بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
ما أصف من دار
أولها عناء وآخرها فناء
في حلالها حساب  وفي حرامها عقاب
ومن استغنى بها فتن  ومن افتقر فيها حزن

 

قال أمير المؤمنين عليه السلام : لا تشمت بالمصائب ولا تدخل في الباطل ولا تخرج من الحق

نص الحديث :

في وصف الدنيا قال :
ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء
في حلالها حساب وفي حرامها عقاب
ومن استغنى بها فتن ومن افتقر فيها حزن

شرح الحديث :

حقا أقول : جميل  ما تبدعون ، يسر الناظرين ، ويفرح قلوب المؤمنين ، لما فيه من شكله الزاهي ، وبما يحتويه من حديثه الشافي ، فإنه كلام  مولى الموحدين وأمير المؤمنين ، والناصح المشفق على المؤمنين ، يعرفهم حالهم في الدنيا ومآلهم في الآخرة ، ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، وليعدوا عدتهم وليأخذوا حذرهم ، ولكي لا تأخذهم الغفلة عن مصيرهم الذي لابد منه لهم ، وهو باختيارهم ، إما إلى نعيم الأبد بكرامة الله متشرفين ، أو إلى نار أعدة للجبارين والمتكبرين ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وإنا إليه راجعون وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وهو خير ناصر ومعين .

وأما أصل الحديث فهو في نهج البلاغة :
قال أمير المؤمنين عليه السلام كلاما في ذم صفة الدنيا :
مَا أَصِفُ : مِنْ دَارٍ أَوَّلُهَا عَنَاءٌ ، وَ آخِرُهَا فَنَاءٌ .
فِي حَلَالِهَا : حِسَابٌ ، وَ فِي حَرَامِهَا عِقَابٌ .
مَنِ : اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ ، وَ مَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ .
وَ مَنْ : سَاعَاهَا فَاتَتْهُ ، وَ مَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ .
وَ مَنْ : أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ ، وَ مَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ .
نهج البلاغة ص107ح82 .
 قال الشريف رحمه الله أقول : و إذا تأمل المتأمل قوله :
 و من : أبصر بها بصرته ، وجد تحته من المعنى العجيب ، و الغرض البعيد ، ما لا تبلغ غايته و لا يدرك غوره ، لا سيما إذا قرن إليه قوله : و من أبصر إليها أعمته ، فإنه يجد الفرق بين : أبصر بها ، و أبصر إليها ، واضحا نيرا ، و عجيبا باهرا .

الإمام عليه صلاة وسلام رب الأنام : يصف أحوال العباد في هذه الدنيا ، وما فيها من العناء من الولادة حتى أخر أيامها من السعي لجمع المال ، والكد على العيال ، والكدح في كل الأحوال : سواء لما يبني منها أو ما يؤثث فيها ، بل حتى لما يأكل ويلبس ، فالإنسان في الدنيا في هم الجمع وحسرت الصرف ، ثم بعد هذا كلها : تفنى الدنيا ويتركها إلى غير رجعه لها ، لا مال يأخذ معه ولا بناء ينفعه .
ثم يأتي أمر الآخرة : فيرى أنه في كل شيء جمعه أو صرفه ، أو نظر فيه أو سمعه ، لمسه أو شمه ، تكلم فيه أو صمت عنه ، بل أكله أو لبسه ، سكنه أو رثه ، فيه حساب إن كان من الحلال ، فيكون سهل عليه إن كان كله في طاعة الله ، وإن كان حرام في أي حركة له وسكون جمع أو تفريق فالويل له .
 وقد قال الله سبحانه : يصف حال الإنسان وتعبه وعنائه وما يعانيه في الدنيا ، وحسابه الدقيق في الآخرة على كل شيء ، فيثاب ويعاقب عليه ، ولو كان بمقدار الذرة :

{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ
 إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9)
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15) } الإنشقاق .

{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3)
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)
أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) .. } البلد .

{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5)
 يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6)
 فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } الزلزلة .

