلى الله عليهم وسلم ، مكتوبة على ساق العرش بنور من نور الجبار جل جلاله .

فقالا : يا ربنا ما أكرم أهل هذه المنزلة عليك ؟ و ما أحبهم إليك ؟ و ما أشرفهم لديك ؟

فقال الله جل جلاله : لو لا هم ما خلقتكما ، هؤلاء خزنة علمي ، و أمنائي على سري ، إياكما أن تنظرا إليهم بعين الحسد ، و تتمنيا منزلتهم عندي ، و محلهم من كرامتي ، فتدخلا بذلك في نهيي و عصياني ، فتكونا من الظالمين .

قالا ربنا : و من الظالمون ؟

قال : المدعون لمنزلتهم بغير حق ؟

 قالا ربنا : فأرنا منازل ظالميهم في نارك حتى نراها كما رأينا منزلتهم في جنتك ؟

فأمر الله تبارك و تعالى : النار فأبرزت جميع ما فيها من ألوان النكال و العذاب ، و قال عز و جل : مكان الظالمين لهم المدعين لمنزلتهم في أسفل درك منها ، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، و كلما نضجت جلودهم بدلوا سواها ، ليذوقوا العذاب .

يا آدم و يا حواء : لا تنظر إلى أنواري و حججي بعين الحسد ، فأهبطكما عن جواري ، و أحل بكما هواني .

 فوسوس لهما الشيطان : ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما ، و قال : ما نهيكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ، أو تكونا من الخالدين ، و قاسمهما إني لكما لمن الناصحين ، فدليهما بغرور ، و حملهما على تمني منزلتهم .

 فنظرا إليهم : بعين الحسد ، فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة ، فعاد مكان ما أكلا شعيرا ، فأصل الحنطة كلها مما لم يأكلاه ، و أصل الشعير كله مما عاد مكان ما أكلاه .

فلما أكلا : من الشجرة طار الحلي و الحلل عن أجسادهما ، و بقيا عريانين ، و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، و ناديهما ربهما أ لم أنهكما عن تلكما الشجرة ، و أقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين ؟

فقالا : ربنا ظلمنا أنفسنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكونن من الخاسرين.

 قال : اهبطا من جواري فلا يجاورني في جنتي من يعصيني ، فهبطا موكولين إلى أنفسهما في طلب المعاش .

فلما أراد الله عز و جل : أن يتوب عليهما ، جاءهما جبرئيل فقال لهما :

 إنكما إنما ظلمتما أنفسكما بتمني منزلة من فضل عليكما ، فجزاؤكما ما قد عوقبتما به من الهبوط من جوار الله عز و جل إلى أرضه ، فسلا ربكما بحق الأسماء التي رأيتموها على ساق العرش حتى يتوب عليكما .

فقالا : اللهم إنا نسألك بحق الأكرمين عليك : محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة ، إلا تبت علينا و رحمتنا .

فتاب الله عليهما : إنه هو التواب الرحيم ، فلم يزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة ، و يخبرون بها أوصياءهم و المخلصين من أممهم ، فيأبون حملها و يشفقون من ادعائها .

و حملها الإنسان : الذي قد عرف ، فأصل كل ظلم منه إلى يوم القيامة ، و ذلك قول الله عز و جل : إِنَّا عَرَضْنَا الأمانةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها ، وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا[6] .

ويا طيب : قبل أن ندخل في بيان خصوص نور فاطمة هذا حديث جامع لما ذكرنا من مراتب خلق النور حتى نزول النور المودع في صلب آدم وآباء النبي حتى فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ، وهو نور المرتبة الأرضية التي كانت سبب لوجود هدى الله عندهم ، وقد عرفت إن نور الله لم ينقطع عن مخلوق وإن كل شيء يحتاج لمدد نوره في كل لحظة ، ولكن له مرتبة بطون وظهور وشده وضعف ، ويتجلى بالعظمة حسب موقعه وأهميته ، وبهذا يتنقل في الأصلاب لا يعني أنه لا يوجد له أصل في المراتب العالية للوجود ، ولا إنه يعني بقي بنفسه واستغنى عن مدد نور الله ، بل كل شيء قائم بنور الله وهو نور السماوات والأرض وكل شيء قائم بأمره سبحانه وتعالى ويحتاج لمدد منه في كل آن .

وقد عرفت بأن النور كله للخلق الأول وهو الواجب وده واقتباس نور الله منه وهداه وحرمة الطغيان عليه وإن نور فاطمة كان له المجال الواسع وهو ركن في النوار الأولى وإلى يوم القيامة ، وفيه بيان لتنزل نور فاطمة ضمن الأنوار في الأصلاب الطاهرة والأرحام المطهرة ، وتنزل نورها في المراتب الأرضية فتدبر .

 

 الحديث السابع : تنزل أشعة الأنوار الأول وفاطمة في الأصلاب :

عن أبان عن سليم عن سلمان‏ قال :

كانت قريش إذا جلست في مجالسها فرأت رجلا من أهل البيت قطعت حديثها ، فبينما هي جالسة إذ قال رجل منهم : ما مثل محمد في أهل بيته إلا كمثل نخلة نبتت في كناسة ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  فغضب ثم خرج ، فأتى المنبر فجلس عليه حتى اجتمع الناس ، ثم قام :

فحمد الله و أثنى عليه ثم قال :أيها الناس : من أنا ؟

 قالوا : أنت رسول الله .

قال : أنا رسول الله ، و أنا محمد ، بن عبد الله ، بن عبد المطلب ، بن هاشم ، ثم مضى في نسبه حتى انتهى إلى نزار ، ثم قال :

ألا و إني و أهل بيتي كنا نورا نسعى بين يدي الله قبل أن يخلق الله آدم بألفي عام .

و كان ذلك النور : إذا سبح سبحت الملائكة لتسبيحه ، فلما خلق آدم وضع ذلك النور في صلبه ، ثم أهبط إلى الأرض في صلب آدم ، ثم حمله في السفينة في صلب نوح ، ثم قذفه في النار في صلب إبراهيم ، ثم لم يزل ينقلنا في أكارم الأصلاب حتى أخرجنا من أفضل المعادن محتدا ، و أكرم المغارس منبتا ، بين الآباء و الأمهات ، لم يلتق أحد منهم على سفاح قط .

ألا و نحن بنو عبد المطلب : سادة أهل الجنة ، أنا و علي و جعفر و حمزة و الحسن و الحسين و فاطمة و المهدي .

ألا و إن الله : نظر إلى أهل الأرض نظرة فاختار منهم رجلين ، أحدهما أنا فبعثني رسولا و نبيا ، و الآخر علي بن أبي طالب ، و أوحى إلي : أن أتخذه أخا و خليلا و وزيرا و وصيا و خليفة ، ألا و إنه ولي كل مؤمن بعدي ، من  والاه والاه الله ، و من عاداه عاداه الله ، لا يحبه إلا مؤمن و لا يبغضه إلا كافر .

هو زر الأرض بعدي : و سكنها ، و هو كلمة الله التقوى و عروته الوثقى ، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ.

