بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
ما المجاهد الشهيد في سبيل الله
بأعظم أجرا ممن قدر فعف
لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام : ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجرا ممن قدر فعف لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة

صور الشيخ حسن‏ في أقوال الإمام علي (عليه السلام )
من Samira Arbid‏ ·

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
مَا الْمُجَاهِدُ الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ
بِأَعْظَمَ أَجْراً مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ
لَكَادَ الْعَفِيفُ أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ

شرح الحديث :

منظر نوره جلي : يزينه كلام الإمام علي ، يجعل المؤمن لله ولي ، جميل ما تعملون ، وحسن عالي الفنون ، بارك الله فيكم .
 يا أخوتي الطيبين :
 الإمام ولي الأنام بعد سيد المرسلين والأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام ، يعرفنا فضل وثواب العفيف ، وبالخصوص العفيف عند القدرة .
  فإن العبد لله حقا : الذي يعف ولا يعمل الحرام وهو قادر عليه متمكن منه ، لهو حقا يستحق أجر المجاهد الشهيد .
والولي المؤمن : المخلص التام الطاعة لله سبحانه فلا يعصي ، لحقا أن يستحق أن يكون من الملائكة ، وإن الملائكة لا تعصي لأنها ليس لها شهوة ولا غضب ولا مخيرة في أعمالها ، بل يفعلون ما يؤمرون وكلا حسب مقامة ، فلذا جاء في بعض الأحاديث أنه أفضل من الملائكة .
والإنسان بصورة عامة : يرى من زينة الحياة الدنيا وشهواتها ، وما يثيره من الغيرة والتفاخر وحب الظهور ، مما يجعله يحب ، بل يعشق أن يقتني كل زينة الحياة الدنيا ، وبأجمل مناظرها وأماكنها الخلابة ، وأفضل مساكنها وأحسن لباسها ، وأطيب أكلها ، وجميع مقاماتها ومناصبها وحكوماتها بل أي رئاسة ممكنة ، وبأي صورة صارت ، وبأي حالة كانت ، لا يهتم بأن يكون فيه رضى الله وطاعته أم لا .
فترى البعض : وما أكثرهم ، يحاول الحصول على أي شيء يحبه ويزينه بأول فرصة ، وكثير منهم فكرا فضلا من أن يقدر على ما يريد ، لا يهمه شيء أن يحصل عليه سواء حلال أو حرام ، طيب أو خبيث ، طاهر أو نجس ، سواء وفق الأخلاق الكريمة والنبيلة ، أم وفق الأخلاق الخبيثة اللئيمة الشريرة .
ولكن الإنسان المؤمن العفيف : لا يتزين إلا بما هو الحلال الطيب الطاهر ، والذي فيه لله رضا ، و لا يحب التفاخر ، ولا يحب التظاهر ، ولا يحب ما ليس له ، بل يقنع بما مكنه الله من غير ظلم ولا عدوان ، ولا يتعدى حدود ما أحل الله له ولا يتجاوزها .
فالمؤمن العفيف : لو تمكن من تملك أغلى شيء من زينة الحياة الدنيا ولكنه بالحرام  لم يدنوا منه بل لا يفكر بالحصول عليه ظلما ، ولو تمكن من الحصول على أجمل ما يخالفه في الجنس ولكنه بالحرام لا يقدم على النظر إليه بشهوة ولا لمسه فضلا من أن يجعله عرسه ، ولو تمكن من أعلى جاه ومقام ومنصب لكنه لابد له من الظلم  فيه لم يعمل فيه ولا يكون عونا لطاغية ولو در عليه جبال الذهب والفضة ، وهكذا لا يقرب المعاصي ولا يساعد عاصي ، حتى لو كان قادرا متمكن منه فضلا عن تمنيها .
فهذا المؤمن العفيف : لحق أن يكون ملك من الملائكة ، وله أجر من جاهد بحق في سبيل الله ثم استشهد .
بل هذا جهاد النفس الأكبر : وهو العفة والبعد عما حرم الله تعالى ، وهو التقى بكل معناه ، وهو العمل بالطاعات بأبعد حدوه ، فهو الدين الإسلامي الحنيف والصراط المستقيم العالي المنيف بأخلاقه وتعاليمه وهداه .
ويا أخوتي الطيبين : إن العفة ، تشمل كل الأخلاق الإسلامية ، وهي طلب للشيء بالحلال الطيب الطاهر ، ولا يتعدى المؤمن فيفرط بأكثر من ألازم في شيء منها ، ولا يفرط بما يجب عليه ، هذا بصورة عامة ، وبصورة شمولية .
ولكنها : حين تقرن العفة بغيرها من القوى النفسية العلمية والعملية ، مثل القوى الفكرية أو القوى الغضبية ، فالعفة هي العدالة في الشهوة .
وأما الكلام وفق التقسيم الحكمي للأخلاق فهو :
قوى الإنسان ثلاثة : ويجب استخدامها كما ينبغي لتحصل العدالة في القوى الثلاثة ، وهي الحالة الوسط , وهي الأخلاق الإسلامية الحميدة .
وخلاف العدالة : أخلاق مذمومة ، فهي إما تفريط باستخدام إحدى القوى بأقل مما ينبغي ، أو إفراط : وهي استخدام القوى بأكثر مما ينبغي .
 والواجب في استخدام القوى هو العدالة : أي من غير تفريط ولا إفراط ، وأما القوى فهي :
القوى النطقية الفكرية : التفريط = البلادة ، الإفراط = الجربزة ، العدالة = الحكمة  .
الشهوة : التفريط = الخمود ، الإفراط = الشره ، العدالة فيها = العفة .
الغضب : التفريط = الجبن ، الإفراط = التهور ، العدالة = الشجاعة .

