صانع هذا الفلاش المناسب للآية الكريمة : وترى الجبال تحسبها جامدة وهي يتمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء ، هل كان مسلماً ؟ !


قال الله تعالى : { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } النمل 88 .

يا طيب : هذه الصورة عملت بالفلاش وهي من صنع شركة أجنبية وتعطي البرنامج مجاني على هذا العنوان www.3dfa.com    وهذه صورة أخرى تعبر عن الغيوم والجبال مع كتابة الآية عليها يمكن أن تزين بها سطح المكتب وتعتبر بخلق الله تعالى وحكمته     وهذه صورة أخرى .

و كلها ستراها أشد مناسبة مع الآية الكريمة أعلاه ، وكأنه صاحب برنامج الفلاش هذا ، كان مطلع عليها وعارف بمعناها وبحركتها الجوهرية أو العرضية للمسير مع الأرض فنظر لها من علو ، فعمل هذه الحركة للجبال مع السحب كما في الصورة المتحركة أعلاه ، فتمعن بها يا طيب لنعرج لمعنى جميل في حقيقة الحركة في الوجود .

 

فيا أخي الكريم : إن الله تعالى قد ذكر كثير من الآيات الكريمة في بيان الحركة لكل شيء في الوجود سواء حركة الشمس والقمر ـ أو حركة الأرض وتكويرها وتكوين الليل والنهار ، بل توسع سبحانه فذكر الحركة للكون كله ككل ، أو أخص كالحركة للمجموعة الشمسية أو للمجرات وما فيها ، وقد كتبنا موضوعاً في الحركة الكونية باعتبارها سنة كونية إن شاء الله تجده في موسوعة صحف الطيبين بعد تمامه .

 

ثم إن الآية أعلاه هي أحد الآيات الذاكرة للحركة ، فتدبرها وأنظر للصورة المتحركة ، لتعتبر بما أودع الله في الكون وفي عقول البشر للنظر في ملكوت السماوات والأرض ، وإن ما خفي من أمور الحركة في الكون أكثر ، ويكشف قسم من مكنونها التدبر في آيات الحركة في القول الطيب للقرآن المجيد والذي هو كلام رب العالمين ، الخالق للكون والمدبر لأموره ولكل ما فيه ، وبأحسن صورة ممكنة لا يمكن تصور أحسن منها ولا أتقن .

فإن الحركة في الكون : بالإضافة لكونها حركة المسير والتنقل للكائنات ، ولكن كل شيء له حركة في نفسه أو مع المجموع المحيط به ، وتتطور وتتوسع سواء حركة في الانتقال ضمن الوجود الأرضي أو بالنسبة للمجموعة الشمسية أو للمجرة كلها بل للكون كله ، كما وإنه للشيء حركة جوهرية له في ذاته ، أو له حركة في أعراضه من الكم في الطول والعرض والنمو والذبول والتحول ، كما أنه له حركة في الوضع بالنسبة والقياس لنفسه وفيما بين أعضائه أو قياسه لشيء أخر ، كما وله حركة في الكيف من اللون في  الشدة والضعف ، أو له حركة في النفس والذات واشتدادها سواء في الإيمان والهداية والعمل الصالح والعدل والإحسان ، أو بالعكس والعياذ بالله حركة في شدة الضلال والمكر والحيلة والخداع فيظلم وجوده الواقعي و يذبل وينكمش ويضيق .

