الفصل الخامس
وصية سيدي ومولاي الإمام أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم رضى الله عنه ولنا وصفته للعقل


تقديم : إن الله تعالى أكمل عقول نبينا محمد وآله وأمرنا بأتباعهم :
هذه الوصية وما يذكر فيها من بيان حدود العقل : وما عليه من تصرف العقلاء وما يستبين به العاقل من غيره في هذا الحديث الشريف ، هو من أوسع وأكمل وأتم الأحاديث في هذا الباب ، ولا يوجد أتم منه ولا أكمل منه في بيان العقل وحدوده عند المسلمين فضلاً عن غيرهم .
حيث إن في هذا الحديث الشريف : بيان عظيم لمقام الإمامة والإمام وما هم عليه من الكمال التام ونعيم الهداية عليهم السلام ، وفيه بيان ما وهبهم الله تعالى من النعم في البيان والسلوك والسيرة والصفات الذاتية العظيمة التي هي أهم وأفضل وأكمل نعم الله تعالى ، حيث أكمل عقولهم الله تعالى وأوجب على العباد أتباعهم ، وبين سبحانه أنهم هم المنعم عليهم بنعمة تمام العقل التي بينهه الإمام أبو الحسن الأول الإمام الكاظم موسى بن جعفر عليه الصلاة والسلام .
ولكون الله أتم عقولهم أوجب علينا سلوك صراطهم المستقيم : تدبر الحديث تعرف علو مقام نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، فتتيقن إنك على الحق في أتباعهم وأخذ تعاليم الله منهم ، وسيجعلك من المطمئنين في تعلم علومهم ونشرها والتذكير بها ، فإنها أفضل تعاليم الله التي أنزلها لهداية عباده على طول التأريخ .
وقد ذكر هذا الحديث في الكافي وفي كتب أخرى متفرقاً
، وقد جمع الشيخ الثقة الجليل الأقدم أبي محمد الحسن بن علي بن شعبة الحراني أحد علماء القرن الرابع الهجري في كتابه الموسوم ب ( تحف العقول فيما حاء عن آل الرسول ) فنقلنا منه حيث قال : وروي عن الإمام الكاظم الأمين أبي إبراهيم ويكنى أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في طول هذه المعاني ( التي جاءت في معاني الحكم البالغة والمواعظ الشافية ) :


وصيته عليه السلام لهشام(1) وصفته للعقل :

 


قال عليه السلام : إن الله تبارك وتعالى بشر أهل العقل والفهم في كتابه ، فقال : { فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} الزمر17ـ 18
يا هشام بن الحكم : إن الله عز وجل أكمل للناس الحجج بالعقول وأفضى إليهم بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلاء ، فقال: {وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ، إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } البقرة 160.
يا هشام : قد جعل الله عز وجل ذلك دليلا على معرفته بأن لهم مدبراً ، فقال { وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } النحل 12 ، وقال : {حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}الزخرف3 ، وقال : { وَ مِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } الروم24.


يا هشام : ثم وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال : { وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ }الانعام43 ، وقال : {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} القصص60 .
يا هشام : ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عز وجل{ تَعَالَى ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ . وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ . وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ } الصافات138 .
يا هشام : ثم بين أن العقل مع العلم فقال : { وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ }العنكبوت43 .
يا هشام : ثم ذم الذين لا يعقلون فقال :
{ وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ }البقرة166 ،{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}الأنفال22 ، وقال : {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}لقمان25(2) .
ثم ذم الكثرة فقال :
{ وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } الأنعام117 ، وقال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} الزمر49 ، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} غافر 61 .
يا هشام : ثم مدح القلة فقال : { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ }سباء13 ، وقال : {وَقَلِيلٌ مَا هُمْ }ص24 ، وقال: { وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ }هود40 .
يا هشام : ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر ، وحلاهم بأحسن الحلية ، فقال : { يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ } البقرة269 (4) .

يا هشام : إن الله يقول { إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ }ق37 يعني العقل ، وقال : { وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ }لقمان 12 ، قال: الفهم والعقل .
يا هشام : إن لقمان قال لابنه : ( تواضع للحق تكن أعقل الناس(5) ، يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير ، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله ، وحشوها الإيمان (6) ، وشراعها التوكل ، وقيمها العقل ، ودليلها العلم ، وسكانها الصبر ) .
يا هشام : لكل شئ دليل ، ودليل العاقل التفكر ، ودليل التفكر الصمت . ولكل شئ مطية ، ومطية العقل التواضع (7) ، وكفى بك جهلا أن تركب ما نهيت عنه .
يا هشام : لو كان في يدك جوزة وقال الناس [ في يدك ] لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة ، ولو كان في يدك لؤلؤة وقال الناس: إنها جوزة ما ضرك وأنت تعلم أنها لؤلؤة .
يا هشام : ما بعث الله أنبيائه ورسله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله ، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة لله ، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً ، وأعقلهم (8) أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة .
يا هشام : ما من عبد إلا وملك آخذ بناصيته، فلا يتواضع إلا رفعه الله ولا يتعاظم إلا وضعه الله .


يا هشام : إن لله على الناس حجتين : حجة ظاهرة ، وحجة باطنة ؛ فأما الظاهرة : فالرسل والأنبياء والأئمة ؛ وأما الباطنة : فالعقول .
يا هشام : إن العاقل الذي : لا يشغل الحلال شكره ، ولا يغلب الحرام صبره .
يا هشام :من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان هواه على هدم عقله : من أظلم نور فكره(9) بطول أمله ، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه ، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه .
يا هشام : كيف يزكو عند الله عملك ، وأنت قد شغلت عقلك عن أمر ربك ، وأطعت هواك على غلبة عقلك .
يا هشام :الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ، ورغب فيما عند ربه ، [ وكان الله ] أنسه في الوحشة ، وصاحبه في الوحدة ، وغناه في العيلة ، ومعزه في غير عشيرة(10).
يا هشام : نصب الخلق لطاعة الله (11) ، ولا نجاة إلا بالطاعة ، والطاعة بالعلم ، والعلم بالتعلم ، والتعلم بالعقل يعتقد (12) ، ولا علم إلا من عالم رباني ، ومعرفة العالم بالعقل .
يا هشام :قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف ، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود .
يا هشام :إن العاقل رضي بالدون من الدنيا مع الحكمة ، ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم .
يا هشام :إن كان يغنيك ما يكفيك فأدنى ما في الدنيا يكفيك ، وإن كان لا يغنيك ما يكفيك فليس شيء من الدنيا يغنيك .