و لكل : قوة بحسب الإفراط والتفريط والعدالة ، فروع كثيرة تبحث في كتب الأخلاق .
وما يبحث هنا في الغالب : العفة : أي العدالة في استخدام الشهوة  ، حسب كتبة الأخلاق ، وحسب الأحاديث .
وإن كان في كثير من الأحاديث : تعمم العفة ، فتشمل العدالة في القوى الثلاثة ، ولكن حين تقرن بغيرها يتم التفصيل , ولكي نعرف معنى العفة في الأحاديث واللغة فيما يأتي إن شاء الله في البحث الآتي .
والآن فعلا
: يكفينا الحديث المنور في هذه اللوحة الكريمة ، فلنحفظه ونتدبر به ، لنرى فضل العفة وكرامتها وثوابها الجزيل وأهميتها ، وتأتي إن شاء الله بعض الأحاديث الأخرى في العفة تباعا .
وأما نص الحديث الشريف في اللوحة الجميلة ، فهو :
قال : أمير المؤمنين معلمهم ، وولي المسلمين ومرشدهم عليه السلام :
مَا الْمُجَاهِدُ : الشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
بِأَعْظَمَ أَجْراً : مِمَّنْ قَدَرَ فَعَفَّ .
لَكَادَ الْعَفِيفُ : أَنْ يَكُونَ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ .
نهج البلاغة ص559ح474 .
صدق سيدي ومولاي : أمير المؤمنين ومولى الموحدين ، ما أجمل العفة من خصلة إسلامية ، وما أعلاها من آداب دينية ، وما أروعها من خلق كريم ، يحفظ الإنسان نفسه وعرضه وماله ، فلا يحاول له بالحرام ، فيرقا بعفته لمرافقة الملائكة الكرام والشهداء والأبرار وخير الأنام ، فيصير لأمن الله ورضاه ونعيمه بسلام ، وأسأل الله سبحانه : أن يرزقنا العفة في كل شيء ، ويوفقنا لطاعته بما يحب ويرضى ، ويجنبنا معصيته ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

و هذا مولاي وسيدي : أمير المؤمنين الحكيم العالم والولي الإمام ، يعرفنا قوى النفس المعتدلة وأسسها ، وعليه قسم الحكماء الأخلاق الفاضلة ، وما يخالف العدل فيها ، بطرفيه من الرذائل إفراطا وتفريط ، وهذا هو مولى الموحدين أول من أصل أصولها ، وبني أسسها فتبعه من بعده وشيد عليها شرحا ، وإن كان شرحها وبيانها فيما يأتي من خطبه ووصاياه لآله ولصحبه النجباء الكرام  ، قال عليه السلام  :
الفضائل : أربعة أجناس :
أحدها :
الحكمة ، و قوامها في الفكرة .
و الثاني : العفة ، و قوامها في الشهوة .
و الثالث : القوة ، و قوامها في الغضب .
و الرابع : العدل ، و قوامه في اعتدال قوى النفس .
بحار الأنوار ص75ح81ب16ح68 .