 

وبعد إن عرفنا هذا نذكر بعض المعاني للحركة : فنذكر أولاً الحركة الكونية المناسبة للصورة مع حركة الكون كله وتكون ما يلائم وجودنا ، وبه نشير للحركة في أنفسنا وما يؤول له مصيرنا ، وما أعد لها خالقها في تكاملها مع الكون وتسخيره لخدمتها ، ثم نعرف أنه بهذا تُظهر الكائنات كمال خالقها وعظمته وهي حامدة مسبحة له في وجودها الكوني ، أو مع وجودها التشريفي الذي به تتوجه له وتطلب كمالها منه تعالى فتكون حامده مسبحة ، أو يكون لها نوع من الكفران الإرادي فتحرم نعيم وجودها وكمال ذاتها وتُبطل الأهم من حقائق وجودها فضلا عن كمالها وإن كان يبقى لها شيء من التسبيح والإقرار بالحمد له ، وهو بيان مختصر ، وتمام الموضوع في السنن الكونية وفي شرح الأسماء الحسنى الإلهية من موسوعة صحف الطيبين إن شاء الله .

 

أولاً : الحركة المتقنة للكون وكائناته بيان لعظمة الخالق وحسن تدبيره :

قال الله تعالى : { وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (89) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النمل90 .

فإنه سبحانه وتعالى : مع ذكره لهذه الحركة للجبال في الأرض إلا أنه سبحانه ذكر أنها تمر مرّ الســـــحاب : بالســــرعة واللطـــافة والخفـــــــة والحسن والجمـــــال ، وذلك لأن الأشياء الكبيرة التي تمر بجهة واحدة معك لا تبين حركتها وسرعتها وبالخصوص إذا كنت راكب عليها ، وذلك مثل حركة الأرض بما فيها حتى الجبال وكل شيء عليها ونحن مستقرون عليها بل ننام ونسكن فيها وهي متحركة ومع ذلك لا نحس بحركة الأرض سواء دورانها حول نفسها أو حول الشمس أو في حركتها مع المجموع الشمسية في الكون ، بل قد لا نحس بحركة الطائرة والقطار والسيارة وما شابهها حين ركوبها أو السير قربها وبسرعتها وبالخصوص إذا كانت الحركة لطيفة ومنتظمة ، فضلاً عن الإحساس بحركة الأرض والجبال وما فيها ونحن مستقرون عليها ونسير معها وبسرعتها .

وإنه تعالى  في هذه الآية الكريمة عرفنا الحركة للجبال وإنها موجودة وهي تمر مرّ السحاب ، وذلك ليعرفنا أمر أنه يكون تبعها حركة كل ما موجد عليها ومحيط بها ، أو فقل أراد أن يعرفنا حركة كل الأرض ومن عليها .

ثم إنه سبحانه في هذه الحركة الكلية لأكبر موجودات الأرض لا تكون للتخريب والفناء ولا للتدمير ولا لتفكيك الخلق وتشتيته ، بل للتعمير ولتكامل الخلق ولهدايته لأحسن حاله ، أي لإتقان الصنع كما نصت عليه الآية الكريمة أعلاه فتدبرها ، وليعرفنا سبحانه الحركة في الكون بصورة عامة وفي الأرض التي ركنها ووتدها الجبال ، وبهذه الحركة للأرض المتحركة معها الجبال فضلاً عن حركتها الجوهرية ، يتكون الليل والنهار والفصول وتتنوع الأثمار ، فتعمر الأرض وتستفيد منها كائناتها فتتمكن من العيش بأحسن صورة ممكنة ، وبالخصوص نحن بني الإنسان الذي يشكل وجودنا عصارة الكون وخلاصته .

ولذا ذكر سبحانه في الآيات بعدها : بعد أن بين إتقانه لخلقه بنص الآية ، عرفنا بيان لفعله الشريف العظيم الحكيم المتقن الحسِن ، ولذا طلب منا أن نعمل صالح حسن وعمل شريف متقن لأنه مكننا من كل شيء في التكوين وبما يحيطنا ، وبما فينا من عقل مبدع وفطرة تميل للتكامل الحق الدائم ولنعيم الأبد ، ولذا يرنوا  للتوجه لفيض الكريم المطلق ولتجلي أسماءه الحسنى وصفاته العليا كل ذو فطرة صافية لم يدنسها النظر المادي فقط ـ وبل بقي لها شيء تتطلع له وتقر به من وجود عالم الروح والمعنى والحقيقة الذاتية المحتاجة للكمال وللتكامل الواقعي ، وبه تتحقق راحتها ويحصل اطمئنانها ، وإنها تتمكن منه وتحصل عليه حين التوجه للقادر المطلق وواهب الكمال الحق والجمال الواقعي ونعيمه ، وهو الذي خلق كل شيء فأتقن صنعه وأحكم تدبيره ، سواء بتكوين الصنع وهداه ، أو في التشريع بدين قيم لا أمتا فيه ولا عوجا  .

