بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
من صحّت ديانته قويت أمانته
من صدقت لهجته صحّت حجّته
قال أمير المؤمنين عليه السلام : من صحّت ديانته قويت أمانته من صدقت لهجته صحّت حجّته

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
من صحّت ديانته قويت أمانته
من صدقت لهجته صحّت حجّته

شرح الحديث :

لوحة أمينة الديانة : صادقة اللهجة ، صحيحة الحجة ، من جعلها  معارفها في مهجته ، وعمل بمعناها وصدق بلهجته ، فاز ونجا وألهم يوم العرض حجته .

كلام كريم في الحق ساطع : يزين لوحة في طرحها رائع ، لحقا لمقتنيها تكون أحسن البضائع ، فهو كلام أمير المؤمنين وسيد الموحدين ، والوصي الحق لسيد المرسلين ، وخاتم الأنبياء الصادق الأمين ، فصورة تكون روحها أفضل لقبين لأكرم خلق الله أجمعين ، لحق لها أن لتبهر بمنظرها الأحرار الطيبين  المؤمنين ، وتجعلهم أن يصدقوا بحجتها ، ويصححوا لهجتها ، ويؤمنوا بنصها ، ويجعلوها أمانة ويمسكوا بأعنتها ، بل يأخذوها ملكا صرفا لعقولهم وقلوبهم لقوة ديانتها .

يا أخوتي الكرام الطيبين : ما في هذه اللوحة أصل أصيل في آداب الدين ، وأس مكنين في أخلاق هدى رب العالمين ، ومن يخالفهما يكون لدينه ولحضه يوم القيامة مهين ومشين ، ومن صدق بها علما وعملا فاز برضى رب العالمين ، وفاز بجنة في أعلى مقام مكين .
جعلنا الله تعالى : ممن أتصف بالأمانة والصدق ، فهما أكرم لقبين في الوجود ، وخص بهما سيد المرسلين ، حتى صار معلم لهدى الله رب العالمين ، صحح ما جاء به كل من آمن به من المسلمين ، فلذا يكون معناها من أس الهدى واليقين .
وإن الله سبحانه وتعالى : أكد على الأمانة والصدق في كلامه في القرآن الكريم ، فنذكر بعض الآيات فيهما ، ثم نذكر بعض الأحاديث التي حث على الأمانة والصدق ، بل تقرن بينهما في كثير من الأحاديث :
وأما قول الله سبحانه في الأمانة : فأوله في سورة البقرة ، بوجوب ردها بصورة عامة فقال تعالى :
{ وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ
 فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا
فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ
 وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)  } البقرة .
وبعد هذا : إن الله يطرح مسألة الأمانة بأعلى مستوى لها ، بل يجعلها مدار هداه ودينه ، حيث يجعل الأمانة هي أداء رسله رسالته لعباده ، وإنه تعالى حكا لنا قصة الدين والرسل وحججهم مع قومهم بأنهم أمناء الله ويأتوهم بالهدى من عنده .

فقال سبحانه : في سورة الشعراء يحكي عن أمانه رسله حتى ذكر قصة الدين من آدم حتى نبينا وما بعده من أوصياءه .
فذكر سبحانه : أمانة نوح وثمود وعاد ولوط وشعيب ، ثم يستمر لنبينا ولأوصيائه عليهم السلام أجمعين .
 فقال سبحانه : يحكي عن كل واحد منهم بعد أن يحكي قصته مع قومه ، فيقول لهم :
{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 107) } وآيات أخر تكرر مثل هذه الآية.
ثم تستمر الآيات في سورة الشعراء : حتى تبين نزول القرآن بالروح الأمين على نبينا الأكرم سيد المرسلين بقوله تعالى :
{ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192)
 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193)
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) ...} .
ثم بعد هذا يعرفنا سبحانه : حديث الدار ، حين جمع نبي الرحمة بني عبد المطلب وهم أقرباءه المقربين ، ليختار من يؤيده ويكون وصيه وخليفته وأمين دينه بعده، فلم يقم أحد منهم ، حتى قام أمير المؤمنين حين قال الله تعالى .
وهي قصة قوله تعالى في نفس سورة الشعراء :
{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) } الشعراء .
وجاء في تفسيرها : وسبب نزولها ، حديث الدار ، والذي ذكره في تفسيرها كل من فسرها وذكر شأن نزولها .
ونذكر مصدرا واحدا لها : ومن أحب المزيد فليراجع الغدير والمراجعات وإحقاق الحق وغيرها من الكتب التي جمعت الفضائل والمناقب :
قال في العمدة : و من تفسير الثعلبي ، في تفسير سورة الشعراء .
 قوله تعالى : { وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } .
و بالإسناد عن البراء قال :
لما نزلت : { وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } .
جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : بني عبد المطلب ، و هم يومئذ أربعون رجلا ، الرجل منهم يأكل المسنة و يشرب العس .
فأمر عليا : أن يدخل شاة فأدمها ، ثم قال : ادنوا بسم الله ، فدنى القوم عشرة عشرة ، فأكلوا حتى صدروا .
ثم دعا : بقعب من لبن ، فجرع منه جرعة .
ثم قال لهم : اشربوا بسم الله ، فشربوا حتى رووا .
فبدرهم : أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل ، فسكت النبي يومئذ لم يتكلم .
ثم دعاهم من الغد : على مثل ذلك الطعام و الشراب ، ثم أنذرهم رسول الله .
فقال : يا بني عبد المطلب ، إني أنا النذير إليكم من الله عز و جل ، و البشير بما لم يجي‏ء به أحد .
جئتكم : بالدنيا و الآخرة ، فأسلموا و أطيعوني تهتدوا .
و من : يواخيني : و يوازرني .
 و يكون : وليي و وصيي بعدي .
و خليفتي : في أهلي ، و يقضي ديني .
فأسكت القوم : و أعاد ذلك ثلاثا ، كل ذلك يسكت القوم .
و يقول : علي ، أنا .
فقال : أنت .
فقام القوم : و هم يقولون لأبي طالب ، أطع ابنك ، فقد أمر عليك .
العمدة ص88ف13ح106 .