وهذا حديث كريم : في الأخلاق الإسلامية النبيلة ، و يناسب الحال في ذكر العدالة في القوة الغضبية وهي الشجاعة ، والقوة الشهوية وهي العفة ، والقوة النطقية الفكرية وهي والحكمة ، من غير إفراط ولا تفريد :
قال الإمام الصادق عليه السلام :
المؤمن : له قوة في دين ، و حزم في لين ، و إيمان في يقين ، و حرص في فقه ، و نشاط في هدى ، و بر في استقامة ، و علم في حلم ، و كيس في رفق .
و سخاء : في حق ، و قصد في غنى ، و تجمل في فاقة ، و عفو في قدرة ، و طاعة لله في نصيحة و.
انتهاء : في شهوة .
و ورع : في رغبة .
و حرص : في جهاد ، و صلاة في شغل .
و صبر : في شدة ، و في الهزاهز وقور ، و في المكاره صبور ، و في الرخاء شكور .
و لا يغتاب : و لا يتكبر ، و لا يقطع الرحم ، و ليس بواهن ، و لا فظ ، و لا غليظ .
و لا يسبقه : بصره .
و لا يفضحه : بطنه .
و لا يغلبه : فرجه .
و لا يحسد : الناس ، يعير و لا يعير .
و لا يسرف : ينصر المظلوم ، و يرحم المسكين .
نفسه : منه في عناء ، و الناس منه في راحة .
لا يرغب : في عز الدنيا ، و لا يجزع من ذلها للناس ، هم قد أقبلوا عليه.
و له هم قد شغله : لا يرى في حكمه نقص ، و لا في رأيه وهن ، و لا في دينه ضياع .
يرشد : من استشاره ، و يساعد من ساعده ، و يكيع عن الخنا و الجهل .
الكافي ج2ص231ح4 .
ويا طيب : توجد أحاديث كريمة واسعة مثل  وصايا النبي الأكرم للإمام علي ولأبي ذر وغيرهم ، وخطبة الوسيلة  وخطبة همام و وصايا أمير المؤمنين عليه السلام لأبنائه ولمالك الأشتر وكميل بن زياد وغيرهم ، ويوجد حديث واحد فيه أربعمائة مسألة يعرفنا فيها الإمام حدود الآداب والأخلاق ، وإن الإمام زين العابدين عليه السلام له رسالة كملة في الأخلاق ، ولكن هنا نختار اليسير وإن ما لا يدرك كله لا ترجله ، بل نأخذ المختصر ، وبالخصوص ما يعرفنا معنا العفة في الشهوة بالخصوص وما يقاربها ، وهذه أحاديث أخرى نتدبرها ، وأسأل الله العون لي ولكم :

قال أمير المؤمنين عليه السلام في وصيه له لأبنه الإمام الحسن وهي طويلة منها :
و في الصمت : السلامة من الندامة .
و تلافيك : ما فرط من صمتك ، أيسر من إدراك فائدة ما فات من منطقك .
و حفظ : ما في الوعاء بشد الوكاء .
و حفظ : ما في يديك ، أحب إليك من طلب ما في يد غيرك .
و لا تحدث : إلا عن ثقة ، فتكون كذابا ، و الكذب ذل .
و حسن التدبير : مع الكفاف ، أكفى لك من الكثير مع الإسراف .
و حسن اليأس : خير من الطلب إلى الناس .
و العفة : مع الحرفة ، خير من سرور مع فجور ......
تحف ‏العقول ص79 .

فهذا إمام الحكماء والعلماء عليه السلام : يعرف في الخطبة بطولها ، الخصال الحميدة والأخلاق الكريمة ، ويعرفنا أن بعضها إسراف وإفراط وتهتك وتهور ، وبعضها تفريط وبخل وجبن وخمول ، وإن العدل في حفظ ما أمر الله به وحسنه لنا ، هو الذي فيه الخير والفضائل والمكارم ، والخطبة طويلة جدا ، و فيها معارف عظيمة وكريمة من آداب الدين ، ولو التطويل والخروج عن الموضوع المختص بالعفة لذكرتها ، ولكن هنا نعرف : أن العفة مع الحرفة والعمل والكد الحسن ، أفضل ألف مرة من سرور الفجار المفسدون الظلمة .

وهذه بعض الأحاديث في أهمية العفة وفضلها وشرفها في العبادة :
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام :
ما عبد الله : بشي‏ء ، أفضل من عفة بطن و فرج .
وقال الإمام محمد بالباقر عليه السلام :
إن أفضل العبادة : عفة البطن ، و الفرج .
وقال أمير المؤمنين :
أفضل العبادة : العفاف .
و عن أبي بصير قال : قال رجل : لأبي جعفر عليه السلام ، إني ضعيف العمل ، قليل الصيام ، و لكني أرجو أن لا آكل إلا حلالا .
قال فقال له : أي الاجتهاد أفضل من عفة بطن و فرج .
وقال رسول صلى الله عليه وآله وسلم :
أكثر : ما تلج به أمتي النار ، الأجوفان : البطن ، و الفرج .
و قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
ثلاث : أخافهن على أمتي من بعدي .
الضلالة : بعد المعرفة ، و مضلات الفتن ، و شهوة البطن و الفرج .
الكافي ج2ص80ح1 ح2 ح3 ح4 ح5 ح6 .

وعن أبي عبيدة عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
من أشد : ما فرض الله على خلقه ، ذكر الله كثيرا .
ثم قال : لا أعني سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ، و إن كان منه .
و لكن ذكر الله : عند ما أحل و حرم .
فإن كان طاعة : عمل بها ، و إن كان معصية تركها .