 ولذا سبحانه وعز شأنه : في الآيات بعد تلك الآية أعلاه ، أوجب علينا أن نطيع تعاليمه الكريمة ودينه القيم ونأتي بالحسنة ليحسن وجودنا ونكون في جنة ونعيم تام أبدي لا فناء له حتى بعد الموت ، كما ونهانا أن نعمل باطل ونضل ونأتي بالسيئة فنُخرب وجودنا وما يحيط بنا فنجعله نار ودمار في الدنيا والآخرة .

ولمعرفة هذا المعنى في تلائم موجودات الكون بأحسن صورة وأجمل منظر وأتقن صنع حتى في حركتها المفردة الذاتية ، أو مع مجموع الأرض وما فيها بل مع الشمس والقمر والكون كله ، وإن بهذا التسخير الرباني للكائنات يتمكن الإنسان من قمة رفاهية العيش الكريم ، ولكي يستفاد الإنسان من وجوده لطلب الكمال الحق ، نتدبر هذه الآيات الكريمة التي تشير للحركة الحسنة المتقنة التي أودعها في كل شيء خالق الكون ، والتي بها أتم تدبيره ، فحسُنَ وأتقن صنع كل ما فيه حتى الإنسان وهداه في الكون ، بل نرى إن حُسن الحركة وإتقان الصنع والهدى في الوجود وفي كل شيء في الكائنات ، تطالب الإنسان في ذاته أو في التدبر في الكون بل في كل شيء فيه ، لأن يكون موجوداً حسناً في أشرف صورة ممكنة ، وبهذا يتحقق بجنة تامة ويحصل على الكمال الواقعية والنعيم الحقيقي .

قال الله تعالى : { خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ

يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ

وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

كُلٌّ يَجْرِي ِلأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّار ُ} الزمر5 ، تدبرها يا طيب : فإنها آية كريمة تشير لتكوير الليل والنهار وتعاقبهما ليتكون لنا مجال للراحة والسكن ووقت للعمل وطلب المعاش ، ومع ذلك سخر لنا ما يكون لهما من نور وجاذبية الشمس والقمر وحركتهما ، ثم عرفنا سبحانه إن كل شيء متحرك في هذا الكون يجري ويسير لأجل مسمى له دنيوي محدود زمانه ، ووجود مُقدر قد أحسن صُنعه العزيز النافذ الإرادة ، والقادر على كل شيء والغافر للسيئات فيرفع ما تحقق نقصها في وجود بعض الكائنات المتعصية عليه ، وذلك عندما يؤب ويتوجه له كل طيب تائب ، وبهذا عرفنا سبحانه أن للسماء والأرض رابطة معه ، فهو الخالق لها والمدبر لها حيث يشاء ، وبأحسن ما يمكن من رب عالم حكيم لا باطل في فعله بل حسن متقن تكوينا وتشريعا ، ولذا قال سبحانه في آيات كريمة أخرى :

{ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي ِلأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6)

  وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ } الرعد7 .