ألا و إن الله نظر نظرة ثانية : فاختار بعدنا اثني عشر وصيا و أهل بيتي ، فجعلهم خيار أمتي واحدا بعد واحد ، مثل النجوم في السماء كلما غاب نجم طلع نجم هم ، أئمة هداة مهتدون ، لا يضرهم كيد من كادهم و لا خذلان من خذلهم ، هم حجج الله في أرضه و شهداؤه على خلقه ، و خزان علمه ، و تراجمة وحيه ، و معادن حكمته .

من أطاعهم : أطاع الله ، و من عصاهم عصى الله ، هم مع القرآن و القرآن معهم لا يفارقونه حتى يردوا علي الحوض ، فليبلغ الشاهد الغائب ، اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات[7] .

والحديث أعلاه : ذكر نزول شيء من شأن نور نبينا الأكرم في صلب الآباء في الأنبياء وذكر طهارته .

 وهذا الحديث الآتي يفصل نور النبي في آباءه أكثر ، ويعرفنا شيء من نور فاطمة الزهراء عليها السلام في الأرض أكثر :

 

الحديث الثامن: يفصل تنزل الأنوار وبالخصوص نور فاطمة:

عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل : أن رسول الله قال :

 إن الله عز و جل خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق الدنيا بسبعة آلاف عام .

 قلت : فأين كنتم يا رسول الله ؟ قال : قدام العرش نسبح الله تعالى و نحمده و نقدسه و نمجده .قلت : على أي مثال ؟

قال : أشباح نور ، حتى إذا أراد الله عز و جل أن يخلق صورنا صيرنا عمود نور ، ثم قذفنا في صلب آدم ، ثم أخرجنا إلى أصلاب الآباء و أرحام الأمهات ، و لا يصيبنا نجس الشرك و لا سفاح الكفر ، يسعد بنا قوم و يشق بنا آخرون .

 فلما صيرنا إلى صلب عبد المطلب ، أخرج ذلك النور فشقه نصفين ، فجعل نصفه في عبد الله ، و نصفه في أبي طالب ، ثم أخرج النصف الذي لي إلى آمنة ، و النصف إلى فاطمة بنت أسد .

فأخرجتني آمنة : و أخرجت فاطمة عليا .

ثم أعاد عز و جل : العمود إلي ، فخرجت مني فاطمة ، ثم أعاد عز و جل العمود إلى علي ، فخرج منه الحسن و الحسين يعني من النصفين جميعا ، فما كان من نور علي فصار في ولد الحسن ، و ما كان من نوري صار في ولد الحسين ، فهو ينتقل في الأئمة من ولده إلى يوم القيامة [8].

وإذا عرفنا مراتب كريم للنور ونزوله وشأنه الكريم في أهم مراتبه حتى وجوده في النبي وفاطمة في الإجمال ، نتعرف على نور فاطمة الزهراء عليها السلام بالخصوص لنتهيأ لمعرفة ظهورها في الأرض :

 

الحديث التاسع : تفصيل نور فاطمة وظهوره وخصائصه :

  قال الصدوق بإسناده عن الإمام الحسين عن أبيه علي بن أبي طالب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

خُلق نور فاطمة : قبل أن تخلق الأرض و السماء .

فقال بعض الناس : يا نبي الله فليست هي إنسية ؟

فقال صلى الله عليه وآله وسلم : فاطمة حوراء إنسية .

قال : يا نبي الله و كيف هي حوراء إنسية ؟

قال صلى الله عليه وآله وسلم : خلقها الله عز و جل من نوره قبل أن يخلق آدم ، إذ كانت الأرواح فلما خلق الله عز و جل آدم ، عرضت على آدم .

 قيل : يا نبي الله و أين كانت فاطمة ؟

قال : كانت في حقة تحت ساق العرش .

قالوا : يا نبي الله فما كان طعامها ؟

 قال : التسبيح و التهليل و التحميد ، فلما خلق الله عز و جل آدم و أخرجني من صلبه ، أحب الله عز و جل أن يخرجها من صلبي ، جعلها تفاحة في الجنة ، و أتاني بها جبرائيل عليه السلام فقال لي : السلام عليك و رحمة الله و بركاته يا محمد . قلت : و عليك السلام و رحمة الله حبيبي جبرائيل .

فقال : يا محمد إن ربك يقرئك السلام .

قلت : منه السلام و إليه يعود السلام .

قال : يا محمد إن هذه تفاحة أهداها الله عز و جل إليك من الجنة ، فأخذتها و ضممتها إلى صدري ، قال : يا محمد يقول الله جل جلاله كلها ، ففلقتها فرأيت نورا ساطعا ففزعت منه .

فقال : يا محمد ما لك لا تأكل كلها و لا تخف ، فإن ذلك النور المنصورة في السماء ، و هي في الأرض فاطمة . قلت : حبيبي جبرائيل ولم سميت في السماء المنصورة ، وفي الأرض فاطمة ؟

قال : سميت في الأرض فاطمة ، لأنها فطمت شيعتها من النار ، و فطم أعداؤها عن حبها ، و هي في السماء المنصورة ، و ذلك قول الله عز و جل : يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ ، يعني : نصر فاطمة لمحبيها [9].

ويا طيب : إذا عرفنا تنزل نور فاطمة حتى النبي ليودعه خديجة أم المؤمنين صلى الله عليهم وسلم ، نتعرف على حديث الطينة والبدن كسابقه ، ونذكر حديث بعده يفصل نور الإيداع في خديجة وبعده نور ظهور فاطمة في الأرض.

وفي هذا الحديث الشريف : كان بالإضافة لتفصيل نور فاطمة الزهراء الحوراء الإنسية المنصور نورها لمن يتولاه ، يعرفنا علل بعض أسماءها ، وهو حديث شريف يعرفنا نور الصديقة وشأنه الكريم في الملكوت والأرض ، بل يعرفنا نور كل أهل البيت عليهم السلام ، بل ونور شيعتهم وفضلهم إن بقوا متمسكين بنورهم وهداهم ، بل من يفقد نوره وهداه ويتعصى يعلم أنه لم يكن من شيعتهم بحق ولا أنه كان مخلوق من طينتهم ، وهذا لا يعني الجبر بل إن مدد نور الله للقابل موجود ، والإنسان ولا شيء من الكائنات يستغني عن نور الله ولم ينقطع نور الله في حال من الأحول عن كائن من الكائنات ، ولكن للمراتب ولكل كان نوره حسب شأنه وطاعته وإلا من يفقد نوره بعصيان يظلم وجوده ويخفت شأنه بل يحترق بنار العدم وحريق الفقدان لمدد النور وظلمات الحرمان .

 

الحديث العاشر: نور طينة فاطمة وآلها وشيعتها :

بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول لعلي عليه السلام : أ لا أبشرك يا علي ؟ قال : بلى بأبي أنت و أمي يا رسول الله .

قال : أنا و أنت و فاطمة و الحسن و الحسين ع خلقنا من طينة واحدة ، و فضلت منها فضلة فجعل منها شيعتنا و محبونا ، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسمائهم و أسماء أمهاتهم ، ما خلا نحن و شيعتنا و محبونا فإنهم يدعون بأسمائهم و أسماء آبائهم[10] .

