بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك
 ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك
قال أمير المؤمنين عليه السلام : من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
مَنْ مَدَحَكَ : بِمَا لَيْسَ فِيكَ مِنَ الجَمِيل .
 وَهُوَ : رَاضٍ عَنْكَ .
ذَمَّكَ : بِمَا لَيْسَ فِيكَ مِنَ القَبِيح .
 وَهُوَ : سَاخِطٌ عَلَيْكَ .

شرح الحديث :

نمدح كل يوم : لوحة  كريمة لما فيها من صور الجمال : ونطريها بأحسن الكلام رضين عنها لأنه حقا في الفن وعين الكمال ، فهي رائعة الهيئة والمخبر ، ولا يسخط عليها إلا من كان قبيح المنظر ، فإن في هذه الألواح كلام سادة أهل الدين ، وفن رائع بكل يقين ، ويشهد له كثير من المؤمنين ، وفي كل يوم يتجاوز عددهم الأربعين ، فأي شهادة يا موالية أكثر من هذا تريدين .

ويا أخوتي الكرام الطيبين : حديث اللوحة عبرة لمن يعتبر بمن يتملق لك بما ليس فيك ، فإنه كاذب لك وعليك وهو بين يديك ، ومن يكذب لك يكذب عليك قريبا منك وبعيدا عليك ، وقد مر حديث يقاربه في المعنى شرحناها بعض الشرح ، وهو ما قال أمير المؤمنين عليه السلام : من حذرك كمن بشرك ، من تجرأ لك تجرأ عليك ، فمن يظلم العباد من أجلك لما يحصل عليه من منافعك ورضاك  ، لا يهمه أن يظلمك من أجل منافع يحصل عليها من غيرك وإن آذاك ، فالظلم واحد قد عودته عليه ، وحافر البئر أول من يقع فيه .
فلا يؤمن : جانب الكاذب والمنافق ، ولا يصح تصديق المتملق المتنمق ، الذي يقول ما ليس فيك وبالخصوص وهو حين راضي عليك ، وطبعا لا يتوقع مدحه لك وهو ساخط عليك ، فيمكن في أي زمان تغضبه أو  يتركك أن يقليك ، فكما قال مخادعا وهو عنك راضي جميل لم يكن فيك ، لا يمنعه حين الغضب عليك أن يقول ما به يزريك ، ويشنأك بما ينقصك فيغضبك بل قد يهينك حتى يبكيك .
وإن الحديث : يحذر ممن يطريك بما ليس فيك ، أو يسخطك بذم وتنقيص لك حين يغضب عليك ويسخط منك .