يا هشام : إن العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ، وترك الدنيا من الفضل ، وترك الذنوب من الفرض (13) .
يا هشام : إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا أن الدنيا طالبة ومطلوبة ، والآخرة طالبة ومطلوبة (14) ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته.
يا هشام :من أراد الغنى بلا مال ، وراحة القلب من الحسد ، والسلامة في الدين ؛ فليتضرع إلى الله في مسألته بأن يكمل عقله ، فمن عقل قنع بما يكفيه ، ومن قنع بما يكفيه استغنى ، ومن لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبداً .

يا هشام : إن الله عز وجل حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}آل عمران 8 ، حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها(15). إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله ، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه ؛ ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا ، وسره لعلانيته موافقا ، لأن الله لم يدل (16) على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه .


يا هشام : كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول : ( ما من شيء عبد الله به (17) أفضل من العقل ، وما تم عقل أمرؤ حتى يكون فيه خصال شتى ، الكفر والشر منه مأمونان (18) ، والرشد والخير منه مأمولان(19) ، وفضل ماله مبذول ، وفضل قوله مكفوف ، نصيبه من الدنيا القوت ، ولا يشبع من العلم دهره ، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره ، والتواضع أحب إليه من الشرف ، يستكثر قليل المعروف من غيره ، ويستقل كثير المعروف من نفسه ، ويرى الناس كلهم خيرا منه ، وأنه شرهم في نفسه ، وهو تمام الأمر(20)) .

يا هشام : من صدق لسانه زكى عمله ، ومن حسنت نيته زيد في رزقه ، ومن حسن بره بإخوانه وأهله مد في عمره .
يا هشام : لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها (21) ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم .
يا هشام : كما تركوا لكم الحكمة فاتركوا لهم الدنيا (22).
يا هشام : لا دين لمن لا مروءة له ، ولا مروءة لمن لا عقل له ، وإن أعظم الناس قدرا الذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا (23) ، أما إن أبدانكم ليس له ثمن إلا الجنة ، فلا تبيعوها بغيرها (24) .

يا هشام : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول(25) : ( لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه ثلاث خصال : يجيب إذا سئل ، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام ، ويشير بالرأي الذي فيه صلاح أهله ، فمن لم يكن فيه شيء منهن ، فجلس ، فهو أحمق ) .
وقال الحسن بن علي عليهما السلام : ( إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها ، قيل : يا ابن رسول الله ومن أهلها ؟ قال : الذين قص الله في كتابه وذكرهم ، فقال : {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} الرعد19 ، قال: هم أولوا العقول ) .
وقال علي بن الحسين عليهما السلام : ( مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح ، وأدب العلماء (26) ، زيادة في العقل ، وطاعة ولاة العدل تمام العز ، واستثمار المال (27) تمام المروة ، وإرشاد المستشير قضاء لحق النعمة ، وكف الأذى من كمال العقل ، وفيه راحة البدن عاجلا وآجلاً .

يا هشام : إن العاقل لا يحدث من يخاف تكذيبه ، ولا يسأل من يخاف منعه ، ولا يعد ما لا يقدر عليه ، ولا يرجو ما يعنف برجائه (28) ، ولا يتقدم على ما يخاف العجز عنه (29).
وكان أمير المؤمنين عليه السلام يوصي أصحابه يقول : ( أوصيكم بالخشية من الله في السر والعلانية ، والعدل في الرضا والغضب ، والاكتساب في الفقر والغنى ، وأن تصلوا من قطعكم ، وتعفوا عمن ظلمكم ، وتعطفوا (30) على من حرمكم ، وليكن نظركم عبراً ، وصمتكم فكراً ، وقولكم ذكراً ، وطبيعتكم السخاء (31) ، فإنه لا يدخل الجنة بخيل ، ولا يدخل النار سخي ) .

الرأس وما حوى (32) . والبطن وما وعى ، وذكر الموت والبلى ، وعلم أن الجنة محفوفة بالمكاره (33) ، والنار محفوفة بالشهوات .
يا هشام :من كف نفسه عن أعراض الناس ؛ أقاله الله عثرته يوم القيامة ، ومن كف غضبه عن الناس ؛ كف الله عنه غضبه يوم القيامة .
يا هشام : إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه .
يا هشام : وجد في ذؤابة (34) سيف رسول الله صلى الله عليه وآله : إن أعتى الناس على الله من ضرب غير ضاربه وقتل غير قاتله ، ومن تولى غير مواليه فهو كافر بما أنزل الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله ، ومن أحدث حدثا (35) أو آوى محدثا لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلاً .

يا هشام : أفضل ما يقترب به العبد إلى الله بعد المعرفة به ، الصلاة ، وبر الوالدين ، وترك الحسد ، والعجب ، والفخر .
يا هشام : أصلح أيامك الذي هو أمامك ، فانظر أي يوم هو وأعد له الجواب ، فإنك موقوف ومسؤول ، وخذ موعظتك من الدهر وأهله ، فإن الدهر طويلة قصيرة ، فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لتكون أطمع في ذلك ، واعقل عن الله وانظر (36) في تصرف الدهر وأحواله ، فإن ما هو آت من الدنيا، كما ولى منها ، فاعتبر بها .
وقال علي ابن الحسين عليهما السلام : ( إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيء الظلال ) .
ثم قال عليه السلام : أو لا حر يدع [ هذه ] اللماظة لأهلها (37) - يعني الدنيا - فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها ، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس .
يا هشام :إن كل الناس يبصر النجوم ، ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها ، وكذلك أنتم تدرسون الحكمة ولكن لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها .

 

يا هشام : رحم الله من استحيا من الله حق الحياء ، فحفظ
يا هشام : إن المسيح عليه السلام قال للحواريين : (
يا عبيد السوء : يهولكم طول النخلة (38) وتذكرون شوكها ومؤونة مراقيها ، وتنسون طيب ثمرها ومرافقها (39) ، كذلك تذكرون مؤونة عمل الآخرة فيطول عليكم أمده (40) وتنسون ما تفضون إليه من نعيمها ونورها وثمرها .
يا عبيد السوء :نقوا القمح وطيبوه وأدقوا طحنه تجدوا طعمه ويهنئكم أكله ، كذلك فأخلصوا الإيمان وأكملوه تجدوا حلاوته وينفعكم غبه (41) .
بحق أقول لكم : لو وجدتم سراجا يتوقد بالقطران (42) في ليلة مظلمة لاستضأتم به ولم يمنعكم منه ريح نتنه ، كذلك ينبغي لكم أن تأخذوا الحكمة ممن وجدتموها معه ولا يمنعكم منه سوء رغبته فيها .
يا عبيد الدنيا بحق أقول لكم : لا تدركون شرف الآخرة إلا بترك ما تحبون ، فلا تنظروا بالتوبة غدا ، فإن دون غد يوما وليلة وقضاء الله فيهما (43) يغدوا ويروح .
بحق أقول لكم : إن من ليس عليه دين من الناس أروح وأقل هماً ممن عليه الدين وإن أحسن القضاء ، وكذلك من لم يعمل الخطيئة أروح هماً ممن عمل الخطيئة وإن أخلص التوبة وأناب ، وإن صغار الذنوب ومحقراتها (44) من مكائد إبليس ، يحقرها لكم ويصغرها في أعينكم فتجتمع وتكثر فتحيط بكم .
بحق أقول لكم : إن الناس في الحكمة رجلان : فرجل أتقنها بقوله وصدقها بفعله ، ورجل أتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله ، فشتان بينهما ، فطوبى للعلماء بالفعل ، وويل للعلماء بالقول .
يا عبيد السوء : اتخذوا مساجد ربكم سجونا لأجسادكم وجباهكم ، واجعلوا قلوبكم بيوتا للتقوى ، ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات ، إن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حبا للدنيا ، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا .
يا عبيد السوء : لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة (45) ، ولا بالثعالب الخادعة ، ولا بالذئاب الغادرة ، ولا بالأسد العاتية ، كما تفعل بالفرائس (46) كذلك تفعلون بالناس : فريقا تخطفون ، وفريقا تخدعون ، وفريقا تغدرون بهم (47) .
بحق أقول لكم : لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحا وباطنه فاسداً ، كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم ، وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة ، لا تكونوا كالمنخل(48) يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة ، كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم .
يا عبيد الدنيا : إنما مثلكم مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه ، يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جثوا على الركب (49) ، فإن الله يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر (50) .
يا هشام مكتوب في الإنجيل : طوبى للمتراحمين ، أولئك المرحومون يوم القيامة ، طوبى للمصلحين بين الناس ، أولئك هم المقربون يوم القيامة ، طوبى للمطهرة قلوبهم ، أولئك هم المتقون يوم القيامة ، طوبى للمتواضعين في الدنيا ، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة .

 

يا هشام : قلة المنطق حكم عظيم ، فعليكم بالصمت فإنه : دعة حسنة ، وقلة وزر ، وخفة من الذنوب ، فحصنوا باب الحلم ، فإن بابه الصبر ، وإن الله عز وجل يبغض الضحاك من غير عجب ، والمشاء إلى غير أرب (51) ، ويجب على الوالي أن يكون كالراعي لا يغفل عن رعيته ولا يتكبر عليهم ، فاستحيوا من الله في سرائركم ، كما تستحيون من الناس في علانيتكم ، واعلموا أن الكلمة من الحكمة ضالة المؤمن ، فعليكم بالعلم قبل أن يرفع ، ورفعه غيبة عالمكم بين أظهركم .
يا هشام : تعلم من العلم ما جهلت ، وعلم الجاهل مما علمت ، عظم العالم لعلمه ، ودع منازعته ، وصغر الجاهل لجهله ولا تطرده ولكن قربه وعلمه .
يا هشام :إن كل نعمة عجزت عن شكرها بمنزلة سيئة تؤاخذ بها ، وقال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: ( إن لله عبادا كسرت قلوبهم خشيته فأسكتتهم عن المنطق(52) وإنهم لفصحاء عقلاء ، يستبقون إلى الله بالأعمال الزكية ، لا يستكثرون له الكثير ولا يرضون لهم من أنفسهم بالقليل ، يرون في أنفسهم أنهم أشرار ، وأنهم لأكياس وأبرار (53) .

يا هشام : الحياء من الإيمان ، والإيمان في الجنة ، والبذاء من الجفاء (54) والجفاء في النار .
يا هشام :المتكلمون ثلاثة: فرابح وسالم وشاجب (55) ، فأما الرابح : فالذاكر لله ؛ وأما السالم : فالساكت ؛ وأما الشاجب : فالذي يخوض في الباطل . إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذي قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه ، وكان أبو ذر - رضي الله عنه - يقول : ( يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر ، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك ) .
يا هشام : بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين ، يطري أخاه إذا شاهده (56) ويأكله إذا غاب عنه ، إن أعطي حسده وإن ابتلي خذله ، إن أسرع الخير ثوابا البر ، وأسرع الشر عقوبة البغي ، وإن شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ، ومن حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه .

يا هشام : لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجياً ، ولا يكون خائفا راجياً حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو .
يا هشام :قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي وعظمتي وقدرتي وبهائي وعلوي في مكاني لا يؤثر عبد هواي على هواه : إلا جعلت الغنى في نفسه ، وهمه في آخرته ، وكففت عليه [ في ] ضيعته (57) ، وضمنت السماوات والأرض رزقه ، وكنت له من وراء تجارة كل تاجر .

يا هشام : الغضب مفتاح الشر ، وأكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً ، وإن خالطت الناس فإن استطعت أن لا تخالط أحداً منهم إلا من كانت يدك عليه العليا (58) فافعل .
يا هشام : عليك بالرفق ، فإن الرفق يمن والخرق شوم ، إن الرفق والبر وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق .
يا هشام : قول الله : {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ}الرحمن60 جرت في المؤمن والكافر والبر والفاجر ، من صنع إليه معروف فعليه أن يكافئ به ، وليست المكافأة أن تصنع كما صنع حتى ترى فضلك ، فإن صنعت كما صنع فله الفضل بالابتداء (59).