يا طيب : في الأحاديث السابقة عرفنا تنزل النور في فاطمة الزهراء ، وهذا كان حديث كريم مع اختصاره يعرفنا بالطينة الطيبة لفاطمة وآلها وشيعتها وبعض خصائصه وشأنه ، ونفصيل نور فاطمة وطينتها وكيف نزلة من النبي في خديجة أم المؤمنين حتى ولادة فاطمة في الأرض في الإشراق الآتي فتدبر .

 

الإشراق الثالث

ظهور نور فاطمة الزهراء في الأرض

 

ذكر في العدد القوية في أحوال الصديقة الطاهرة عليها السلام و كيفية ولادتها عن تاريخ المفيد :

و في اليوم العشرين : من جمادى الآخرة ، سنة اثنتين من المبعث ، كان مولد السيدة الزهراء فاطمة عليها السلام .

و هو يوم شريف : متجدد فيه سرور المؤمنين .

و يستحب فيه : التطوع بالخيرات و الصدقة على المساكين ، و كذا في كتاب المصباح .

و في رواية أخرى : سنة خمس من المبعث .

و الجمهور : يرون أن مولدها قبل المبعث بخمس سنين .

و في الدر : أن فاطمة عليه السلام ولدت بعد ما أظهر الله نبوة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم بخمس سنين و قريش تبني البيت .

و روي : أنها ولدت عليه السلام في جمادى الآخرة يوم العشرين منه سنة خمس و أربعين من مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

في المناقب : روي أن فاطمة عليها السلام ولدت بمكة بعد المبعث بخمس سنين ، و بعد الإسراء بثلاث سنين في العشرين من جمادى الآخرة .

و ولدت الحسن عليه السلام و لها اثنتا عشرة سنة ، و قيل : إحدى عشرة سنة بعد الهجرة ، و كان بين ولادتها الحسن و بين حملها بالحسين عليه السلام خمسون يوما .

قيل بينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم : جالس بالأبطح ، و معه عمار بن ياسر و المنذر بن الضحضاح و أبو بكر و عمر و علي بن أبي طالب و العباس بن عبد المطلب و حمزة بن عبد المطلب ، إذ هبط عليه جبرئيل عليه السلام في صورته العظمى ، قد نشر أجنحته حتى أخذت من المشرق إلى المغرب .

 فناداه : يا محمد العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و هو يأمرك أن تعتزل عن خديجة أربعين صباحا ، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و كان لها محبا و بها وامقا .

قال : فأقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعين يوما يصوم النهار و يقوم الليل حتى إذا كان في آخر أيامه تلك بعث إلى خديجة بعمار بن ياسر و قال قل لها : يا خديجة لا تظني أن انقطاعي عنك هجرة و لا قلى ، و لكن ربي عز و جل أمرني بذلك لينفذ أمره فلا تظني يا خديجة إلا خيرا ، فإن الله عز و جل ليباهي بك كرام ملائكته كل يوم مرارا ، فإذا جنك الليل فأجيفي الباب و خذي مضجعك من فراشك ، فإني في منزل فاطمة بنت أسد .

فجعلت خديجة : تحزن في كل يوم مرارا لفقد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 فلما كان في كمال الأربعين ، هبط جبرائيل عليه السلام فقال : يا محمد العلي الأعلى يقرئك السلام ، و هو يأمرك أن تتأهب لتحيته و تحفته .

 قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا جبرائيل و ما تحفة رب العالمين و ما تحيته ؟ قال : لا علم لي .

قال : فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك إذ هبط ميكائيل و معه طبق مغطى بمنديل سندس ، أو قال : إستبرق فوضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و أقبل جبرائيل عليه السلام  على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و قال :

يا محمد : يأمرك ربك أن تجعل الليلة إفطارك على هذا الطعام .

 فقال : علي بن أبي طالب عليه السلام كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إذا أراد أن يفطر أمرني أن أفتح الباب لمن يرد إلى الإفطار ، فلما كان في تلك الليلة أقعدني النبي صلى الله عليه وآله وسلم على باب المنزل ، و قال :

يا ابن أبي طالب : إنه طعام محرم إلا عليَّ .

 قال علي عليه السلام : فجلست على الباب و خلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالطعام ، و كشف الطبق فإذا عذق من رطب ، و عنقود من عنب فأكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم منه شبعا ، و شرب من الماء ريا ، و مد يده للغسل ، فأفاض الماء عليه جبرائيل ، و غسل يده ميكائيل ، و تمندله إسرافيل ، و ارتفع فاضل الطعام مع الإناء إلى السماء .

 ثم قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ليصلي .

فأقبل عليه جبرائيل و قال : الصلاة محرمة عليك في وقتك حتى تأتي إلى منزل خديجة فتواقعها ، فإن الله عز و جل آلى على نفسه أن يخلق من صلبك في هذه الليلة ذرية طيبة ، فوثب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى منزل خديجة .

قالت خديجة رضوان الله عليها : و كنت قد ألفت الوحدة ، فكان إذا جنتني الليل غطيت رأسي ، و أسجفت ستري ، و غلقت بابي ، و صليت وردي ، و أطفأت مصباحي ، و أويت إلى فراشي ، فلما كان في تلك الليلة لم أكن بالنائمة و لا بالمنتبهة ، إذ جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فقرع الباب فناديت من هذا الذي يقرع حلقة لا يقرعها إلا محمد صلى الله عليه وآله وسلم .

 قالت خديجة : فنادى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعذوبة كلامه و حلاوة منطقه : افتحي يا خديجة فإني محمد .

 قالت خديجة : فقمت فرحة مستبشرة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و فتحت الباب ، و دخل النبي المنزل ، و كان من أخلافه صلى الله عليه وآله وسلم ،  إذا دخل المنزل دعا بالإناء فتطهر للصلاة ، ثم يقوم فيصلي ركعتين يوجز فيهما ، ثم يأوي إلى فراشه .

فلما كان في تلك الليلة : لم يدع بالإناء ، و لم يتأهب بالصلاة غير أنه أخذ بعضدي ، و أقعدني على فراشه و داعبني و مازحني ، و كان بيني و بينه ما يكون بين المرأة و بعلها ، فلا و الذي سمك السماء و أنبع الماء ما تباعد عني النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى حسست بثقل فاطمة في بطني .

 و فيه عن المفضل بن عمر قال قلت لأبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام : كيف كانت ولادة فاطمة عليه السلام قال :

نعم إن خديجة رضوان الله عليها : لما تزوج بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هجرتها نسوة مكة ، فكن لا يدخلن عليها ، و لا يسلمن عليها ، و لا يتركن امرأة تدخل عليها،  فاستوحشت خديجة من ذلك .

 فلما حملت بفاطمة عليه السلام : صارت تحدثها في بطنها ، و تصبرها ، و كانت خديجة تكتم ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

 فدخل يوما : و سمع خديجة تحدث فاطمة ، فقال لها : يا خديجة من يحدثك ؟ قالت : الجنين الذي في بطني يحدثني و يؤنسني .