 إما أنه : إن كان مدحه لك وثنائه عليك ، لحسن خصال كريمة فيك ، أو بسبب جميل عملته له أو لغيره ، وثنائه عليك لعمل صالح أسديته لمن يستحقه ، أو أطراك لعمل رائع أبديته وأظهرته ، فإن مدح من مدحك حق عليه لك ولطيف حسن لا حذر منه ، وإن أثنى عليك من أثنى عليك بسبب الطاعة لله وأعمال الخير ومساعدة العباد وصالح الخصال فهو أمر لك جميل و واقع  تستحقه لا خوف منه .
فمدحه وإطرائه وثنائه لك : يستحسن منه ويشكر عليه ويصدق ، لأنه من باب شكر المنعم ، وقد جاء من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق .
وإن استحسان : عمل المؤمن الخير وناشر علوم الهدى ، غبطة وفرح وسور للمنصفين ، و إظهار جميل تجلى به موالي يظهر آداب وأخلاق الدين ، لحق له علينا أن نمدحه ونشوقه ليعرف أنه أثلج صدور المؤمنين ، وبالخصوص إن كان تعليم إلهي وهدى ينشره ويجعله حلية وزينة بين أيدين المسلمين ، فهذا حقيق بالتشرف بالثناء عليه وتشويقه من المتقين ، بل يجب إطرائه بل له مدح الكثير الذي ذكره في القرآن الكريم ، وبهذا تقر عين الأحرار المؤمنين .
وكلام الله سبحانه : في مدح المؤمنين والثناء عليهم كثير جدا ، وكذا في كلام نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم  :
منها : أن الله سبحانه : يحب المتقين والتوابين والمتطهرين والطيبين ، ومن يسعى بالخير والصلاح ونشر الهدى ، ويحب الأبرار والصادقين المؤمنين وكل الأخلاق الحميدة والآداب الإسلامية الفاضلة المجيدة ، وكذلك من كلام الله سبحانه في مدح المؤمنين : هو ما ذكر من ثوابهم في الجنة وما أعد لهم من النعيم المقيم ، ومثل هذه الآيات كثيرة جدا في كتاب الله .
 كما ذم الله سبحانه : الكفار والمنافقين والضالين والطاغين والمسرفين والذين يكتمون الهدى والذين يحرفون الكلم عن مواضعه ، والذين يضرون العباد ويعملون الشر ويخونون المسلمين ، وكثير من مثل هذا مما له أخلاق قبيحة وأعمال مشينه ، وأوعدهم النار وعذابها وكلها هذه ذم لهم .
والمدح بحق : خلق إسلامي كريم ، يحسن من المؤمن نصر الحق والهدى وأعمال البر ، وهو من باب الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر بأن يذم الأعمال القبيحة الشريرة الباطلة والظلم والجور والطغيان والفساد والضلال والنفاق وغيرها .
ويا أخوتي الكرام : خير من يعرفنا ، حقائق المدح وما يوجبه وكيف يجب أن يكون هو كلام مولى الموحدين عليه السلام ، ويأتي إن شاء الله ، ثم نذكر بعض ما دح الله ورسوله وآل نبي الرحمة المؤمنين المتقين ، وذمهم للطغاة الضالين .

وأسأل الله سبحانه : أن يجعلنا في مستوى المسؤولية في نصر الدين ونشر الهدى ، والعمل بما يحب ويرضى ويجعلنا في طاعته أبدا ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين .

+++++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : لكي نعرف حقيقة المدح الكاذب ، وآثاره ، وما يجب من عدم تصديقه والاعتداد به ، ثم نشرحه بعض الشرح بل نبين ببيان مختصر وبأسلوب آخر نفس معناه ، وأسأل الله أن ويفقنا للصواب ، وأما أصل حديث اللوحة ، وتؤيده الأحاديث بعده فهو :

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
مَنْ : مَدَحَكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ ، مِنَ الجَمِيل .
وَهُوَ : رَاضٍ عَنْكَ .
ذَمَّكَ : بمَا لَيْسَ فِيكَ ، مِنَ القَبِيح .
وَهُوَ : سَاخِطٌ عَلَيْكَ.
شرح ‏نهج ‏البلاغة ج20ص274 ح127 .


وقال أمير المؤمنين ومولى الموحدين والناصح الأمين : من غرر الحكم وجوامع الكلم ، في ذم مدح الكثير وآثاره  :
الإطراء : يحدث الزهو و يدني من الغرة .
احترسوا : من سورة الإطراء و المدح ، فإن لهما ريحا خبيثة في القلب .
إياك : و الإعجاب و حب الإطراء ، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان .
حب : النباهة ، رأس كل بلية .
حب : الإطراء و المدح ، من أوثق فرص الشيطان .
إن مادحك : الخاع‏ لعقلك ، غاش لك في نفسك ، بكاذب الإطراء ، و زور الثناء ، فإن حرمته نوالك أو منعته إفضالك ، و سمك بكل فضيحة ، و نسبك إلى كل قبيحة .
أقبح الصدق : ثناء الرجل على نفسه .
إذا مدحت : فاختصر .
كم : من مغرور ، بحسن القول فيه .
كم : من مفتون ، بالثناء عليه .
كثرة الثناء : ملق ، يحدث الزهو ، و يدني من العزة .
من مدحك : فقد ذبحك .
إياك : أن تثني على أحد بما ليس فيه ، فإن فعله يصدق عن وصفه و يكذبك .
طلب : الثناء بغير استحقاق ، خرق .
من شكرك : من غير صنيعة ، فلا تأمن ذمه ، من غير قطيعة .
من شكر : على غير إحسان ، ذم على غير إساءة .
من مدحك : بما ليس فيك ، فهو خليق أن يذمك بما ليس فيك .
من أثني عليه : بما ليس فيه ، سخر به .
من مدحك : بما ليس فيك ، فهو ذم لك إن عقلت .
مادح الرجل : بما ليس فيه ، مستهزئ به .
مادحك : بما ليس فيك ، مستهزئ بك ، فإن لم تسعفه بنوالك ، بالغ في ذمك و هجائك .
غرر الحكم ص467ف14ح 10723- 10743 .