وعن سليمان بن خالد قال : سألت أبا عبد الله الصادق عليه السلام : عن قول الله عز و جل ، و قدمنا إلى‏ ما عملوا من عمل ، فجعلناه هباء منثورا ، قال :
أما و الله : إن كانت أعمالهم أشد بياضا من القباطي .
و لكن كانوا : إذا عرض لهم الحرام ، لم يدعوه .
الكافي ج2ص81ح4 ح5 .
هذا : وإن وفقنا الله نأتي ببعض الأحاديث الأخرى في العفة وفضلها ، وأسأل الله العفاف والكفاف لنا ولكم ، ويجعلنا في طاعة أبد ويجنبنا معصيته دائما ، ويثبتنا على دينه وهداه الذي علمه نبينا الأكرم وآله الطيبين الطاهرين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
+++

ويا طيب : جاء في معنى العفة ، في كتب اللغة كالعين ولسان العرب ومجمع البحرين ، باعتبار العفة العدالة في قوة الشهوة ، دون القوى الأخرى مثل الفكرية والغضبية ، وإن كان بعض الكلام يعمم العفة عن كل ما لا يحل ، فتدبر ، وهي تذكر كما في الأحاديث السابقة والآتية ، ولكن مع تصريف لغوي :
عَفَّ : العفة : الكف عما لا يحل .
عَفَّ : عن المَحارِم ، و الأُطْماع الدَّنِية ، يَعِفُّ عِفَّةً و عَفّاً و عَفافاً و عَفافة ، فهو عَفِيفٌ و عَفٌّ ، أَي كَفَّ و تعفَّفَ و اسْتَعْفَفَ و أَعفَّه اللّه.
و في الحديث : من يَسْتَعْفِف يُعِفّه اللّه .
الاسْتِعْفاف : طلَبُ العَفافِ و هو الكَفُّ عن الحرام و السؤال من الناس ، أَي من طلب العِفّة و تكلَّفها ، أَعطاه اللّه إياها .
 و قيل : الاستعفاف الصبْر و النَّزاهة عن الشيء .
و منه الحديث : اللهم إني أَسأَلك العِفّة و الغِنى .
و رجل عَفٌّ و عَفِيف، و الأُنثى بالهاء، و جمع العَفِيف أَعِفّة و أَعِفّاء ، و لم يُكَسِّروا العَفَّ.
و قيل : العَفِيفة من النساء السيدة الخَيْرةُ .
و امرأَة عَفِيفة : عَفّة الفَرج ، و نسوة عَفائف .
و رجل عَفِيف : و عَفٌّ عن المسأَلة و الحَرْصِ ، و الجمع كالجمع .
قال و وصف قوماً : أَعِفّة الفَقْرِ أَي إذا افتقروا لم يغْشَوُا المسأَلة القبيحة.
و قد عَفَّ يعِفّ عِفَّة و استعَفَّ أَي عَفَّ.
 قال الله تعالى :
{ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ
إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
وَلْيَسْتَعْفِفِ
 الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ
 وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا  وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا
لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (33) } النور .

قال في مجمع البحرين : أي إن كان الفقير يخاف زيادة الفقر بالنكاح ، فليجتهد في قمع الشهوة ، و طلب العفة بالرياضة لتسكين شهوته .
كما قال : يا معشر الشباب :
من استطاع : منكم الباه ، فليتزوج .
 و من لم يستطع : فعليه بالصوم فإنه وجاء .
و قيل الاستعفاف : هو النكاح، فمعنى قوله و ليستعفف‏ أي يتزوج .
و قوله : لا يجدون نكاحا ، أي لا يجدون ما يكون مسببا عن النكاح ، و هو المهر و النفقة .
فإذا نكح : فتح الله عليه باب الرزق فيغنيه من فضله ما يؤدي به حقوق النكاح .
و لا يجوز : أن يترك النكاح لخوف لزوم الحق ، لأنه إساءة الظن بالله .
و في الحديث عن إسحاق بن عمار قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام :
 الحديث : الذي يرويه الناس ، أن رجلا أتى النبي ص فشكى إليه الحاجة ، فأمره بالتزويج .
 ثم أتاه : فشكى إليه الحاجة ، فأمره التزويج ، حتى أمره ثلاث مرات ؟
 فقال أبو عبد الله عليه السلام : نعم هو حق .
 ثم قال عليه السلام : الرزق مع النساء و العيال .
و في حديث معاوية بن وهب : عن أبي عبد الله عليه السلام ، في قول الله تعالى: {  ليستعفف .. } الآية .
قال : يتزوجون حتى يغنيهم الله في فضله .
و عن الفتح بن يزيد قال : سألت أبا الحسن عليه السلام : عن المتعة ؟
فقال : هي حلال مباح مطلق ، لمن لم يغنه الله بالتزويج .
فليستعفف : بالمتعة ، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباح له إذا غاب عنها .
الكافي ج5ص452 .

وقال الله سبحانه في آية أخرى : في العفة ، وأنها العدالة في الشهوة ، وبها تسد حاجتها ويرفع تفريطها ويلزم إفراطها لتعدل وفق المصلحة الإنسانية الطيبة الخيرة ، وكانت الآية السابقة في عفة الفرج وهذه في عفة البطن ، كما عرفت أن أفضل العبادة عفة فرج وعفة بطن :
قال الله سبحانه وتعالى : { وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً
فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)
وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (5)
وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ
وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفْ
وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا (6) } النساء .
وجاء في تفسيرها : وأحكامها :
عن عبد الله بن سنان قال : سئل أبو عبد الله عليه السلام و أنا حاضر :
عن القيم لليتامى : في الشراء لهم و البيع فيما يصلحهم ، أ له أن يأكل من أموالهم ؟
فقال : لا بأس أن يأكل من أموالهم بالمعروف .
كما قال الله تعالى في كتابه : { و ابتلوا اليتامى‏ حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم و لا تأكلوها إسرافا و بدارا أن يكبروا و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف } ، هو القوت ، و إنما عنى فليأكل بالمعروف الوصي لهم و القيم في أموالهم ما يصلحهم . تهذيب الأحكام ج9ص244ب20ح42 .

عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله : { و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف } .
فقال : هذا رجل يحبس نفسه لليتيم ، على حرث أو ماشية ، و يشغل فيها نفسه ، فليأكل منه بالمعروف ، و ليس له ذلك في الدنانير و الدراهم التي عنده موضوعة . وسائل ‏الشيعة ج17ص252ب72ح22456 .

عن سماعة عن الإمام الصادق عليه السلام قال سألته عن قوله تعالى :
{ و من كان غنيا فليستعفف و من كان فقيرا فليأكل بالمعروف }.
قال عليه السلام بلى ، من كان يلي شيئا لليتامى ، و هو محتاج ، و ليس له شي‏ء ، و هو يتقاضى أموالهم ، و يقوم في ضيعتهم ، فليأكل بقدر الحاجة و لا يسرف .
و إن كان ضيعتهم : لا تشغله عما يعالج لنفسه ، فلا يرزأن من أموالهم شيئا .
تفسير العياشي ج1ص221ح30 .

وأسأل الله : أن يغني كل فقير ويشبع كل جائع ويكسو كل عريان ، وأن لا يحوجنا للأكل من مال يتيم ولا مما يحل أبدا ، وأن يرزقنا العفة عن كل حرام وبالخصوص في عفة الفرج والبطن ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

++

قال العفيف الكريم وسيد المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام : في العفة ، من غرر الحكم وجوامع الكلم ودرر الحديث ، ما يعرفنا ويهدينا :
أن العفة : أصل الحياء وقاطعة للشره وللحرص وللمتادي في طلب زينة الحياة الدنيا بأي صوره إلا إن كانت من حلال طيبة طاهرة زكية ، وبكلمات رقيقة وعذبة ترينا حقيقة العفة  وفضيلتها ، وحسنها وجماله وشيمها ، وبما لا يزيد عليها معنى ومعرفة صفحات كتاب كبير طويل يحكي عنها ، وهي كافية النصح لمن حقا أقبل على دينه وأناب إلى ربه .
فهذا إمامنا وولينا : البليغ الذي سن البلاغة والفصاحة للعرب ، قد عانق القرآن بلاغة وفصاحة ومعنى وعلما وهدى دينا، فنورنا من صدق حقيقته الإيمانية ، وبأعلى مقام حين ظهرت في كلامه وسيرته وسلوكه بل بصفاته وأفعال في العبودية لله يقينية، أعلى معارف الدين وهدى الصديقين ، ولن يكون أحدا مثله إلا سيده النبي محمد وآله الكرام الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم ، فتابع نور منطقه الكريم وتعلمه وتدبر به ، ثم طبقه تسلم يا أخ الأيمان ، قال عليه السلام :
المؤمن : عفيف مقتنع ، متنزه متورع .
المؤمن : عفيف في الغنى ، متنزه عن الدنيا .
ما دون : الشره ، عفاف .
ليس : مع الشره ، عفاف .
القناعة : عفاف .
أعفكم : أحياكم .
أحسن : ملابس الدين (و) الدنيا ، الحياء ,
إن الحياء و العفة : من خلائق الإيمان ، و إنهما لسجية الأحرار ، و شيمة الأبرار .
تسربل : الحياء ، و أدرع الوفاء ، و احفظ الإخاء ، و أقلل محادثة النساء ، يكمل لك السناء .
سبب : العفة ، الحياء .
غرر الحكم ص89ح 1523ح1526 ص296ح6667ح6678ص393ح 9064 .ص257ح5439 - 5444 .

وقال أمير البيان هادي المؤمنين عليه السلام : في قصار الكلم ، وبليغ المعنى ، وجمال الأسلوب ، وحسن الموعظة في العفة ، ليرينا أسسها وحسنها وفضلها وثوابها :
العفة : رأس كل خير.
العفاف : زهادة  .
العفة : أفضل الفتوة .
لعفاف : أفضل شيمة
العفة : شيمة الأكياس .
أهل العفاف : أشرف الأشراف .
إن الله سبحانه : يحب المتعفف الحيي ، التقي الراضي .
تاج الرجل : عفافه ، و زينه إنصافه .
حسن العفاف : من شيم الأشراف .
دليل : غيرة الرجل ، عفته .
زكاة الجمال : العفاف .
ضادوا : الشره ، بالعفة .
عليك بالعفة : فإنها نعم القرين .
عليك بالعفاف : فإنه أفضل شيم الأشراف .
عليكم بلزوم العفة و الأمانة فإنهما أشرف ما أسررتم و أحسن ما أعلنتم و أفضل ما ادخرتم
على قدر : الحياء ، تكون العفة .
كما : تشتهي ، عف .
أم يتحل : بالعفة ، من اشتهى ما لا يجد .
من كمال : النعمة ، التحلي بالسخاء و التعفف .
لا تكمل : المكارم ، إلا بالعفاف و الإيثار .
يستدل : على عقل الرجل ، بالتحلي بالعفة و القناعة .
العفاف : يصون النفس ، و ينزهها عن الدنايا .
العفة : تضعف الشهوة .
بالعفاف : تزكو الأعمال .
ثمرة : العفة ، الصيانة .
ثمرة : العفة ، القناعة .
سبب : القناعة ، العفاف .
من عف : خف وزره ، و عظم عند الله قدره .
من اتحف : العفة و القناعة ، خالفه العز .
من عفت : أطرافه ، حسنت أوصافه .
ما زنى : عفيف .
لا فاقة : مع عفاف .
غرر الحكم ص256ح5399- 5430 .