فقال لها : هذا جبرائيل يبشرني أنها أنثى ، و أنها النسمة الطاهرة الميمونة ، و أن الله تبارك و تعالى سيجعل نسلي منها ، و سيجعل من نسلها أئمة في الأمة ، يجعلهم خلفاؤه في أرضه بعد انقضاء وحيه .

 فلم تزل خديجة رضي الله عنها : على ذلك إلى أن حضرت ولادتها ، فوجهت إلى نساء قريش و نساء بني هاشم يجئن و يلين منها ما تلي النساء من النساء ، فأرسلن إليها عصيتينا و لم تقبلي قولنا ، و تزوجت محمدا يتيم أبي طالب فقيرا لا مال له ، فلسنا نجي‏ء و لا نلي من أمرك شيئا ، فاغتمت خديجة لذلك .

 فبينا هي كذلك : إذ دخل عليها أربع نسوة طوال ، كأنهن من نساء بني هاشم ، ففزعت منهن .

فقالت لها إحداهن : لا تحزني يا خديجة فإنا رسل ربك إليك ، و نحن أخواتك : أنا سارة ، و هذه آسية بنت مزاحم و هي رفيقتك في الجنة ، و هذه مريم بنت عمران ، و هذه صفراء بنت شعيب ، بعثنا الله تعالى إليك لنلي من أمرك ما تلي النساء من النساء .

فجلست : واحدة عن يمينها ، و الأخرى عن يسارها ، و الثالثة من بين يديها،  و الرابعة من خلفها .

 فوضعت : خديجة فاطمة عليهن السلام ، طاهرة مطهرة .

فلما سقطت إلى الأرض : أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة ، و لم يبق في شرق الأرض و لا غربها موضع إلا أشرق فيه ذلك النور ، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها ، فغسلتها بماء الكوثر ، و أخرجت خرقتين بيضاوتين أشد بياضا من اللبن و أطيب رائحة من المسك و العنبر ، فلفتها بواحدة و قنعتها بالأخرى .

ثم استنطقتها فنطقت فاطمة عليه السلام : بشهادة أن لا إله إلا الله ، و أن أبي رسول الله سيد الأنبياء ، و أن بعلي سيد الأوصياء ، و أن ولدي سيد الأسباط .

 ثم سلمت عليهن ، و سمت كل واحدة منهن باسمها ، و ضحكن إليها ، وتباشرن الحور العين ، وبشر أهل الجنة بعضهم بعضا بولادة فاطمة عليه السلام.

 و حدث في السماء : نور زاهر ،لم تره الملائكة قبل ذلك اليوم ، فلذلك سميت الزهراء .

 و قالت : خذيها يا خديجة طاهرة مطهرة زكية ميمونة ، بورك فيها ، و في نسلها ، فتناولتها خديجة عليه السلام فرحة مستبشرة ، فألقمتها ثديها فشربت فدر عليها .

و كانت عليه السلام : تنمي في كل يوم كما ينمي الصبي في شهر ، و في شهر كما ينمي الصبي في سنة ، صلى الله عليها و على أبيها و بعلها و بنيها[11].

وفي ثواب الأعمال عن البرقي قال : بشر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بفاطمة عليها السلام ، فنظر في وجوه أصحابه فرأى الكراهة فيهم .

فقال : ما لكم ريحانة أشمها ، و رزقها على الله عز و جل[12] .

 

يا طيب : إن مولد فاطمة يوم مبارك يستحب به إكرام المؤمنين وتكريمهم وإطعامهم وبرهم ووصل الأرحام ، وقد جعل يوم تكرم به ألامرأة وبالخصوص الأم والزوجة والأخت وبالخصوص من يكون له أحد أسماء فاطمة عليها السلام .

وهو يوم : من أفراح وأعياد آل محمد صلى الله عليهم وسلم وله موقع كريم عند شيعتهم يعقدون فيه مجالس الذكر لمعرفة شأنهم الكريم وبيانه للمؤمنين ، فيحتفل به المحبون ويذكرون أفراحهم ومناقبهم وكرامات الله تعالى لهم ولشيعتهم ، وقد عرفت أسبابه وحقائقه الروحانية النورانية الكريمة فلا تتوانى في القيام بالواجب مع المؤمنين والمؤمنات وكل طيب يحب أهل البيت عليهم السلام.

 

 

النور الثاني

فاطمة الزهراء في مكة المكرمة وهجرتها للمدينة

 

يا طيب : بعد إن عرفنا شيء يسير عن نور فاطمة الزهراء في الملكوت والأرض وولادتها في يوم (20) ذي الحجة سنة خمسة أو اثنين للهجرة ، فإن أمها خديجة بنت خويلد قد توفيت في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، وإن عمر فاطمة الزهراء عليها السلام كان خمس سنوات فقط ، وبقيت ثلاثة سنوات في مكة وأشهر في المدينة هي وأبيها ترعاه لا زوجة له ، لأنه لم يتزوج أبيها نبي الرحمة في مكة بعد خديجة وتزوج في المدينة بعد ستة أشهر .

وإنها وهي في عمر الزهور كانت تحتاج للرعاية ، ولكن بقوة عقلها وتديرها كانت تدير بيت نبي الرحمة في أشد مرحلة وفي أصعب الظروف ، وبعد إن فقد النبي أعز ناصرية في سنة واحدة أمها خديجة وأبو طالب عمه المحامي والناصر له ، وهو في أشد الجهاد والمناظلة مع كفار قريش وتشديدهم عليها حتى أمره الله تعالى بالهجرة للمدينة .

وإن كانت مع الزهراء : فاطمة بنت أسد أم الإمام علي وعلي عليه السلام ، ولكن كان لهم بيتهم وإن فاطمة كانت تقوم بكثير من مهام البيت مع صغر سنها عليها السلام ، ولشدة مراعاتها للنبي وحنانها عليه وصدقها وحبها في القيام بخدمته سماها أم أبيها ، ولكي لأطيل نذكر وفاة أم المؤمنين خديجة أم فاطمة الزهراء وشأنها الكريم ، و قصة لها في مكة تبين حنانها وحبها لأبيها رسول الله ، ثم نذكر هجرتها وما عانته ، حتى يأتي الباب الآتي في زواج النور من النور ، فتدبر فضلها وتكريم الله لها لما كان لها من الصبر والطاعة لله ولرسوله ولولية والإخلاص في توحيد الله ودينه بما يحب ويرضى كما سترى .

 

أحاديث عن وفاة أم فاطمة وتعزية الله تعالى ورسوله لها :

توفيت خديجة : بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولها خمس وستون سنة ، ودخل عليها رسول الله وهي تجود بنفسها ، فقال : بالكره مني ما أرى ، ولعل الله أن يجعل في الكره خيرا كثيرا ، إذا لقيت ضراتك في الجنة يا خديجة فاقرئيهن السلام . قالت : ومن هن يا رسول الله ؟

قال : إن الله زوجنيك في الجنة ، وزوجني مريم بنت عمران ، وآسية بنت مزاحم ، وكلثوم أخت موسى . فقالت : بالرفاء والبنين [13] .

عن بريد العجلي قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام يقول : لما توفيت خديجة رضي الله عنها جعلت فاطمة صلوات الله عليها تلوذ برسول الله صلى الله عليه و آله و تدور حوله و تقول : يا أبت، أين أمي .

