هداك الله بنور الإسلام حتى تصل لأعلى مقام

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين
موسوعة صحف الطيبين في  أصول الدين وسيرة المعصومين
 صحيفة فاطمة الزهراء عليها السلام
الجزء الأول : نور حياتها في الملكوت والأرض
خطبة فاطمة الزهراء عليها السلام
بعد غصب فدك

يا طيب : حتى نضع أحداث السقيفة وما جرى فيها و غصب فدك بعدها ، نذكر لكم هذه الخطبة الجامعة : لغرر الحكم وعلل التشريع وأصول التوحيد ومعارفه القيمة مع بلاغة كلامها وقصر ألفاظها ، لكنها عظيمة المعنى كبيرة المغزى عزيزة المرمى لمن يطلب الحق والعدل والدين والهدى وأهله ، نضعها كمقدمة للبحث الآتي حين يوفقنا الله تعالى لإتمامه وهو أرحم الراحمين وهو ولي التوفيق :

 

عن دلائل الإمامة : لأبي جعفر الطبري ذكر : حدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عثمان بن سعيد الزيات قال : حدثنا محمد بن الحسين العضباني قال : حدثنا أحمد بن محمد بن نصر البزنطي ، عن السكوني ، عن أبان بن عثمان الأحمر ، عن أبان بن تغلب الربعي ، عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منع فدك ...

و أخبرني : أبو الحسين محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال : حدثنا أبي قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال : حدثني محمد بن المفضل بن إبراهيم بن المفضل بن قيس الأشعري قال : حدثنا علي بن حسان ، عن عمه عبد الرحمن بن كثير ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جده علي بن الحسين ، عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين قالت : لما أجمع أبو بكر على منع فاطمة فدكا ....

قال أبو العباس : و حدثنا محمد بن المفضل بن إبراهيم الأشعري قال : حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن محمد بن عمرو بن عثمان الجعفي قال : حدثني أبي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده علي بن الحسين ، عن عمته زينب بنت أمير المؤمنين ، و غير واحد : أن فاطمة لما أجمع أبو بكر على منعها فدكا ..

و حدثني : القاضي أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر بن سهل بن حمرانالدقاق قال : حدثتني أم الفضل خديجة بنت محمد بن أحمد بن أبي الثلج قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصفواني قال : حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري قال : حدثنا محمد بن زكريا قال : حدثنا جعفر بن عمارة الكندي قال : حدثني أبي عن الحسن بن صالح بن حي قال : و ما رأت عيناي مثله قال : حدثني رجلان من بني هاشم عن زينب بنت علي قالت : لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منع فدك و انصراف وكيلها عنها ، لاثت خمارها .... الحديث .

قال الصفواني : و حدثني محمد بن محمد بن يزيد مولى بني هاشم ، قال حدثني عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، عن عبد الله بن الحسن بن الحسن ، عن جماعة من أهله ، و ذكر الحديث ...

قال الصفواني : و حدثني أبي عن عثمان قال : حدثنا نائل بن نجيح عن عمرو بن شمر عن جابر الجعفي ، عن أبي جعفر ، عن آبائه ، و ذكر الحديث ..

قال الصفواني : و حدثنا عبد الله بن ضحاك قال : حدثنا هشام بن محمد ، عن أبيه ابن وعوانة ..

 قال الصفواني : و حدثنا ابن عائشة ببعضه ، و حدثنا العباس بن بكار قال : حدثنا حرب بن ميمون ، عـن زيـد بن عـلـي ، عن آبـائــه عليهم السـلام قالوا :

 

لما بلغ فاطمة عليها السلام : إجماع أبي بكر على منعها فدك و انصرف عاملها منها ، لاثت خمارها ، ثم أقبلت في لمة من حفدتها و نساء قومها ، تطأ أذيالها ، ما تخرم مشية رسول الله ، حتى دخلت على أبي بكر ، و قد حفل حوله المهاجرون والأنصار، فنيطت دونها ملاءة، فأنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء ..