ويا أخوتي الطيبين : هذا بعض البيان المختصر لجميع الأحاديث أعلاه :
وبيان : بأن من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك ، ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك ،
هذه الغرر أعلاه : من الأحاديث الكريمة لأمير المؤمنين ومولى الموحدين ، هي من أروع الكلام في ذم المدح بغير استحقاق ، والذم للثناء بما لا واقع حقا له ، فإنه عليه السلام عرفنا :
إن الإطراء والمدح والثناء : بصورة عامة يحدث عند من تمدحه لزهو ، وهو الكبر و العظمة والإعجاب بالنفس ، ويجعله يتيه في التفاخر ، ويدنيه من الغرة وهي الغرور ، وبه يعرض الإنسان نفسه للتهلكة من غير أن يعرف ، لأنه يغفل عن حقيقته حين يصدق من يمدحه بما ليس فيه ، ولذا أمرنا عليه السلام في الحديث الثاني  :
في المجموعة أعلاه : بأن نحترس ونحذر من سورة الإطراء والمدح ، وما توجبه من نفخ الإنسان والتوهج به في الخيال والإعجاب بالنفس بدون حق ، ولذا قال أن لهما ريح خبيثة في القلب ،  أي منتنة توجب الفساد للنفس وللاعتقاد الحق .
وثم عرفنا عليه السلام : في الحديث الثالث مرة أخرى ، بأن حب المدح والإطراء ن هو مصيدة الشيطان ، وفرصة وثيقه له ، بأن يؤثقنا بحباله ويجرنا إلى وساوسه وخباله وعمل ما ليس حق والتفاخر به .
وإن حب المدح : معناه كما قال الإمام ، هو حب أن يثنى علينا بالنباهة والشطارة وحسن الفكرة والعلم والعمل والصفات وغيرها مما يوجب الفخر ، والاعتداد بالنفس بغير حق ولا واقع ،  وهذا رأس البيلة ، لأنه من يفخر يرفض من الناس الناس ، والله لا يحب كل مختال فخور ، وعليه أن يتواضع ، وسيأتي بعض المعارف  فيما يستحب من التواضع  إن شاء الله ، وأن من يمدح ما يحسن منه أن يقول  .
ثم عرفنا الإمام عليه السلام : إن المادح بغير حق يخدع عقل من يمدحه ، ويغشه حين يثني عليه بكذب الإطراء أي بما ليس فيه ، وغرض مثل هكذا مادح هو أن تعطيه من خيرك وتنيله من فضلك ، وإن منعت المادح الكاذب المزور الخادع في مدحه وثنائه وحرمته ، فإنه يصفك ويسمك بسمة فضيحة ليس فيك أيضا ويشهر فيك ، ثم ينسبك لكل أمر قبيح مشين ، ولذا وجب الحذر من المادح الكاذب والمثني المتملق .
ثم الإمام عليه السلام : قبح المادح لنفسه ولو صادق ، لأن يتفاخر بما فضله الله ، وفضل الله ونعمة توجب التواضع وشكره وعدم المنة بها على العباد .
