سيدي ..الخميني . أنتَ  باقٍ

فينا ما بقي الدهر

سيدي : يا صوت الحق الثائر ، يا ناقوساً في الضمائر ، يا منارة اليقين و الهدى ، يا آية التوحيد و التقوى ، يا رمز الخير وفيضانه ، يا نهج الرشد وبيانه .
سيدي : يا حجة الله البالغة على جميع خلقه في العصر الحاضر و الزمن و القادم .
سيدي : أريد أن أبين أمراً لا ينكره الثوار ، وتذكرةً للمؤمنين الأبرار ، و إن أشار إليه قبلي الأخيار .
سيدي : و أن خانني التعبير عن بيان حقك الكبير فمعذرةً عن التقصير .
سيدي : يا أيها المعلم الرباني ، لا أدعي فيك باطلاً ، ولست مداحا ولا للباطل ذاكرا ، و لكن ضميري يهزني إليك ، فأرجو أن كون عن الحق مدافعا .
سيدي : أناشد الأحرار : كم حرفوا الدين القاصدين و لغافلين من الحكام و المتفيقهين و المندسين بعد سيد المرسلين و علي أمير المؤمنين ، أخذا من الأمويين والعباسيين ومن كان في زمانهم من وعاظ السلاطين ، ثم التتر و العثمانيين و القاجار و البهلويين و غيرهم في البلاد المسلمين .
سيدي : حتى جاء المستعمرون بأفكارهم اليهودية و الصليبية ، وتكوين الوهابية ، بل وكم دعم الاستكبار الحكام الحاليين لتحريف الدين .
سيدي : يا بن الحسين ، كم حرف نهج الدين حتى استيئس المسلمون ، فأخذوا ينتحلون الأفكار الشيوعية ، و انطلت عليهم الدسائس الغربية لتكوين الأحزاب القومية و الوجودية و العلمانية و البعثية .
سيدي : حتى اصبح الهدى خامل ، و العمى شامل ، و عصى الرحمن ، و خُذل الإيمان .
سيدي : بل نُصر الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا مناهله ، وبهم سارت أعلامه و قام لوائه .
سيدي : لقد محيت معالم الدين ، و تزعزعت أركان اليقين ، و اختلفت الكلمة ، و تشتت الأمر ، حتى ضاق المخرج ، و عمى المصدر.
 سيدي : تفسخت وحدة الأمة الوسطى لهداية الناس ، فأصبحنا أحزاباً و قوميات و شعوب و أجناس .
سيدي : أستفحل هوى الحكام ، وعزل التشريع عن النظام ، وتفرقنا كأنه لا يجمعنا الإسلام .
سيدي : واستوثق في البلاد أمر الكفر والبدع والشهوات ، وتأصل في الناس عمل الظلم والفساد والمنكرات ، حتى صار المنكر معروفاً والمعروف منكراً بل مات .
سيدي : كان هذا في عموم بلاد المسلمين ، واستثنى ما ندر من المؤمنين ، والباقي ينظرون بأعين مستعارة للدين .
سيدي : يا ابن الأئمة المعصومين ، كان الناس قبل عصرك تائهون ، حائرون ، جاهلون ، مفتونون ، مستعمرون .