ولمعرفة المزيد : راجع كتب التفاسير أو المناقب ، ترى الكثير ممن ذكرها عن عدة من الصحابة .
وإن شاء الله : نذكر معنى آخر للأمانة ، وهو أيضا يعرفنا الولاية الإلهية ، وأنها في حق نبي الرحمة وآله ، لنعرف أن الأمانة خلق إلهي كريم عالي ، و أوصى به الله رسله وعباده ، وحث عليه جدا حتى كان من الواجبات الحتمية على كل مسلم .
وأسأل الله تعالى : أن يجعلنا من الأمناء ، وممن صدق بأمانته ودينه وهداه ، فعمل به بطاعته وبكل إخلاص له ، ووفق ما علمه الأمناء نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، فإنه ولي التوفيق ، وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين  .

+++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : وقبل أن نذكر معنى آخر للأمانة ثم نذكر الصدق والصادقين ، نذكر مصادر لأحاديث ذكرت قصة وأنذر عشيرتك الأقربين ، أو ما يسمى بحديث الدار ، لأنه جمعهم في دار عمه حين أمره الله وقال له : وأنذر عشيرتك الأقربين :
وذكر في مستدرك المراجعات : في الرقم 118 :
قوله تعالى : { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، وحديث الدار .
فقال :راجع ، شواهد التنزيل للحسكاني الحنفي ج 1 / 372 ح 514 وص 420 ح 580 ط 1 بيروت ، تفسير الطبري ج 19 / 74 ط بولاق وج 19 / 68 ط الميمنية وج 19 / 121 ط 2 بمصر ، تاريخ الطبري ج 2 / 319 ط مصر وج 2 / 216 ط آخر ، مسند أحمد بن حنبل ج 1 / 111 ط الميمنية بمصر ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 204 - 206 ط الحيدرية وص 89 ط الغري ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي ص 38 ط الحيدرية وص 44 ط النجف ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 41 و 42 و 43 ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 105 ط اسلامبول وص 122 ط الحيدرية ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 13 / 210 ط مصر بتحقيق محمد أبوالفضل ، الكامل لابن الأثير ج 2 / 62 ط دار صادر وج 2 / 216 ط آخر بمصر ، تاريخ ابي الفداء ج 1 / 119 ط القسطنطينية ، الدر
المنثور للسيوطي ج 5 / 97 ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 1 / 85 ح 138 و 139 و 140 ، تفسير ابن كثير ج 3 / 351 ، كنز العمال ج 15 ص 113 ح 323 و 334 و 380 و 381 ط 2 بحيدر آباد ، وج 6 ص 396 ط 1 ، تفسير الخازن ج 3 / 371 ، السيرة الحلبية ج 1 / 286 .
وقال في الحديث : رقم 459 :
عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه الآية:
{ وأنذر عشيرتك الأقربين } ... .
وفي آخر الحديث : قال الرسول صلى الله عليه وآله :
يا بني عبدالمطلب : إني والله ما أعلم شابا في العرب ، جاء قومه بأفضل مما جئتكم به .
إني قد جئتكم : بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني أن أدعوكم .
فأيكم : يوازرني على هذا الأمر ، على أن يكون أخي ، ووصيي ، وخليفتي فيكم بعدي ؟
قال : فأحجم القوم عنها جميعا ، وقلت : واني ( أي عليا ) لأحدثهم سنا ...
أنا : يا نبي الله ، أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ان هذا أخي ، ووصيي ، وخليفتي ، فيكم فاسمعوا له واطيعوا ... .
وهذا الحديث : من صحاح السنن المأثورة أخرجه بهذه الألفاظ وقريب منها كثير من الحفاظ والعلماء .
فراجع : تاريخ الطبري ج 2 ص 319 - 321 ط دار المعارف بمصر ، الكامل في التاريخ لابن الاثير الشافعي ج 2 ص 62 و 63 ط دار صادر في بيروت ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 13 ص 210 و 244 وصححه ط مصر بتحقيق محمد أبوالفضل ، السيرة الحلبية للحلبي الشافعي ج 1 ص 311 ط البهية بمصر ، منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 ص 41 و 42 ط الميمنية بمصر ، شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 371 ح 514 و 580 ط بيروت ، كنز العمال ج 15 ص 115 ح 334 ط 2 بحيد آباد ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 1 ص 85 ح 139 و 140 و 141 ط بيروت التفسير المنير لمعالم التنزيل للجاوي ج 2 ص 118 ط 3 مصطفى الحلبي ، تفسير الخازن لعلاء الدين الشافعي ج 3 ص 371 و 390 ط مصر . أنتهى .