فإنه سبحانه وتعالى في هذه الآيات الكريمة : كما يبين خلقه لكل شيء ، يبين تدبيره للكون وهدايته لما فيه ، فيبين من آياته الكونية وفي تدبير الخلق ما يعجز عن التعبير عنه كتاب كامل تتعدد أجزاءه ، وفي آيات قليلة تبين جمال الصنع والتدبير وإتقانه وحكمته وعلمه الحق في الوجود الحُسن صنعة وهداية ، والذي لم يخلي وجودنا بني الإنسان من منذر وهو نبي الرحمة نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، وبعده يوجد هاد من أهله إلى يوم الدين وهو الإمام الحق يرجع له الناس ليتقنوا العبودية له بحق ومن غير ضلال ولا خراب لدينهم بالمخادعين والمدعين بكون تعاليم الله عندهم ، راجع ما كتبنا في الإمامة والإمام وضرورة وجود الهادي في التدبير التشريعي في صحيفة الإمامة أو صحيفة الثقلين من موسوعة صحف الطيبين ، وهذا هو الحق في الهداية الكونية والتشريعية المتكاملة المتقنة ، وإنه حقا عمل صالح حسن لأنه متقن الصنع والتقدير والتدبير والهدى ، وحق لا باطل فيه كما عرفت وكما قال تعالى :

{ أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } لقمان30 .

فهذه حركة أخرى في تكوين الليل والنهار وتعاقبهما مع بيان لقصر أحدهما وطول الآخر ، ومع وحدة زمان الليل والنهار مجتمع لأنها أيلاج أحدهم في الآخر ، أي ما ينقص من أحدهم فيقصر لأنه ولج ، ويطول الآخر لما أخذ من الوالج فيه ، وعرفت أنها تابعة لحركة الأرض حول نفسها ، وهنا عرفنا لكونها تابعة لمَيدان الأرض بين الشمس والقمر فذكر سبحانه تسخير الشمس والقمر ، فكان هذا شرح لحركة الأرض التي عرفنا في الآيات السابقة حركتها ، فإنه فيها مَيدان عن خط الاستواء والوسط لها به يتكون الليل والنهار في الفصول المختلفة التي فيها تختلف نسب الليل والنهار في الطول والقصر ،  وبهذا عرفنا سبحانه الإيلاج والقصر والطول يكون في الفصول وبهذا تتم حركة الليل والنهار في السنة كلها ، فيتنوع حالنا وثمارنا وكل شيء صار في خدمتنا ومسخر لنا

فهذا كان بيان لحركة كونية أخرى متمة لكمالنا مع انحرافها عن خط الاستواء ، وبها يحسن الصنع ويسخر لخدمتنا بأتقن تكوين ممكن في هداه .

 فحقا عليم سبحانه بكل شيء وقد أحكم تدبيره ، وهو الحق الذي لا باطل في إيجاده ، وهو العلي الكبير الذي هيئ لنا كل شيء من ليل لنسكن فيه ونهار لنطلب المعاش فيه والفصول ليتنوع لنا كل شيء من الجو والأيام والنباتات والأثمار المختلفة في الطعم والحجم والشكل ، مع أنها تسقى بماء واحد وتعيش في بساتين أو بستان واحدة وعلى تراب واحد ، وبهذا عرفنا سبحانه بأنه كل شيء مسخر لنا وقد هيئ بأحسن صورة قد أتقن صنعه وتدبير ، وذلك لكي نكبر ولنتكامل ولنرقى في عالم الرفاهية الحقة ، ولنكون بأحسن صورة ممكنة من النعيم النفسي المطمئن والمادي المتقن الذي يوفر لنا سبب النعيم وما يساعد على الكمال ، وبه يحصل لنا التكامل في الوجود وفي الهدف السامي للحياة وفي غرض الخلقة كلها ، فإنه في الآية عرفنا بأنه عالم بما نفعل ، وقد عرفت أنه تعالى قد طلب منا أن نعمل صالح متقن حسن ، ولذا لا يحق لنا أن نخرب وجودنا الذاتي أو ما يحيطه فنبطله عن التحقق بكل قيم الرقي الحقيقي والتقدم الواقعي الروحي والمادي أو بعضه .