سيدي : المسلمون في خير دار وشر جيران ، نومهم عميق بلا غضاضة ، وكلام حكامهم دموع الخضوع والوداعة أمام المتكبرين ، بل كأنهم أطفال بيد الشياطين ، الشيطان الأكبر وكل المستعمرين .
سيدي : وقبل عصرك لا شيء من الحق و الهدى ، ولا أظهر من الباطل و الكذب و العمى ، فصار عالم المسلمين ملجم وجاهلهم مكرم .
سيدي : فأقتبس لحقك من الكلام أمير المؤمنين في حق سيد المرسلين ، لا من باب التصرف في المأثور بل تذكيراً لحقك الغير مدثور .
سيدي: يا من أيقض الناس من الغفلة و الهجعة ، يا من ألهب الضمير و أعاد الناس إلى الفطرة .
سيدي : يا من رفع الحجب عمن استهوتهم الأهواء ، و استزلتهم الكبرياء ، و أستخفتهم الجاهلية الجهلاء .
سيدي : بالغت في النصيحة ، ومضيت بالناس على طريقة ، ودعوت إلي الحكمة والموعظة الحسنة .
سيدي : يا من أضاء القلوب  الناس ، وأزاح الكفر وحكام الجور عن عقول الناس .
سيدي : كنت ولا زلت الدليل إلى الله ونبيه وطريقه ، وإليك الفضل في كشف حجب الحقيقة .
 سيدي : بك تنسمنا العلياء ، واهتدينا في العماء ، وتوجهنا لأمر السماء.
سيدي : أوضحت الدين فكنت الأمر الساطع و الضياء اللامع ، و أبنت سبيل الدين المشهور ، وأثرت في العقول العلم المدثور ، وأريت الحق المأثور .
سيدي : أزلت الظن و الشهبات ، و احتججت جلياً بالبينات ، و حذرت بالآيات ، وخوفت من المثلات .
سيدي : هديت إلى الرشاد ، و دعوت إلى السداد ، فأشرق الحق بلسان الصدق ، و بلغت بصوتك صم الكفر ، وأريت شخصك عمي الشرك .
سيدي : تبقى الحجة على جميع الأغيار ، و أصبحت ثورة في ضمائر الأحرار ، و منهاجاً للأبرار ، وطريقاً للأخيار .
سيدي : يا حجة الله على خلقه في العصر الحاضر و الزمن القادم ، يا أيها الصراط الممدود و الطريق المستقيم ، نهجك باقي ، فقد أبنت الطريق و الجادة ، و عرفنا بك القيادة .
سيدي : حتى أقمت للحق دولة ، وجعلت للقرآن صولة .
سيدي : أصحابك أصحاب الحق ، وإخوانك إخوان الدين ، وأنصارك أنصار المؤمنين.
سيدي : يا أيها العبد الصالح والإمام القائد ، يا أيها لمطمئن ، يا من فاضت روحه إلى الله شوقاً ، وذهب إليه تعالى رغبة .
 إنك باقي ما بقي الدهر، شخصك مفقود مثالك في القلب موجود.
 سيدي : بل لقد خصصت حتى صرت مسلياً عما سواك ، وعممت حتى صار الناس فيك سواء ، وبلغت فجزاك الله عنا خير الجزاء ، وأصبنا بك فأنا لله و إننا إليه راجعون ولله البقاء .
 