ثم أمهلت : حتى هدأت فورتهم و سكنت روعتهم ، افتتحت الكلام فقالت :

أبتدئ بالحمد : لمن هو أولى بالحمد و المجد و الطول ، الحمد لله : على ما أنعم ، و له الشكر : على ما ألهم ، و الثناء : على ما قدم ، من عموم نعم ابتدأها ، و سبوغ آلاء أسداها ، و إحسان منن والاها ، جم : عن الإحصاء عددها ، و نأى : عن المجاراة أمدها ، و تفاوت : عن الإدراك أبدها ، استدعى الشكور بإفضالها ، و استحمد إلى الخلائق بإجزالها ، و أمر بالندب إلى أمثالها .

و أشهد : أن لا إله إلا الله كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، و ضمن القلوب موصولها ، و أبان في الفكر معقولها .

 الممتنع : من الأبصار : رؤيته ، و من الألسن : صفته ، و من الأوهام : الإحاطة به .

 ابتدع الأشياء : لا من شي‏ء كان قبله ، و أنشأها بلا احتذاء مثله ، وضعها لغير فائدة زادته ، إظهارا لقدرته ، و تعبدا لبريته، وإعزازا لأهل دعوته.

 ثم جعل : الثواب على طاعته ، و وضع العقاب على معصيته ، ذيادة لعباده عن نقمته ، و حياشة لهم إلى جنته .

و أشهد : أن أبي محمدا عبده و رسوله ، اختاره قبل أن يبتعثه ، و سماه قبل أن يستنجبه ، إذ الخلائق في الغيب مكنونة ، و بسد الأوهام مصونة ، و بنهاية العدم مقرونة ، علما من الله في غامض الأمور ، و إحاطة من وراء حادثة الدهور ، و معرفة بموقع المقدور .

ابتعثه الله : إتماما لعلمه ، و عزيمة : على إمضاء حكمه ، فرأى الأمم فرقا في أديانها ، عكفا على نيرانها ، عابدة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فأنار الله بمحمد ظلمها ، و فرج عن القلوب شبهها ، و جلا عن الأبصار غممها ، و عن الأنفس عمهها .

ثم قبضه الله : إليه قبض رأفة و رحمة و اختيار ، و رغبة لمحمد عن تعب هذه الدار ، موضوعا عنه أعباء الأوزار ، محفوفا بالملائكة الأبرار ، و رضوان الرب الغفار ، و مجاورة الملك الجبار ، أمينه على الوحي و صفيه و رضيه و خيرته من خلقه و نجيه ، فعليه الصلاة و السلام و رحمة الله و بركاته .

 

ثم التفتت إلى أهل المسجد فقالت للمهاجرين و الأنصار :

و أنتم عباد الله : نصب أمره و نهيه ، و حملة دينه و وحيه ، و أمناء الله على أنفسكم ، و بلغاؤه إلى الأمم ، زعيم الله فيكم ، و عهد قدمه إليكم ، و بقية استخلفها عليكم :

 كتاب الله : بينة : بصائره و آية ، منكشفة : سرائره و برهانه ، متجلية : ظواهره ، مديم للبرية : استمامه ، قائد : إلى الرضوان أتباعه ، مؤد : إلى النجاة أشياعه ، فيه تبيان : حجج الله المنيرة ، و مواعظه المكررة ، و عزائمه المفسرة ، و محارمه المحذرة ، و أحكامه الكافية ، و بيناته الجالية ، و فضائله المندبة ، و رخصه الموهوبة ، و رحمته المرجوة ، و شرائعه المكتوبة .

 ففرض الله عليكم : الإيمان : تطهيرا لكم من الشرك ، و الصلاة : تنزيها لكم عن الكبر ، و الزكاة :تزييدا في الرزق ، و الصيام : إثباتا للإخلاص ، و الحج : تشييدا للدين ، و الحق : تسكينا للقلوب ، و تمكينا للدين .

و طاعتنا : نظاما للملة ، و إمامتنا : لما للفرقة .

و الجهاد : عزا للإسلام ، و الصبر : معونة على الاستجابة ، و الأمر بالمعروف : مصلحة للعامة ، و النهي عن المنكر : تنزيها للدين ، و البر بالوالدين : وقاية من السخط ، و صلة الأرحام : منماة للعدد ، و زيادة في العمر ، و القصاص : حقنا للدماء ، و الوفاء بالعهود : تعرضا للمغفرة ، و وفاء المكيال و الميزان : تعييرا للبخس  و التطفيف .

 و اجتناب قذف المحصنة : حجابا عن اللعنة ، و التناهي : عن شرب الخمور : تنزيها عن الرجس ، و مجانبة : السرقة : إيجابا للعفة ، و ـ التنزه عن: ـ أكل مال اليتيم و الاستيثار به : إجارة من الظلم ، و النهي عن الزناء : تحصنا عن المقت .

 و العدل في الأحكام : إيناسا للرعية ، و ترك الجور في الحكم : إثباتا للوعيد ، و النهي عن الشرك : إخلاصا له تعالى بالربوبية .

فاتقوا الله حق تقاته : و لا تموتن إلا و أنتم مسلمون ، و لا تتولوا مدبرين ، وأطيعوه فيما أمركم ونهاكم ، فإنما يخشى الله من عباده العلماء .

فاحمدوا الله : الذي بنوره و عظمته ابتغى من في السماوات و من في الأرض إليه الوسيلة ، فنحن وسيلته في خلقه ، و نحن آل رسوله ، و نحن حجة غيبه و ورثة أنبيائه .

ثم قالت : أنا فاطمة ، و أبي محمد ، أقولها عودا على بدء ، و ما أقولها إذ أقول سرفا و لا شططا : { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ }[1] إن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم ، و أخا ابن عمي دون رجالكم .

 بلغ النذارة : صادعا بالرسالة ، ناكبا عن سنن المشركين ، ضاربا لأثباجهم ، آخذا بأكظامهم ، داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة و الموعظة الحسنة ، يجذ الأصنام ، و ينكت الهام حتى انهزم الجمع و ولوا الدبر ، و حتى تفرى الليل عن صبحه ، و أسفر الحق عن محضه ، و نطق زعيم الدين ، و هدأت فورة الكفر ، و خرست شقاشق الشيطان ، و فهتم بكلمة الإخلاص .

 و كنتم على شفا حفرة من النار : فأنقذكم منها نبيه ، تعبدون الأصنام ، و تستقسمون بالأزلام ، مذقة الشارب ، و نهزة الطامع ، و قبسة العجلان ، و موطئ الأقدام ، تشربون الرنق ، و تقتاتون القدد ، أذلة خاشعين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم به بعد اللتيا و التي .

و بعد ما مني :ببهم الرجال ، و ذؤبان العرب .

 كلما أوقدوا نارا للحرب : أطفأها الله ، و كلما نجم قرن الضلالة ، أو فغرت فاغرة للمشركين :  قذف أخاه : في لهواتها ، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه ، و يخمد لهبها بحده ، مكدودا في ذات الله ، قريبا من رسول الله ، سيدا في أولياء الله .

 و أنتم : في بلهنية آمنون وادعون فرحون ، تتوكفون الأخبار ، و تنكصون عند النزال على الأعقاب .

حتى أقام الله : بمحمد عمود الدين ، و لما اختار له الله عز و جل دار أنبيائه ، و مأوى أصفيائه .

 ظهرت : حسيكة النفاق ، و سمل جلباب الدين ، و أخلق ثوبه ، و نحل عظمه ، و أودت رمته ، و ظهر نابغ ، و نبغ خامل ، و نطق كاظم و هدر ،  فنبق الباطل يخطر في عرصاتكم ، و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم ، فألفاكم غضابا ، فخطمتم غير إبلكم ، و أوردتموها غير شربكم ، بدارا زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا ، و إن جهنم لمحيطة بالكافرين .

هذا و العهد قريب : و الكلم رحيب ، و الجراح لما يندمل ، فهيهات منكم ، و أين بكم ، و أنى تؤفكون ، و كتاب الله بين أظهركم ، زواجره لائحة ، و أوامره لامحة ، و دلائله واضحة ، و أعلامه بينة ، و قد خالفتموه رغبة عنه ، فبئس للظالمين بدلا .

ثم لم تربثوا شعثها : إلا ربث أن تسكن نفرتها ، و يسلس قيادها ، تسرون حصوابارتغاء ، أو نصر منكم على مثل حز المدى .

 و زعمتم : أن لا إرث لنا ، أ فحكم الجاهلية تبغون ، و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ، و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين .

إيها معشر المسلمين : أ أبتز إرث أبي ؟

يا ابن أبي قحافة : أبى الله أن ترث أباك و لا أرث أبي ، لقد جئت شيئا فريا ، جرأة منكم على قطيعة الرحم ، و نكث العهد ، فعلى عمد ما تركتم كتاب الله بين أظهركم ، و نبذتموه إذ يقول : { وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ }[2]، و فيما قص من خبر يحيى و زكريا ، إذ يقول : { رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ }(آل عمران/38).و قال عز و جل : {يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ }[3]. و قال تعالى : { إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ }[4].

