بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
 أحصد الشر من صدر غيرك
بقلعه من صدرك
قال أمير المؤمنين عليه السلام : احصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
احْصُدِ الشَّرَّ مِنْ صَدْرِ غَيْرِكَ
بِقَلْعِهِ مِنْ صَدْرِكَ

شرح الحديث :

لوحة خيرة : مؤمنة طيبة للنفوس تخلب ، وللمعتقد بنصها تقلع الشر من القلب ، وتجعله لا يرضى لغيره ما لا يرضاه لنفسه من مقلب ، بل يتمنى الخير لكل العباد ولهم الرحمة من ربه يطلب ، فضلا عن كونه للسيئات والخبائث و الضر والشر للغير لا يجلب ، فهي تدعوا للمودة بين العباد وتجعل الإنسان أهلا للحب ، وله كل صديق طيب مؤمن تجعله يجذب  ، وللمصدق بها كل خير وبركة ونعيم من رب كريم مطلع على النيات واللب .
وأما من لا يؤمن بمحتواها :
ويضمر الشر للعباد فهو ثعلب ،  وهو ولي للشيطان ومنه الأمن والإيمان والخير والصلاح بحق سلب ، وصار عن عمل الخير وصداقة المؤمنين في أشد الحجب  ، وله العذاب من الله ذو العزة والكمال وكل شدة وتعب إن لم يتب ، وإن أصر يحشر من الأشرار بل مع أو لهب وامرأته حمالة الحطب ، ويكون سعيه وعلمه وعمله في خسران وتبب ، هذا جزاء من لم يعمل بنصائح أئمة الهدى الذين أختارهم الرب .
 فأمن بمحتوى الصورة : يا صاحب قبل أن لا يكون لك من عدل الله مهرب ، وتخسر راحة الدنيا والآخرة وتكون في كل أحوال في ضنك الشر وترعب ، فاقلع الشر من صدر غيرك بقلعه من قلبك ولك رضى الرب ، فهنيئا لمن سمع القول الحسن وعمل بالهدى ومن الرب الرحيم الرحمان أقترب ، وطوبى له وكل نعيم وبر ورحمة وجنان وكل ما حب وتمنى القلب .
ويا أخوتي الطيبين : هذه حقيقة الشر لمن لم يقلعه من نفسه ، ومن يضمره لغيره ، وقد قالوا من حفر بئرا لأخيه قد وقع فيه ، بل في عالم المعنى والروح يقع في حيص بيص العذاب ولا يمكن تلافيه ، لأنه العباد على نياتهم يحشرون ويحاسبون على الذرة ، فمن نوى الخير وعمل به حقيقة نعيما وجنان يراه ، ومن نوى الشر وعمل به واقعا بصدق نارا وعذابا يراه ، فلما ينويه ويضمره ويكنه في قلبه العاقل وهو يعتقد بأن الله يراه ، ومطلع على حقائق الأنفس ولكل شيء أعد وعده ووعيده وجزاه .

ويا أخوتي : هذه حكمة كريمة من غرر الحكم ، ومن جوامع الكلم ، وبليغ الموعظة الحسنة ، والدعوة الصالحة للكل خير ، وهو أن العبد الطيب لا ينوي شر لأحد فضلا من أن يعمله ، وبهذا القلوب تتألف وتجتمع على المحبة ، ولو كل إنسان عمل بها لعم الخير والصلاح والبر وكانوا في نجاح وفلاح .
 بل المؤمن عليه : أن يتحقق بها ، فيكون قدوة طيبة وأسوة حسنه يقتدي به المنصفون والأحرار وكل طيب ، فينتشر الخير والصلاح والمودة والمحبة بين أغلب الناس فضلا عن كلهم , و يبقى القلة ممن حجب على قلبه وكانت على بصيرته غشاوة من الطغاة والظالمين ، بل حتى هؤلاء للأخيار يتقون ويحذرون ويخافون ، فيقل الشر منهم ، فضلا عن الأصدقاء الطيبين والمؤمنين الخيرين الذين يحيطون بنا ، فهنيئا لمن تحقق بهذه الموعظة الحسنة وعمل بها وعلمها .
 وللبحث تتمة إن شاء الله تأتي .
وأسأل الله : أن يحققنا بالخير نية وعلما وعملا وسيرة وسلوكا ، وأعوذ به لي ولكم من كل شر وشرير ونية الشر وعلمه وعمله ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