يا هشام : إن مثل الدنيا مثل الحية مسها لين وفي جوفها السم القاتل ، يحذرها الرجال ذووا العقول ، ويهوي إليها الصبيان بأيديهم .
يا هشام : أصبر على طاعة الله واصبر عن معاصي الله ، فإنما الدنيا ساعة ، فما مضى منها فليس تجد له سرورا ولا حزنا ، وما لم يأت منها فليس تعرفه ، فاصبر على تلك الساعة التي أنت فيها فكأنك قد اغتبطت (60) .
يا هشام : مثل الدنيا مثل ماء البحر كلما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله .
يا هشام : إياك والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر ، الكبر رداء الله ، فمن نازعه رداء‌ه أكبه الله في النار على وجهه .
يا هشام : ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم ، فإن عمل حسنا استزاد منه ، وإن عمل سيئا استغفر الله منه وتاب إليه .
يا هشام : تمثلت الدنيا للمسيح عليه السلام في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوجت؟ فقالت : كثيرا ، قال : فكل طلقك ؟ قالت : لا بل كلا قتلت . قال المسيح عليه السلام: فويح لأزواجك الباقين ، كيف لا يعتبرون بالماضين .

يا هشام : إن ضوء الجسد في عينه ، فإن كان البصر مضيئا استضاء الجسد كله ، وإن ضوء الروح العقل ، فإذا كان العبد عاقلاً كان عالما بربه ، وإذا كان عالما بربه أبصر دينه ، وإن كان جاهلاً بربه لم يقم له دين ، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحية ، فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة ، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل .
يا هشام : إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا (61) ، فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار، لان الله جعل التواضع آلة العقل وجعل التكبر من آلة الجهل ، ألم تعلم أن من شمخ (62) إلى السقف برأسه شجه (63) ، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنه ، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله ، ومن تواضع لله رفعه .
يا هشام : ما أقبح الفقر بعد الغنى ، وأقبح الخطيئة بعد النسك ، وأقبح من ذلك العابد لله ثم يترك عبادته .
يا هشام : لا خير في العيش إلا لرجلين : لمستمع واع ، وعالم ناطق .
يا هشام : ما قسم بين العباد أفضل من العقل ، نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل ، وما بعث الله نبيا إلا عاقلاً حتى يكون عقله أفضل من جميع جهد المجتهدين ، وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه (64).
يا هشام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم المؤمن صموتا فادنوا منه ، فإنه يلقى الحكمة ، والمؤمن قليل الكلام كثير العمل ، والمنافق كثير الكلام قليل العمل .


يا هشام : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لعبادي : لا يجعلوا بيني وبينهم عالما مفتونا بالدنيا فيصدهم عن ذكري وعن طريق محبتي ومناجاتي ، أولئك قطاع الطريق من عبادي ، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبتي (65) ومناجاتي من قلوبهم .
يا هشام : من تعظم في نفسه لعنته ملائكة السماء وملائكة الأرض ، ومن تكبر على إخوانه واستطال عليهم فقد ضاد الله (66) ، ومن أدعى ما ليس له فهو [ أ ] عني لغير رشده (67) .
يا هشام : أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام يا داود حذر، وأنذر (68) أصحابك عن حب الشهوات ، فإن المعلقة قلوبهم بشهوات الدنيا قلوبهم محجوبة عني .
يا هشام : إياك والكبر على أوليائي والاستطاعة بعلمك فيمقتك الله ، فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك ، وكن في الدنيا كساكن دار ليست له ، إنما ينتظر الرحيل .
يا هشام : مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة ، ومشاورة العاقل الناصح يمن وبركة ورشد وتوفيق من الله ، فإذا أشار (69) عليك العاقل الناصح فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب (70) .
يا هشام : إياك ومخالطة الناس والأنس بهم إلا أن تجد منهم عاقلا ومأمونا فآنس به واهرب من سايرهم كهربك من السباع الضارية (71) ، وينبغي للعاقل إذا عمل عملا أن يستحيي من الله ، وإذا تفرد له بالنعم أن يشارك في عمله أحدا غيره (72) ، وإذا مر بك (73) أمران لا تدري أيهما خير وأصوب ، فأنظر أيهما أقرب إلى هواك فخالفه ، فإن كثير الصواب في مخالفة هواك ، وإياك أن تغلب الحكمة وتضعها في أهل الجهالة (74) .


قال هشام: فقلت له : فإن وجدت رجلا طالباً له غير أن عقله لا يتسع لضبط ما القي إليه ؟
قال عليه السلام : فتلطف له في النصيحة ، فإن ضاق قلبه [ ف‍ ]لا تعرضن نفسك للفتنة ، وأحذر رد المتكبرين ، فإن العلم يدل على أن يملى على من لا يفيق (75) .
قلت : فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها ؟
قال عليه السلام : فأغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد ، واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ، ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده ، ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ، ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده ، ولم يفرج المحزونين (76) بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته ، فما ظنك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه ، فكيف بمن يؤذى فيه ، وما ظنك بالتواب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه ، فكيف بمن يترضاه (77) ويختار عداوة الخلق فيه .

يا هشام : من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ، وما أوتي عبد علما فازداد للدنيا حبا إلا ازداد من الله بعدا وازداد الله عليه غضبا .
يا هشام : إن العاقل اللبيب من ترك ما لا طاقة له به ، وأكثر الصواب في خلاف الهوى ، ومن طال أمله ساء عمله .
يا هشام :لو رأيت مسير الأجل لألهاك عن الأمل .
يا هشام : إياك والطمع ، وعليك باليأس مما في أيدي الناس ، وأمت الطمع من المخلوقين ، فإن الطمع مفتاح للذل (78) واختلاس العقل، واختلاق المرؤات (79)، وتدنيس العرض ، والذهاب بالعلم ، وعليك بالاعتصام بربك والتوكل عليه ،وجاهد نفسك لتردها عن هواها ، فإنه وجب عليك كجهاد عدوك .
قال هشام : فقلت له فأي الأعداء أوجبهم مجاهدة ؟
قال عليه السلام : أقربهم إليك وأعداهم لك وأضرهم بك ، وأعظمهم لك عداوة وأخفاهم لك شخصا مع دنوه منك ، ومن يحرض (80) أعداء‌ك عليك وهو (81) إبليس الموكل بوسواس [ من ] القلوب فله فلتشتد عداوتك (82) ، ولا يكونن أصبر على مجاهدته لهلكتك منك على صبرك لمجاهدته ، فإنه أضعف منك ركنا في قوته (83) ، وأقل منك ضررا في كثرة شره ، إذا أنت اعتصمت بالله فقد هديت إلى صراط مستقيم .