ثم الإنسان بعد هذا كله : من جهد السعي ، وعناء الكدح ، إن استغنى في الدنيا فتن فيها وألهته عن الواجبات وأشتغل في اللبس والأكل والبناء والجمع بكل عناء ، لا يكون له وقت للطاعات وما عليه من الواجبات إلا من وفقه الله من الشاكرين وما أقلهم حتى قال الله سبحانه .
{ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) } سبأ.

وإما أن سعى وكدح : ولم تأتيه الدنيا ، فتراه كئيب حزين متأسف عليها ، وكأنه خالدا فيها .
والله سبحانه : يقسم الرزق بينهم ، وبما فيه صلاحهم أو استدراجهم ، وقد قال سبحانه :
{ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ
ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) } النحل .

وقال سبحانه وتعالى :
{ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ
فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)
 كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)
وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)

كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (الفجر21) وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ
يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (الفجر28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (الفجر29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) } الفجر .
 

وقال الله سبحانه :

{ وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ
 فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (71) } النحل .

وعلى كل حال : سواء ، كل أهل الدنيا يحبون المال فيها الغني و الفقير ، وكلهم يشتغلون فيها بكد وعناء ، وجمع وتفريق .
ولا يفوز براحة في الدارين : إلا المؤمن القانع ، الذي يرى أنه عليه السعي ، ولكن مع جميل الطلب ، من غير حرص ولا حسرة على ما فات ولا فرح بما يأتي ، فنظر في الدنيا وما فيها من ناس سعوا فيها بكل جد وجهد وكد وكدح وسعي ولكنه فاتتهم ، وكم من غافل أبله أتته الدنيا تسعى فملك ما لم يملكه المفكرون والمتمنطقون وأشد الساعون .
فيعتبر المؤمن في الدنيا ، و ينظر  فيها ومن جمع فيها وأثرى أو أفتقر ، فإنهم يفارقوها أو فارقوها ، وبقي من كان مقتصدا قانع بلا بخيل ولا شح ،  ولا سرف ولا تبذير ، بل يرى الفائز حقا من يطلب بما أنعم الله من الدنيا وزينتها رضا الله وما يوصله لطاعته ، فيؤدي الحقوق ويجود في سبيل دينه وما يخدم نفسه والمؤمنين .
وللكلام تتمة : إن شاء الله تأتي وبالخصوص في عناء الإنسان في الدنية وجهده في جمع ما فيها ليحوزه .

وأسأل الله : لنا جميعا ، أن يبصرنا بالحق فنتبعه ، ويرنا الباطل لنجتنبه ، وأن يرزقنا من فضله ويجعلنا قانعين ، ويجعل ما ينعم علينا من فضائله في طاعته ومصرفه في ما يوجب لنا رضاه ، فإنه الرب المعين وأرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

==

يا طيب : كأن الإمام عليه السلام حين يقول : ما أصف من دار أولها عناء وأخرها فناء .... ، يقول : خذه إليك متمسكا بهذا الوصف ، ولا تطويه فتضعه مهجوا على طاولة أو رف ، بل تدبر به تدبر الحكيم العاقل الفطن ، وأعتبر به اعتبار المجتهد الفاهم المتزن ، ، فهذا خبر الدنيا ، وهذه أحوالها ، فأفهمه متعقلا ، وأقبلها لنفسك منصفا ، فتعلمه وأعمل به تفوز و تسلم  ،  لأنه خلاصة الهدى بغرر الحكم ،  و تمام الدين في جوامع الكلم .