+++++

ويا أخوتي الطيبين :لكي يصلح العباد وننتزع الشر من الغير ، لابد للإنسان أن يصلح نفسه ويقلع الشر منها أولا ، ثم يمكنه أن يؤثر بالغير ويطالبهم الصلاح  وعمل الخير وترك الشر وما به الضرر .
 وإلا لو كان هو : شرير ويعمل الشر ، ويظهر منه بين فترة وأخرى أعمال الشر ، بل لو يضمر الشر وينويه للآخرين ، لا يمكن أن يكون مصلح ولا يصدق ، لأنه حاله تحكي عن خلاف قوله ، ونيته الشرير تنبئ عن حقيقته بروح منتنة تنشر روائح خبيثه من فحوى كلامه أنه غير صادق ، يحسب بباطل كلامه كل منصف طيب ، وأنه لو يستطيع الشر لعمله ، فيكون كلامه مشوش مبعثر لا يؤثر فيمن يسمعه ، لأنه حقيقة الموعظة الحسنة والكلمة الطيبة والقول الحق والداعي إلى الصلاح ينبع من القلب ، فيؤثر في قلب من يسمعه، فيؤثر في غيره فيصدقه ثم يعمله ، وإلا فلا .
فأول الأمر : يجب أن ينزع الإنسان من قلبه الشر بل على قول مولى الموحدين أن يقتلعه من جذوره ، ولا يجعل في نفسه أدنى نية في الشر ولا أثر في قلبه لعمل الشر ولو بمقدار ذرة ، فإن كان بهذه الصورة فتكون موعظته حسنة ومؤثرة ، بل يكون داعية للخير والصلاح بوجوده وبحركاته وسكناته وبكل تصرف له فضلا عن قوله ، بل يكون مصلح بهيئته ورؤيته ، فمن يراه يهابه ولا يعمل الشر أمامه فضلا من قربه ، بل قد يستحيه الناس عن بعد ممن عنده بعض الحياء لكي لا يطلع عليه المؤمن الخير الطيب ، وبالخصوص إذا كان صديقة أو من أرحامه وأقرباءه .
ومسألة أهمية التربية النفسية : الله سبحانه وتعالى أكد عليها في كلامه القرآن الكريم كثيرا ، وإن أهميتها قد تفوق نفس العمل ، ولذا لكي نتمكن من معرفة معنى الحديث الكريم وأهمية ومن ثم تصديقه , والتحلي به بل والتجلي به ، وأنه يجب علينا أن نتخلى عن الشر من أنفسا ، ثم ننوي الخير ونعمله ، لنحصد وننزع الشر من الغير ونجعلهم يتخلون عنه ، فنكون قد تحققنا بأهم وأعلى أدب الدين ، وأول أخلاق المؤمنين ، وأصل معارف الهدى والتجلي بها .
نذكر بعض كلام الله تعالى : في هذا المعنى ، ثم نعرج على أحاديث نبي الرحمة محمد وآله الطيبين الطاهرين الكرام الأخيار الأبرار صلى الله عليهم وسلم :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ
لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105) }المائدة .
فأولا : العبد المؤمن عليه أن يصلح نفسه ، فيقلع منها كل نية شر ومن ثم من عمله ، ويحققها بالخير وظهوره عملا  ، فيهتدي لله بالعبودية الحقة وبما يحب ويرضى ، لأن الله لا يرضى عمن في نفسه شر ، فضلا عمن يعمل الشر ، ومن ثم إن تحققت روح العبد بالخير ، يمكنه أن يقلعه من الآخرين وينزعه بقدر قوته المؤمنة الروحية ، ولذا الله سبحانه ذم من يأمر بالبر والخير ، وهو ينوي الشر وخلاف الخير ، فقال سبحانه وتعالى :
{ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ
وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) } البقرة .
فمن يعرف آداب الله : لا يمكنه أن يأمر بالبر ونفسه غير صالحة وتضمر الشر وتنويه للغير .
والله سبحانه عالم بالأنفس : وكل ما يبديه الإنسان مما نواه أو تكون حقيقة روحه بأنه لو تمكن من الشر واقعا لعمله ، يحاسبه الله عليه ، وعلم الله بما في الأنفس ذكره سبحانه بآيات كثيرة وأكد عليه بشدة حتمية ، ليتقي العبد المؤمن ربه ويصلح نفسه أولا ، ومنها ما قال الله سبحانه :
{ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ
وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ
أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ
فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } البقرة .
وإن الله يحصي أعمالنا : ونياتنا ويحسبنا عليها كما عرفت ، وأكد على هذا في عدة آيات ، ومنها كما قال سبحانه :
{ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ
وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ
وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ
إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ
وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ
مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ
فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء
وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ
وَلا أَكْبَرَ
 إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61) } يونس.
ولله سبحانه يحاسب على كل شيء : نية وعمل ويجزي به ، لا فقط حساب من غير جزءا ، ولنتحقق هذا المعنى إيمانا يقينيا ، نذكر ما قال سبحانه :
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ
عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ
وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3)
لِيَجْزِيَ
 الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ (5} سبأ.
ولمعرفة المزيد : بالإضافة لما عرفت من هذه المحاسبة للعباد ، ورؤية أعمال الخير والشر وآثارها جزاءا حتميا ، أتلوا سورة الزلزلة ، تعلم بأن الذرة لا تترك ويجازى عليها إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، بل في الآيات أعلاه حتى أقل من الذرة تحاسب عليه فضلا من كونها أكبر .
وأسأل الله لي ولكم : أن ويوفقنا لعمل الخير والتحقق به أبدا ، وأن نقلع الشر من أنفسنا واقعا حتما ، حتى نستطيع أن نقلع الشر من الغير علما وعملا ، ويجعل الله موعظتنا وقولنا مسموع من الطيبين ، والذين لم تحجب قلوبهم ولا ناظرهم بصرا ولا آذانهم سمعا عن تعلم وعمل الخير ، ونكون قدوة حسنة وأسوة صالحة لكل الطيبين والمنصفين الأحرار ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