يا هشام : من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له : عقل يكفيه مؤونة هواه ، وعلم يكفيه مؤونة جهله ، وغنى يكفيه مخافة الفقر .
يا هشام : أحذر هذه الدنيا ، وأحذر أهلها ، فإن الناس فيها على أربعة أصناف : رجل مترد معانق لهواه ، ومتعلم مقري (84) كلما ازداد علما ازداد كبراً ، يستعلي (85) بقراء‌ته وعلمه على من هو دونه ، وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته يحب أن يعظم ويوقر، وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق يحب القيام به ، فهو عاجز أو مغلوب ولا يقدر على القيام بما يعرف‍ [ ه ] فهو محزون مغموم بذلك، فهو أمثل أهل زمانه (86) وأوجههم عقلاً .

يا هشام : إعرف العقل وجنده ، والجهل وجنده تكن من المهتدين .
يا هشام : فقلت : جعلت فداك لا نعرف إلا ما عرفتنا .
فقال عليه السلام : يا هشام : إن الله خلق العقل : وهو أول خلق خلقه الله من الروحانيين(87) عن يمين العرش من نوره(88) فقال له : أدبر، فأدبر ، ثم قال له: أقبل فأقبل . فقال الله عز وجل: خلقتك خلقا [ عظيما ] وكرمتك على جميع خلقي .
ثم خلق الجهل : من البحر الأجاج الظلماني ،
فقال له: أدبر، فأدبر. ثم قال له: أقبل ، فلم يقبل . فقال له : استكبرت فلعنه .
ثم جعل للعقل خمسة وسبعين جنداً ، فلما رأى الجهل ما كرم الله به العقل وما أعطاه أضمر له العداوة
، فقال الجهل : يا رب هذا خلق مثلي خلقته و كرمته وقويته وأنا ضده ولا قوة لي به أعطني من الجند مثل ما أعطيته ؟
فقال تبارك وتعالى : نعم ، فإن عصيتني بعد ذلك أخرجتك وجندك من جواري ومن رحمتي
، فقال : قد رضيت ، فأعطاه الله خمسة وسبعين جنداً .

فكان مما أعطى العقل من الخمسة و السبعين جندا :
الخير وهو وزير العقل وجعل ضده الشر وهو وزير الجهل :


جنود العقل والجهل

الإيمان ، الكفر .
التصديق ، التكذيب .
الإخلاص ، النفاق .
الرجاء ، القنوط .
العدل ، الجور.
الرضى ، السخط .
الشكر ، الكفران .
اليأس ، الطمع .
التوكل ، الحرص .
الرأفة ، الغلظة .
العلم ، الجهل .
العفة ، التهتك .
الزهد ، الرغبة .
الرفق ، الخرق .
الرهبة ، الجرأة .
التواضع ، الكبر .
التؤدة (89) ، العجلة .
الحلم ، السفه .
الصمت ، الهذر (90).
الاستسلام ، الاستكبار .
التسليم ، التجبر .
العفو ، الحقد .
الرحمة ، القسوة .
اليقين ، الشك .
الصبر ، الجزع .
الصفح ، الانتقام .
الغنى ، الفقر .
التفكر ، السهو .
الحفظ ، النسيان .
التواصل ، القطيعة .
القناعة ، الشره (91) .
المؤاساة ، المنع .
المودة ، العداوة .
الوفاء ، الغدر .
الطاعة ، المعصية .
الخضوع، التطاول (92) .
السلامة ، البلاء .
الفهم ، الغباوة (93) .
المعرفة ، الإنكار .
المداراة ، المكاشفة .
سلامة الغيب ، المماكرة (94) .
الكتمان ، الإفشاء .
البر ، العقوق .
الحقيقة ، التسويف (95) .
المعروف ، المنكر .
التقية ، الإذاعة .
الإنصاف ، الظلم .
التقى ، الحسد (96) .
النظافة ، القذر .
الحياء ، القحة (97) .
القصد ، الإسراف .
الراحة ، التعب .
السهولة ، الصعوبة .
العافية ، البلوى .
القوام ، المكاثرة (98) .
الحكمة ، الهوى .
الوقار ، الخفة .
السعادة ، الشقاء .
التوبة ، الإصرار .
المحافظة ، التهاون (99) .
الدعاء ، الاستنكاف .
النشاط ، الكسل .
الفرح ، الحزن .
الألفة ، الفرقة .
السخاء ، البخل .
الخشوع ، العجب .
صون الحديث (100) ، النميمة .
الاستغفار ، الاغترار .
الكياسة ، الحمق (101) .

يا هشام : لا تجمع (102) هذه الخصال إلا لنبي أو وصي أو مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان . وأما ساير ذلك من المؤمنين فإن أحدهم لا يخلو من أن يكون فيه بعض هذه الجنود من أجناد العقل حتى يستكمل العقل ويتخلص من جنود الجهل ، فعند ذلك يكون في الدرجة العليا مع الأنبياء والأوصياء عليه السلام وفقنا الله وإياكم لطاعته .