وأيضا يأمرنا الإمام : أنه إذا مدحنا إنسان بأن نختصر المدح ، لأنه كثير من الناس يغتر  بالمدح فيغفل عن مساوئه وتأخذه العزة بالإثم ، وإن كثرة المدح توجب العزة بالنفس بغير حق ، فيرى الإنسان أنه فوق قدره وما يستحقه بطبعه ، ولذا يكون المدح شبيه بالذبح للإنسان ، لما يجعله من نسيان حقيقته وما هو عليه من المستوى ، وما يجب عليه أن يعمل .
ثم إن مدح لإنسان : بما ليس فيه ، لا يصدقه الناس ، ويكذب المادح بغير حق نفسه والناس وأفعاله وصفاته وما يظهر من فعاله .
 كما وإن : من يطلب أن يمدحه الناس بما ليس فيه ، يكون أحمق في تصرفه الغير موزون والمتفاخر بغير حق وبالباطل ، وهو يكثر لمن عندهم جاه ومال ومسئولية مهم مثل رؤساء الدول والملوك ، فيدهشون حتى لتأخذهم العزة بالإثم ، لما يدهش المدح فكرهم و يشوش صوابهم ، فيجعل الممدوح أحمق يتصرف بأعلى من مستواه ، ويشط في أفعاله عن الصواب والحق .
على أن من يمدح : إنسان بما ليس فيه يكون ذما له وقد أساء إليه في الحقيقة ، واستهزاء به ، لأنه يعلم في نفسه أنه ليس فيه فيسخر به ويضحك في قلبه عليه ، ولا يكن له احترام حقيقي في وجدانه ، ويراه أن يحب الباطل والقول بغير حق .
وكما أنه من يمدحك : بما ليس فيك ،  تكون هذه طبيعته وأخلاقه ، فيكون عنده أبسط بأن يذمك بما ليس فيك ، لأنه لا وازع ديني عنده ولا خلق كريم يلتزم به .
وهو عين قول الإمام عليه السلام : من شكر من غير إحسان ولا عمل صالح ، فلا تأمنه بأن يذمك حتى لو لم تقطعه وتمنع أحسانك ، لأن طبيعته السخرية بالناس والكذب وعدم قول الحق .
وهذه الصفات لمن مدح بدون حق : بل ومن مدحه العباد بحق ، فعليه أن لا يغتر ولا أن ينخدع ، وأن يتواضع في نفسه ولربه فيشكره على ما وفقه من أعمال البر والخير والصدق والصلاح علما وعملا وصفة ، وعليه أن يجد أكثر ويسع مجتهدا بصورة أوسع ، وحتى يحسن ظن المؤمنين به بحق ، وإن خير المدح هو مدح الله للمؤمنين في كتابه وحبهم لهم : ولطاعتهم ولقيامهم بالأعمال الصالحة والخير والبر والتعاون ونصر المظلوم ونشر تعاليم الهدى ومعارف الصدق .
وأسأل الله سبحانه : أن يجعل ما نمدحه هو مدح لكل عمل كريم ، ونشكر كل علم يوصل للحق والهدى ، وإن مدحنا احد أن نتواضع نعمل بجد حتى ليصدق به كل مؤمن منصف ، وأن لا نتيه بالتفاخر والغرور ، بل يوفقنا إن شاء الله لكل خير يحبه ويرضيه إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : بعد أن عرفنا آثار المدح الكاذب ، وقبح الثناء على من ليس فيه الخصال الحميدة والصفات المجيدة ، فلنذكر أحاديث تزيل اللبس ، في أنه يستحسن شكر المنعم ، وهو من يعمل أعمال البر والخير والصلاح ، وقد قال الله سبحانه :