 فإنه تعالى رحمن رحيم بنا ، قد وفر وسخر لنا كل ما سألناه بحالنا ومقالنا لنحصل على ما يساعدنا للرقي والتكامل في الروح والبدن ، بل في الهدف الصالح والغاية الحسنة والخير المطلق ، كما عرفت في الآيات الكريمة أعلاه ، بل قال تعالى في آيات أخرى :

{ قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ (31)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَار (33)

وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } إبراهيم34 .

ولذا بهذا نعرف حتى اليقين بأنه حق علينا شكره وعبوديته وتنفيذ ما شرفنا به من التعاليم التي تصلح وجودنا وتجعله في جنة دائمة ، نتعاون فيما بيننا وننفق سرا وعلانية متوجهين له بكل أنواع التشريف العبودي لنتحقق بالكمال المتجلي منه حتى نعيم الأبد ، وذلك لمن يسلك الصراط المستقيم للحركة الإلهية التي شرفنا باختيارها في الهدى الديني القيم الذي عرفه لنا بتوسط أولياء دينه ، ولا يحق لنا بعد بهذا أن نطغى ونضل عنها ونسير في خراب وجودنا الذاتي أو ما يحيطه بالعمل الفاسد والنية الشريرة فضلا عن عمل الظلم وما يخالف طلب الكمال الحق فنكفر بأنعم الله إلى الأبد .

فإنه يا طيب السير لمستقر : فإن في نهاية المسير كل شيء يسير لحقيقته وينكشف له كل وجوده من غير مادة بل بمجرد الروح أو مع بدن وجسد يناسبها في عالم آخر لها ، فيكون الإنسان المؤمن في تمام النعيم وأشد كمالاً في الذات ومسخر له ملكوت الأشياء وحقيقته بمجرد الأمنية ، ومن غير كد ولا تعب وبأحسن جو ومكان وثمار ومع قاصرات الطرف ، أو والعياذ بالله قد يضل ويطغى ويكفر فيواصل المسير والمستقر لأشد ضيق على الروح المتمردة الكافرة بأنعم الله و لا شيء يسخر في ذلك العالم لخدمتها ولا ماء ولا ثمرات طيبة والعياذ بالله بل يكون في نار تكوي وجوده وقرين شيطان قبيح الشكل ، فهذا سبيل الحركة المتقنة الحقة والمسير الصالح الحسن لكل شيء في الوجود ولنا بالذات ، والتي بها يتم هدانا وتحصل لنا سعادتنا ونعيمنا التام .

ثم يا طيب الوجود : بعد الذي عرفت من الحركة الجميلة المتقنة في التكوين ، أعلم يا أخي إنه تعالى عرفنا ما ذكرنا من المستقر بكل آيات الجنة والنار وآيات المعاد في كتابه القرآن المجيد ، وإن هذا التدبير الذي له مُستقر مع ما فيه من التحول في التدبير ، فهو يسير لمراحل في التكوين يكر مع مسيره ويتكامل ما فيه فيكون في رقي لعالم أوسع لمن يستأنس بسننه في طلب الكمال ، أو يضل بكفران أنعم الله وعدم قبول تجليها بحق له لعدم طلبها المخلص أو رفضها بحقيقة وجوده المتعصي على فيض النعيم لها ، إما بنية كافرة وحقيقة غير مؤمنة أو بعمل يخالف مسير وصولها للكمال الحق ، فيتعذب في نهاية المسير بالحرمان والنقص كما عرفت .

 

ثم يا أخي الكريم : هذا معنى آخر للحركة الإلهية المودعة في الكائنات يحكي عن المستقر بالنص ، نتعرف عليه حين نتدبر آيات أخرى من الذكر الحكيم .

قال الله تعالى : { وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يس40 .