بيان لشرح بعض كلمات الحديث الشريف :
(1) رواه الكليني في الباب 1 من الكافي مع اختلاف أشرنا إليه . وهشام هو أبو محمد وقيل : أبو الحكم هشام بن الحكم البغدادي الكندي مولى بنى شيبان ممن اتفق الأصحاب على وثاقته و عظم قدره ورفعة منزلته عند الأئمة عليهم السلام ، وكانت له مباحث كثيرة مع المخالفين في الأصول وغيرها .
صحب أبا عبد الله وبعده أبا الحسن موسى عليهما السلام وكان من أجلة أصحاب أبى عبد الله عليه السلام ، وبلغ من مرتبة علوة عنده أنه دخل عليه بمنى وهو غلام أول ما اختط عارضاه وفي مجلسه شيوخ الشيعة كحمران بن أعين وقيس الماصر ويونس بن يعقوب وأبى جعفر الأحول وغيرهم ، فرفعه على جماعتهم وليس فيهم إلا من هو اكبر سنا منه ، فلما رأى أبو عبد الله عليه السلام أن ذلك الفعل كبر على أصحابه قال : هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده .
وكان له أصل وله كتب كثيرة وإن الأصحاب كانوا يأخذون عنه. مولده بالكوفة ومنشئه واسط وتجارته بغداد وكان بياع الكرابيس وينزل الكرخ من مدينة السلام بغداد في درب الجنب ، ثم انتقل إلى الكوفة في أواخر عمره ونزل قصر وضاح و توفى سنة 179 في أيام الرشيد مستترا وكان لاستتاره قصة مشهورة في المناظرات وترحم عليه الرضا عليه السلام .
قال ابن النديم في الفهرست في شأنه : " إنه من متكلمي الشيعة وبطائنهم ومن دعا له الصادق عليه السلام فقال : أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله لحسان : لا تزل مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك . وهو الذي فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب وسهل طريق الحجاج فيه و كان حاذقا بصناعة الكلام ، حاضر الجواب . وكان أولا من أصحاب الجهم بن صفوان ثم انتقل إلى القول بالإمامة بالدلائل والنظر ، وكان منقطعا إلى البرامكة ملازما ليحيى بن خالد وكان القيم بمجالس كلامه ونظره ، ثم تبع الصادق عليه السلام فانقطع إليه وتوفى بعد نكبة البرامكة بمدة يسيرة وقيل : بل في خلافة المأمون .
وان العامة طعنوا فيه وورد في الأخبار ذم له من جهة القول بالتجسم وان الأصحاب اخذوا في الذب عنه تنزيها لساحته عن ذلك ووردت روايات في مدحه ودل على جلالته هذه الرواية المذكورة في المتن الجامعة لأبواب الخير والفلاح .


(2) ذكر لا يعقلون كما في بعض نسخ الكافي ولعله سهو وغفلة من الراوي أو اشتباه من النساخ .
(3) في المصدر سهو لا يشعرون وهو سهو من النساخ .
(4) يوجد في الكافي في بعض المواضيع المذكورة أعلاه زيادة آيات وتقديم وتأخير .
(5) وزد في الكافي [ وان الكيس لدى الحق يسير ] .
(6) الحشو: ما حشى به الشيء أي ملاء به ، والظاهر إن ضمير " فيها " يرجع إلى الدنيا وضمير حشوها وما بعده يرجع إلى السفينة . وفي بعض النسخ [ فلتكن سفينتك منها ]. و " حشوها " في بعض النسخ [ جسرها ]. وشراع السفينة - بالكسر -: ما يرفع فوقها من ثوب وغيره ليدخل فيه الريح فتجريها.
(7) في الكافي مكان العاقل [ العقل ] في الموضعين.
(8) في الكافي [ وأكملهم عقلا ].
(9) في الكافي [ من أظلم نور تفكره ].
(10) العيلة : الفاقة .
(11) نصب - من باب ضرب على صيغة المجهول - بمعنى وضع، أو من باب التفعيل من نصب الأمير فلانا ولاه منصبا. وفي الكافي [ ونصب الحق لطاعة الله ].
(12) اعتقد الشيء : نقيض حله. وفي بعض النسخ [ يعتقل ] هو أيضا نقيض حل أي يمسك ويشد.
(13) وزاد في الكافي [ يا هشام إن العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم إنها لا تنال إلا بالمشقة ونظر إلى الآخرة فعلم إنها لا تنال إلا. بالمشقة، فطلب بالمشقة أبقاهما ].
(14) في الكافي [ أن الدنيا طالبة مطلوبة وأن الآخرة طالبة ومطلوبة ].
(15) الردى : الهلاك .
(16) في بعض النسخ [ لا يدل ] .
(17) في الكافي [ ما عبد الله بشيء ].
(18) الكفر في الاعتقاد والشر في القول والعمل والكل ينشأ من الجهل. وفي بعض النسخ [ مأمون ] .
(19) الرشد في الاعتقاد والخير في القول والكل ناش من العقل. وفي بعض النسخ [ مأمول ] .
(20) أي ملاك الأمر وتمامه في أن يكون الإنسان كاملا تام العقل هو كونه متصفا بمجموعة هذه الخصال. (وافى).
(21) لا تمنحوا الجهال أي لا تعطوهم ولا تعلموهم. والمنحة : العطاء .
(22) في الكافي ههنا [ يا هشام إن العاقل لا يكذب وإن كان فيه هواه ] .
(23) أي قدرا ورفعة . والخطر : الحظ والنصيب والقدر والمنزلة .
(24) ههنا كلام نقله صاحب الوافي عن أستاذه - رحمهما الله - قال: وذلك لان الأبدان في التناقص يوما فيوما لتوجه النفس منها إلى عالم آخر ، فان كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا و انقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنة لكونه على منهج الهداية والاستقامة ، فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى ، ولهذا خلقه الله عز وجل ، وإن كان شقية كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران لكونه على طريق الضلالة ، فكأنه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية واللذات الحيوانية التي ستصير نيرانات محرقة مؤلمة وهى اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا وستبرز يوم القيامة " وبرزت الجحيم لمن يرى " معاملة مع الشيطان و خسر هنالك المبطلون .
(25) في الكافي [ إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاث خصال: يجيب إذا سئل. وينطق إذا عجز القوم عن الكلام. ويشير بالرأى الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شئ فهو أحمق. إن أمير المؤمنين عليه السلام قال : لا يجلس في صدر المجلس إلا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن - الخ ].
(26) في الكافي [ وآداب العلماء ] ، وقد مر شرح هذا الكلام في مواعظ الإمام السجاد عليه السلام .
(27) أي تنميته بالكسب والتجارة .
(28) التعنيف : اللؤم والتوبيخ والتقريع. والمراد أن العاقل لا يرجو فوق ما يستحقه وما لم يستعده .
(29) في الكافي [ ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه ] أي لا يبادر إلى فعل قبل أوانه خوفا من أن يفوته بالعجز عنه في وقته .
(30) في بعض النسخ [ وتعطوا ].