فإن أول الحلول في الدنيا : عناء ،  في ظلمات ثلاث بعد جهد ، ثم يولد باكيا لا حيلة له ولا قوة ، فيرعى ليترعرع ، ثم يعد ليقوى وعلى نفسه  يكد  ، فيسعى ويكابد صروف الدهر حتى حين ، متقلب بين طلب العلم والعمل ، وما يحتاجه من أمور الحياة ، ثم يترك الدنيا ، ثم يحاسب على عمره فيما أفناه ، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه ، وعن الحب في الله ولأوليائه وتعلمه منهم ، وعن شبابه بل كل عمره فيما أفناه .
فإن كان أبصر بها : معتبرا ، ومستبصرا بأمرها متنورا ، فرأى ما تعمله الدنيا بمن حل فيها ، وكيف تنقله من حال إلى حال ، وأنها حتى لمن جد فيها وسعى تقطعه الآمال ، فخلص نفسه من أسرها ، ولم يخضع لزينتها ، ولم تلهيه زخارفها ، فأجمل الطلب وأدى الواجب وعمل بالمستحب ، فهو الأمير فيها ، والمنتصر على بلائها ومحنها ، فلا غرو أن يكون في راحة منها ، سواء كان فيها أو بعد فنائها ، فإنه سيحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا.
ولكن إن بصر إليها : بصر الحريص الطامع ، وأنغمس فيها كالبخيل الشحيح الخاشع ، و خضع لها بأمل طويل كالمقهور ، وظن بها كأنه سيعيش فيها الدهور ، فذل حتى لحرامها منهمكا ، وللسيئات عاملا وبها متمسكا ، فلم يهتم لحلالها وحرماها ، ولا لهداه وضلالها ، فأكل منها غير شاكرا ، وجد فيها ساعيا ماكرا وظالما طاغيا ، فقد خسرها حتى لو كان باقيا ، لأنه شغلته عن حق نفسه وما يجب عليه من الإنصاف ، وجار على غيره فحرمه حقه بإجحاف ، فيتركها حين عنها يفنى ، ويأخذها وارث مثله لا يبقى ، ويبقى ينتظر أمر الله وحسابه ، وما أعد للطاغين من عقابه ، من عذاب شديد ، ونار لا تنفد ولا تبيد .
 فهذا أمر الدنيا : وصفتها ، وما أعد لها من الوعد والوعيد ، فتدبر به يا طيب .

ويا طيب : خير من يشرح كلام الإمام بعد كلام الله ، هو حديثه وحديث آله الكرام ، فلنذكر منه ما يناسب المقام ، فيما ذكر من العناء في الدنيا ، وما يجب من العبرة والتبصر فيها ، ليرى الإنسان ما يزهده بزينتها ، وتجعله لا بحرص يطلبها ، ولا يقرب منها إلا بحلالها دون حرامها ، ولا ينفق ما يحصل عليه منها إلا في طاعة الله سبحانه ، فلم يبصر إليها المؤمن ليجعلها أكبر همه ، ولا يحرص عليها فتشغله عن ربه ، ولا يبخل بها  ليتركها لغيره ، بل يضعها في ميزان العدل ، ويعطي لكل ذي حق حقه ، فيقدم الواجبات ويسعى ما استطاع في المستحبات ، ولا يخالطها بالمكروه لله فضلا عن المحرمات .

ولبيان هذا المعنى : نذكر كلامهم عليهم السلام :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
إنما الدنيا : عناء و فناء ، و عبر و غير .
فمن فنائها : أن الدهر موتر قوسه ، مفوق نبله ، يصيب الحي بالموت ، و الصحيح بالسقم .
و من عنائها : أن المرء يجمع ما لا يأكل ، و يبني ما لا يسكن .
و من عبرها : أنك ترى المغبوط مرحوما ، ليس بينهما إلا نعيم زال أو بؤس نزل .
و من غيرها : أن المرء يشرف عليه أمله ، فيختطفه دونه أجله .
الأمالي ‏للطوسي ج493م17ح 1081-50 .

 

ومن غرر الإمام علي عليه السلام في الدنيا والعناء فيها :
إن الدنيا : معكوسة منكوسة .
لذاتها : تنغيص ، و مواهبها تغصيص .
و عيشها : عناء ، و بقاؤها فناء .
تجمح : بطالبها ، و تردى راكبها .
و تخون : الواثق بها ، و تزعج المطمئن إليها .
و إن جمعها : إلى انصداع ، و وصلها إلى انقطاع .

جود الدنيا : فناء ، و راحتها عناء .
و سلامتها : عطب ، و مواهبها سلب .

لا تمهر الدنيا : دينك ، فإن من أمهر الدنيا دينه .
زفت إليه : بالشقاء و العناء و المحنة و البلاء .