قال فنزل جبرائيل عليه السلام فقال له : ربك يأمرك أن تقرئ فاطمة السلام ، و تقول لها : إن أمك في بيت من قصب ، كعابه من ذهب ، و عمده ياقوت أحمر ، بين آسية و مريم بنت عمران .  فقالت فاطمة عليها السلام : إن الله هو السلام ، و منه السلام ، و إليه السلام[14].

وعرفت يا طيب : إن نبي الرحمة كان يكن التقدير والاحترام الكبير لخديجة عليها السلام في حياتها وبعد وفاتها حتى سما سنة وفاتها ووفاة عمه أبو طالب بعام الأحزان ، وهذا حديث شريف يعرفنا شأنها الكريم عند نبي الرحمة بعد وفاتها ، وبعد إن عرفنا شأنها العظيم عند الله ومقامها السامي في الجنة :

 عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منزله ، فإذا عائشة مقبلة على فاطمة تصايحها ، و هي تقول : و الله يا بنت خديجة ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلا ، و أي فضل كان لها علينا ، ما هي إلا كبعضنا .

فسمع مقالتها : فاطمة فلما رأت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكت . فقال لها : ما يبكيك يا بنت محمد ؟

قالت : ذكرت أمي فتنقصتها ، فبكيت .

فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ثم قال : مه يا حميراء فإن الله تبارك و تعالى بارك في الولود الودود ، و إن خديجة رحمها الله ولدت مني طاهرا و هو عبد الله و هو المطهر و ولدت مني القاسم و فاطمة و رقية و أم كلثوم و زينب ، و أنت ممن أعقم الله رحمه فلم تلدي شيئا [15].

 

أحاديث دفاع فاطمة الزهراء عن أبيها في مكة :

وبعد إن عرفنا : وفاة أم فاطمة الزهراء عليها السلام وحزنها ويتمها ، نتعرف عن دفعها عن أبيها ورعايتها له في مكة ثم نذكر هجرته :

و في كتاب دلائل النبوة عن أبي داود عن شعبة عن أبي إسحاق سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله قال :

بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساجد و حوله ناس من قريش ، وثم سلي بعير ، فقالوا : من يأخذ سلي هذا الجزور أو البعير فيقذفه على ظهره .

فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

و جاءت فاطمة عليه السلام : فأخذته من ظهره ، و دعت على من صنع ذلك .

قال عبد الله : فما رأيت رسول الله دعا عليهم إلا يومئذ .

فقال : اللهم عليك الملأ من قريش اللهم عليك :

أبا جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف أو أبي بن خلف ، شك شعبة عد سبعة .

قال عبد الله : فرأيتهم لقد قتلوا يوم بدر ، و ألقوا في القليب .

أو قال : في بئر غير أن أمية بن خلف ، أو أبي بن خلف كان رجلا بادنا فتقطع قبل أن يبلغ به البئر ، أخرجه البخاري في الصحيح [16].

و روي من طريق آخر أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما رمى بالسلى .

جاءت ابنته فاطمة عليها السلام فأماطت عنه بيدها ، ثم جاءت إلى أبي طالب رحمه الله فقالت : يا عم ما حسب أبي فيكم .

فقال : يا بنية أبوك فينا السيد المطاع العزيز الكريم فما شأنك فأخبرته بصنع القوم ، ففعل ما فعل بالسادات من قريش .

ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : هل رضيت يا ابن أخي ، ثم أتى فاطمة عليه السلام فقال : يا بنية هذا حسب أبيك فينا [17].

يا طيب : وهذا حديث يحدثنا باختصار عن هجرة النبي للمدينة المنورة وهجرة فاطمة الزهراء إليها :

 

حديث هجرة فاطمة الزهراء عليها السلام للمدينة :

ذكر في المناقب و هاجر ( النبي ) : إلى المدينة :

و أمر أصحابه بالهجرة ، و هو ابن ثلاث و خمسين سنة ، و كانت هجرته يوم الاثنين ، و صار ثلاثة أيام في الغار ليخيب من قصد إليه ، و روي ستة أيام .

و دخل المدينة : يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول ، و قيل الحادي عشر ، و هي السنة الأولى من الهجرة ، فرد التاريخ إلى المحرم ، و كان نزل بقبا في دار كلثوم بن الهدم ، ثم بدار خيثمة الأوسي ثلاثة أيام ، و يقال : اثني عشر يوما إلى بلوغ علي و أهل البيت .

و كان أهل المدينة : يستقبلون كل يوم إلى قبا ، و ينصرفون فأسس بقبا مسجدهم ، و خرج يوم الجمعة و نزل المدينة و صلى في المسجد الذي ببطن الوادي . قال النسوي : في تاريخه أول صلاة صلاها في المدينة صلاة العصر ، ثم نزل على أبي أيوب ، فلما أتى لهجرته شهر و أيام تمت صلاة المقيم .

و بعد ثمانية أشهر : آخى بين المؤمنين و فيها شرع الأذان .

فلما أتى لهجرته : سنة و شهران و اثنان و عشرون يوما ، زوج عليا عليه السلام من فاطمة ، و روي أنها كانت بعد سنة من مقدمه إليها[18].

وبعد إن عرفنا تأريخ الهجرة .

نذكر هجرة فاطمة الزهراء مع الإمام علي وأمه فاطمة و فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ومستضعف المؤمنين ، ويقال هجرتها مع الفواطم ، نذكر الحديث بطوله لما فيه من الفائدة ويبين فيه زمن وفاة أمها خديجة عليها السلام وإن الحديث عن هند بن هند بن أبي هالة رحمه الله وهو أخ فاطمة الزهراء من أمها خديجة ، كما ونرى فيه شدة ما عانت فيه من الأحداث من اليتم والهجرة وملاحقة قريش لعلي ، وما جرى عليها من الأحداث في هجرتها حتى وردها المدينة على أبيها صلى الله عليه وآله وسلم :

عن الزبير بن سعيد الهاشمي قال : حدثنيه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه بين القبر و الروضة ، عن أبيه و عبيد الله بن أبي رافع جميعا ، عن عمار بن ياسر رضي الله عنه و أبي رافع مولى النبي صلى الله عليه و آله .

 قال أبو عبيدة و حدثنيه سنان بن أبي سنان أن هند بن هند بن أبي هالة الأسدي حدثه عن أبيه هند بن أبي هالة ربيب رسول الله صلى الله عليه و آله و أمه خديجة زوج النبي صلى الله عليه و آله ، و أخته لأمه فاطمة صلوات الله عليها .

 قال أبو عبيدة و كان هؤلاء الثلاثة هند بن هالة و أبو رافع و عمار بن ياسر جميعا يحدثون عن هجرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه إلى رسول الله صلى الله عليه و آله بالمدينة و مبيته قبل ذلك على فراشه .