 

تعاليم عرفانية من حياة الإمام ووفاته

سيدي يا أيها العارف الكبير والولي المرشد : أيها المتنعم في الجبروت ، ويا من تجاوز الناسوت والملكوت في الدارين ، أيها العقل المتفكر في اللاهوت ، يا مظهر أسماء الله الحسنى ومثله الأعلى في الشهادة والمثال ، يا من لا يحده عالم المادة في العالمين وسمى عن الحد والهيئة في الدارين ، فنظر في سماء الأحدية حتى صار من خدام الحضرة الإلهية في تعليم المعارف الربانية ، فأغترف معارف الأولياء الصالحين وأئمة الدين الميامين ، فبذله بأحسن وجه للمستضعفين .
يا من : ترشح منه مصباح الهداية لتعريف التوحيد الخالص لله سبحانه ، وتجليه في الإنسان الكامل ، فبينت معارف الحضرة المحمدية في جميع مراتب الوجود ، حتى بان أثره في طرد الكفار والمشركين والمنافقين من بلاد المسلمين وأرواحهم ، فأصلحت ما فسد من إيمان المسلمين ، وذلك حين أظهر من الحقيقة المحمدية صفات جلال وجمال إلهية ، فنلت نيابة الولاية الظاهرية نور الحقيقة العلوية بصدق المعنى والهدى واليقين في معارف الدين وتعليمه .
يا سيدي : يا من عرفنا من مظهر عالم المشيئة شأنا مقدس ، فكان فيضه في العلم والمعنى والظهور بالقسط ، فلم تزل قدمه في زحاليف العصر الحاضر ، فكنت امتداد للعروة الوثقى ، والمنهج في الصراط المستقيم :
 حتى ظهر علمه في عمله وبيانه كتب منها :
ضياء : مصباح الهداية في الهدية والولاية ، فقاد : سفينة النجاة بتحرير الوسيلة ، فأنجى أصول الفقه : بتهذيبه ، وشرح دعاء السحر ، فكشف الأسرار وبين الأغيار ، فعرفنا حقيقة الجهاد الأكبر والأصغر ، بأربعين حديث مشروح ببيان مفصل ، فأخرج في بحثه الخارج الخوارج من تعاليم الدين ، فكان منك للمؤمنين خطابا مملوء حبا ومعرفة لهدى رب العالمين ، فغبطك الأوائل في المعرفة من المؤمنين وحسدك الضالون من المعاندين .
فصلى الله عليك في آدابك المعنوية للصلاة ، حتى تكون معلقا على مصباح الأنس وفصوص الحكم ، فعلى روحك الفاتحة التي شرحتها للمؤمنين فعلمتهم أهم تعاليم الدين ، حتى صار عندهم شرحا للطلب والإرادة والقضاء والقدر وتعاليمه ، فلا اعتراض على القدر ، ولكن أقول كما قال أمير المؤمنين :
ألا يا أيها الموت الذي غير تارك  أرحني فقد أفني ت كل خليل
أراك بصيرا بالذين احبــهم   كأنك تنـحو حولهم بدليل
سيدي لا إنك لم تمت بعد بحث الخارج من القلب ، وخطابك الدخل في اللب ، وتعيينك صراط الدرب ، فإنه عندنا توجيهك الذي ملأته حب ، فأوضحت ويسرت به سبيل الصعب ، فكنت نارا وغضب على أعداء الرب ، فأذقتهم نار الرعب ، وبنيت صرحا للمجد فأزلت من العقول صنم الشرق ونصب الغرب ، فأضحيت فينا تحيى عن قرب ، وفي شعبك تحيى بالقلب ، مربي ومرشد بل في عالم المعنى والحقيقة أب ، فصرت داني في عالم العشق والوله والحب .
يا سيدي يا أيها المعلم الكبير والعبد الصلاح : كنت أقرأ كتب الحكماء والعرفاء فيقصر فهمي عنها حتى جاء رحيلك عنا ومصيبتنا بك ففجعتنا ، ولكن عرفت معنى آخر لقول : ( ما فُقد في العبودية وجد في الربوبية ، والعبودية جوهرة كنهها الربوبية ) فعرفت كيف تواضعت لله فرفعك الله حتى جعل نورك يسعى في الناس ، وعرفت كيف من خاف الله أخاف الله منه كل طاغية وظالم ، وعرفتني معنى الحاكم على القلوب والأرواح في شخصك فملكت خمس أموالهم لتنفقها على الدين وكل المستضعفين ، ومن يحكم غيرك من الحكام على الأبدان والمال والمادة بالقوة والتجبر فيطغى ، يرفض في القلب والروح فيقاوم بكل صورة ، فلم يملك راحت روحه مع ما يحيطه من زخارف الدنيا وملكها .
لقد عرفتني قدس الله سرك : معنى الحديث القدسي :
( من طلبني وجدني ومن وجدني أحبني ، ومن أحبني عشقني ومن عشقني عشقته ، ومن عشقته قتلته ومن قتلته كانت علي ديته ، ومن كانت علي ديته فأنا ديته ) فالله درك وعليه أجرك وعنده هديتك وبرك ، فيجعلك مع من تتولاه جدك نبي الرحمة و آله الأطهار المعصومين أئمة الهدى ، في الدنيا نشرت دينهم وروجت تعاليمهم ، وعرفتهم القاصي والداني بأحسن كلام المبلغين وبأشرف أعمال الصالحين ، حتى لتكون معهم الآن في البرزخ الذي قد يطول ملايين السنين ، وكما علمتنا في معارفك بأن لخلود الروح للمؤمنة بالنعيم مأذون له من رب العالمين .