يا أخوتي الطيبين : لكي نتيقن قول أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام ، نذكر أحاديث صادقة كريمة فيها معاني عالية شريفة ، تقر بها عيون الناظرين ، وتفرح بها عقول المؤمنين ، وتسر كل أهل الخير والصلاح الطيبين ، فهي أصل الفكر الصالح الخير ، وأول العمل المقبول برضا رب العالمين ومولى الصالحين ، وأسأل الله أن تنفعنا ، فنصلح أنفسنا ، ونقلع  كل شر وفكر خبيث لئيم من قلوبنا ، ونتحلى بكل نية صالحة حسنة طيبة خيره في فكرنا وقلبنا وأفئدتنا وعقلنا ، فننزع ونحصد ونجتز الشر من غيرنا وكل ما يحيط بنا .
وأما أصل الحديث فهو :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
احْصُدِ : الشَّرَّ .
مِنْ : صَدْرِ غَيْرِكَ .
بِقَلْعِهِ : مِنْ صَدْرِكَ .
نهج ‏البلاغة ص501ح178.

وهو من أجمل الأحاديث تعليما : وفي أول المعرفة يجب أن يتحلى به العبد تقديما ، لأن الإنسان في الفطرة يخلق طيبا يحب الخير ، ثم تدنس الفطرة إن عاشر صاحبها الأشرار أو مارس الشر ثم تعود عليه ، فيحبه وينويه وقد يمارسه بكثرة فيظهر منه علما وعملا وقولا وفعلا ، والعياذ بالله منه .
وإن لم تدنس الفطرة : وتربى تربية طيبة صالحة ،  بقي يحب الخير ويعمله وينفر من الشر ، و يظهر منه الخير ويمارسه فيصير له ملكة خيره فاضلة.
والإنسان في أول أمره : وفي أول نظره للعباد حين يراهم أمامه ، إن كانت نفسه طيبة  ويحب الصلاح ، ويرى الناس في أعمال لا يحبها طبيعة ووجدانا ، ويراها أن الدين لا يحبها إن كان مؤمنا ، بل ليست من شأن المنصفين والأحرار الطيبين ، فيحاول أن يقتلع الأعمال الشريرة من الناس ، ويتمنى أن يعم الخير بين العباد ، بل لا يحب أن يرها لغيره ، فضلا من أن يرى أعمالهم التي يحتك بها معهم تصيبه في كثير من الأحيان ، فيحاول أن يقتلع الشر ويزيله ليصير كل من يحيط به خيرا طيبا مثله .
وطبعا : بين القسمين : مراتب كثيرة ، وأغلب الأنفس حتى الشريرة ، فضلا عن التي تمارسه صدفه أو حين الاضطرار وتسويفا وتقليدا ، فهي تحب الخير فطرة ، وتنفر من الشر ولا تحبه وجدانا ، فيحاول أغلب العباد إن لم يكن كلهم ، أن ينتزعوا الشر من الغير ، إن لم نقل من أنفوسهم ، ويحبون كلهم أن يعملوا الخير وأن يعم الوجود كله ، ولمثل هؤلاء :
يقول أمير المؤمنين عليه السلام : إن حببتم أن تقتلعوا الشر من الغير ، وتحصدوه وأن لا يعمله غيرك  .
فإذن أولا : أقلعوا الشر من قلبكم ، وخلوا منه أنفسكم ، واجتثوه من أرواحكم ، لكي لا يظهر بعملكم وقولكم وعملكم ، فيقتدي بكم غيركم ويصلح من يحيط بكم  .
وليس من الإنصاف : ولا من العدل ، أن نتمنى الخير من الغير ولا نعمله ، أو نتمنى منهم عدم عمل الشر ونحن نعمله ، فهذا ممقوت عند الله وفي تعاليم الدين وعند كل المؤمنين والطيبين ، وهذا حق القول وصالح الموعظة وكريم الكلام في حديث أمير المؤمنين وسيد الموحدين .
ولمعرفة هذا المعنى بأسلوب كريم : نذكر الأحاديث في هذا المعنى :

+++++.

يا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا معرفة كريمة ، عن بعض ضرورة قلع الشر من النفس ليصلح الآخرين فضلا عن أنفسنا ، وبعض أسبابه .
 نتعرف : على حقيقة وجود الأفكار والنيات الصالحة والشريرة و، بعض أثارها الدنيوية والأخروية .
 كما أنه : في الغالب يعبر عن النفس وما تنطوي عليه من أفكار عقلية ، يعبر عنها بالقلب ، لأن القلب أو متأثر بالأفكار وما يخطر على الإنسان بالأخبار التي تأتيه ، فتظهر عليه علامات السرور والفرح أو الهم والحزن ، بحسب ما يرد على النفس من أخبار ، أو من أفكارها وتصوراتها .
ولذا كان التعبير : برفع الشر من القلب ، هو من الفكر والنيات ، وتطهير النفس وتزكية العقل بالأفكار الصالحة الخيرة الطاهرة الطيبة .
ولذا أولا نذكر : أهمية تزكية النيات والأفكار ، لأنها أصل الأفعال وظهورها ، فإن كانت النية خيرة والفكر صالح ، تظهر بالأفعال خيرة صالحة ، وإن كانت الأفكار والنيات شريرة تظهر شريرة والعياذ بالله منها .
فلكي : نصلح أنفسنا ونقلع الشر من قلوبنا ، يجب أن نصحح أفكارنا ونياتنا .
كما أن الثواب : على العمل يكون وفق النية الخيرة الصالحة التي يتقرب بها إلى الله سبحانه ، وإن مقدار بقاء العمل خالدا له ثواب عظيم من الحسنات التي تتضاعف ، بقدر ما لله فيه نصيب وإخلاص ، ولذا تكون أهمية النية في العمل مثل الروح في البدن .
وبإصلاح النية والأفكار : وجعلها خيرة ، يقتلع الشر وآثاره من القلب ، و يصلح العمل ، ويؤثر في مراعاة الآخرين لنا والاقتداء بنا .