(31) في بعض النسخ [ وإياكم والبخل وعليكم بالسخاء ].
(32) " وما حوى " أي ما حواه الرأس من الأوهام والأفكار بأن يحفظها ولا يبديها ويمكن أن يكون المراد ما حواه الرأس من العين والأذن وسائر المشاعر بأن يحفظها عما يحرم عليه . وما وعى أي ما جمعه من الطعام والشراب بأن لا يكونا من حرام. والبلى - بالكسر -: الاندراس والاضمحلال .
(33) هذا الكلام مشهور معروف بين الفريقين متواتر منقول عن النبى وأهل بيته صلوات الله عليهم. والمحفوفة: المحيطة. والمكاره : جمع مكرهة - بفتح الراء وضمها -: ما يكرهه الإنسان ويشق عليه. والمراد أن الجنة محفوفة بما يكره النفس من الأقوال والأفعال فتعمل بها، فمن عمل بها دخل الجنة. والنار محفوفة بلذات النفس وشهواتها، فمن أعطي نفسه لذتها وشهوتها دخل النار .
(34) الذؤابة من كل شئ: أعلاه. ومن السيف: علاقته . ومن السوط: طرفه. ومن الشعر : ناصيته . وعتا يعتو عتوا، وعتى يعتي عتيا بمعنى واحد أي استكبر وتجاوز الحد، والعتو: الطغيان والتجاوز عن الحدود والتجبر. وفي بعض النسخ [ وعنى الناس ] من عن عليه أي اعترض . وفي بعضها [ وأعق الناس ] من عقه: خالفه وعصاه .
(35) الحدث : الأمر الحادث الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة .
(36) في بعض النسخ [ فانظر ] . و " عقل عن الله ": عرف عنه وبلغ عقله إلى حد يأخذ العلم عن الله فكأنه أخذ العلم عن كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله .
(37) اللماظة - بالضم -: بقية الطعام في الفم. وأيضا بقية الشيء القليل. والمراد بها هنا الدنيا.
(38) يهو لكم أي يفزعكم وعظم عليكم .
(39) مؤونة المراقى: شدة الارتقاء . والمرافق : المنافع وهى جمع مرفق - بالفتح -: ما انتفع به .
(40) الأمد : الغاية ومنتهى الشيء ، يقال: طال عليهم الأمد أي الأجل. والنور - بالفتح -: الزهرة .
(41) الغب - بالكسر -: العاقبة. وأيضا بمعنى البعد.
(42) القطران - بفتح القاف وسكون الطاء وكسرها أو بكسر القاف وسكون الطاء -: سيال دهنى شبيه النفط، يتخذ من بعض الأشجار كالصنوبر والأرز فيهنأ به الإبل الجربى ويسرع فيه إشعال النار. وقوله: " نتنه " أي خبث رائحته.
(43) كناية عن الموت فانه يأتى في الغداة والرواح .
(44) في بعض النسخ [ ومحقرتها ].
(45) الحداء - بالكسر -: جمع حدأة - كعنبة -: طائر من الجوارح وهو نوع من الغراب يخطف الأشياء ، والخاطفة من خطف الشيء يخطف كعلم يعلم -: استلبه بسرعة. والغادرة: الخائنة. والعاتي: الجبار .
(46) الفريسة: ما يفترسه الأسد ونحوه. وفى بعض النسخ [ بالفراش ] .
(47) في بعض النسخ [ وفريقا تقدرون بهم ].
(48) المنخل - بضم الميم والخاء او بفتح الخاء -: ما ينخل به. والنخالة - بالضم -: ما بقى في المنخل من القشر ونحوه.
(49) جثا يجثو. وجثي يجثي : جلس على ركبتيه او قام على أطراف الأصابع . وفي بعض النسخ [ حبوا ] أي زحفا على الركب من حبا يحبو وحبى يحبي : إذا مشى على أربع .
(50) الوابل: المطر الشديد الضخم القطر.
(51) المشاء : الكثير المشي. وأيضا النمام والمراد ههنا الأول. والأدب - بفتحتين -: الحاجة . وفي بعض النسخ [ إلى غير أدب ] .


(52) في بعض النسخ [ وأستكتهم عن المنطق ] .
(53) الأكياس : جمع كيس - كسيد -: الفطن، الظريف ، الحسن الفهم والأدب .
(54) البذاء : الفحش. والبذي - على فعيل -: السفيه والذي أفحش في منطقه .
(55) الشاجب: الهذاء المكثار أي كثير الهذيان وكثير الكلام ، وأيضا الهالك ، وهو الأنسب.
(56) أي يحسن الثناء وبالغ في مدحه إذا شاهده: ويعيبه بالسوء ويذمه إذا غاب.
(57) الضيعة - بالفتح -: حرفة الرجل وصناعته وفي بعض النسخ [ صنعته ].
(58) اليد العليا: المعطية المتعففة .
(59) أي له الفضيلة بسبب ابتدائه بالاحسان، فهو أفضل منك.
(60) أغتبظ : كان في مسرة وحسن حال. وفي بعض النسخ [ قد أحتبطت ] .
(61) الصفا: الحجر الصلد الضخم.
(62) شمخ - من باب منع -: علا ورفع .
(63) شجه أي كسره وجرحه.
(64) أي عرفه إلى حد التعقل .
(65) في بعض النسخ [ عبادتي ].
(66) استطال عليهم: أي تفضل عليهم .
(67) عنى - بصيغة المجهول أو المعلوم - بالأمر كلف ما يشق عليه. وفي بعض النسخ [ أعنى لغيره ] أي يدخل غيره في العناء والتعب. هذا ويحتمل أن يكون الأصل [ فهو لغى لغير رشدة ] فصحف .
(68) في بعض النسخ [ فانذر ] وفي بعضها [ ونذر ] .
(69) في بعض النسخ [ فإذا استشار ].
(70) العطب: الهلاك .
(71) الضاري : الحيوان السبع، من ضرا الكلب بالصيد يضرو: تعوده وأولع به. وأيضا: تطعم بلحمه ودمه .
(72) أي إذا اختص العاقل بنعمة ينبغي له أن يشارك غيره في هذه النعمة بأن يعطيه منها. وفي بعض النسخ [ إذ تفرد له ] .
(73) في بعض النسخ [ وإذا خرجك أمران ] وخر به أمر أي نزل به وأهمه .
(74) قال المجلسي - رحمه الله - كان فيه حذفاً إيصالا أي تغلب على الحكمة أي يأخذها منك قهرا من لا يستحقها بأن يقرأ على صيغة المجهول أو على المعلوم أي تغلب على الحكمة فإنها تأبى عمن لا يستحقها ، ويحتمل أن يكون بالفاء والتاء من الإفلات بمعنى الإطلاق فانهم يقولون : انفلت منى كلام أي صدر بغير رويه. وفي بعض النسخ المنقولة من الكتاب [ وإياك أن تطلب الحكمة وتضعها في الجهال ] .
(75) الإفاقة : الرجوع عن الكسر والإغماء الغفلة إلى حال الاستقامة. وفي بعض النسخ [ فان العلم يذل على أن يحمل على من لا يفيق ] وفي بعضها [ يجلى ] .
(76) في بعض النسخ [ ولم يفرح المحزونين ].
(77) يترضاه : أي يطلب رضاه .
(78) في بعض النسخ [ الذل ] .
(79) الاختلاق : الافتراء . وفي بعض النسخ [ وأخلاق ] والظاهر انه جمع خلق - بالتحريك - أي البالي. والعرض: النفس والخليقة المحمودة - وأيضا: ما يفتخر الإنسان من حسب وشرف .