و قال الحميري رحمه الله :
و قيل له أنذر عشيرتك الأولى _ و هم من شباب أربعين و شيب‏
فقال لهم إني رسول إليكم _ و لست أراني عندكم بكذوب‏
و قد جئتكم من عند رب مهيمن _ جزيل العطايا للجزيل وهوب‏
فأيكم يقفي مقالي و أمسكوا _ فقال أ لا من ناطق و مجيب‏
ففاز بها منهم علي و سادهم _ و ما ذاك من عاداته بغريب‏
صراط المستقيم ج1ص326 .
++++

 قال الله سبحانه وتعالى : في تعريف كريم آخر للأمانة ووجوب المحافظة عليها في أدب الدين ، وإنها من أفضل وأعلى هدى الدين وأصعبه وأكمله ، فلذا لم تطيقها السماوات والأرض والجبال وأشفقن منها خوفا من عدم مراعاة حقوقها وفضلها .
 وحملها الإنسان : لكنه كثيرا منهم لم يتحملوها بحقها ولم يرعوها ، وحملها بحقها من وفقه الله لطاعته بحق الطاعة فعبده وفق تعاليم أئمة الهدى .
 ولمعرفة هذا المعنى : نذكر ما قال سبحانه في سورة لأحزاب ، التي تحكي قصة أيام الخندق ، وكيف كفى الله القتال بأمير المؤمنين حين قتل الكافر الذي عبر الخندق هو وجماعته وهو عمر بن ود ، وكيف خاف من عبر معه ، فرجع هارب بعد مقتل علي بن أبي طالب عليه السلام قائدهم ، وسيأتي في الصادقين بعض البيان :
 قال سبحانه :
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ
عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ
فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (73) } الأحزاب .
الكافي ج1ص413ح2 .
عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام : في قول الله عز و جل :
 { إنا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا }الأحزاب  .
قال : هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام .
وذكر هذا المعنى : كثير ممن فسر الآية .
وعن أئمة الحق ك عن فاطمة بنت محمد عليها السلام قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لما عرج بي : إلى السماء ، فصرت إلى سدرة المنتهى : { فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى‏ (9)}النجم ، فرأيته بقلبي و لم أره بعيني .
سمعت : الأذان‏ مثنى مثنى ، و الإقامة وترا وترا .
و سمعت مناديا ينادي : يا ملائكتي ، و سكان سماواتي و أرضي ، و حملة عرشي .
أشهدوا لي‏ : أني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي .
قالوا : شهدنا و أقررنا .
قال : أشهدوا لي‏ يا ملائكتي ، و سكان سماواتي و أرضي ، و حملة عرشي ، بأن محمدا عبدي و رسولي .
قالوا : شهدنا و أقررنا .
قال : و أشهدوا يا ملائكتي ، و سكان سماواتي و أرضي ، و حملة عرشي ، بأن عليا وليي و ولي رسولي و ولي المؤمنين .
قالوا : شهدنا و أقررنا .
قال عباد قال جعفر قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام :و كان ابن عباس رضي الله عنه ، إذا ذكر هذا الحديث ، قال :
إنا لنجده في كتاب الله :
{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ
عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَ أَشْفَقْنَ مِنْها
وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا }الأحزاب  .

وقال فقال ابن عباس رضي الله عنه : ما استودعهم، دينارا و لا درهما ، و لا كنزا من كنوز الأرض .
و لكنه أوحى الله تعالى‏ : إلى السماوات و الأرض و الجبال ، من قبل أن يخلق آدم : أني مخلف فيك الذرية ، ذرية محمد ، فما أنت فاعلة بهم إذا دعوك ، فأجيبيهم ، و إذا آووك فآويهم ،.
و أوحى إلى الجبال : أن دعوك فأجيبيهم و أطيعي .
فأشفقت : السماوات و الأرض و الجبال ، مما سألها الله من الطاعة لهم ، و مما حملها فأشفقن من ذلك .
فسألا الله : ألا طاقة لهم بذلك ، مخافة أن يغفلوا عن الطاعة .
فحملها بني آدم : فحملها :{ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ (37)}الشورى .
تفسير فرات‏ الكوفي ص453ح 452- 593 .
وطبعا كما في آية الأمانة : إما علم بها وعرفها الإنسان ظلم حق الأمانة بالولاية ، أو جهلها فلم يعلم بها وهم أغلب الناس ، فكان ظلموما جهولا ، وحملها المتقون ممن عرف حق ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ، ولذا قال سبحانه وتعالى في آية أخرى ، يعرفنا بأن الأمانة هي الولاية .
فقال عز وجل :
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ
إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
أَطِيعُواْ اللّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ
فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ
فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ
ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) } النساء .
والله سبحانه : عرفنا ولاية أمير المؤمنين في كثير من المواضع كيوم غدير خم ، حيث أمر النبي الأكرم .
أن يقول لهم : من كنت مولاه فهذا علي مولاه .
فبايعه المسلمون : في يوم غدير خم عندما نزل الغدير النبي الأكرم عند رجوعه من حجة الوداع ، ولمعرفة المزيد عنه راجع كتاب الغدير للأميني رحمه الله ، فإنه فيه تفصيل الواقع وروايتها من مائة وعشرة صحابي .
وآيات الولاية الإلهية وتحققها : بالنبي الأكرم وآله الطيبين الطاهرين كثيرة ، وأنه قال سبحانه :
وأولي أمر منكم . في الآية أعلاه ، أي أنه ولي الأمر بعد رسول الله دائما معنا ، وأنه لابد من ولي أمر من آل محمد عليهم السلام ، فضلا عن آية الولاية الخاصة في إعطاء الزكاة وهم راكعون .
وأهمها : ما نزل في الولاية ، سورة ولاية أمر الله ، وهي سورة إنا أنزلنا في ليلة القدر ، حيث تتجدد في كل سنة ، وينزل أمر الله من كل أمر لولي الأمر من آل محمد ، وهو الحجة بن الحسن العسكري عجل الله ظهوره .
ولمعرفة هذا المعنى : بصورة أوسع نراجع ، موسوعة صحف الطيبين ، شرح سورة إنا أنزلناه من صحيفة سادة الوجود ، أو صحيفة سيادة آية الكرسي .
ويا أخوتي : بعد أن عرفنا أهمية الأمانة ، وشأنها الكريم في الهدى الإلهي ودينه ، وخاصة بولاية الله في نبي الرحمة وآله الكرام الطيبين الطاهرين ، أو العامة وأنه واجب أداء الأمانة بأي صورة كانت إلى أهلها ، نذكر أحاديث ، تخص معنى الصدق والصادقين ، ثم نذكر الأحاديث التي تخص الأمانة والصدق .
وأسأل لله تعالى : أن يجعلنا ممن صدق بحق في أداء الأمانة الإلهية والتي بها تمام الدين وكمال النعم ، ولا نكون من الظالمين الجاهلين لحقها ، خاصة وعامة ، إنه ولي التوفيق ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++
ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا أهم معارف حقيقة الأمانة وضرورتها في كتاب الله ودينه .
نذكر : معنى الصدق وضرورته في الحياة ، وإنه من أعلى آداب الدين الإسلامي ، وأس أصيل في خلق الهدى وتعاليم رب العالمين ، ويجب مراعاته علما وعملا ودائما وفي كل الأحوال ، وأسأل الله لي ولكم أن يحققنا به في جميع أمورنا كلها ، فإنه ولي التوفيق .
وأما ما مدح به الله سبحانه : الصادقين وأثنى عليهم ، وعرف ثوابهم الكريم العظيم الذي لا ثواب أعلى منه ، لأنه فيه رضى الله سبحانه ، هو الفوز العظيم ، فهو ما :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ
الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119)} المائدة .
وطبعا يا طيبين : لنكون بحق من الصادقين ، وصادقين في عبادتنا وطاعتنا لله ، يجب أن نتعلم هدى الله الحق ودينه الصادق ، من الصادقين الذين صدقهم الله سبحانه وتعالى ، ولذا أمرنا سبحانه بالكون معهم ، فقال سبحانه :
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ
 وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119) }التوبة .
وأعلم يا أخي : قد فسر الآية أعلاه بالصادقين وهم نبي الرحمة وآله صلى الله عليهم وسلم ، أغلب المفسرين ، إن لم نقل كلهم ، بل جاءت روايات كثيرة تعرف أنها نزلت في شأنهم .
ولكي نعرف حقيقة : أن الله سبحانه صدق نبي الرحمة وآله الكرام ، ولعن من كذبهم ، تدبر قوله تعالى في آية المباهلة ، حين أمر الله نبيه بأن يأتي بأهله ليباهل بهم ، وفعلا جاء يوم المباهلة مع نصارى نجران الذين كذبوه ، فقال الله مصدقا لنبيه وآله ولعن من يكذبه ، وإلا لم يأمره بالمباهلة مع آله وهم كاذبون والعياذ بالله ثم يلعنهم ، وإنما هو وآله الذين يأتون معه الصادقون ، لأنه أمره بأن يأتي بهم ليعرفهم بالصدق والشأن الكريم ، وأن غيرهم المكذب لهم كاذب ، ولتعرف هذا المعنى أتلو قوله تعالى :
{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ
فَقُلْ تَعَالَوْاْ
نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) } آل عمران .
فإن الإنسان : إما صادق أو كاذب ، والصادق مؤيد بتوفيق الله ورضاه ، والكاذب المكذب له ملعون .
فهذا تأييد الله سبحانه : لنبي الرحمة وآله الذين جاءوا يوم المباهلة ، ولشأنهم الكريم وإنه لتعريفهم بالصدق جاء بهم ، وإلا لقال ائتي بنفسي وليأتي كبيركم ، ثم نبتهل ، ولكنه أمره بأعزته ليعرفهم ، لأنه جاء بالحسن والحسين وفاطمة وعلي صلى الله عليهم وسلم .
وهم أهل البيت : المطهرون بآية التطهير ، وهو التطهير من الشرك والشك والرجس ، وهذا معنى يرجع لصدقهم ، ولذا أمر بمودتهم في آية المودة في القربى التي جعلها أجرا للرسالة ، لأنهم يعلمون الدين الحق ، حيث بشر المؤمنين الذين يحبون الدين الصادق الذي يرضاه الله ، أن يقترف من حب ومودة نبي الرحمة وآله ويتبعهم ، ليغفر الله له ويشكر سعيه .
وإن نزول آية كونوا مع الصادقين : في شأن أمير المؤمنين وآله ذكرها كثير من المفسرين ، نذكر بعض من رواياتنا وبعض التفاسير التي تفسير هذه الآية ونزولها في آل محمد عليهم السلام . :
عن بريد بن معاوية العجلي قال : سألت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين عليه السلام ، عن قول الله عز و جل :
{ اتقوا الله و كونوا مع الصادقين } .
قال : إيانا عنى .
الكافي ج1ص208ح1 .
لأنه يا طيب : إن الله طلب من المؤمنين ، أن نكون مع الصادقين ، ولابد أن يكون الصادقون هم لهم مرتبة عالية في المعرفة والهدى ، ومن يصدقهم يصدق في معرفة دين الله والتعبد لله به وتحسن لهجته وحجته ويصح دينه وأعتقاده ، وإلا لو كان هو صادق فلا يصح أن يقال كن مع الصادقين ، فيها معنى الخطاب بمتابعتهم والتعلم منه ، بل المؤمن يصدق حين يتبع الراسخون بالعلم وهم في المرتبة أعلى منه ، وممن صدقهم الله سبحانه فيكون حينها صادق لأنه كان معهم ينتصر بهم وينصرهم .
 فتصح حجته : وتصدق لهجته وعبوديته  .
وأسأل الله : يجعلنا من الصادقين ومعهم ، بحق محمد وآله الطيبين الطاهرين الأخيار الصادقين ، وأن يجعلنا نصدق بعبوديته بما يحب ويرضى ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين .
ولمعرفة المزيد من معنى الصدق والصادقين : أنظر صحيفة الإمام الحسين عليه السلام ، وخطبة شقيقته التي صدقها كريم يحبهم :
http://www.mowswoat-suhofe-alltyybeyyn.org/0005alhosen/jza8NorAlAmimAlhosen/jza8sfd2sh21KotbatAlSakekh.htm#sfd2sh5a21a1

+++

ويا أخوتي الطيبين : لكي نعرف أعلى معاني للصدق وحقيقته بعد معرفة أهمية الأمانة ، وكيف يمكن أن نصدق حين نتبع الصادقين بحق ، والذين صدقهم الله سبحانه ، نتمم بحث آية كونوا مع الصادقين ، ونذكرها من مصادر ذكروا نزولها في أهل البيت عليهم السلام ، لنعرف أنهم الصادقون فنتبعهم ، فنصدق فيما نتعلم منهم ونعبد الله سبحانه به :
ذكر في مستدرك المراجعات : آية الصادقين :( 75 ) :
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين(119) } سورة التوبة .
أي : مع علي وأصحابه .
راجع : شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني الحنفي ج 1 / 259 ح 350 و 351 و 352 و 353 و 355 و 356 ، كفاية الطالب للكنجي الشافعي ص 236 ط الحيدرية وص 111 ط الغري ، ترجمة الامام علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي ج 2 ص 421 ح 923 ، تذكرة الخواص للسبط بن الجوزي الحنفي ص 16 ، المناقب للخوارزمي الحنفي ص 198 ، نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 91 ، فتح القدير للشوكاني ج 2 / 414 ، الصواعق المحرقة لابن حجر الشافعي ص 150 ط المحمدية وص 90 ط الميمنية بمصر ، ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ص 136 و 140 ط الحيدرية وص 116 و 119 ط اسلامبول ، الدر المنثور للسيوطي الشافعي ج 3 / 390 ، الغدير للاميني ج 2 / 305 ، روح المعاني للالوسي ج 11 ص 41 ، غاية المرام باب ( 42 ) ص 248 ط إيران ، فرائد السمطين للحمويني ج 1 / 314 ح 250 وص 370 ح 299 و 300 . أنتهى .

ويا أخوتي ذكر ابن شهر آشوب رحمه الله في المناقب في معنى ضرورة عصمة الإمام بعد رسول الله فقال بعد أن ذكر كثير من الشواهد ... :
العصمة : قوله : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
أمرنا سبحانه : أمرا مطلقا بالكون مع الصادقين من غير تخصيص ، و ذلك يقتضي عصمتهم ، لقبح الأمر على هذا الوجه باتباع من لا يؤمن منه القبيح ، و من حيث يؤدي ذلك الأمر بالقبيح .
و إذا ثبت ذلك : في الإمامة ، ثبت تخصصها بأمير المؤمنين و أولاده المعصومين بالإجماع .
لأن أحدا : من الأمة ، لم يقل ذلك فيها ، إلا خصها بهم .
و لأنه : لم تثبت هذه الصفات لغيرهم ، و لا ادعيت لسواهم . .... .
في قوله تعالى : { وَ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } قالوا : هو علي عليه السلام .
و روت العامة : عن إبراهيم الحكم عن أبيه عن السدي عن ابن عباس و روى عبيدة بن حميد عن منصور عن مجاهد ، و روى النطنزي في الخصائص عن ليث عن مجاهد .
و روى الضحاك : أنه قال ابن عباس : فرسول الله جاء بالصدق ، و علي صدق به أمير المؤمنين .
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ قال الصدق } .
ولاية : أهل البيت .
وعن الإمام الرضا عليه السلام : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
{ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ } الصدق علي بن أبي طالب .
وعن الصادق و الرضا عليهم السلام قالا : إنه محمد و علي .
وعن الكلبي و أبو صالح عن ابن عباس : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
أي كونوا : مع علي بن أبي طالب ، ذكره الثعلبي في تفسيره عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام .
و عن الكلبي : عن أبي صالح عن ابن عباس ، و ذكره إبراهيم الثقفي عن ابن عباس و السدي ، و جعفر بن محمد عن أبيه .
وفي تفسير أبي يوسف يعقوب بن سفيان : حدثنا مالك بن أنس ، عن نافع ، عن ابن عمر قال :
{ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ } أمر الله الصحابة أن يخافوا الله .
ثم قال : { وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
يعني : مع محمد و أهل بيته .
وفي شرف النبي عن الخركوشي : و الكشف عن الثعلبي ، قالا : روى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام في هذه الآية قال : محمد و علي .
و قال أمير المؤمنين عليه السلام : فنحن الصادقون عترته ، و أنا أخوه في الدنيا و الآخرة .
و في التفسير المراد بالصادقين : هم الذين ذكرهم الله تعالى ، في قوله :
{ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } .
عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق عن علي عليه السلام قال :
فينا نزلت : { رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ } .
فأنا و الله : المنتظر و ما بدلت تبديلا .
وعن أبو الورد عن أبي جعفر عليه السلام :
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا } .
قال : علي و حمزة و جعفر .
{ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ } .
قال : عهده و هو حمزة و جعفر .
{ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ } .
قال‏ : علي بن أبي طالب .
و قال المتكلمون : و من الدلالة على إمامة علي عليه السلام ، قوله : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
فوجدنا عليا : بهذه الصفة ، لقوله :
{ وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ } يعني الحرب .
{ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ } .
فوقع الإجماع : بأن عليا أولى بالإمامة من غيره ، لأنه لم يفر من زحف قط ، كما فر غيره في غير مواضع .
المناقب ج1ص247 .
ويا طيب : بين هذا المعنى كثير من المتكلمين ، وجاء في الروايات مفصلا ، وقد ذكرنا بحث مستقل فيها أشرنا له أعلاه .
وأسأل الله سبحانه : أن يجعلنا بحق مع الصادقين ، لنصدق في ديننا وعبوديتنا له سبحانه ، وتقوى حجتنا ويصح كلامنا ولهجتنا حين نعبد الله بما علمه الصادقون ، حتى ليجعلنا معهم ويرضانا صادقين ، فنفوز فوزا عظيما ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : صدق اللهجة وصحة الحجة ، أمرا متحد قرنهما الإمام عليه السلام في الحديث ، فمن يصدق كلامه ولهجته ، فحتما تصح حجته ويقوى دليله ويستحسن برهانه ، ومن تكذب لهجته ويعرف أن يلحن في كلامه ، وأنه يستخدم المغالطات ، فحجته وما يحاول أن يقيم عليه الدليل والبرهان لا يصدق ولا يصح ولا يصحح  .
وإن أصل الموعظة الحسنة : وتعليم الهدى ، يجب أن يكون صادقا ، مصدق من الله ورسوله  ، وباتصاله بهم يكون له الحجة الكاملة والبرهان القطعي واقعا ، ومن لم يكن تأييد إلهي مهما قال فهو  تبرير لغلط وتصحيح لخطأ وتحسين لقياس ، وتعريف لرأي واجتهاد ، لأنه لم يكن له من الله سبحانه ولا من رسوله تأييد ولا سبب حق متصل بهم ، نعم قد ينمق بعض الكلام ، أو يدعى له اتصال من أئمة خالفوا أئمة الحق ، فيبرر له حجج ، فيستحسنه من لم يبالي بالحق ، أو يخدع الأذواق فتهش له وتبش ، مثل مبالغات الشعر أو سجع المقامات والخطابات وإن لم يكن له واقع ديني.
ولذا عرفنا في أول البحث : إن الله سبحانه صدق نبي الرحمة بل والمرسلين ثم أمر العباد بإتباع الصادقين ، وأن الكلام ليصدق يجب أن يتعلق بسبب وحجة بالله سبحانه وبتعاليمه وسننه ، وبالخصوص في مسائل الهدى وما يتعلق بالعبادة ومعرفة الله والاجتماع وغيرها من أموره وتنظيمه ، لأن الله سبحانه كما أتقن التكوين أتقن الهدى ورعى أمر الهداة .
فمن لم يتصل بمن أختارهم الله سبحانه : ليس له إلا الضال ، والذي لا يتبع حق الهدى والدين فهو غير أمين ولا يصدق على ما يحاول أن يبرهن له .
 وبهذا المعنى : أدبنا الله سبحانه وعهد إلى أوليائه من الأنبياء والمرسلين وكل من يتعبهم ، فقال في سورة الأحزاب أي حرب الأحزاب مع النبي الأكرم يوم جاءوا إلى المدينة فحفر الخندق ، وحزب الكفر كان قريش وأغلب العرب قد أتحدت معهم فصاروا أضعاف مضاعفة ، واليهود داخل المدينة أيضا أتحدوا مع الكفار ، فلذا لم يخرج المسلمون من المدينة لحرب الكفار ، وحفروا الخندق حول المدينة ، فظهر النفاق عند بعض المسلمين وقال بعضهم يواعدنا بفتح فارس واليمن وغيرها ، ونحن نخاف أن نذهب لدفع فضلاتنا ، وغيره من الكلام  .
والله سبحانه : فصل أحوال المسلمين والكافرين والمنافقين في سورة الأحزاب ، ونحن نذكر من صدقهم الله وعرف أنهم صادقون لم يبدلوا ، لنكون معهم وتقوى حجتنا وتصدق دعوتنا ودعائنا وعبادتنا  .
فقال سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب :
{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ
وَمِنكَ
وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (7)
لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ
 عَن صِدْقِهِمْ
وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا
وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) .. ..
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
رِجَالٌ صَدَقُوا
مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)
لِيَجْزِيَ اللَّهُ
الصَّادِقِينَ
بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (24)
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } الأحزاب .
فعرفنا الله سبحانه : في حكايته لقصة حرب الأحزاب أو فقل الخندق ، بتمهيد يعرف أهل الثبات الصادقون في كل التأريخ حتى زمن النبي ومن بعده .
والله تعالى سبحانه : أحكم آياته وأتقن برهانه ، وعلم الإنسان ما لم يعلم ، فحكا قصة الصدق مرة أخرى في هذه السورة الأحزاب ، فذكر أنه أس الدعوة والحجة للدين ، وأن من ينيط به الله دينه ، ويرسله بهداه ، ويجعلهم معلم لعباده ، فهو يجب أن يكون صادق ، وحقا صادق بقوة وله ميثاق صدق مع الله ، أي أنه سبحانه بعلمه به وأنه تعالى أختبره ، فأظهر صدقه مع الله سبحانه في كل أحواله ، بل وحتى عرفهم الناس بالصدق والأمانة ، ولذا كان يصدق نبينا وقالوا لم نعلم عليه كذب وهو الصادق الأمين ، حتى صار هذين الأسمين الكريمين لقبين له .
وقال تعالى : لنبينا الأكرم أخذنا ميثاقنا منك ومن النبيين ، ثم عرفنا أنهم مسئولون عن صدقهم في ما أمرهم به ، ليعرف العباد بأن من يصدقهم قد صدق بحق بهدى الله .
ثم الله سبحانه : بعد أن عرفنا قصص الأنبياء .
عرفنا سبحانه : صدق وصي النبي الأكرم ، وخليفته بالحق ووزيره وأخيه ، وهو حجة الله على العباد ، وولي دينه ، وإمام الخلق بالحق بعده .
فعرف الله عز وجل : صدق علي بن أبي طالب بسورة كاملة للمتدبر بها وبغرضها وما تريد أن تخبره من أحوال المسلمين ، ومن يجب أن يتبع بحق .
لأنه في حرب الأحزاب : حقا قد برز الإيمان كله وهو علي بن أبي طالب ، للكفر كله وهو عمر بن ود الذي عبر الخندق وأخذ ينادي عدة مرات هل من مبارز ، فبرز له الإمام علي عليه السلام ، فنصر الله دينه به وقتل عدوه ، وكفى المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب عليه السلام ، وحين قتل
عدو الله خار أعداء الله وضعفوا ثم بأقل حجة هربوا .
والله سبحانه : ذكر لنا صدق علي بن أبي طالب ، الذي لم يبرز غيره للقتال ، وهو عليه السلام ولم يهن ولم يضعف ، وأنه على الميثاق الحق بكل وجوده وأعلى قوة .
فقال سبحانه يعرفه : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وأنه ما بدل أي تبديل ، وهو ينتظر الشهادة ، وسيجازيه جزاء حسن ، ولا أقل من الولاية والإمامة والسيادة والخلافة لرسول الله في الدنيا ، ويكون سيد الصادقين مع رسول الله في الآخرة .
وهذا البيان : حجته كاملة صادقة ، يجب أن يصححها من عنده أقل إنصاف ، ويعتقد بها أي مسلم قرأ تأريخ الدين ، وكل مؤمن يحب بصدق ويقين أن يعرف ولي الله وإمام المسلمين بعد سيد المرسلين ، حتى يكون مع الصادقين المصدقين بكل قوة وأعلى حجة وبيان .
كما عرف الله سبحانه : أنه رد الكافرين بغيظهم ، كما أن المنافقين موقوفون لأمر الله إما يعذبهم أو يتوب عليهم إن تابوا وصدقوا الصادقين .
وقد ذكر : هذه القصة في حرب الأحزاب وأيام حفر الخندق وأحوال المسلمين وخوفهم من أعداء الله ، وإن الله بعلي بين أبي طالب كفاهم القتال ، وإن الله سبحانه نصرهم وعرف صدق ولي الله ، كل من فسر سورة الأحزاب ، وقد جاءت روايات كثيرة من الطرفين العامة والخاصة ، تعرف أن الصادق الذي لم يبدل وهو ينتظر هو علي بن أبي طالب ، ويكفيه شاهد نفس وقوع القصة وقتله لعدو الله ، وكيف فرح المسلمون به .
وحتى قال رسول الله : برز الإيمان كله ، للكفر كله .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ضربت علي يوم الخندق تساوي عبادة الثقلين .
والله سبحانه وتعالى ورسوله : أيد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالحجة الصادقة الصريحة الصحيحة  القوية .
 وهذه هي الأمانة : المبتلى بها الناس ، والواجب تحملها ، والواجب أداءها وإعطائها حقها وتصديقها بكل الوجود ، علما وعملا وعبودية لله سبحانه ومخلصين له الدين .
وهذه حجة الله تامة : ولهجته واضحة ، وبرهانه محكم ، وصدقه واضح ، وبأحسن بيان ، وبأعلى موعظة .
 فمن يطلب الصدق : عليه أن يكون مع الصادقين نبي الرحمة محمد وآله الأبرار الأخيار الصادقين الطيبين الطاهرين ، وإلا فلا فليبرر من يبرر لأئمته المخالفين لأمير المؤمنين ، فجعلنا الله من الصادقين المصدقين ومعهم وأبعدنا عن أعدائهم ، فإنه أرحم الرحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 

 

 

مَنْ صَحَّتْ دِيانَتُهُ قَوِيَتْ أمانَتُهُ
مَنْ صَدَقَتْ لَهْجَتُهُ صَحَّتْ حُجَّتُهُ .
غرر الحكم ص86ح 1424، ص219ح4352 .

 

 

 

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com