 قال و صدر هذا الحديث عن هند بن أبي هالة ، و اقتصاصه عن الثلاثة هند و عمار و أبي رافع ، و قد دخل حديث بعضهم في بعض قالوا :

كان الله عز و جل : مما يمنع نبيه صلى الله عليه و آله بعمه أبي طالب ، فما كان يخلص إليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته ، فلما مات أبو طالب نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه و آله بغيتها و أصابته بعظيم من الأذى حتى تركته لقى، فقال صلى الله عليه و آله لأسرع ما وجدنا فقدك يا عم وصلتك رحم ، فجزيت خيرا يا عم .

 ثم ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر فاجتمع بذلك على رسول الله صلى الله عليه و آله حزنان حتى عرف ذلك فيه .

 قال هند : ثم انطلق ذوو الطول و الشرف من قريش إلى دار الندوة ، ليأتمروا في رسول الله صلى الله عليه و آله ، و أسروا ذلك بينهم .

 فقال بعضهم : نبني له علما ، و ينزل برجا نستودعه فيه ، فلا يخلص من الصباة إليه أحد ، و لا يزال في رنق من العيش حتى يتضيفه ريب المنون ، و صاحب هذه المشورة العاص بن وائل و أمية و أبي ابنا خلف .

 و قال قائل : بئس الرأي ما رأيتم ، و لئن صنعتم ذلك ليتنمرن له الحدب الحميم و المولى الحليف، ثم ليأتين المواسم و الأشهر الحرم بالأمن فلينتزعن من أنشوطتكم قولوا قولكم . قال عتبة و شيبة و شركهما أبو سفيان قالوا : فإنا نرى أن نرحل بعيرا صعبا، و نوثق محمدا عليه كتافا و شدا ، ثم نقصع البعير بأطراف الرماح ، فيوشك أن يقطعه بين الدكادك إربا إربا . فقال صاحب رأيهم إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئا ، أ رأيتم إن خلص به البعير سالما إلى بعض الأفاريق ، فأخذ بقلوبهم بسحره و بيانه و طلاوة لسانه، فصبا القوم إليه ، و استجابت القبائل له قبيلة فقبيلة، فليسيرن حينئذ إليكم بالكتائب و المقانب ، فلتهلكن كما هلكت إياد و من كان قبلكم قولوا قولكم .

فقال له أبو جهل : لكن أرى لكم أن تعمدوا إلى قبائلكم العشرة ، فتنتدبوا من كل قبيلة رجلا نجدا ، ثم تسلحوه حساما عضبا ، و تمهل الفتية حتى إذا غسق الليل و غور بيتوا بابن أبي كبيشة بياتا ، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعا، فلا يستطع بنو هاشم و بنو المطلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم ، فيرضون حينئذ بالعقل منهم، فقال صاحب رأيهم أصبت يا أبا الحكم .

ثم أقبل عليهم فقال : هذا الرأي فلا تعدلوا به رأيا ، و أوكئوا في ذلك أفواهكم حتى يستتب أمركم ، فخرج القوم عزين ، و سبقهم بالوحي بما كان من كيدهم جبرئيل عليه السلام ، فتلا هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه و آله « وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ » .

 فلما أخبره جبرائيل عليه السلام بأمر الله في ذلك و وحيه ، و ما عزم له من الهجرة ، دعا رسول الله صلى الله عليه و آله عليا عليه السلام ، و قال له يا علي إن الروح هبط علي بهذه الآية آنفا ، يخبرني أن قريشا اجتمعوا على المكر بي و قتلي ، و أنه أوحى إلي ربي عز و جل أن أهجر دار قومي ، و أن انطلق إلى غار ثور تحت ليلتي ، و أنه أمرني أن آمرك بالمبيت على ضجاعي أو قال مضجعي ليخفى بمبيتك عليه أثري ، فما أنت قائل ؟ و ما صانع ؟

فقال علي عليه السلام : أو تسلم بمبيتي هناك يا نبي الله ؟

 قال نعم .

 فتبسم علي عليه السلام ضاحكا ، و أهوى إلى الأرض ساجدا ، شكرا بما أنبأه رسول الله صلى الله عليه و آله من سلامته ، و كان علي صلوات الله عليه أول من سجد لله شكرا ، و أول من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه و آله ، فلما رفع رأسه ، قال له : امض لما أُمرت فداك سمعي و بصري و سويداء قلبي ، و مرني بما شئت أكن فيه كمسرتك ، واقع منه بحيث مرادك ، و إن توفيقي إلا بالله .

 قال : و إن ألقى عليك شبه مني ، أو قال شبهي ، قال إن بمعنى نعم .

قال : فارقد على فراشي و اشتمل ببردي الحضرمي ، ثم إني أخبرك يا علي أن الله تعالى  يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم و منازلهم من دينه ، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأمثل فالأمثل ، و قد امتحنك يا ابن عم و امتحنني فيك بمثل ما امتحن به خليله إبراهيم و الذبيح إسماعيل فصبرا صبرا ، فإن رحمة الله قريب من المحسنين ، ثم ضمه النبي صلى الله عليه و آله إلى صدره و بكى إليه وجدا به ، وبكى علي عليه السلام جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه و آله.

و استتبع رسول الله صلى الله عليه و آله أبا بكر بن أبي قحافة و هند بن أبي هالة ، فأمرهما أن يقعدا له بمكان ذكره لهما من طريقه إلى الغار ، و لبث رسول الله صلى الله عليه و آله بمكانه مع علي عليه السلام يوصيه و يأمره في ذلك بالصبر حتى صلى العشاءين .

 ثم خرج : رسول الله صلى الله عليه و آله في فحمة العشاء الآخرة ، و الرصد من قريش قد أطافوا بداره  ينتظرون أن ينتصف الليل و تنام الأعين.

 فخرج : و هو يقرأ هذه الآية « وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ » و أخذ بيده قبضة من تراب فرمى بها على رءوسهم ، فما شعر القوم به حتى تجاوزهم  و مضى حتى أتى إلى هند و أبي بكر فنهضا معه ، حتى و صلوا إلى الغار .

 ثم رجع هند : إلى مكة بما أمره به رسول الله صلى الله عليه و آله ، و دخل رسول الله صلى الله عليه و آله و أبو بكر إلى الغار ، فلما غلق الليل أبوابه و أسدل أستاره و انقطع الأثر ، أقبل القوم على علي عليه السلام يقذفونه بالحجارة و الحلم ، و لا يشكون أنه رسول الله صلى الله عليه و آله ، حتى إذا برق الفجر و أشفقوا أن يفضحهم الصبح هجموا على علي صلوات الله عليه ، و كانت دور مكة يومئذ سوائب لا أبواب لها .

 فلما بصر بهم علي عليه السلام : قد انتضوا السيوف و أقبلوا عليه بها ، و كان يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة ، وثب له علي عليه السلام فختله و همز يده ، فجعل خالد يقمص قماص البكر ، و يرغو رغاء الجمل ، و يذعر و يصيح ، و هم في عرج الدار من خلفه ، و شد عليهم علي عليه السلام بسيفه يعني سيف خالد فأجفلوا أمامه إجفال النعم إلى ظاهر الدار ، فتبصروه فإذا هو علي عليه السلام .

فقالوا : إنك لعلي ؟ قال : أنا علي .