(80) في بعض النسخ [ ومن يحرص ]. وفي بعضها [ ويحرص من ].
(81) في بعض النسخ [ فهو ] .
(82) في بعض النسخ [ فلتشد ] .
(83) الركن: العز والمنعة. وأيضا : ما يقوى به. والأمر العظيم : صبره في المجاهدة أقوى منك. فإنك إذا كنت على الاستقامة في مخالفته يكون مع قوته أضعف منك ركنا وضررا. (84) في بعض النسخ [ متقرئ ] .
(85) في بعض النسخ [ يستعلن ] .
(86) الأمثل: الأفضل .
(87) أي هو أول مخلوق من المنسوبين إلى الروح في مدينة بنية الإنسان المتمركزين بأمر الرب والسلطان في مقر الحكومة العقلية. فهو أولها ورأسها ثم يوجد بعده وبسببه جندا فجندا إلى أن يكمل للإنسان جودة العقل .
(88) عن يمين العرش أي أقوى جانبيه وأشرفهما . و " من نوره " أي من نور ذاته. " فقال له إلخ " مضى بيان ما فيه في أوائل الكتاب من كلمات رسول الله صلى الله عليه وآله في حكمه ومواعظه فليطلبه هنا . قوله عليه السلام: " فلا يكون خلقا أعظم منه " إذ به يقوم كل شئ فيكون أكرم من كل مخلوق. والجهل يكون منبع الشرور فله قابلية لكل شر.
(89) التؤدة - بالضم -: الرزانة والتأني، يقال: توأد في الأمر أي تأني وتمهل.
(90) الهذر - بالتحريك -: الهذيان والكلام الذي لا يعبأ به، يقال: هذر فلان في منطقه - من باب ضرب ونصر -: خلط وتكلم بما لا ينبغي .
(91) الشره - بالتحرك -: مصدر باب فرح -: الحرص ، يقال: شره إلى الطعام: إشتد ميله إليه ، ويمكن أن يكون كما في بعض النسخ [ الشره ] بالكسر فالتشديد أي الحدة والحرص .
(92) التطاول : التكبر والترفع .
(93) الغباوة : الغفلة وقلة الفطنة .
(94) المماكرة : المخادعة .
(95) كذا . والتسويف: المطل والتأخير. وفي الكافي[ الرياء ] .
(96) في بعض النسخ [ النفى، الحسد ] ولعله تصحيف .
(97) القحة - بفتح القاف وكسرها وفتح الحاء مصدر - وهى بمعنى الوقاحة وقلة الحياء. وفى بعض النسخ [ القيحة ]. وفي الكافي والخصال [ الجلع ] أي الوقاحة .
(98) القوام - بالفتح -: العدل والاعتدال. والمكاثرة : المفاخرة والمغالبة في الكثرة بالمال أو العدد .
(99) في بعض النسخ [ المخالفة ] .
(100) في بعض النسخ [ صدق الحديث ] .
(101) لا يخفى أن عدد ما ذكر تفصيلا لا يبلغ ما ذكره إجمالا .
(103) في بعض النسخ [ لا تجتمع ] .


 


إن الله تبارك وتعالى قوي العقل بعشرة أشياء :
ذكر في الخصال : أخبرنا يزيد بن الحسن قال :
حدثني موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه ، علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي ، عن أبيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
عليهم السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
إن الله عز وجل خلق العقل من نور مخزون مكنون في سابق علمه التي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب ، فجعل العلم نفسه ، والفهم روحه ، والزهد رأسه ، والحياء عينيه ، والحكمة لسانه ، والرأفة همه ، والرحمة قلبه ، ثم حشاه وقواه بعشرة أشياء : باليقين والإيمان والصدق والسكينة ، والإخلاص ، والرفق ، والعطية ، والقنوع ، والتسليم والشكر .
ثم قال عز وجل : أدبر فأدبر ، ثم قال له : أقبل فأقبل ، ثم قال له : تكلم فقال : الحمد لله الذي ليس له ضد ولا ند ولا شبيه ولا كفو ولا عديل ولا مثل ، الذي كل شئ لعظمته خاضع ذليل .

فقال الرب تبارك وتعالى : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منك ولا أطوع لي منك ولا أرفع منك ولا أشرف منك ولا أعز منك ، بك أؤاخذ ، وبك أعطي ، وبك أوحد ، وبك اعبد ، وبك ادعى ، وبك ارتجى ، وبك ابتغى ، وبك أخاف ، وبك أحذر ، وبك الثواب ، وبك العقاب .
فخر العقل عند ذلك ساجدا فكان في سجوده ألف عام فقال الرب تبارك وتعالى : ارفع رأسك وسل تعط ، واشفع تشفع .
فرفع العقل رأسه فقال : إلهي أسألك أن تشفعني فيمن خلقتني فيه .
فقال الله جل جلاله لملائكته : أشهدكم أني قد شفعته فيمن خلقته فيه .
الخصال ص427 ح4 .




اللهم أتمم لي عقلي بالثبات على حب نبيك وآله الطيبين الطاهرين والسير وفق هداهم إنك سميع مجيب
خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري