بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
من تحلى بالأنصاف
بلغ مراتب الأشراف
قال الإمام علي عليه السلام : من تحلى بالأنصاف بلغ مراتب الأشراف

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
من تحلى بالإنصاف
بلغ مراتب الأشراف

شرح الحديث :

لوحة جميلة رائعة الأوصاف  : من يتحلى بمعناها يكون من الأشراف ، فهذا كلام سيد في الذروة العليا من أحفاد عبد المناف ، وقد نال من الله ورسوله أعلى معاني الألطاف ، حتى كان تالي سيد المرسلين في معالي الأخلاق والأوصاف .
 فهنيئا وحسنى : لمن صدقه وأتبعه ولم يكن معه من أهل الخلاف ، وطوبى والخير لمن تحلى بمواعظه الحسنة ونهى النفس عن الجور والطغيان ولم ينصر الأجلاف ، وتحلى بصفات آدابه الحميدة ولربه كان من أهل الرجاء وله خاف .

يا أخوتي الطيبين : أما أصل الحديث فهو ما :
قال الإمام علي عليه السلام :
مَنْ : تَحَلّى بِالإنْصافِ .
بَلَغَ : مَراتِبَ الإشْرافِ.
غرر الحكم ص394ح9111 .

والحديث الكريم : أس في الأخلاق والإيمان والتقى ، ومن غرر الأحاديث ، ومن أفضل وأعلى  الكلام ، بل لمن يتحقق به يدخل في الأشراف ، أي يكون سيد بحق لبيته ولقومه ولكل من يحيط به ، لأنه من ينصف الناس ينصف ، ومن ينصف العباد يحب ويتقرب منه ويؤمن جانبه ، بل يتوقع خيره وفضله ، بل يجعل حكما وقاضيا في كل الأمور ، فلا يخافون ظلمه فضلا عن جوره .
لأن الإنصاف : هو قول الحق ، وعمل الحق ، و الاتصاف بالأوصاف الحقة والعلوم الحقة .
فالإنصاف : هو من الملكات الإنسانية التي تظهر الحق وتتجلى به  في سيرة الإنسان وسلوكه وعلمه وعمله ، وهو أن يرضى لغيره ما يرضى لنفسه ، ويكون وفق الحكمة التي تضع كل شيء في محلة ، والتصرف بما فيه المصلحة والخير لا غير .

ويا أخوتي : إن الإنصاف والعدل مقرونان ولهم مراتب  .
 ولمعرفة : هذا المعنى ، نتدبر ما قال :
 أبو هلال العسكري في الفروق اللغوية :
الفرق بين الإنصاف والعدل :
أن الإنصاف : إعطاء النصف .
والعدل : يكون في ذلك وفي غيره ، ألا ترى أن السارق إذا قطع ، قيل إنه عدل عليه ، ولا يقال إنه أنصف .
وأصل الإنصاف : أن تعطيه نصف الشيء ، وتأخذ نصفه من غير زيادة ولا نقصان .
وربما قيل : أطلب منك النصف ، كما يقال : أطلب منك الإنصاف ، ثم استعمل في غير ذلك مما ذكرناه .
ويقال : أنصف الشيء ، إذا بلغ نصف نفسه ، ونصف غيره إذا بلغ نصفه .
الفروق اللغوية ص80رقم317 .

وقال : الفرق بين الجور والظلم :
أن الجور : خلاف الاستقامة في الحكم .
وفي السيرة : السلطانية ، تقول : جار الحاكم في حكمه ، والسلطان في سيرته ، إذا فارق الاستقامة في ذلك .
والظلم : ضرر لا يستحق ولا يعقب عوضا ، سواء كان من سلطان أو حاكم أو غيرهما .
ألا ترى : أن خيانة الدانق والدرهم تسمى ظلما ، ولا تسمى جورا .
فإن أخذ ذلك : على وجه القهر أو الميل سمي جورا ، وهذا واضح .
وأصل الظلم : نقصان الحق .
والجور : العدول عن الحق ، من قولنا جار عن الطريق إذا عدل عنه .
وخلف : بين النقيضين ، فقيل في :
نقيض : الظلم ، الإنصاف ، وهو إعطاء الحق على التمام .
وفي نقيض : الجور ، العدل ، وهو العدول بالفعل إلى الحق.
الفروق اللغوية ص172اللغات 675 .

يا أخوتي الكرام : هذا بعض البيان في معاني الإنصاف الذي يجعل من يعمل به في مرتبة الأشراف ، ويكون من أهل الخير والصلاح .
وفي الحقيقة :
 الإنصاف : في الآداب الإسلامية أعلى منه مما عرفت في الفروق اللغوية ، فإنه تعطي النصف لمن يستحق النصف ، يقال إنصاف ، وهو من العدل بمرتبة راقية ، ولكنه كأن كلامهم في المال وزينة الدنيا .
وإما الإنصاف في الدين : هو أن ترضى علما وعملا للآخرين ما ترضاه لنفسك ، طبعا من النفس الصالحة المؤمن ، لا الشريرة الظالمة الخبيثة .
والإنصاف : ستأتي بعض معانية في الأحاديث التالية ، فتعرفنا جميل حقائقه وكريم ثوابه وعلو شرفه ، حتى لتتوق النفس الطيبة لأن تتصف به وتتحلى به حقا واقعا دائما .
ويا أخوتي : قبل أن أختم هذا المقطع من بيان الإنصاف .
أحب أن أذكر : إن الإنصاف من الأخلاق الإسلامية العالية ، والواجب التحلي بها للمؤمن .
وإن في الحديث قال :
من تحلى بالإنصاف : أي تحقق به ، لأنه معروف لا يتم التحلي بشيء ، حتى يكون الإنسان قد تخلى عما يقابله .
فإذن : الإنصاف ، حقيقة وجودية في النفس ، وملكة واقعية في حقائق الروح ، ولذا عرف بالرضا للغير ما نرضى لأنفسنا ، ثم يجب أن يظهر علما وقولا وعملا ، ولا تستهوي الأهواء أحد بأن يخرج من الإنصاف بسب قرابة ، أو لأجل مصلحة تمسه أو تمس من يحبه ، فيشطط في الحكم والقضاء والعطاء ويغر ويخدع ويمكر بغيره ، فيضره ويظلمه فضلا من أن يجور عليه .
فلذا لكي : نتحلى بالإنصاف ، يجب التخلي عن كل مكر وحيلة ، وعن كل خديعة وغدر وتغرير ، وعن كل خلق يخالف الإنصاف في الحكم والقضاء ، ، حتى ليكون الإنصاف هو حقيقة الروح ، لأنه :
فحين تتخلى الروح : عن الأوصاف المشينة الخبيثة ، واللئيمة الظالمة ، فضلا عن الجائرة الطاغية .
حين ذلك : يمكن أن تتحلى الروح بالإنصاف .
ولذا يكون: أول أمر للأخلاق الفاضلة ، والآداب الإسلامية الحسنة :
 هو  التخلي : أي تفريغ الروح عن كل منافي ومخالف للإنصاف .
 ثم التحلي بالإنصاف :  ولا يتم التحقق به إلا بمعرفة حقيقته وخصائصه ، وهو الرضا للغير علما وعملا ما نرضى لأنفسنا .
 ثم الظهور بالإنصاف : ومن ظهر به وعرف منه وتجلى في علمه وعمله وقوله ، حينها تحبه النفوس وتهواه العقول ، وتروح له الأرواح ، فتطلب إنصافه وعلى ما يقال عدله ، لأنه يؤمن جانبه فلا يخاف ظلمه ولا جوره ، بهذا يكون سيد لبيته وقومه ومن يحيط به ويقبل قوله وحكمه ، لأنه منصف ، فيكون شريف في قومه بحق وبصدق واقع .
وهذا خلق عظيم : وأدب كريم في هذه اللوحة ، يجب أن يتحلي به كل مؤمنين ، فضلا عن كونه مستحب .
وأسأل الله لكم ولي : أخوتي الكرام الطيبين ،  أن يوفقنا الله سبحانه لأن نتحقق بالعدل والإنصاف ، وأن نرضى لأنفسنا بحقائق الدين الصادقة ، وبمعارف الهدى الحق ، فنعبد الله بما يحب ويرضى .
لأنه أول الإنصاف : فإنه سبحانه قد أنعم علينا نعم لا تحصى ، فليس من الإنصاف أن نعصيه بها ، ونكفر نعمه ، وكما يجب أن نختار ما أختار لنا وأصطفى من أئمة الحق ، لأنه سبحانه أختارهم بعد علم بإنصافهم وصدقهم وطهارتهم وطيبهم ، وليس من الإنصاف أن نتركهم فنقتدي بغيرهم فضلا عمن عاداهم .
وأن يجعلنا سبحانه : منصفين في أنفسنا ومع كل البشر ، ويشرفنا بكرمه ورضاه ونعمه ، ويبعدنا عن الظلم والجور والطغيان ومن تحقق به ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
 

+++

وقال أمير المؤمنين ومولى الموحدين : غرر كلمات ، وجميل عبارات ، وأحسن ألفاظ عالية المعاني في الإنصاف ، لا يمكن أن تقرأ ولا يتدبر بمعناها فضلا من أن تترك وتعاف ، بل يجب على المؤمن أن يتحلى بها ، ويتخلق بها لينال معالي الألطاف ، حتى ليكون من يتحلى بها من الأشراف ، بل ومن سادة الأطراف  ، وفي الأخوة والصداقة واسع الأكناف ، يحبه كل مؤمن ومنصف وذو عفاف .
وهي كلمات راقية ، ومعاني عالية ، وجمل غالية ، يجب على المؤمن أن يضعها في عقله علما وإيمانا ، وفي قلبه حبا لكل إنسانا ، ويتعامل بها مع العباد ضميرا ووجدانا ، فتدبرها يا طيب ، تعرف صدق ما قلنا عن معارف الدين التي يعلمنا بها أمير المؤمنين ، قال عليه السلام :
 الإنصاف : عنوان النبل .
الإنصاف : شيمة الأشراف .
الإنصاف : أفضل الفضائل .
الإنصاف : أفضل الشيم .
المؤمن : من‏ ينصف ، من لا ينصفه .
الإنصاف : من النفس ، كالعدل في الإمرة .
المنصف : كثير الأولياء و الأوداء .
أنصف : الناس من نفسك ، و أهلك و خاصتك ، و من لك فيه هوى ، و اعدل في العدو و الصديق .
أجور السيرة : أن تنتصف من الناس ، و لا تعاملهم به .
أعدل السيرة : أن تعامل الناس ، بما تحب أن يعاملوك به .
أعدل الناس : من أنصف ، من ظلمه .
أعدل الناس : من أنصف عن قوة ، و أعظمهم حلما من حلم عن قدرة .
إن أعظم : المثوبة مثوبة ، الإنصاف .
إنك إن : أنصفت من نفسك ، أزلفك الله .
ثلاثة : لا ينتصفون من ثلاثة أبدا ، العاقل من الأحمق ، و البر من الفاجر ، و الكريم من اللئيم .
عامل : سائر الناس بالإنصاف ، و عامل المؤمنين بالإيثار .
غاية : الإنصاف ، أن ينصف المرء نفسه .
من تحلى : بالإنصاف ، بلغ مراتب الأشراف .
نظام الدين : خصلتان ، إنصافك من نفسك ، و مواساة إخوانك .
الإنصاف ، راحة الشر وقاحة .
الإنصاف : يستديم المحبة .
الإنصاف : يتألف‏ القلوب .
الإنصاف : يرفع الخلاف ، و يوجب الائتلاف .
أنصف : من نفسك قبل أن ينتصف منك ، فإن ذلك أجل لقدرك ، و أجدر برضا ربك .
بالنصفة : تدوم الوصلة .
على الإنصاف : ترسخ المودة .
من أنصف : أنصف .
من عدم : إنصافه ، لم يصحب .
من منع : الإنصاف ، سلبه الله الإمكان .
من كثر : إنصافه ، تشاهدت النفوس بتعديله .
مع الإنصاف : تدوم الأخوة .
غرر الحكم ص394ف4ح9093-9124 ..

حقا إنها كلمات رائعة جميلة : لمن يتحقق بها تجعله من السادة الكرام الأشراف ، لأنه تخلق بأجمل خلق من آداب الدين وهو الإنصاف ، فطوبى لمن تحلى بها و تخلى عن غيرها من رذائل الأخلاق ترك مذمومها وعاف .
وقد ذكر سيد الأوصياء عليه السلام : في خصال الإنصاف معارف كريمة ، تجعل المؤمن يحب التحلي بها والتخلي عن كل مضاد لها ، وهي من خالص الآداب الحسنة ، وصافي الأخلاق الحميدة ، فتجعل بحق من يتحلى بها أن يشرف في قومه ، ويتشرف به من يحيط به ، فينظر له بعلو الهمة وحسن السيرة ، فيشرفوه بحبهم وودهم والتقرب منه والاعتماد عليه وتسويده عليهم ولو بدون مقام ، بل بالاحترام والتقدير .
لأن الإنصاف : كما جاء في كلمات الإمام عليه السلام أعلاه وخلاصته ، هو :
الإنصاف : لمن تحلى به عنوان النبل بخطه العريض ، ويحكي عن شيمه الشريفة وفضائله الحميدة ، وإن الإنصاف للنفس يجعلها برة تقية عادلة مجيدة.
كما أنه يطالبنا الإمام عليه السلام : أن ننصف أنفسنا وأهلنا ومن يكون من خواصنا ، وسواء كان عدو أو صديق ، بل حتى من يظلمنا .
ثم هناك من لا ينتصف منهم : لأنهم حين مطالبتهم بالإنصاف والعدل ، ينفرون ويتصرفون تصرف يضر بمن ينصفهم ، لأنهم يتوقعون الفضل ، وهم  الأحمق ، والفاجر واللئيم والسفيه فيحلم عنهم بقدر الإمكان لاتقاء شرهم ، ويعاملون وفق ما يصلحهم  .
وبل يجب أن يترقى المؤمن في الإنصاف : فيعمل به ولا يتوقعه من الناس ، لأن كثير منهم لا يتحملوه ولا يطيقوه ، وهذه المرتبة أجرها عظيم ، وبالخصوص من ينصف وهو قوي قادر على الخلاف ، لكنه لم يجور ولم يظلم ، بل أعلى منها مواساة الأخوان والتفضل عليهم .
فمن ينصف : بهذه المرتبة ، يكثر أولياءه وأوداه وأحبائه ، ويحكموه فيرفع الخلاف ويوجب الإتلاف ، ويجل قدر الإنسان ويرتفع حقيقة ومعنى ، فيكون في الذروة من الشرف الأعلى ، لأن الناس تنصفه وتحب أن تصحبه فيحيطون به ، ويشهدون له بالعدالة وحسن السيرة ، وتدوم مودته وصحبته وخلته ، فيشرف بنفسه ويرتفع في العباد وينظرون إليه بعلو المنزلة والتقدير .
وأسأل الله سبحانه وتعالى : لي ولكم أن يوفقنا لأن نكون من المنصفين الأشراف الأولياء ، وفي حقيقة النفس منصفين ومع الأهل والأصدقاء ، وكل أهل الأطراف والأكناف ، ويبعد عنا الجور والطغيان فضلا عن الظلم والإجحاف ، فيجعلنا طيبين بخلق كريم يحبه أبدا حتى نكون يوم العرض لا نخاف ، فإنه ولي الرحمة والألطاف ، بحق نبينا الأكرم وآله الطيبين الطاهرين الأشراف ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين.

+++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : بعد أن عرفنا أجمل كلمات الحق ، وأفضل معاني العدل ، وتجليه بأفضل حقائق الإنصاف .
فعرفنا أهم خصائص الإنصاف : وفضائله ومكارمه ، وأنه أدب إسلام عالي ، وخلق رباني شريف ، يرفع صاحبه إن تحقق به لأعلى المكارم والفضائل والمناقب ، حتى ليجعله شريفا سيدا في قومه ، تمد له الأعناق ، ويحكم فيما بينهم في الأنفس والآفاق ، ويتشرف به بكل المودة والمحبة ويكون المؤمنين له أصحاب بالتصاق ، ويديمون له العشرة مصافين له دائما من غير افتراق .
فلنتعرف : على بعض معاني الإنصاف : في أحاديث أخرى عن نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، سواء في الإنصاف نفسه ، أو مع ما يجب أن يرافقه ، فنتعرف على معانيه بصورة أوسع ، ونتعلم أعلى حقائقه بصورة أعمق وأرفع ، وأسأل الله العلي العظيم : أن يجعله خلق لنا ولكم أبدا .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله : في آخر خطبته .
طوبى : لمن طاب خلقه ، و طهرت سجيته ، و صلحت سريرته ، و حسنت علانيته .
و أنفق : الفضل من ماله ، و أمسك الفضل من قوله .
و أنصف : الناس من نفسه .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
من يضمن لي : أربعة ، بأربعة أبيات في الجنة :
أنفق : و لا تخف فقرا .
و أفش : السلام في العالم .
و اترك : المراء و إن كنت محقا .
و أنصف : الناس ، من نفسك .
 

وهذا حديث كريم : يعرفنا معنى الإنصاف :
وعن جارود أبي المنذر قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
سيد : الأعمال ، ثلاثة :
إنصاف الناس : من نفسك ، حتى لا ترضى بشي‏ء إلا رضيت لهم مثله .
و مواساتك : الأخ في المال .
و ذكر الله : على كل حال ، ليس سبحان الله و الحمد لله و لا إله إلا الله و الله أكبر ، فقط .
و لكن إذا ورد عليك : شي‏ء أمر الله عز و جل به ، أخذت به .
أو إذا ورد عليك : شي‏ء نهى الله عز و جل عنه ، تركته .
وقال الإمام الصادق عليه السلام :
أوحى الله عز و جل : إلى آدم عليه السلام :
أني سأجمع : لك الكلام في أربع كلمات .
قال : يا رب و ما هن ؟
قال : واحدة لي ، و واحدة لك ، و واحدة فيما بيني و بينك ، و واحدة فيما بينك و بين الناس .
قال : يا رب بينهن لي حتى أعلمهن .
قال : أما التي لي : فتعبدني لا تشرك بي شيئا .
و أما التي لك : فأجزيك بعملك أحوج ما تكون إليه .
و أما التي بيني و بينك : فعليك الدعاء ، و علي الإجابة .
و أما التي بينك و بين الناس : فترضى للناس ما ترضى لنفسك ، و تكره لهم ما تكره لنفسك .
 

وهذا حديث في معنى الإنصاف : وإن لم يذكر بأسمه :
و عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
ثلاثة : هم أقرب الخلق إلى الله عز و جل يوم القيامة ، حتى يفرغ من الحساب .
رجل : لم تدعه قدرة في حال غضبه ، إلى أن يحيف على من تحت يده .
ورجل : مشى بين اثنين فلم يمل مع أحدهما على الآخر بشعيرة .
و رجل : قال بالحق فيما له و عليه .
 

وهذه حديث في فضل الإنصاف :
وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
ألا إنه : من ينصف الناس من نفسه ، لم يزده الله إلا عزا .

قال الإمام الصادق عليه السلام :
من أنصف : الناس من نفسه .
 رضي به : حكما لغيره .

الكافي ج2ص144 ح1،ح3 ،ح4 ،ح5 .ص146ح12 ، 13 . 

فالحمد لله وله المنة : على ما عرفنا من أولياء دينه وأئمة الحق ، وجعلنا من شيعيتهم ومحبهم .
 وأسأله لنا ولكم : أن يجعلنا نتمسك بآدابهم وما علمونا من معارف هداه ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

يا أخوتي الكرام الطيبين : بعد أن عرفنا معاني الإنصاف وحقائقه ، وإن شاء الله عقلناه عقل وعاية لا فقط رواية ، حتى نجعله خلقا كريما لنا ، وأدبا عاما في كل تصرفاتنا .
نذكر بعض الأعمال والأفكار : تخالف الأنصاف من السابقين ، ومن ألاحقين من المسلمين ، وأسأل الله أن تكون لنا عبرة ، ونعرف فيها بعمق معاني الإنصاف حتى لا نخالفه لا بفكر ولا علم ولا في عمل .

 عن أبي جعفر الأحول قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
ما تقول قريش : في الخمس ؟
قال قلت : تزعم أنه لها .
قال : ما أنصفونا .
و الله لو كان : مباهلة ليباهلن بنا .
و لئن كان : مبارزة ليبارزن بنا .
ثم نكون : و هم ، على سواء .
تفسير العياشي ج1ص176س3ح56 .

وفي حديث يوم السقيفة كما ذكره بن ابي الحديد : بسنده عن سعيد بن كثير بن عفير الأنصاري ، والحديث طويل ذكر فيه تافصيل خبر ذلك اليوم ... إلى أن قال : فلما يبايع حتى لم يبق ممن حضر إلا علي بن أبي طالب :
فقالوا له : بايع أبا بكر .
فقال علي عليه السلام : أنا أحق بهذا الأمر منه ، لا أبايعكم ، و أنتم أولى بالبيعة لي .
أخذتم : هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من الرسول .
و تأخذونه : منا أهل البيت غصبا .
أ لستم : زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم ، لمكانكم من رسول الله ، فأعطوكم المقادة و سلموا لكم الإمارة .
و أنا أحتج عليكم : بمثل ما احتججتم على الأنصار .
أنا : أولى برسول الله حيا و ميتا ، و أنا وصيه و وزيره ، و مستودع سره و علمه .
و أنا : الصديق الأكبر ، و الفاروق الأعظم ، أول من آمن به و صدقه ، و أحسنكم بلاء في جهاد المشركين ، و أعرفكم بالكتاب و السنة ، و أفقهكم في الدين ، و أعلمكم بعواقب الأمور ، و أذربكم لسانا ، و أثبتكم جنانا .
فعلام : تنازعونا هذا الأمر .
أنصفونا : إن كنتم تخافون الله من أنفسكم ، و أعرفوا لنا الأمر مثل ما عرفته لكم الأنصار ، و إلا فبوءوا بالظلم و العدوان و أنتم تعلمون .
......
شرح نهج البلاغة ج6ص6 . الاحتجاج ج1ص74.

 

قال نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم : انظروا فيه بقلوب ، معتقدة للإنصاف ، يهدكم الله.
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة : قال أبو الفرج الأصفهاني :
كتب الحسن عليه السلام : إلى معاوية ، مع جندب بن عبد الله الأزدي من الحسن بن علي أمير المؤمنين ، إلى معاوية بن أبي سفيان .
سلام عليكم : فإني أحمد إليك ، الله الذي لا إله إلا هو .
أما بعد : فإن الله جل و عز بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم رحمة للعالمين ، و منة للمؤمنين .
توفاه الله : غير مقصر ، و لا وان ، بعد أن أظهر الله به الحق ، و محق به الشرك ، و خص قريشا خاصة .
فقال له : { و إنه لذكر لك و لقومك } .
فلما توفي : تنازعت سلطانه العرب .
فقالت : قريش نحن قبيلته ، و أسرته ، و أولياؤه ، و لا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقه.
فرأت العرب : أن القول ما قالت قريش ، و أن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد ، فأنعمت لهم و سلمت إليهم .
ثم حاججنا نحن : على قريشا بمثل ما حاجت به العرب .
فلم تنصفنا : قريش .
إنصاف : العرب لها .
إنهم أخذوا : هذا الأمر دون العرب بالإنصاف و الاحتجاج .
فلما صرنا : أهل بيت محمد و أولياءه إلى محاجتهم .
و طلب : النصف منهم ، باعدونا و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا ، و العنت منهم لنا، فالموعد الله و هو الولي النصير .
و لقد تعجبنا : لتوثب المتوثبين علينا في حقنا و سلطان نبينا ، و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام ، و أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين ، أن يجد المنافقون و الأحزاب في ذلك مغمزا يثلمونه به ، أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده .
فاليوم فليتعجب المتعجب : من توثبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا بفضل في الدين معروف ، و لا أثر في الإسلام محمود ، و أنت ابن حزب من الأحزاب ، و ابن أعدى قريش لرسول الله ، و لكن الله حسيبك ، فسترد فتعلم لمن عقبى الدار ، و بالله لتلقين عن قليل ربك ثم ليجزينك بما قدمت يداك و ما الله بظلام للعبيد .... .
بحار الأنوار ج44ص39ب19.تفسير الإمام ‏العسكري ص532 .
هذا خروج الماضين عن الإنصاف : وبالخصوص خروجهم عنهم لظلم أهل البيت عليهم السلام ، وأفضل خلق الله ، وتعامل أهل البيت عليهم السلام بالفضل والإيثار لحفظ الدين والمسلمين ، وإن كان في خروج الأولين عن الإنصاف والخلاف على آل محمد كان أشد أمر جعل الأختلاف بين المسلمين إلى يوم الدين .
ولكن لله سبحانه وتعالى : حكمة ، ليطالب كل المسلمين بالإنصاف حين يقرءون فضال آل محمد عليهم السلام ومناقبهم وشأنهم ، وما عرفهم به في كتابه من آيات المودة والمباهلة والتطهير وسورة الإنسان والكوثر ، وكثير من الآيات الكريمة ، وما عرفهم رسول الله صلى الله عليه بأحاديث كريمة مثل حديث الثقلين والسفينة وباب حطة والنجوم ، السيادة ، والإمامة ، والولاية ، والخلافة له بعده .
فمن أنصف : وعرف حقهم وتبعهم فله الحسنى ، وإلا فلينظر كلام أخر الحديثين أعلاه ، حديث أمير المؤمنين والإمام الحسن عليهم السلام ، فإنه مصير كل من خالفهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والحمد لله على نعمة الهداية لأوليائه المصطفين الأخيار الطاهرين الأبرار.

وبقي حديث أخر : يعرف عدم إنصاف وعدم فهم حقيقة حب نبي الرحمة وآله والتمسك بولايتهم ، لنذكره لنعتبر به ، ونعرف بحق حقيقة الولاية والتمسك بها :

عن محمد بن مارد قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : حديث روي لنا أنك .
قلت : إذا عرفت فاعمل ما شئت ؟
فقال : قد قلت ذلك !
قال قلت : و إن زنوا ، أو سرقوا ، أو شربوا الخمر ؟!
فقال لي : إنا لله و إنا إليه راجعون .
و الله ما أنصفونا : أن نكون أخذنا بالعمل ، و وضع عنهم .
إنما قلت : إذا عرفت ، فاعمل ما شئت من قليل الخير و كثيره ، فإنه يقبل منك .
الكافي ج2ص464ح5 .
ومثل هذا الحديث : ومعناه كثير مروي عن أهل البيت عليهم السلام ومثله لا ينال شفاعتنا مستخف بصلاته وغيرها ، ونكتفي بهذا لمناسبته للموضوع .

وهذا من أحلى الكلام في الإنصاف : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
إن كنت تطلب رتبة الأشراف _ فعليك بالإحسان و الإنصاف‏
و إذا اعتدى أحد عليك فخله _ و الدهر فهو له مكاف كاف‏
ديوان الإمام علي عليه السلام ص284 .
وأسأل الله سبحانه لي ولكم : أن يحققنا بكل معاني الإنصاف وبأرفع حقائقه ، حتى ليكون سيرة علمية وعملية لنا ، وفكرية وفعلية دائمة وتجلى في كل صفاتنا وأفعالنا ، فيحلينا بالإنصاف ويجعله يتجلى منا بكل أحوالنا أبدا ، ويشرفنا بكل ظروفنا ولا نخرج منه طرفة عين ، إنه ولي التوفيق و أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العامين .

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com