وأما الأحاديث الكريمة : في أهمية النية في العمل وثوابه وحسنه وخيره ، فهي :

ذكر الشيخ الطوسي رحمه الله في التهذيب :
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :
الأعمال : بالنيات .
و روي بلفظ آخر و هو أنه قال :
إنما الأعمال : بالنيات ، و لكل امرئ ما نوى .
روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال :
لا قول : إلا بعمل .
و لا عمل : إلا بنية .
و لا نية : إلا بإصابة السنة .
تهذيب ‏الأحكام ج4ص186ب44ح 1، 2 ، 3 .

فهذه الأحاديث الكريمة : تعرفنا ، بأنه الأعمال بالنيات ، فإن كانت النية خير فهو عمل خير ، ولا يمكن أن يكون النية والعمل خير وصالح ومرضي لله سبحانه ، إلا أن يكون وفق السنة المطهرة ووفق تعاليم الدين .
وهذه المعرفة : هي أصل في معرفة عمل الخير على الحقيقة ، وأنه صالح واقعا ، ومرضي لله سبحانه .

ثم يا أخوتي قد : ينوي المؤمن عملا خيرا ، ولكنه لا يستطيع أن ينفذه ، إما لعدم القدرة وأنه ليس له استطاعة على تهيئة الوسائل اللازمة ، وغيرها من الظروف ، فلا يعمله ، فهذه النية تحسب له عمل خير ، ويثاب عليه وتصلح نفسه وتطيب روحه ويرتاح بما نوى من النية الخيرة ، ويناله رضى الله فتطمئن نفسه بما فكر ونوى من الخير .
وكذلك : نية الكافر والشرير والمنافق وغيرهم ، ممن لا ينون الصلاح والخير ، فهي بمجردها تدل على خبث النفس وعفونة الروح ، لأنهم لا يستطيعون الشر ويحبوه ، ولو قدروا عليه لعملوه ، فحتى النية لهم شريرة ، فهي أول ما تضر أنفسهم ، وتنغص عليهم أرواحهم ، ويبقون بهم وغم الحسرة ، ولهم الندامة والعذاب ، ولمعرفة المجموعة الثانية من الأحاديث ، نتدبر :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
نية المؤمن : خير من عمله .
و نية الكافر : شر من عمله .
و كل عامل : يعمل على نيته .
الكافي ج2ص84ح2 .

 قال الإمام الباقر علي بن الحسين عليه السلام :
نية المؤمن : أفضل من عمله .
و ذلك : لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه .
و نية الكافر : شر من عمله .
و ذلك : لأن الكافر ينوي الشر ، و يأمل من الشر ما لا يدركه .
علل ‏الشرائع ج2ص524ب301ح2..

فالمؤمن : لا يقدر العمل لكنه ينوي خير فيحسب له خير ويجزى بخير ، وإن لم يعمله ولم يتمكن من إظهاره .
 والكافر : ومن في شاكلته ، لا يقدر على عمل الشر ومع ذلك ينوي الشر ويحب ظهوره وعمله ، فيحسب له شر ويخزى عليه ، ويعاقب عليه ، وإن لم يعمله .

وأسأل الله أن يجعل : نياتنا خيرة صالحة ، وأفكارنا طيبة طاهرة ، ونحل العمل الصالح ونعلمه ، لنظهر بمظهر الخير والصلاح ، ونكون في كل أحوالنا في طاعة الله ورضاه ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

 ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا أهمية النية والأفكار الطيبة الخيرة ، وآثاره على القلب وتأثره بها ، وأنها سبب لفرح القلب وسرور النفس ، والظهور بالخير والصلاح وتأثر غيرنا بها .
وعرفنا : أثر النية والأفكار الشريرة في ظهور آثاره على القلب حزنا وهما وغما ، وتظهر شر وخبث ولؤم في الأفعال .
وللتخلص : من الأفكار الشريرة وقلعها واجتثاثها من القلب ، كان أول الأمر إصلاح النية والفكر وجعلها خيرة صالحة طيبه .
أي يجب : أن لا نفكر إلا ما فيه لله سبحانه رضا ، أي لا بد أن تكون أفكارنا وما نحبه وننويه من آداب الدين وأخلاقه ، لأنه يجب أن تكون وفق ما علمنا الله سبحانه وهدانا له بصراط مستقيم وهو يقودنا بحق لكل نعيم ، لأنه خص تعليمه دينه وشرحه ونشره بأفضل خلقه من الطيبين الطاهرين الخيرين الأبرار ، ومن يحب الصلاح يجب أن يقتدي بهم ويتأسى بما علموه بقولهم وفعلهم وسيرتهم وسلوكهم .
وبهذا : إذا كانت النية وفق السنة الطاهرة الشارحة لكلام الله سبحانه في القرآن الكريم ، تكون بحق صالحة خيرة ، والفعل كريم يؤدي إلى الخير والنعيم ، وثواب الله الجزيل الدائم الكثير المقيم ، ثم يكون القلب طاهر من الغل والغش والمكر والحيلة وكل ما فيه شر ، فتظهر أفعالنا خيرة صالحة ، ويقتدي به غيرنا فيرتفع الشر من الطرفين ، نذكر هذا المعنى بأسلوب كريم من جوامع الكلم ، ووفق ما حثنا عليه رسول الله وخير الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين عليهم السلام .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لا تمني : إلا في خير كثير .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من تمنى شيئا : هو لله تعالى رضا .
لم يمت : من الدنيا ، حتى يعطاه .

وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال :
إذا تمنى أحدكم : فليكن مناه في الخير .
و ليكثر : فإن الله واسع كريم .
الجعفريات ص155 .
فهذه الأحاديث الكريمة : فأضل توصية يجب أن تتقدم كل فكر ونية وعمل ، وهو الفكر بالخير وتمنيه ، حتى يوفقنا الله له ونعمله ، ومن ينوي الخير لا مجال عنده للشر ، وبنفسه يقتلع من النفس والفكر والقلب ، فيحصد منا ومن العباد ، ولذا يجب أن نكثر من نية الخير ونتوسع بها ، ونفكر بالصلاح لنا ولمن حولنا بكل جد ، حتى نحب الخير ونشتاق له ونعزم عليه ونعمله .
 

+++

يا أخوتي الطيبين : عرفنا أنه لكي تكون النية صالحة والفكر خير ، لابد أن يكون وفق السنة المطهرة أي وفق تعاليم الله ، وأن يعمل من أجل طاعة الله ورضاه وخالص له ، ثم أن لا يكون الإنسان بعد العمل يمدح نفسه ويغتر ويفتخر ويشمخ به على العباد ، لأنه يخرج من الإخلاص للرياء ، ولا يتصف بالفكر ولا بالعمل الخير الصلاح ، بل يمن بما أنعم الله به عليه ، يمن على العباد ويؤذيهم ويبين فضله عليهم ونقص حظهم أمامه ، وهذا شر وضرر لا خير فيه على الحقيقة .
ثم أن العمل : كما يجب أن يكون وفق تعاليم الله حتى النية والأفكار ، وجيب الإخلاص فيه بطلب وجه الله تعالى فيه ، فيكون حسن خير .
ولمعرفة هذا المعنى : ومعنى أن أحسنكم عملا أي أخلصه ، وليس أكثركم عمل ، وأن فضل العمل بالنية الصالحة ، والفكر الخير ، فيسعد به المؤمن ويفرح القلب ، ويجتث ويحصد به الشر من القلب ومن الآخرين ، ويكون له ثواب جزيل ونعيم أبدي ، نتدبر الأحاديث الكريمة الآتية :

عن سفيان بن عيينة عن أبي عبد الله عليه السلام :
في قول الله عز و جل : { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } الملك  .
قال عليه السلام :
ليس يعني : أكثر عملا .
 و لكن : أصوبكم عملا .
و إنما الإصابة : خشية الله .
 و النية : الصادقة ، و الحسنة .
ثم قال : الإبقاء على العمل حتى يخلص ، أشد من العمل .
و العمل الخالص : الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز و جل .
و النية : أفضل من العمل ، ألا و إن النية هي العمل .
ثم تلا قوله عز و جل : { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (84)} الإسراء  .
يعني : على نيته .
الكافي ج2ص16ح4 .

وبعد أن عرفنا : أهمية النية في الخير وأنها سبب في ظهور الأعمال الخيرة ، وبها نبتعد عن الشر ، حتى كانت النية هي العمل أي روحه وحقيقته وبقائه صالحا .
والنية الصالحة : فضلا عن كونها تجعل العمل صالحا ، فبسبها يبقى الثواب ، ويدم نعيم في الآخرة ، ولمعرفة هذا العمل نتدبر .

عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام :
عن الخلود : في الجنة ، و النار .
فقال : إنما خلد أهل النار في النار .
 لأن نياتهم : كانت في الدنيا ، إن لو خلدوا فيها ، أن يعصوا الله أبدا .
و إنما خلد : أهل الجنة في الجنة .
لأن نياتهم : كانت في الدنيا ، إن لو بقوا فيها ، أن يطيعوا الله أبدا.
فبالنيات : خلد هؤلاء و هؤلاء .
 ثم تلا قوله تعالى : { قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ (84)} الإسراء  .
أي : على نيته .
المحاسن ج2ص330ح94 .

 و عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : سمعته يقول :
رجلان : في الأجر سواء .
رجل مسلم : أعطاه الله مالا يعمل فيه بطاعة الله ، و رجل فقير يقول : اللهم لو شئت رزقتني ما رزقت أخي ، فأعمل فيه بطاعتك .
و رجل كافر : رزق مالا يعمل فيه بغير ... ، فقال : اللهم لو كان لي مثل مال فلان عملت فيه بمثل عمل فلان ، فله مثل إثمه .
مستدرك‏ الوسائل ج1ص95ح72- 13.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
يا أيها الناس : إنما هو الله ، و الشيطان . و الحق ؛ و الباطل . و الهدى ؛ و الضلالة . و الرشد ؛ و الغي . و العاجلة ؛ و الآجلة . و العاقبة ؛ و الحسنات ، و السيئات .
فما كان : من حسنات ، فلله .
و ما كان : من سيئات ، فللشيطان لعنه الله .
الكافي ج2ص16ح2 .