قالوا : فإنا لم نردك ، فما فعل صاحبك ؟

قال : لا علم لي به ، و قد كان علم يعني عليا عليه السلام أن الله (تعالى) قد أنجى نبيه صلى الله عليه و آله بما كان أخبره من مضيه إلى الغار و اختبائه فيه ، فأذكت قريش عليه العيون ، و ركبت في طلبه الصعب و الذلول ، و أمهل علي صلوات الله عليه حتى إذا أعتم من الليلة القابلة ، انطلق هو و هند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله صلى الله عليه و آله في الغار .

 فأمر رسول الله : صلى الله عليه و آله هندا أن يبتاع له و لصاحبه بعيرين ، فقال أبو بكر : قد كنت أعددت لي و لك يا نبي الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب . فقال : إني لا آخذهما و لا أحدهما إلا بالثمن . قال : فهي لك بذلك . فأمر صلى الله عليه و آله عليا عليه السلام فأقبضه الثمن ، ثم أوصاه بحفظ ذمته و أداء أمانته .

 و كانت قريش تدعو محمدا : صلى الله عليه و آله في الجاهلية الأمين ، و كانت تستودعه و تستحفظه أموالها و أمتعتها ، و كذلك من يقدم مكة من العرب في الموسم ، و جاءته النبوة و الرسالة و الأمر كذلك ، فأمر عليا عليه السلام أن يقيم صارخا يهتف بالأبطح غدوة و عشيا : ألا من كان له قبل محمد أمانة أو وديعة فليأت فلتؤد إليه أمانته .

 قال و قال النبي : صلى الله عليه و آله إنهم لن يصلوا من الآن إليك يا علي بأمر تكرهه حتى تقدم علي ، فأد أمانتي على أعين الناس ظاهرا .

 ثم إني مستخلفك : على فاطمة ابنتي ، و مستخلف ربي عليكما و مستحفظه فيكما .

 و أمره : أن يبتاع رواحل له و للفواطم ، و من أزمع للهجرة معه من بني هاشم .

 قال أبو عبيدة : فقلت لعبيد الله يعني ابن أبي رافع : أ و كان رسول الله صلى الله عليه و آله يجد ما ينفقه هكذا ؟

فقال : إني سألت أبي عما سألتني ، و كان يحدث بهذا الحديث ، فقال فأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام ، و قال : إن رسول الله صلى الله عليه و آله قال : ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة عليها السلام .

 و كان رسول الله : صلى الله عليه و آله يفك من مالها الغارم و العاني و يحمل الكل ، و يعطي في النائبة ، و يرفد فقراء أصحابه إذ كان بمكة ، و يحمل من أراد منهم الهجرة ، و كانت قريش إذا رحلت عيرها في الرحلتين يعني رحلة الشتاء و الصيف كانت طائفة من العير لخديجة ، و كانت أكثر قريش مالا ، و كان صلى الله عليه و آله ينفق منه ما شاء في حياتها ثم ورثها هو و ولدها بعد مماتها .

 قال و قال رسول الله : صلى الله عليه و آله لعلي و هو يوصيه و إذا أبرمت ما أمرتك فكن على أهبة الهجرة إلى الله و رسوله ، و سر إلي لقدوم كتابي إليك  و لا تلبث بعده .

 و انطلق رسول الله : صلى الله عليه و آله لوجهه يؤم المدينة ، و كان مقامه في الغار ثلاثا ، و مبيت علي صلوات الله عليه على الفراش أول ليلة .

قال عبيد الله بن أبي رافع : و قد قال علي بن أبي طالب عليه السلام شعرا يذكر فيه مبيته على الفراش ومقام رسول الله صلى الله عليه وآله في الغار ثلاثا :

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا    ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

محمد لما خـاف أن يمكـروا بـه    فوقـاه ربي ذو الجلال من المكر

وبـت أراعيهـم متى ينشـرونني   وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

و بات رسول الله  في الغار آمنـا   هناك و في حفظ الإلـه وفي سـتر

أقـام ثلاثا ثـم زمـت  قلائـص    قلائص يفـرين الحصا أينما تفري‏

و لما ورد رسول الله : صلى الله عليه و آله المدينة ، نزل في بني عمرو بن عوف بقباء ، فأراده أبو بكر على دخوله المدينة و ألاصه في (حثه على ) ذلك .

 فقال : ما أنا بداخلها حتى يقدم ابن عمي و ابنتي ، يعني عليا و فاطمة عليهما السلام .

قال قال أبو اليقظان : فحدثنا رسول الله و نحن معه بقباء عما أرادت قريش من المكر به و مبيت علي عليه السلام على فراشه .

 قال : أوحى الله عز و جل إلى جبرائيل و ميكائيل عليهما السلام أني قد آخيت بينكما و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر صاحبه فأيكما يؤثر أخاه فكلاهما كرها الموت ، فأوحى الله إليهما عبدي أ لا كنتما مثل وليي علي بن أبي طالب، آخيت بينه و بين نبيي فآثره بالحياة على نفسه ، ثم ظل أو قال : رقد على فراشه يفديه بمهجته ، اهبطا إلى الأرض كلاكما فاحفظاه من عدوه ، فهبط جبرئيل فجلس عند رأسه ، و ميكائيل عند رجليه ، و جعل جبرئيل يقول بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب و الله عز و جل يباهي بك الملائكة .

قال : فأنزل الله عز و جل في علي عليه السلام « وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » .

 قال أبو عبيدة قال أبي و ابن أبي رافع : ثم كتب رسول الله صلى الله عليه و آله إلى علي بن أبي طالب عليه السلام كتابا يأمره فيه بالمسير إليه و قلة التلوم ، و كان الرسول إليه أبا واقد الليثي .

فلما أتاه كتاب رسول الله : صلى الله عليه و آله تهيأ للخروج و الهجرة ، فآذن من كان معه من ضعفاء المؤمنين ، فأمرهم أن يتسللوا و يتخففوا إذا ملأ الليل بطن كل واد إلى ذي طوى .

 و خرج علي عليه السلام : بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله ، و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ، و فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ، و قد قيل هي ضباعة ، و تبعهم أيمن ابن أم أيمن مولى رسول الله صلى الله عليه و آله ، و أبو واقد رسول رسول الله صلى الله عليه و آله ، فجعل يسوق بالرواحل فأعنف بهم .

 فقال علي صلوات الله عليه أرفق بالنسوة يا أبا واقد إنهن من الضعائف.

 قال : إني أخاف أن يدركنا الطالب ، أو قال الطلب .

فقال علي عليه السلام : اربِع عليك ، فإن رسول الله صلى الله عليه و آله قال لي : يا علي إنهم لن يصلوا من الآن إليك بما تكرهه .

 ثم جعل يعني عليا عليه السلام يسوق بهن سوقا رفيقا وهو يرتجز و يقول:

ليس إلا الله فارفــع ظنكا     يكفيك رب الناس ما أهمكا

و سار : فلما شارف ضجنان أدركه الطلب ، و عددهم سبعة فوارس من قريش مستلئمين ، و ثامنهم مولى لحرب بن أمية يدعى جناحا .