هذا كلام لمولى الموحدين : المعلم للحق لكل تعاليم الدين ، وببلاغة خصه بها رب العالمين ، ولو تصاغ قلائد إيمان في العقول ، وحب متلهف في القلوب ، لأدخل صاحبها رضا الله والجنة ، فهي أساس الكلمات الطيبات العاليات في أسس الإيمان ، والأصيلة في الاعتقاد الحق والطيب والإحسان ، فإنه بين أن :

 العفة والعفاف : خير وزهد وفتوة ، وشيمة الكرام من الناس ، وشرف وزينة للمؤمنين الأكياس ، وحلية حسن وجمال للمؤمن التقي الرضي ، وهي عز نعيم لا فاقه معه ونعم القرين لأهل الفضائل وذو الحياء حين يتحلوا بفضلها الجلي ، وأن العفة من أصل المكارم وأس من أسس الأخلاق الحسنة ، وقامعة للشهوة وللتهتك والفترة  ، ولا يجوز للمؤمن أن يتحف وينمي ما هو خلاف العفة وما يضادها ، ولا أن يفرط بها أو يفرط فيها ، فالعفة هي العدالة والإنصاف في غيرة الدين وكمال للهدى ، وتصدق الإيمان وتجعله يقين ، فهنئا لمن هو بها من المتصفين .
فيا طيب : تدبر هذه الحكم أعلاه ،تجدها نورا يبهر الألباب ، حتى يجعلها تتأله في طلب طاعة الله ورضاه والكون في جنبه أبدا ، رزقنا الله وإياكم العفة بحقيقتها ونورها  ، وجعله لنا ملكة وصفة وعلما وعملا ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++++

وذكر المرحوم الكليني في الكافي:  في باب أن من عف عن حرم الناس عف عن حرمه ، أحاديث كريمة في العفة وفضلها وشرفها وأهميتها في الدين ، وقصص فيها عبرة جميلة وموعظة حسنة ، نذكر قسما منها ، وأسأل الله التوفيق لي ولكم :
عن الفضل بن أبي قرة عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
لما أقام العالم ( الخضر ) الجدار : أوحى الله تبارك و تعالى إلى موسى عليه السلام :
أني مجازي : الأبناء بسعي الآباء ، إن خيرا فخير ، و إن شرا فشر .
لا تزنوا : فتزني نساؤكم ، و من وطئ فراش امرئ مسلم ، وطئ فراشه ، كما تدين تدان .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
أ ما يخشى : الذين ينظرون في أدبار النساء ، أن يبتلوا بذلك في نسائهم .

وعن مفضل الجعفي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
ما أقبح بالرجل : من أن يرى بالمكان المعور ، فيدخل ذلك علينا و على صالحي أصحابنا .
يا مفضل : أ تدري لم قيل من يزن يوما يزن به ؟
قلت : لا جعلت فداك .
قال : إنها كانت بغي في بني إسرائيل ، و كان في بني إسرائيل رجل يكثر الاختلاف إليها .
فلما كان : في آخر ما أتاها ، أجرى الله على لسانها ، أما إنك سترجع إلى أهلك فتجد معها رجلا .
قال : فخرج و هو خبيث النفس ، فدخل منزله غير الحال التي كان يدخل بها قبل ذلك اليوم ، و كان يدخل بإذن ، فدخل يومئذ بغير إذن .
فوجد : على فراشه رجلا .
فارتفعا : إلى موسى عليه السلام ، فنزل جبرائيل عليه السلام على موسى .
فقال : يا موسى ، من يزن يوما ، يزن به .
فنظر إليهما فقال : عفوا تعف نساؤكم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
تزوجوا : إلى آل فلان ، فإنهم عفوا ، فعفت نساؤهم .
و لا تزوجوا : إلى آل فلان ، فإنهم بغوا ، فبغت نساؤهم .
و قال مكتوب في التوراة : أنا الله قاتل القاتلين ، و مفقر الزانين .
أيها الناس : لا تزنوا ، فتزني نساؤكم ، كما تدين تدان .

وقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام :
بروا آباءكم : يبركم أبناؤكم ، و عفوا عن نساء الناس تعف نساؤكم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
عليكم : بالعفاف ، و ترك الفجور .

وقال الإمام الباقر عليه السلام :
ما من عبادة : أفضل من عفة بطن و فرج .
الكافي ج5ص553ح1- 7 .

فالعفاف : خلق إسلامي كريم ، وعبادة لله فاضلة ، وصاحبها له الكرامة من الله ، وله الشرف والفضل في الدنيا ، ويجب على المؤمن التحقق به والتحلي بآدابه ليصح هو وعائلته وذريته ومن يحيط به ، وجعلنا الله من العافين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .


+++

 

وهذه قصة عجيبة في العفاف لامرأة كريمة فضالة عفيفه شريفة ، وكرامة الله لها لما ظهر من صبرها وعفتها وإخلاصها لله سبحانه :
عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
كان ملك : في بني إسرائيل ، و كان له قاض ، و للقاضي أخ ، و كان رجل صدق ، و له امرأة قد ولدتها الأنبياء .
فأراد الملك : أن يبعث رجلا في حاجة ؟
فقال للقاضي : ابغني رجلا ثقة .
فقال : ما أعلم أحدا أوثق من أخي ، فدعاه ليبعثه .
فكره ذلك : الرجل ، و قال لأخيه : إني أكره أن أضيع امرأتي .
فعزم عليه : فلم يجد بدا من الخروج .
فقال لأخيه : يا أخي إني لست أخلف شيئا أهم علي من امرأتي ، فاخلفني فيها ، و تول قضاء حاجتها .
قال القاضي : نعم .
فخرج الرجل أخ القاضي : و قد كانت المرأة كارهة لخروجه .
فكان القاضي : يأتيها و يسألها عن حوائجها ، و يقوم لها ، فأعجبته .
فدعاها : إلى نفسه ، فأبت عليه .
فحلف عليها : لئن لم تفعلي ، لنخبرن الملك أنك قد فجرت .
فقالت : اصنع ما بدا لك ، لست أجيبك إلى شي‏ء مما طلبت .
فأتى الملك فقال : إن امرأة أخي قد فجرت ، و قد حق ذلك عندي .
فقال له الملك : طهرها .
فجاء إليها فقال : إن الملك قد أمرني برجمك ، فما تقولين ، تجيبني ، و إلا رجمتك ؟
فقالت : لست أجيبك فاصنع ما بدا لك ، فأخرجها ، فحفر لها فرجمها ، و معه الناس ، فلما ظن أنها قد ماتت ، تركها و انصرف .
و جن بها الليل : و كان بها رمق ، فتحركت و خرجت من الحفيرة .
ثم مشت : على وجهها ، حتى خرجت من المدينة .
فانتهت : إلى دير ، فيه ديراني ، فباتت على باب الدير .
فلما أصبح الديراني : فتح الباب ، و رآها فسألها عن قصتها ، فخبرته فرحمها ، و أدخلها الدير .
و كان له ابن صغير : لم يكن له ابن غيره ، و كان حسن الحال ، فداواها حتى برأت من علتها ، و اندملت .
ثم دفع إليها ابنه : فكانت تربيه .
و كان للديراني : قهرمان ، يقوم بأمره ، فأعجبته .
فدعاها : إلى نفسه ، فأبت ، فجهد بها ، فأبت .
فقال : لئن لم تفعلي لأجهدن في قتلك .
فقالت : اصنع ما بدا لك ، فعمد إلى الصبي فدق عنقه .
و أتى الديراني فقال له : عمدت إلى فاجرة قد فجرت ، فدفعت إليها ابنك ، فقتلته .
فجاء الديراني : فلما رآه ، قال لها : ما هذا فقد تعلمين صنيعي بك ؟
فأخبرته : بالقصة .
فقال لها : ليس تطيب نفسي أن تكوني عندي ، فاخرجي ، فأخرجها ليلا ، و دفع إليها عشرين درهما ، و قال لها : تزودي هذه ، الله حسبك .
فخرجت ليلا : فأصبحت في قرية ، فإذا فيها مصلوب على خشبة ، و هو حي .
فسألت : عن قصته ؟
فقالوا : عليه دين عشرون درهما ، و من كان عليه دين عندنا لصاحبه ، صلب حتى يؤدي إلى صاحبه .
فأخرجت : العشرين درهما ، و دفعتها إلى غريمه ، و قالت : لا تقتلوه ، فأنزلوه عن الخشبة .
فقال لها : ما أحد أعظم علي منة منك ، نجيتني من الصلب و من الموت ، فأنا معك حيث ما ذهبت ، فمضى معها ، و مضت حتى انتهيا إلى ساحل البحر .
فرأى جماعة : و سفنا .
فقال لها اجلسي : حتى أذهب أنا أعمل لهم و أستطعم ، و آتيك به .
فأتاهم فقال لهم : ما في سفينتكم هذه ، قالوا : في هذه تجارات و جوهر و عنبر و أشياء من التجارة ، و أما هذه ، فنحن فيها .
قال : و كم يبلغ ما في سفينتكم . قالوا : كثير لا نحصيه .
قال : فإن معي شيئا هو خير مما في سفينتكم .
قالوا : و ما معك ؟
قال : جارية ، لم تروا مثلها قط .
قالوا : فبعناها ، قال : نعم ، على شرط أن يذهب بعضكم فينظر إليها ، ثم يجيئني فيشتريها ، و لا يعلمها ، و يدفع إلي الثمن و لا يعلمها ، حتى أمضي أنا .
فقالوا : ذلك لك ، فبعثوا من نظر إليها .
فقال : ما رأيت مثلها قط ، فاشتروها منه بعشرة آلاف درهم ، و دفعوا إليه الدراهم ، فمضى بها ، فلما أمعن .
أتوها فقالوا لها : قومي و ادخلي السفينة ؟
قالت : و لم ؟
قالوا : قد اشتريناك من مولاك .
قالت : ما هو بمولاي .
قالوا : لتقومين ، أو لنحملنك ، فقامت و مضت معهم .
فلما انتهوا إلى الساحل : لم يأمن بعضهم بعضا عليها ، فجعلوها في السفينة التي فيها الجوهر و التجارة ، و ركبوا هم في السفينة الأخرى ، فدفعوها .
فبعث الله عز و جل : عليهم رياحا فغرقتهم و سفينتهم ، و نجت السفينة التي كانت .
فيها حتى انتهت : إلى جزيرة من جزائر البحر ، و ربطت السفينة ، ثم دارت في الجزيرة ، فإذا فيها ماء و شجر فيه ثمرة .
فقالت: هذا ماء أشرب منه ، و ثمر آكل منه ، أعبد الله في هذا الموضع .
فأوحى الله عز و جل : إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل .
أن يأتي : ذلك الملك .
فيقول : إن في جزيرة من جزائر البحر خلقا من خلقي ، فاخرج أنت و من في مملكتك ، حتى تأتوا خلقي هذه ، و تقروا له بذنوبكم ، ثم تسألوا ذلك الخلق ، أن يغفر لكم ف.
إن يغفر لكم : غفرت لكم .
فخرج الملك : بأهل مملكته إلى تلك الجزيرة ، فرأوا امرأة .
فتقدم : إليها الملك ، فقال لها : إن قاضي هذا أتاني فخبرني أن امرأة أخيه فجرت ، فأمرته برجمها ، و لم يقم عندي البينة ، فأخاف أن أكون قد تقدمت على ما لا يحل لي ، فأحب أن تستغفري لي .
فقالت : غفر الله لك اجلس .
ثم أتى زوجها : و لا يعرفها ، فقال : إنه كان لي امرأة ، و كان من فضلها و صلاحها ، و إني خرجت عنها ، و هي كارهة لذلك ، فاستخلفت أخي عليها ، فلما رجعت سألت عنها ، فأخبرني أخي أنها فجرت فرجمها ، و أنا أخاف أن أكون قد ضيعتها ، فاستغفري لي ؟
فقالت : غفر الله لك ، اجلس ، فأجلسته إلى جنب الملك .
ثم أتى القاضي فقال : إنه كان لأخي امرأة ، و إنها أعجبتني ، فدعوتها إلى الفجور فأبت ، فأعلمت الملك أنها قد فجرت ، و أمرني برجمها فرجمتها ، و أنا كاذب عليها ، فاستغفري لي ؟
قالت : غفر الله لك .
ثم أقبلت : على زوجها ، فقالت : اسمع ، ثم تقدم الديراني ، و قص قصته ، و قال : أخرجتها بالليل ، و أنا أخاف أن يكون قد لقيها سبع فقتلها.
فقالت : غفر الله لك اجلس .
ثم تقدم القهرمان : فقص قصته .
فقالت للديراني : اسمع غفر الله لك .
ثم تقدم المصلوب : فقص قصته ، فقالت : لا غفر الله لك .
قال : ثم أقبلت على زوجها ، فقالت : أنا امرأتك ، و كل ما سمعت‏ فإنما هو قصتي ، و ليست لي حاجة في الرجال ، و أنا أحب أن تأخذ هذه السفينة و ما فيها ، و تخلي سبيلي .
فأعبد الله عز و جل : في هذه الجزيرة ، فقد ترى ما لقيت من الرجال .
ففعل : و أخذ السفينة و ما فيها ، فخلى سبيلها .
و انصرف : الملك ، و أهل مملكته .

الكافي ج5ص557ح10 .

فهذه قصة أمرة عفيفة : نجها الله وفضح من ظلمها ، وعرف الخلق جورهم وظلمهم لها ، وأظهر الله عفتها وشرفها وإخلاصها ، فهنئا للعافين ، وجعلنا الله معهم ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 


 

====
  Samira Arbid جزيل الشكر لمولانا الشيخ حسن والله يعطيه العافية والصحة على الوقت الثمين الذي يمنحنا إياه في هذا الشرح القيم.
وجزيل الشكر لجميع الإخوة والأخوات وشكر خاص طبعاً للأخ هان مان على الترجمة وإنشاء الله في ميزان حسنات الجميع..

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com