فكل شيء في حركة والشمس التي يسير معها كل فلك تابع لها وفي مجموعتها أرض وقمر وغيرهن ، كلها تسير معها لمستقرها لأنه إن خالفنها في المسير للمستقر يفنى وجودها وتدمر هيئتها ، فتفلت متشتت متفككة في مسيرها وقد تتلاطم فيما بينها فتدمر ، وبالخصوص الأرض التي عليها الإنسان الذي يستكمل نشاطه بنور الشمس فضلا عن نعيم خيرات الأرض التي تنموا بنورها وبها يتم الليل والنهار لنا مع القمر .

فبهذا عرفنا سبحانه بأنه كل شيء يسير سابح في فلك السماء وفضائها المترامي بأحسن خلق وصنع وهدى ، وإنه كل شيء حسب حاله وشأنه يسير ويسبح متكاملا ، فشملت الحركة المترقية في الهدف والغرض التكويني كل ما موجود في الكون من كواكب ونجوم ومجرات وشمس وقمر وأرض وجبال وما عليها ، وهذا هو  بتقدير من العزيز الحكيم .

وهذا معنى لحقيقة وواقع يشير بأن  كل شيء في الوجود يظهر كماله بوجوده وبهداه لمستقره ، وينفي نقص تكوينه وهداه حسب حاله ، فيدل على خالقه حامد له بما له من الكمال ، ويكون مظهر لوجود مسبح لخالقه ومقدس له وذلك لعدم نقصه بالنسبة لحاله المناسب له وبحسب شأن وجوده في موقعه بالتكوين والهدى ، ولنعرف بعض هذا المعنى نتدبر معا الموضوع التالي مختصرا .

 

ثانيا : كل الكائنات تسبيح الله وتحمده وتطلب الكمال منه :

هذا البحث تفصيله في موسوعة صحف الطيبين في صحيفة التوحيد وبالخصوص في صحيفة شرح الأسماء الحسنى ، أو راجع صحيفة الثقلين من الموسوعة ، وهذه شمة لمعرفة طلب الكمال من واهبه الحق وظهورها بحمده وتسبيحه سبحانه الذي أتقن كل شيء خلقه وأحسن صنعه وتدبيره في الهدى التكويني والتشريعي .

قال الله تعالى :

{ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  (19)  يُسَبـــــــــِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ (20)   أَمْ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنْ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ (21)

    لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ } الأنبياء22 . 

حقا لو كان في الوجود إله آخر ـ مع ما عرفت من الحركة الدائمة في كل كائن وفي كل مجموعة من الكون ـ  لذهب كل إله بما خلق ولبان النقص في تدبير الوجود وعدم تكامله ببعضه البعض ، ولفسد كل شيء ولظهر النقص في الكون ففسد بالتدبير المتناقض بعد الخلق كل الكون وما فيه ـ هذا فضلا من أن يكون وجوده من العدم أو ليس له مدبر تكويني ولا هادي تشريعي بأمره تعالى ، وقد عرفه سبحانه بوجوده أو بالوحي ما يصلح وجوده وهكذا يصلح وجود من يكون تابع له ، ويهديه لأحسن كمال حق لائق به ، فيحسن وجوده ووجود كل من تبعه متكامل معه بالهدى الحق لأفضل ما يمكن عليه من الحال ، وذلك حين يسلك سبيله وصراطه المستقيم ، ولذا يكون من يتعصى على الهدى التشريعي يفسد وجوده ومن يطغى على التعاليم الدينية يحرق بعدم الطمئنينة في الدنيا ومع النار في الآخرة .