دعاكم الله سبحانه : إلى دار البقاء ، و قرارة الخلود و النعماء ، و مجاورة الأنبياء و السعداء ، فعصيتم .
و دعتكم الدنيا : إلى قرارة الشقاء ، و محل الفناء ، و أنواع البلاء و العناء ، فأطعتم و بادرتم و أسرعتم .

كم من قائم : ليس له من قيامه إلا العناء .

كيف يتخلص : من عناء الحرص ، من لم يصدق توكله .
غرر الحكم ص127ح 2156 ، ص128 ح2176 .ص130ح2234 .ص145ح 2616. ص175ح 3346. ص197ح 3889.

 وجاء في وصف المتقي في خطبة الإمام علي عليه السلام في حديثه مع همام ... :
و يسأل ليفهم : و يتجر ليغنم ، لا ينصت للخبر ليفجر به ، و لا يتكلم ليتجبر به على من سواه .
نفسه : منه في عناء ، و الناس منه في راحة .
أتعب نفسه : لآخرته ، فأراح الناس من نفسه .
إن بغي عليه : صبر حتى يكون الله الذي ينتصر له بعده ....

الكافي ج2ص230باب المؤمن و علاماته و صفاته .....

 

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
 و كم ساع ليثري لم ينله - و آخر ما سعى لحق الثراء
و ساع يجمع الأموال جمعا - ليورثه أعاديه شقاء
و ما سيان ذو خبر بصير - و آخر جاهل ليسا سواء
و من يستعتب الحدثان يوما - يكن ذاك العتاب له عناء
و يزري بالفتى الأعدام حتى - متى يصب المقال يقل أساء

ما هذه الدنيا لطالبها - إلا عناء و هو ما يدري‏
إن أقبلت شغلت ديانته - و إن أدبرت شغلته بالفقر
ديوان الإمام علي عليه السلام ص32 ، ص 196.

وأسأل الله لي ولكم يا طيبين : أن يجعلن عنائنا لما فيه البقاء ، وكدنا في الدنيا ثوابه مرافقة الأنبياء ، وسعينا في النعيم مع نبي الرحمة وآله الكرام السعداء ، فإن رحيم بمن أتخذهم أئمة وأولياء ، ورحم الله من قال آمين يا رب يا من له البقاء بلا فناء .

=

وأما الاعتبار بالدنيا : والتبصر بها دون النظر إليها غاية ونهاية ، فخير كلام يعرفنا حقها بعد ما عرفت هذه الأحاديث الكريمة ، وبسلسلة نورانية :
عن أحمد بن الحسن الحسيني : عن الحسن بن علي ، عن أبيه عن محمد بن علي ، عن أبيه الرضا ، عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن أبيه علي بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال :
قال أمير المؤمنين عليه السلام : كم من غافل :
ينسج ثوبا : ليلبسه ، و إنما هو كفنه .
و يبني بيتا : ليسكنه ، و إنما هو موضع قبره .
و قيل لأمير المؤمنين عليه السلام : ما الاستعداد للموت ؟
قال : أداء الفرائض ، و اجتناب المحارم ، و الاشتمال على المكارم .
ثم لا يبالي : أ وقع على الموت ، أم وقع الموت عليه .
و الله ما يبالي : ابن أبي طالب ، أ وقع على الموت ، أم وقع الموت عليه .
و قال أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه :
أيها الناس : إن الدنيا دار فناء ، و الآخرة دار بقاء .
فخذوا : من ممركم لمقركم ، و لا تهتكوا أستاركم عند من لا يخفى عليه أسراركم .
و أخرجوا : من الدنيا قلوبكم ، من قبل أن تخرج منها أبدانكم .
ففي الدنيا : حييتم ، و للآخرة خلقتم .
إنما الدنيا: كالسم ، يأكله من لا يعرفه .
إن العبد : إذا مات ، قالت الملائكة ما قدم .
و قال الناس : ما أخر .
فقدموا : فضلا ، يكن لكم ، و لا تؤخروا كلا يكن عليكم .
فإن المحروم : من حرم خير ماله ، و المغبوط من ثقل بالصدقات .
و الخيرات : موازينه ، و أحسن في الجنة بها مهاده .
و طيب : على الصراط بها مسلكه .