 فأقبل علي عليه السلام : على أيمن و أبي واقد و قد تراءى القوم ، فقال لهما أنيخا الإبل و اعقلاها ، و تقدم حتى أنزل النسوة ، و دنا القوم فاستقبلهم عليه السلام منتضيا سيفه .

 فأقبلوا عليه فقالوا : أ ظننت أنك يا غدر ناج بالنسوة ارجع لا أبا لك.

قال : فإن لم أفعل ؟

قالوا : لترجعن راغما ، أو لنرجعن بأكثرك شعرا و أهون بك من هالك ، و دنا الفوارس من النسوة و المطايا ليثوروها .

 فحال علي : عليه السلام بينهم و بينها ، فأهوى له جناح بسيفه ، فراغ علي عليه السلام عن ضربته و تختله علي عليه السلام فضربه على عاتقه ، فأسرع السيف مضيا فيه حتى مس كاثبة فرسه ، فكان عليه السلام يشد على قدمه شد الفرس ، أو الفارس على فرسه ، فشد عليهم بسيفه و هو يقول :

خلوا سبيل الجاهد المجاهد      آليت لا أعبد غير الواحد

فتصدع عنه القوم و قالوا له : اغن عنا نفسك يا ابن أبي طالب .

 قال : فإني منطلق إلى ابن عمي رسول الله صلى الله عليه و آله بيثرب ، فمن سره أن أفري لحمه و أريق دمه فليتعقبني أو فليدن مني .

 ثم أقبل : على صاحبيه أيمن و أبي واقد ، فقال لهما : أطلقا مطاياكما.

ثم سار : ظاهرا قاهرا حتى نزل ضجنان ، فتلوم بها قدر يومه و ليلته ، و لحق به نفر من المستضعفين من المؤمنين ، و فيهم أم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه و آله .

 فظل ليلته تلك هو و الفواطم : أمه فاطمة بنت أسد ، و فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله ، و فاطمة بنت الزبير ، طورا يصلون ، و طورا يذكرون الله قياما و قعودا و على جنوبهم ، فلم يزالوا كذلك حتى طلع الفجر فصلى عليه السلام بهم صلاة الفجر .

 ثم سار : لوجهه يجوب منزلا بعد منزل لا يفتر عن ذكر الله ، و الفواطم كذلك ، و غيرهم ممن صحبه حتى قدموا المدينة .

 و قد نزل الوحي : بما كان من شأنهم قبل قدومهم بقوله تعالى :

 « الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى‏ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ » إلى قوله « فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ »

الذكر : علي ، و الأنثى : الفواطم المتقدم ذكرهن .

 و هن : فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و آله ، و فاطمة بنت أسد ، و فاطمة بنت الزبير « بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ » .

يقول : علي من فاطمة ، أو قال : الفواطم و هن من علي .

« فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ اللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ » .

و تلا صلى الله عليه و آله : « وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ».

 قال و قال : يا علي أنت أول هذه الأمة إيمانا بالله و رسوله ، و أولهم هجرة إلى الله و رسوله ، و آخرهم عهدا برسوله ، لا يحبك و الذي نفسي بيده إلا مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان ، و لا يبغضك إلا منافق أو كافر [19].

يا طيب : إن فاطمة الزهراء عليها السلام كانت في هذه الأحداث كلها حتى في يوم المبيت ، فإن الإمام علي بات في بيت أمها خديجة وهو بيت النبي وفي نفس مكان مبيتها ، وهي تشهد كل ما جرى من الأحداث التي في هذا الحديث فضلا عن الهجرة ، بل حتى وفاة أمها وتآمر القوم على أبيها وكل ما مر في الحديث .

 بل تدبر : جهاد النبي الأكرم في مكة والمدينة في صحيفة النبوة من موسوعة صحف الطيبين تعرف إنها عاشت أصعب الأحداث في سبيل طاعة الله وإقامة دينه جنبا إلى جنب مع أبيها وزوجها وإن لم تذكر في الأحداث ، لأنه كانت في بيتها ولكن كانت هي مكان الأمن والراحة لهم حتى كان النبي حين يرجع من سفرة وجهاده أول ما يقدم عليها فيرتاح عندها ويأنس بنور مكانتها السامية عند الله ، فتدبر الأحاديث في الأبواب الآتية تعرف عظمة دورها .

 وهذا كله يدلنا على صبرها وتفانيها في طاعة أبيها وزوجها قبل الزواج وبعده .

 كما إن في هذا الحديث كانت مع أم الإمام علي عليه السلام فاطمة بنت أسد في كل هذه الأحداث،  وكذلك من لحقهم من المؤمنين .

وإذا تم ما عرفت : نذكر أحول فاطمة الزهراء عليها السلام في المدينة ونبدأ من زواجها ، لأنها بقيت في بيت أبيها ترعاه حتى في المدينة فضلا عن ما كان في مكة كما عرفت ، ثم بأمر الله ورسوله تزوجت بالإمام علي بن عم أبيها وأخيه ووصيه ووراثة وخليفته بالحق وأبو الأئمة عليهم الصلاة والسلام فتابع البحث يا طيب .

 ونسأل الله أن يمنحنا السلامة في الدين والدنيا والعافية في نعيمه الذي يُصرف في طاعته مع إخلاص العبودية له وحده لا شريك له ، وحتى نكون بحق من شيعة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها عليهم الصلاة والسلام ، ومعهم في الهدى والنعيم في أعلى مراتب النور والمجد عنده في كرامته ورضوانه ، وإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .



[1] الكافي ج1ص440ح3 .

[2] جامع ‏الأخبار ص9ف4 .

[3] بصائر الدرجات ص69ح2.

[4] تأويل ‏الآيات‏ الظاهرة ص143 و بحار الأنوار ج37ص82 باب 50ح51عنه وعن كنز جامع الفوائد .

[5] تفسير فرات الكوفي ص56 53ح 56- 15 .

[6] معاني الأخبار ص108 باب معنى الأمانة التي عرضت ح 1 .

[7] كتاب ‏سليم‏ بن ‏قيس ص856ح45.

[8] علل الشرائع ج1ص208ب156ح11 ، وعنه في دلائل الإمامة ص59.

[9] معاني الأخبار ص396 باب نوادر المعاني ح53 .

[10] بشارة المصطفى ص20 بشارة المصطفى لشيعة المرتضى ..... 

[11] العدد القوية ص219 نبذة من أحوال الصديقة الطاهرة عليها السلام . وانظر المناقب ج3ص340 فصل في معجزاتها. الأمالي للصدوق ص593م87ح1 ، دلائل الإمامة ص8 خبر ولادتها .

[12] ثواب‏ الأعمال ص202 ثواب أب البنات .

[13] تاريخ اليعقوب35

[14] . الأمالي للطوسي ص175م6ح294-46

[15] الخصال ج2ص404ح116 .

[16] إعلام ‏الورى ص47 الفصل الخامس في ذكر ما لقي رسول الل

[17] إيمان ‏أبي‏ طالب‏ للفخار ص352 .

[18] المناقب ج1ص175 فصل في أحواله و تواريخه .

[19] الأمالي‏للطوسي ص 463 1031-  37

أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين

 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق أم الأئمة الكرام عليها السلام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة فاطمة الزهراء عليها السلام