بل خلدت في قلوب المؤمنين مبادئ وهدى ودين ، تعلم حب الطيبين ورفض الظالمين والمستكبرين والمستعمرين .
فكنت سيدي : رمزا لمعنى الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة ، والتي يجهل معناه كثير من الباحثين في أمور الدين فضلا عن المعاندين ، فأريتنا في حياتك ومماتك كيف ذبت في الشعب وكنت كله ، وكيف الشعب كله أنت ، كلمتك كلمته وأنت المعبر عنه وعن مطالبه ، شيعتك الملايين وقلوبهم معك متجهة إلى الله لنيل ثوب المشيعين والفوز برضى رب العالمين وشفاعة جدك الذي سيعطيه ربه فيرضى ، ولا يرضى إلا من تفاني معك في الهدى والدين .
فكنت سيدي : من نسل المرسلين شمسا ضيائه الذاتي نور الحقيقة لمعارف الهدى ، وعلما منه في البيان لتجلي حقيقة الدين ، فدخلت قلوب المؤمنين وجميع الخيرين ، فأنعكس نورك في ضمائر الموحدين ، سلوكا ومنهجا لنجاة المحرومين والمستضعفين ، فخرج الشعب في حياتك وفي تشيعك كوحدة واحدة كم شاء الله ، مستقبلين لقدومك حين قدمت ومودعين لجسد الطيب وروحك الطاهرة حين رحلت ، فكانوا كثرة في الأفراد والصفات والأفعال معبرين وظاهرين ، ولكنهم لرفد منهل علمك وتعاليمك مستقبلين ، وبوحدتهم لعزائك حين فقد متوجهين ، فاتحدوا في الصفات والأفعال بعد إن كانوا متكثرين ، وحدهم صدقك فصاروا مصداقا واحد معك ، فكانوا كلهم خمينيون كلهم خمينيون كلنا خمينيين .
ويا سيدي : يا آية الخير ، عادت بعد رحيلك ذكرى ، هي تأكيد وتسليمك في تعليمك وكتبك ، إن الخير من الله المنان ، وإن الشر من قصور الإنسان ، ويكفي لمعرفة هذا العلم الرجوع لكتاب الطلب والإرادة .
سيدي : تأملت الصلاة على روحك الزكية وأمامهم جثمانك الطاهر ، وبالخصوص عند قولهم : اللهم إن لا نعلم منه إلا خيرا ، فعرفت للحديث حقيقة ومعنى ، إذا أربعون مؤمن صلوا على ميت وشهدوا له اللهم إن لا نعلم منه إلا خيرا تجاوز الله عنه .
سيدي : كما كان عدد المصلين عليك ، وكم هم الذين لم يستطيعوا أن يحضروا ولكن شهدوا لك مثلهم ، بل كم سيشهد لك من تعلم منك الثورة وطلب الإصلاح على مر الزمان ، وفي كل آن في حالة رفض الطغيان والعدوان ، فيقتدي بك ، فيكون وجوده قولا وعملا لا نعمل منه إلا خيرا .
سيدي : أيها العبد الصالح كم شهد ويشهد في حقك من المؤمنين لله سبحانه فقولوا لا نعلم منه إلا خيرا ، أربعين مؤمن أربعين ألف أربعين مليون ، أربعمائة أم مليار مسلم علمتهم ليقول بوجوده اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيرا .
حقا سيدي : لا نعلم منك إلا خيرا ، أشهد الله إنا لا نعلم منه إلا خيرا ، ، وإلهي إذا قصرنا في معرفة منهجه القويم فتجاوز عن القاصر منا في مقاومة الكفار والمشركين وأهدي المقصر فينا لرفض المعاندين للدين وكل المستعمرين .
نعم يا سدي : يا أيها المعلم الرباني الخير في جميع الموجودات من الله والشر من قصور ذواتها ، لكن أيها الموجود الخير ، كيف بك إذا لم يكن بك قصور أو تقصير .
فإنك يا سيدي : يا أيها العبد الصلاح قد بلغت وعلمت بما وصل إليك ، حتى المستحبات عملتها وصلاة الليل سبعين سنة لم تتركها .
سيدي : لا أتأله ولا أحتم على ربي ولكن أيعقل بعد هذا الجمع الغفير المقر لك بالفضل في تعليم أهداف الدين ، لا يتجاوز عنكم رب العالمين ، بل تكون مع أجدادك الطيبين في أعلا عليين ، وتكون قربهم مع الصالحين .
سيدي : يا آية الخير أصبنا بك ما أعظم المصيبة بلك ، وعلى روحك الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد حتى يجمعنا الله مع النبي وآله .

ملاحظة : هذه المقالات كتبناها بعد وفات الإمام الخميني قدس سره مباشرة ، والأول نشر في سروش العربي في العدد قبل أربعينه ، والثاني لم ينشر فحببنا أن نضعها هنا للذكرى ولبيان شيئا من حقه الكريم


 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موقع موسوعة صحف الطيبين