الأمالي للصدوق ص110م23ح8 .

روي : عن الصادق عليه السلام ، أنه قال لبعض تلاميذه يوما : أي شي‏ء تعلمت مني ؟
قال له : يا مولاي ثمان مسائل .
قال عليه السلام : قصها علي لأعرفها ؟
قال الأولى : رأيت كل محبوب يفارق محبوبه عند الموت ، فصرفت همي إلى ما لا يفارقني ، بل يؤنسني في وحدتي ، و هو فعل الخير .
قال : أحسنت و الله . الثانية .
قد رأيت : قوما يفخرون بالحسب ، و آخرين بالمال و الولد ، و إذا ذلك لا فخر فيه ، و رأيت الفخر العظيم في قوله تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ } ، فاجتهدت أن أكون عند الله كريما .
قال : أحسنت و الله . الثالثة .
قال : رأيت الناس في لهوهم و طربهم ، و سمعت قوله تعالى : { وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى‏ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى‏ } ، فاجتهدت في صرف الهوى عن نفسي ، حتى استقررت على طاعة الله تعالى .
قال : أحسنت و الله . الرابعة .
قال : رأيت كل من وجد شيئا يكرم عنده ، اجتهد في حفظه ، و سمعت قوله تعالى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } ، فأحببت المضاعفة ، و لم أر أحفظ مما يكون عنده ، فكلما وجدت شيئا يكرم عنده وجهت به إليه ، ليكون لي ذخرا إلى وقت حاجتي .
قال : أحسنت و الله . الخامسة .
قال : رأيت حسد الناس بعضهم لبعض ، و سمعت قوله تعالى : { نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } ، فلما عرفت أن رحمة الله خير ما يجمعون ، ما حسدت أحدا و لا أسفت على ما فاتني .
قال : أحسنت و الله ، السادسة .
قال : رأيت عداوة الناس بعضهم لبعض في دار الدنيا ، و الحزازات التي في صدورهم ، و سمعت قول الله تعالى : { إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } ، فاشتغلت بعداوة الشيطان عن عداوة غيره .
قال : أحسنت و الله . السابعة .
قال : رأيت كدح الناس و اجتهادهم في طلب الرزق ، و سمعت قوله تعالى : { وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } ، فعلمت‏ أن وعده حق ، و قوله تعالى صدق ، فسكنت إلى وعده و رضيت بقوله ، و اشتغلت بما له علي عما لي عنده .
قال : أحسنت و الله . الثامنة .
قال : رأيت قوما يتكلمون على صحة أبدانهم ، و قوما على كثرة أموالهم ، و قوما على خلق مثلهم ، و سمعت قوله تعالى : { وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدْراً } ، فاتكلت على الله ، و زال اتكالي عن غيره .
قال له : و الله ، إن التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان ، و سائر الكتب ترجع إلى هذه المسائل .

إرشاد القلوب ج1ص187 ب52 .

 

===
وكتب ابو حسن
سلمت يداك اختي سميره على هذا الابداع اسئل من الله لك التوفيق.
اللهم وفقنا لما تحب وترضا وجنبنا ما تكره وتبغض .
اللهم اعطنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم وفقنا للفلاح في الدنيا والفوز العظيم في الاخره .
اللهم اغننا بحلا...لك عن حرامك وبفضلك عمن سواك .
اللهم لاتفتني بمفاتن الدنيا ولا تحرمني من محاسن الاخره .

ثم كتب :

ابو حسن شكرا شيخي الجليل
هل ما كتبته معارض للحديث اخبرني وفقك الله .
--

أخي أبو حسن ، دعائكم حسن جميل ، وتام كامل ، وأسأل الله أن يحققنا به جميعا وبالخصوص الأخوة والأخوات المشاركين ، فهو دعاء فقراته نورانية وأصولها في كتاب الله وأدعية آل محمد عليهم السلام ، فشكر الله سعيكم ، وبارك الله فيكم ، وجعله نورا في ميزان حسناتكم .

خادم علوم آل محمد عليهم السلام

الشيخ حسن جليل حردان الأنباري

موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com