و زعمتم : أن لا حظ لي و لا إرث من أبي ، أ فخصكم الله بآية أخرج أبي منها ؟ أم تقولون أهل ملتين لا يتوارثان ؟ أ و لست أنا و أبي من ملة واحدة ؟ أم أنتم بخصوص القرآن و عمومه أعلم ممن جاء به ؟

فدونكموها:مرحولةمزمومة ، تلقاكم يوم حشركم .

فنعم الحكم الله : و نعم الخصيم محمد ، و الموعد القيامة ، و عما قليل تؤفكون ، و عند الساعة ما تحصرون ، و لكل نبإ مستقر ، و سوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ، و يحل عليه عذاب مقيم .

ثم التفتت إلى قبر أبيها وتمثلت بأبيات صفيه بنت عبد المطلب:

قد كان بعدك أنبــاء و هنـبثـة

 لو كنت شاهدها لم تكثر الخطـب‏

إنا فقدنـاك فقـد الأرض وابلهـا

و اجتث أهلك مذ غيبت واغتصبوا

أبـدت رجال لنا  فحوى صدورهم

 لما نـأيت وحـالت بيننا الكثـب‏

تهجمتنـا ليال و استخف بنا دهـر

فقـد أدركـوا منا  الـذي طلبـوا

قد كنـت للخلق نـورا يستضاء به

عليك تنزل من ذي العـزة  الكتب

‏و كان جبريـل بالآيـات يؤنسـنا

فغاب عنـا فكل الخيـر محتجـب‏

 

فقال أبو بكر : صدقت يا بنت رسول الله ، لقد كان أبوك بالمؤمنين رءوفا رحيما ، و على الكافرين عذابا أليما ، و كان و الله إذا نسبناه وجدناه أباك دون النساء ، و أخا ابن عمك دون الرجال ، آثره على كل حميم ، و ساعده على الأمر العظيم ، و أنتم عترة نبي الله الطيبون ، و خيرته المنتجبون ، على طريق الجنة أدلتنا ، و أبواب الخير لسالكينا .

فأما ما سألت : فلك ما جعله أبوك ، و أنا مصدق قولك ، لا أظلم حقك .

و أما ما ذكرت من الميراث : فإن رسول الله قال : نحن معاشر الأنبياء لا نورث .

 

فقالت فاطمة : يا سبحان الله ، ما كان رسول الله قال مخالفا ، و لا عن حكمه صادفا ، فلقد كان يلتقط أثره ، و يقتفي سيره ، أ فتجمعون إلى الظلامة الشنعاء ، و الغلبة الدهياء ، اعتلالا بالكذب على رسول الله ، و إضافة الحيف إليه .

 و لا عجب : إن كان ذلك منكم ، و في حياته ما بغيتم له الغوائل ، و ترقبتم به الدوائر .

 هذا كتاب الله : حكم عدل ، و قائل فصل عن بعض أنبياءه إذ قال : { يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا }[5]، و فصل في بريته الميراث مما فرض من حظ الذكور و الإناث .

 فلم سولت : لكم أنفسكم أمرا ؟

فصبر جميل ، و الله المستعان على ما تصفون .

 قد زعمت : أن النبوة لا تورث ، و إنما يورث ما دونها ، فما لي أمنع إرث أبي ، أ أنزل الله في كتابه إلا فاطمة بنت محمد فدلني عليه أقنع به ؟

فقال أبو بكر لها : يا بنت رسول الله أنت عين الحجة ، و منطق الحكمة لا أدل بجوابك ، و لا أدفعك عن صوابك ، لكن المسلمون بيني و بينك ، فهم قلدوني ما تقلدت ، و أتوني ما أخذت ، و ما تركت .

 

فقالت فاطمة : لمن بحضرته ، أ تجتمعون إلى المقبل بالباطل و الفعل الخاسر ؟ لبئس ما اعتاضالمسلمون ، و ما يسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين.

 أما و الله : لتجدن محملها ثقيلا ، و عباها وبيلا ، إذا كشف لكم الغطاء ، فحينئذ لات حين مناص ، و بدا لكم من الله ما كنتم تحذرون .

 قالوا : و لم يكن الرجل حاضرا ، فكتب لها أبو بكر كتابا إلى عامله برد فدك ، فأخرجته في يدها .

 و استقبلها عمر : فأخذه منها ، و تفل فيه ، و مزقه ، و قال : لقد خرف ابن أبي قحافة و ظلم .

 

فقالت له : ما لك لا أمهلك الله تعالى ، و قتلك و مزق بطنك .

و أتت من فورها ذلك الأنصار فقالت : معشر النقيبة ، و حصنة الإسلام ، ما هذه الغميزة في حقي ، و السنة عن ظلامتي ، أ ما كان رسول الله أمر بحفظ المرء في ولده ؟ فسرعان ما أحدثتم ، و عجلان ذا إهالة .

أ تقولون : مات محمد فخطب جليل استوسع وهيه ، و استهتر فتقه ، و فقد راتقه ، فأظلمت الأرض لغيبته ، و اكتأب خيرة الله لمصيبته ، و أكدت الآمال ، و خشعت الجبال ، و أضيع الحريم ، و أزيلت الحرمة بموت محمد ؟!

 فتلك : نازلة أعلن بها كتاب الله هتافا هتافا ، و لقبل ما خلت به أنبياء الله و رسله ، وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ الآية .

أ بني قيلة : أ أهضم تراث أبي و أنتم بمرأى و مسمع ، تلبسكم الدعوة ، و يشملكم الجبن ، و فيكم العدة و العدد ، و لكم الدار و الخيرة ، و أنتم أنجبته التي امتحن ، و نحلته التي انتحل ، و خيرته التي انتخب لنا أهل البيت ، فنابذتم فينا العرب ، و ناهضتم الأمم ، و كافحتم البهم لا نبرح و تبرحون ، و نأمركم فتأتمرون ، حتى دارت بنا و بكم رحى الإسلام ، و در حلب البلاد ، و خضعت بغوة الشرك ، و هدأت روعة الهرج ، و بلغت نار الحرب ، و استوسق نظام الدين ؟

 فأنى جرتم بعد البيان ؟ و نكصتم بعد الإقدام عن قوم : { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُون َ}[6] ؟

 ألا أرى و الله : إن أخلدتم إلى الخفض ، و ركنتم إلى الدعة ، فحجتم الذي استرعيتم ، و رسعتم ما استرعيتم ، ألا : و { إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ [7]} ، { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ}[8] ؟

ألا و قد قلت الذي قلت : على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم ، و لكنها فيضة النفس ، و نفثة الغيظ ، و بثة الصدر ، و معذرة الحجة .

 فدونكم فاحتقبوها دبرة الظهر ، ناقية الخضا ، باقية العار ، موسومة بشنار الأبد ، موصولة بنار الله المؤصدة الآية ، فبعين الله ما تفعلون { إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }[9] .

 و أنا ابنة : { نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }ْ[10].

فاعملوا { وَقُلْ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ}[11] ، { وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ }(الرعد/42). ، { وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون َ}[12] ، { وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا }[13]،{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه }[14].

و كان الأمر : قد قصر . ثم ولت .

 فتبعها رافع بن رفاعة الزرقي فقال لها : يا سيدة النساء ، لو كان أبو الحسن تكلم في هذا الأمر ، و ذكر للناس قبل أن يجري هذا العقد ما عدلنا به أحدا ؟

فقالت : يردنها إليك عني ، فما جعل الله لأحد بعد غدير خم من حجة ، و لا عذر .

قال : فلم ير باك و باكية كان أكثر من ذلك اليوم ، ارتجت المدينة و هاج الناس و ارتفعت الأصوات .

 

فلما بلغ ذلك أبا بكر قال لعمر : تربت يداك ما كان عليك لو تركتني ، فربما فات الخرق ، و رتقت الفتق ، أ لم يكن ذلك بنا أحق ؟

فقال الرجل : قد كان في ذلك تضعيف سلطانك و توهين كافتك ، و ما أشفقت إلا عليك .

قال ويلك : فكيف بابنة محمد ، و قد علم الناس ما تدعو إليه ، و ما نحن من الغدر عليه ؟

فقال : هل هي إلا غمرة انجلت ، و ساعة انقضت ، و كان ما قد كان لم يكن !! ما قد مضى مما مضى كما مضى ، و ما مضى مما مضى قد انقضى‏.