وأسأل الله سبحانه : أن يجعل كل أفكارنا ونياتنا وأعمالنا لله سبحانه خالصا له وحده لا شريك له ، ويوفقنا بكل أحولنا لأن نفكر بالهدى وكل ما أوجبه وحسنه لنا وما أدبنا به من تعاليم الهدى ، و وفق ما علمه نبيه الكريم وآله الطيبين الطاهرين ، حتى نخلد بالنعيم الدائم عنده أبدا .
وأن لا يجعلنا : أبدا أن نفكر بالضلال والشر وما لا يرضى به أبد ولا ننويه ، وأن يبعدنا عن كل شر وشرير سيئ وسيئات والآثام ووساوس الشيطان ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

يا طيبين : قد عرفنا أهمية الفكر والنية الخيرة الصالحة وفق هدى الله سبحانه ، وأثرها الكريم في نقاوة القلب وطهارة النفس ، وأنه يجب أن تكون خالصة لله لتدوم في الخير ولا تكون سبب لشر وضر للآخرين ، بحسنها وصفائها تصلحهم وتحصد الشر من الروح  فضلا عن قلعه من القلب ، وتجعله لا يتأثر بغير الفرح ولسرور .
نذكر هنا يا أخوتي : أن إسرار الخير أو الشر ، فضلا عن أثره الأخروي ، أن له أثر دنيوي .
فإن النية والفكر : تظهر في الدنيا له آثار كريمة  وحسنة تسر الذي يفكر صالحا وينويه ، وهي تقلع الشر من النفس والقلب ، وإن الله يعجل له ما نوى ، ويوفقه لعمله ويظهر نيته عملا حسنا خيرا .
كما أن إسرار الشر : ولعياذ بالله يكون سبب للحزن ، وأنه تظهر آثاره على القلب والآخرين ، ويكشف الله نية الإنسان عملا ، ويظهر حقيقة ما فكر من الشر في الدنيا ، وقبل الآخرة ، ولذا يجب أن لا نفكر به ، لكي نصلح ونُصلح ، ولمعرفة هذا المعنى ، نذكر الأحاديث الكريمة الآتية .

 قال قال رسول الله صلى الله عليه و آله :
من أسر : ما يرضي الله عز و جل .
 أظهر الله : له ما يسره .
و من أسر : ما يسخط الله تعالى .
أظهر الله : له ما يحزنه .
الأمالي ‏للطوسي ص182م7ح 306-8 .

و عن عمر بن يزيد قال : إني لأتعشى مع أبي عبد الله عليه السلام :
إذ تلا هذه الآية : { بل الإنسان على‏ نفسه بصيرة و لو ألقى‏ معاذيره } .
يا أبا حفص : ما يصنع الإنسان ، أن يتقرب إلى الله عز و جل ، بخلاف ما يعلم الله تعالى .
إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول :
من أسر سريرة : رداه الله رداءها .
 إن خيرا : فخير .
 و إن شرا : فشر .
الكافي ج2ص294ح6 .

قال الإمام الباقر عليه السلام :
عليكم بتقوى الله : و لا يضمرن أحدكم لأخيه ، أمرا لا يحبه لنفسه .
فإنه : ليس من عبد يضمر لأخيه ، أمرا لا يحبه لنفسه .
إلا جعل الله : ذلك ، سببا للنفاق في قلبه .
مشكاة الأنوار ص181 .

وأسال الله : أن يجعلنا على بصيرة بكل خير ، وأن نسر الخير أبدا ، وأن ينجينا من الشر ومن إسراره ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++

===

ويا أخوتي الكرام الطيبين : بعد أن عرفنا أثر النية والفكر الصالح الخير على القلب بالحسنى والفرح ، وأثره النية والفكر الشرير على القلب وبالسوء والضرر وحزنه ، وإن هذه الآثار تكون من حين الفكر في الدنيا حتى يظهر عملا ، ثم تستمر حتى الآخرة جزاءا ، وأن الله يعجلها وييسرها لكل إنسان حسب نيته ، لتظهر حقيقته ويؤاخذ على عمله وفكره ، عاجلا وآجلا .
نتكلم الآن : عن القلوب المتأثر بالإيمان والفكر وما ينوي الإنسان ، فنتعرف عن حقيقة معنى الحديث ولماذا الإمام عليه السلام عبر عن محو وقلع الشر من النفس ليصلح الغير ، أي بصلاحنا يصلح الغير ، لأنه نؤثر بهم ، فإنه فضلا عن بسب رؤية العمل يقلده الناس ، ويعاملونا مثل ما نعاملهم ، خيرا فخيرا ، وشرا فشر .
أن القلوب : نفسها بين العباد تكون فيما بينها رابطة روحية ، وعلاقة تأثر وتعاطف وتواد ، لأنها متماثلة وفيما بينها مشابهة في النية والفكر ، وحتى قبل العمل .
ولمعرفة هذا المعنى نتدبر الأحاديث الكريمة الآتية :

القلوب :

في فقه الإمام الرضا عليه السلام :
في قول الله : { خذوا ما آتيناكم بقوة } .
قوة : الأبدان .
أم قوة : القلوب .
فقال : جميعا .
بحار الأنوار ج67ص209ب53ح31.

 قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
الأرواح : جنود مجندة .
ما تعارف : منها ، ائتلف .
و ما تناكر : منها ، اختلف .
بحار الأنوار ج58ص63ب42ح50 .

فإذن : النية والفكر يؤثر على الإنسان ، ويجعل قلبه يتعاطف بما يفكر به فيظهر عليه فرحا وعملا، ويجب أخذ الهدى وتعاليم الله الخيرة الصالحة كلها بقوة ، وحينها يتجاذب المؤمنون بينهم ، وغيرهم فيما بينهم ، ولمعرفة هذه الحقيقة ، فضلا عن الأحاديث أعلاه ، نذكر الأحاديث الآتية .
عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال :
إذا أردت : أن تعلم أن فيك خيرا .
فانظر : إلى قلبك :
فإن كان : يحب أهل طاعة الله ، و يبغض أهل معصيته ، ففيك خير ، و الله يحبك .
و إن كان : يبغض أهل طاعة الله ، و يحب أهل معصيته ، فليس فيك خير ، و الله يبغضك .
و المرء : مع من أحب .
الكافي ج2ص126ح11 .

فمن قلبه يحب الإيمان : والمؤمنين ، فهو خير صالح ، وإلا لا فلا ، وحين أذن يكون مقارن للخيرين الطيبين ، وإلا فلا ، لأنهم حسب الحديث السابق كل قلب يهفو إلى من يماثله في الفكر ، وبه يعرف أنه خير أم لا .
وإن القرين : والصاحب يكون مؤثر ، بل مبين لحقيقة نفس الإنسان ، فمن يصاحب ويحب الخيرين خير ، ومن يصاحب ويحبهم الأشرار شرير ، فكرا وعلما وعملا .

و قال الإمام الجواد عليه السلام :
إياك : و مصاحبة الشرير ، فإنه كالسيف المسلول ، يحسن منظره ، و يقبح أثره‏.
بحار الأنوار ج71ص198ب14 .
لأنه مشهور : وظاهر بالمنفعة ويريد الخير ، ونتيجته المهلكة و الضر والشر .

 قال عيسى ابن مريم عليه السلام :
إن صاحب : الشر ، يعدي .
و قرين : السوء ، يردي .
فانظر : من تقارن .
الكافي ج2ص640ح4.
ولهذا قال الإمام عليه السلام : أصلح قلبك وأقلع الشر تقلعه من قرينك ، طبعا لابد أن تكون أقوى منه حتى تؤثر فيه ، فلذا قال تقلعه أي تجتثه من عروقه وأصله ، فتحصده من فوق ولو ظاهرا من غيرك .
وفرق عليه السلام : بين الاجتثاث والقلع من الأصل في النفس ، والحصد والجز من أعلى لا من العرق للآخرين .
ويجب يا أخوتي الطيبين :  أن نعتقد بهذه المعاني التي يعلمها أئمة الدين والهدى ، وتشرح من تعاليم كتاب الله سبحانه ، حتى يمكن أن ننوي الخير ونفكر بالصلاح وما فيه رضى الله سبحانه ، ولا نكذب بها فنخزى والعياذ بالله ، فإنه فضلا عن كون يؤيدها الفكر والوجدان ، فهي حقيقة يؤكدها سبحانه في كلامه في كتابه ، ويحاسب عليها حسابا شديدا ، أنظر تفسير آيات سورة الليل :

عن سعد بن طريف : عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، في قول الله عز و جل :
{ فأما من أعطى‏ و اتقى‏ و صدق بالحسنى‏ } ، أن الله تعالى : يعطي بالواحدة عشرة إلى مائة ألف ، فما زاد .
{ فسنيسره لليسرى‏ } ، قال : لا يريد شيئا من الخير ، إلا يسره الله له .
{ و أما من بخل و استغنى‏ } ، قال : بخل بما آتاه الله عز و جل .
{ و كذب بالحسنى‏} ، بأن الله يعطي بالواحدة ، عشرة إلى مائة ألف فما زاد .
{ فسنيسره للعسرى‏ } ، قال: لا يريد شيئا من الشر ، إلا يسره له .
{ و ما يغني عنه ماله إذا تردى } ، قال : أما و الله ما هو تردى في بئر و لا من جبل و لا من حائط ، و لكن تردى في نار جهنم .
الكافي ج4ص46ح5 .

وهذا حقيقة : معنى حديث اللوحة بأسلوب آخر عن أئمة الهدى عليهم السلام :

وعن أبي بصير قال : دخل رجلان على أبي عبد الله عليه السلام: في مداراة بينهما و معاملة .
فلما أن سمع كلامهما قال :
أما إنه : ما ظفر أحد بخير من ظفر بالظلم .
أما إن المظلوم : يأخذ من دين الظالم أكثر مما يأخذ الظالم من مال المظلوم .
ثم قال : من يفعل الشر بالناس .
فلا ينكر : الشر ، إذا فعل به .
أما إنه : إنما يحصد ابن آدم ما يزرع ، و ليس يحصد أحد من المر حلوا ، و لا من الحلو مرا .
فاصطلح : الرجلان ، قبل أن يقوما .
الكافي ج2ص334ح22.