 ولذا كان بإتقان الصنع وتدبيره في الهدى التكويني والتشريعي المحكم ، قد تجلى لنا سبحانه في الوجود في مطلق الكمال وهبته لمن يتوجه له كل خير ونعيم وكمال ، ولذا يرى كل طيب ومنصف حُسن الخلقة في كل شيء وجمال الوجود في كل موجود بحسبه ، فيراه في مطلق الكمال بالنسبة لحاله ، ويعبر ويحكي عن قدرة وعلم وحكمة خالقه ، فيراه بحق يظهر حمد خالقه بما منحه من الكمال المتقن الحسِن في التكوين والهدف والغاية ، كما ويظهر تسبيحه بوجوده أي عدم نقصه في موقعه وشأنه وحسب حاله ، فيكون بوجوده ينزه خالقه عن النقص في العلم والقدرة والخلق والتدبير ويرى فيه كماله ، فيكون مسبح حامد وهذا معنا ما مرّ ، ومعنى ما قال عز وجل في مقام آخر :

{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (41)

قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ

وَلَكِنْ لاَ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } الإسراء 44 .

فالتسبيح والتقديس الوجودي ، أو التشريفي بالرغبة والحب من كل شيء حسب حاله وشأنه في الوجود ، لرب رحيم عالم بكل شيء ، ويمنح كل متوجه له كماله ، هو هدف الخلقة وبه يتكامل الموجود ويعرف شأنه وحركته في الرقي بذاته وبما يحيطه ، وهذه الحقيقة تراها بشكل جلي في تعاليم الدين ونصت عليها كثير من آيات الذكر الحكيم ، فإن التسبيح والحمد الوجودي التكويني عرفت شيء من معناه أعلاه وتجد في صحيفة الأصوات الحسنة معاني في تسبيح الموجودات إن شاء الله ، وهكذا تجد في شرح الأسماء الحسنى المقدسة : السبوح والقدوس والسبحان والحميد وغيرها في صحيفة شرح الأسماء الحسنى ما ينفع في هذا الباب ، أو راجع تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي رحمه الله في سورة الحمد ، وأما التسبيح والحمد التشريفي لنا ، نكتفي به بالتدبر البسيط في سورة الحمد ( الفاتحة ) بعد أن تتلوها في نفسك .

 فإنه سبحانه وتعالى : رب رحمان رحيم من يستعين به يهديه لصراط مستقيم يسير به ويحركه للكمال الحق ، وهذا سبيل كل من يرغب بإظهار حمده وتسبيحه ، أي بالإيمان به وبتطبيق ما شرفه من تعاليم العبودية الحقة وكل هدى يصلح شأنه ، وبهذا لا يضل عن الكمال والنعيم الواقعي ، ولا غضب على وجوده ولا يدمر ولا يحرق فلا نقص له ، ولذا يكون في مطلق الكمال حامد ولا نقص له فيكون مسبح منزه لخالقة بوجوده فضلا عن مقاله ، وبهذا يكون مسيرة وغايته في حركته في خلقته متكامل وفي رقي لأحسن غرض له ولأجمل غاية ، حتى يستقر بكونه مع المنعم عليهم نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ويحيط بهم كل الصديقين السابقين لهم بالدين من الأنبياء والمرسلين وكل صحبهم وأتباعهم الطيبين ، على الحوض وتحت لواء الحمد يحف بأهل المقام المحمود ومن حولهم من المحبين الحقيقيين ، فيسلك الصراط مثل البرق إلى جنة النعيم الأبدي معهم ، وعندها له الحور العين ويخدمه الولدان المخلدين على الأراك متكأين لهم ما يشتهون وبالحل والحلل يرفلون .

رزقنا الله ما يرزقهم وجعلنا الله معهم في الدنيا والآخرة حامدين مسبحين .

فحقا ما قال سبحانه :

{ إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ  (6)

 إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)

 إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } يونس10 .

هذا ونسأل الله : أن يوفقنا للإيمان الخالص به وللعمل الحسن الصالح ، وصلى الله على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين ، وتمام الموضوع إن شاء الله في موسوعة صحف الطيبين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

أخوكم في الإيمان بالله وحده لا شريك له

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن جليل حردان الأنباري

موقع موسوعة صحف الطيبين