 أقم الصلاة و آت الزكاة و أمر بالمعروف و انه عن المنكر و وفر الفي‏ء و صل القرابة فإن الله يقول إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى‏ لِلذَّاكِرِينَ و يقول :{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}[15]. و يقول : {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ }[16] ذنب واحد في حسنات كثيرة قلدني ما يكون من ذلك .

فضرب بيده على كتف عمر و قال : رب كربة فرجتها يا عمر ، ثم نادى الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس و صعد المنبر :

فحمد الله و أثنى عليه ،ثم قال أيها الناس :

ما هذه الرعة ، و مع كل قالة أمنية ، أين كانت هذه الأماني في عهد نبيكم ، فمن سمع فليقل ، و من شهد فليتكلم ، كلا بل هو ثعالة شهيده ذنبه لعنه الله ، و قد لعنه رسوله مرات بكل أمنية ، يقول : كروها جذعة ابتغاء الفتنة من بعد ما هرمت ، كأم طحال أحب أهلها الغوى ، ألا لو شئت أن أقول لقلت ، و لو تكلمت لبحت ، و أني ساكت ما تركت ، يستعينون بالصبية و يستنهضون النساء ، و قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم .

فوالله : إن أحق الناس بلزوم عهد رسول الله لأنتم ، لقد جاءكم الرسول فآويتم و نصرتم ، و أنتم اليوم أحق من لزم عهده ، و مع ذلك فاغدوا على أعطياتكم ، فإني لست كاشفا قناعا ، و لا باسطا ذراعا ، و لا لسانا إلا على من استحق ذلك و السلام .

 

قال : فأطلعت أم سلمة رأسها من بابها ، و قالت :

 أ لمثل فاطمة يقال هذا ؟ و هي الحوراء بين الإنس ، و الأنس للنفس ، ربيت في حجور الأنبياء ، و تداولتها أيدي الملائكة ، و نمت في المغارس الطاهرات ، نشأت خير منشأ ، و ربيت خير مربا .

 أ تزعمون أن رسول الله حرم عليها ميراثه و لم يعلمها ؟ و قد قال الله له : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ }[17] .

فأنذرها و جاءت تطلبه ؟  و هي خيرة النسوان ، و أم سادة الشبان ، و عديلة مريم ابنة عمران ، و حليلة ليث الأقران ، تمت بأبيها رسالات ربه ، فو الله لقد كان يشفق عليها من الحر و القر ، فيوسدها يمينه ، و يدثرها شماله .

رويدا فرسول الله بمرأى لأعينكم ، و على الله تردون ، فواها لكم ، و سوف تعلمون .

قال : فحرمت أم سلمة تلك السنة عطاءها .

 و رجعت فاطمة إلى منزلها : فشكت .

 

قال أبو جعفر ـ صاحب كتاب دلائل الإمامة الذي نقلنا منه الرواية ـ : نظرت في جميع الروايات ، فلم أجد فيها أتم شرح و أبلغ في الإلزام ، و أوكد في الحجة من هذه الرواية .

ونظرت إلى رواية عبد الرحمن بن كثير ، فوجدته قد زاد في هذا الموضع :

 أ نسيتم قول رسول الله ، و بدأ بالولاية : أنت مني بمنزلة هارون من موسى ، و قوله : إني تارك فيكم الثقلين ، ما أسرع ما أحدثتم ، و أعجل ما نكثتم ، و هو في بقية الحديث على السياقة .

دلائل‏الإمامة ص : 29ـ 39 حديث فدك .

 

 

عيادة نساء المدينة لها و خطابها لهن

 حدثني أبو المفضل محمد بن عبد الله قال حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال حدثني محمد بن الفضل بن إبراهيم بن الفضل دلائل‏الإمامة ص : 40بن قيس الأشعري قال حدثنا علي بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين قال لما رجعت فاطمة إلى منزلها و شكت و توفيت في تلك الشكاية دخلن عليها النساء المهاجرات و الأنصاريات عائدات فقلن لها كيف أصبحت يا بنت رسول الله فقالت أصبحت و الله عائفة لدنياكن قالية لرجالكن شنأتهم بعد أن عرفتهم و لفظتهم بعد أن سبرتهم و رميتهم بعد أن عجمتهم فقبحا لفلول الحد و خطل الرأي و عئور الجد و خوف الفتن لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون لا جرم و الله لقد قلدتهم ربقتها و شننت عليهم غارتها فجدعا و عقرا و بعدا للقوم الظالمين ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة و قواعد النبوة و مهبط الروح الأمين بالوحي المبين الضنين بأمر الدنيا و الدين ألا ذلك هو الخسران المبين ما الذي نقموا من أبي الحسن نقموا و الله منه شدة وطأته و نكال وقعته و نكير سيفه و تبحره في كتاب الله و تنمره في ذات الله و ايم الله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله لأعتقله ثم سار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشة و لا يتعتع راكبه و لأوردهم منهلا رويا صافيا فضفاضا تطفح ضفتاه ثم لأصدرهم بطانا بغمرة الشارب و شبعه الساغب و لانفتحت عليهم بركات من السماء و الأرض و لكنهم بغوا فسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون ألا فاسمعن و من عاش أراه الدهر العجب و إن تعجبن فانظرن إلى أي نحو اتجهوا و على أي سند استندوا و بأي عروة تمسكوا و لمن اختاروا و لمن تركوا لباس المولى و لبئس العشير استبدلوا و الله الذنابى بالقوادم و العجز بالكاهل فرغمالمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون أ فمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون ألا لعمر الله لقد دلائل‏الإمامة ص : 41لقحت فانظروها تنتج و احتلبوالطلاعالقعب دما عبيطا و ذعافاممقرا هنالك خسر المبطلون و عرف التالون ما أسس الأولون فليطيبوا بعد ذلك نفسا و ليطمئنوا للفتنة جأشا و ليبشروا بسيف صارم و هرج شامل و استبدال من الظالمين يدع فيئكم زهيدا و جمعكم حصيدا فيا خسرى لكم و كيف بكم و قد عميت عليكم أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون

 و حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن مخلد بن جعفر الباقرحي قال حدثتني أم الفضل خديجة بنت أبي بكر محمد بن أحمد بن أبي الثلج قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد الصفواني قال حدثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال حدثني محمد بن زكريا قال حدثني محمد بن عبد الرحمن المهلبي قال حدثنا عبد الله بن محمد بن سليمان المدائني قال حدثني أبي عن عبد الله بن الحسن بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين قالت لما اشتدت علة فاطمة اجتمع عندها نساء المهاجرين و الأنصار و قلن لها كيف أصبحت يا بنت رسول الله فقالت أصبحت عائفة لدنياكن قالية لرجالكن لفظتهم بعد أن عجمتهم و سئمتهم بعد أن سبرتهم فقبحا لفلول الحد و خور القناة و خطل الرأي لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم و في العذاب هم خالدون لقحت فنظرة ريثما تنتج ثم احتلبواطلاعالقعب دما عبيطا و ذعافاممقرا فهنالك يخسر المبطلون و يعرف التالون ما أسس الأولون فطيبوا عن أنفسكم نفسا و اطمأنوا للفتنة جأشا و أبشروا بسيف قاصل و هرج شامل و استبدال من الظالمين يدع فيئكم زهيدا و جمعكم حصيدا فيا خسرى لكم و أنى بكم و قد عميت عليكم أ نلزمكموها و أنتم لها كارهون و الحمد لله رب العالمين و الصلاة على أبي سيد المرسلين

 دلائل‏الإمامة ص : 42وصية فاطمة عليها السلام .

 أخوكم في الإيمان بالله ورسوله وبكل ما أوجبه تعالى
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين
 


[1] (التوبة/128).

[2](النمل/16).

[3](النساء/11).

[4](البقرة/180).

[5](مريم/6).

[6](التوبة/12).

[7](إبراهيم/8).

[8](إبراهيم/9).

[9](الشعراء/227).

[10](الشعراء/227).

[11](هود/121ـ122).

[12](التوبة/105).

[13](الإسراء/13).

[14](الزلزلة/7ـ8).

[15](الرعد/39).

[16] ولم يذكر باقي الآية وهو : {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(آل عمران/135).

[17](الشعراء/214).


 

إلى أعلى مقام الصفحة صفح الله عنا بحق أم الأئمة الكرام عليها السلام


يا طيب إلى الفهرس العام والخاص لصحيفة فاطمة الزهراء عليها السلام