فكما ننوي : ونعامل الناس ينون لنا ويعاملونا ، وهذه الحقيقة هي نفس ما ذكر الإمام عليه السلام ، إن كنت تحب الخير فأقلع الشر من قلبك وأنوي الخير أبدا ، تصلح الآخرين ، فإنه ما من إنسان إلا وله شيء من الحياء والمعاملة بالمثل ، فلا يضل أبدا أنت تعامله بالخير وهو يعاملك بالشر ، بل لابد أن يكف يوما ما ، إلا أن يكون على قلبه حجاب وهو خبيث الوجود كافر .
وأسأل الله : لي ولكم أن يكفينا كل شر وشرير ، وأن يجعلنا ننوي الخير والصلاح ونفكر به دائما ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

+++++

وهذه أحاديث كريمة : تكمل الموضوع السباق ، وتعرفنا شرحه بأسلوب آخر ، لأنها تذكر حقوق الإخوان ، وأنه يجب أن نحب لهم ما نحب لأنفسنا ، وتبين كيف ننوي الخير ونفكر بالصلاح ونعمله ، فيكون معنى الحديث بصورة مشروحة وعلمية ويجب أن تطبق عملا ، والله تعالى هو الموفق للجميع :

 عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد الله عليه السلام قال:
حق المسلم على المسلم : أن لا يشبع و يجوع أخوه ، و لا يروى و يعطش أخوه ، و لا يكتسي و يعرى أخوه .
فما أعظم : حق المسلم على أخيه المسلم .
و قال : أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك .
و إذا احتجت : فسله ، و إن سألك فأعطه ، لا تمله خيرا ، و لا يمله لك .
كن له ظهرا : فإنه لك ظهر إذا غاب فاحفظه في غيبته ، و إذا شهد فزره و أجله و أكرمه .
فإنه منك : و أنت منه .
فإن كان : عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته .
و إن أصابه خير : فاحمد الله ، و إن ابتلي فاعضده ، و إن تمحل له فأعنه .
و إذا قال الرجل : لأخيه ، أف انقطع ما بينهما من الولاية .
و إذا قال : أنت عدوي كفر أحدهما .
فإذا اتهمه : انماث الإيمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء .
و قال : بلغني أنه قال :
إن المؤمن : ليزهر نوره لأهل السماء كما تزهر نجوم السماء لأهل الأرض .
و قال : إن المؤمن ولي الله يعينه و يصنع له .
و لا يقول عليه : إلا الحق ، و لا يخاف غيره .
الكافي ج2ص170 ح5 .

قال الإمام الباقر محمد علي بن الحسين عليهم السلام :
القلوب ثلاثة :
قلب منكوس : لا يعي شيئا من الخير ، و هو قلب الكافر .
و قلب : فيه نكتة سوداء فالخير و الشر فيه يعتلجان ، فأيهما كانت منه غلب عليه .
و قلب : مفتوح فيه مصابيح تزهر ، و لا يطفأ نوره إلى يوم القيامة ، و هو قلب المؤمن .
الكافي ج2ص423ح3 .

وهذا حديث : في فضل المؤمنين الخيرين المخلصين ، وأسأل الله أن يجعلنا منهم ، وأن يبعدنا عن كل شرير وصاحب سوء يضر الآخرين :

عن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
إذا قال المؤمن : لأخيه أف خرج من ولايته .
و إذا قال : أنت عدوي كفر أحدهما ، لأنه لا يقبل الله عز و جل من أحد عملا في تثريب على مؤمن نصيحة .
و لا يقبل : من مؤمن عملا .
و هو يضمر : في قلبه ، على المؤمن سوءا .
لو كشف الغطاء : عن الناس ، فنظروا إلى وصل ما بين الله عز و جل و بين المؤمن .
خضعت للمؤمنين : رقابهم ، و تسهلت لهم أمورهم ، و لانت لهم طاعتهم .
و لو نظروا : إلى مردود الأعمال من الله عز و جل ، لقالوا ما يتقبل الله عز و جل من أحد عملا .
و سمعته يقول لرجل من الشيعة :
أنتم الطيبون : و نساؤكم الطيبات ، كل مؤمنة حوراء عيناء ، و كل مؤمن صديق .
قال : و سمعته يقول شيعتنا أقرب الخلق من عرش الله عز و جل يوم القيامة بعدنا .
و ما من شيعتنا أحد : يقوم إلى الصلاة إلا اكتنفته فيها عدد من خالفه من الملائكة ، يصلون عليه جماعة حتى يفرغ من صلاته .
و إن الصائم منكم : ليرتع في رياض الجنة تدعو له الملائكة حتى يفطر .
الكافي ج8ص365ح556 .

والحمد لله رب العالمين : بارئ الخلائق أجمعينا ، الذي علمنا وأدبنا بأفضل دين ، وبالهداة الأمة الميامين أل محمد وطه وياسين ، الطيبين الطاهرين ، وأسأله سبحانه ، أن يجعلنا بحق من المؤمنين الخيرين وله بكل تعاليمه مخلصين له الدين ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين والحمد لله رب العالمين.

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com