والإنسان : لو يتابع أوصاف المؤمنين والمتقين وأولي الألباب والمفلحون والصابرون والمتطهرين والذين يرجون الله والذين يخافونه وغيرها من الصفات التي مدحها الله ، لرأيت أن أغلب القرآن الكريم ، هو مدح للخير والصلاح والبر ومن يعمل به ، وما يجزيه ويثيبه من النعيم الدائم بكل ما عرفت من أوصاف الجنة ورضاه , وكما ذم الله كثير من الأعمال وأصحابها ، ونذكر قسما يسير منها ، والمجموع هو كل ما أمر الله به وجعل له ثوبا ، فكله يدخل في مدح الله سبحانه للمؤمنين :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } البقرة .
فهذا أول كتاب الله بعد الفاتحة : التي تأمرنا بطلب الهداية من المنعم عليهم ، لنكون على صراط مستقيم ، وتعرفهم بالخير والصلاح والهدى وأنهم هم المفلحون ، وبعدها آيات تذم الكفار ثم آيات كثيرة تذم المنافقين الذي يقولون خلاف الحقيقة التي فيهم وفي غيرهم ، ولو تراجع كتاب الله ترى كله يعرفنا ما يرضاه فيمدحه ، وما لا يرضاه فيذمه .
ونذكر قسما يسيرا أخر من مدح الله للمؤمنين ، ونذكر ما قسم يسير لما يحبه حتى يمكن تبدر أمثاله في كتابه لمن يحب المزيد ، هو ما قال سبحانه :
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (277) }البقرة .
{ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) } البقرة .
{ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)} البقرة .
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (277) } البقرة .
ولو تتابع البحث فيمن مدحهم الله سبحانه والأعمال التي يحبها ويمدحها ويثني عليها لترى الكثير ، فإنه يحب المتقين والصابرين والمتوكلين والمتصدقين ، والكثير من أمثالهم ، وحبه سبحانه لهم هو مدح وثناء الله .
كما وتوجد آيات كثيرة : الله سبحانه : يأمرنا بحب أهل البيت عليهم السلام مثل آية المودة ، ومدحهم بأنهم الصادقون في آية المباهلة ، والمتطهرون في آية التطهير ، و عرفهم بأنهم أهل الذكر والكتاب والحكمة والإمامة والولاية وغيرها الكثير .
ونترك ما ذمه الله سبحانه : من الأعمال الباطلة والضلال وأنه لا حيب المعتدين ولا المفسدين ولا كل كفار أثيم ، والظالمين ولا المختال الفخور ولا الخوان الأثيم وغيرها الكثير .
ولهذا نقول : إن مطلق المدح والشكر لمن يعمل صالحا مستحسن غير مذموم ولا حذر منه ، بل المدح الباطل هو المذموم .
كما أنه توجد آداب كريمة : يستحسن أن يراعيها من يمدح نذكرها إن شاء الله في كلمات كريمة لأمير المؤمنين عليه السلام ، يمدح بها المتقين ، ويعرفنا أنه إن مدحهم أحد ماذا يقولون .

++++

 

ويا أخوتي الكرام : هذه خطبة كريمة ، تعرفنا الصفات الممدوحة التي يثني عليها أمير المؤمنين ، ويستحسنها ويطريها في خلق المتقين ، نتعرف عليها لنعرف أن المدح مطلق ليس مذموم ، كما أنه يوجد فيها أنه من يمحده إنسان ما يجب عليه أن يعمل ويقول ، فلذا نتبرك بذكرها ، وما أجمل بالمؤمن أن يحفظها ويتخلق بها ، فإنها تقوده إلى الجنة إن كان صادقا مخلصا ، وهي :
رُوِيَ : أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ، يُقَالُ لَهُ : هَمَّامٌ ، كَانَ رَجُلًا عَابِداً .
فَقَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ ، حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ .
فَتَثَاقَلَ عليه السلام عَنْ جَوَابِهِ .
ثُمَّ قَالَ : يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ .
فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ : بِهَذَا الْقَوْلِ ، حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ .
فَحَمِدَ اللَّهَ : وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ، وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ، ثُمَّ قَالَ عليه السلام :
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى ، خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ ، غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ ، آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ ، لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ ، وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ .
فَقَسَمَ : بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ ، وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ .
فَالْمُتَّقُونَ : فِيهَا :
هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ : مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ ، وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ ، وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ ، غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ ، نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّتِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ ، وَ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ ، وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ .
عَظُمَ الْخَالِقُ : فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ ، فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ ، وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ .
قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ : وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ ، وَ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ ، وَ حَاجَاتُهُمْ‏ خَفِيفَةٌ ، وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ .
صَبَرُوا : أَيَّاماً قَصِيرَةً ، أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً ، تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ .
أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا : فَلَمْ يُرِيدُوهَا ، وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا .
أَمَّا اللَّيْلَ : فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ ، تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ ، يُرَتِّلُونَهَا تَرْتِيلًا ، يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ، وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ ، فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً ، وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً ، وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ ، وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ ، أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ ، وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ .
فَهُمْ : حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ، مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ ، وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ .
يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى : فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ .
وَ أَمَّا النَّهَارَ : فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ ، قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ .
يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ : فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى ، وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ ، وَ يَقُولُ لَقَدْ خُولِطُوا ، وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ ، وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ .
فَهُمْ : لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ، وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ .
إِذَا زُكِّيَ : أَحَدٌ مِنْهُمْ .
خَافَ : مِمَّا يُقَالُ لَهُ .
فَيَقُولُ :
أَنَا : أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي .
وَ رَبِّي : أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي .
اللَّهُمَّ : لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ .
وَ اجْعَلْنِي : أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ .
وَ اغْفِرْ لِي : مَا لَا يَعْلَمُونَ .
فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ :
أَنَّكَ تَرَى لَهُ : قُوَّةً فِي دِينٍ ، وَ حَزْماً فِي لِينٍ ، وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ ، وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ ، وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ ، وَ قَصْداً فِي غِنًى ، وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ ، وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ ، وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ ، وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ ، وَ نَشَاطاً فِي هُدًى ، وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ .
يَعْمَلُ : الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ ، وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ .
يُمْسِي : وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ ، وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ ، يَبِيتُ حَذِراً ، وَ يُصْبِحُ فَرِحاً ، حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ ، وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ .
إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ : نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ ، لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ .
قُرَّةُ عَيْنِهِ : فِيمَا لَا يَزُولُ ، وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى ، يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ ، وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ .
تَرَاهُ : قَرِيباً أَمَلُهُ ، قَلِيلًا زَلَلُهُ ، خَاشِعاً قَلْبُهُ ، قَانِعَةً نَفْسُهُ ، مَنْزُوراً أَكْلُهُ ، سَهْلًا أَمْرُهُ ، حَرِيزاً دِينُهُ ، مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ ، مَكْظُوماً غَيْظُهُ .
الْخَيْرُ : مِنْهُ مَأْمُولٌ ، وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ .
إِنْ كَانَ : فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ ، وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ ، لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ .
يَعْفُو : عَمَّنْ ظَلَمَهُ ، وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ ، وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ .
بَعِيداً : فُحْشُهُ ، لَيِّناً قَوْلُهُ ، غَائِباً مُنْكَرُهُ ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ‏ ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ .
فِي الزَّلَازِلِ : وَقُورٌ ، وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ ، لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ ، وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ .
يَعْتَرِفُ : بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ .
لَا يُضِيعُ : مَا اسْتُحْفِظَ ، وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ ، وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ ، وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ ، وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ ، وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ ، وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ .
إِنْ صَمَتَ : لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ ، وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ .
وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ : صَبَرَ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ .
نَفْسُهُ : مِنْهُ فِي عَنَاءٍ ، وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ ، أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ ، وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ .
بُعْدُهُ : عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ ، وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ ، لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ ، وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ .
قَالَ : فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً ، كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا .
فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام :
أَمَا وَ اللَّهِ : لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ .
ثُمَّ قَالَ : أَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا .
فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ : فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟
فَقَالَ عليه السلام : وَيْحَكَ ، إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ ، وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ ، فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا ، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ .
نهج ‏البلاغة ص303ح193 من خطبة له عليه السلام يصف فيها المتقين .


ويا أخوتي الكرام : شرح الخطبة يطول ، ولكن بربك من نرى به خصلة واحدة من هذه الخصال ، ألا يستحق أن نثني عليه ونمدحه ونستحسنها منه ، فإنه خصال كريمة يحبها الله ورسوله .

وعلى كل حال قد يقال : إن أمير المؤمنين عليه السلام ، لم يمدح أحد بالخصوص فيها ، وإنما مدح كل متقي ، ومن فيه هذه الخصال .
فنقول حسنا : لا أقل تدبر ، فيما يستحسن من الخصال الممدوحة وتحقق بها أولا ، فإنها أعلى الأخلاق الكريمة ولآداب الحسنة الجميلة .
ثم يا طيب : إنه فيها غرضنا ، في المدح .
وهو المؤمن : إن مدحه إنسان ، ما يجب عليه أن يقول .
وهو أن يقول : كما قال أمير المؤمنين عن المتقين :
إِذَا زُكِّيَ : أَحَدٌ مِنْهُمْ .
خَافَ : مِمَّا يُقَالُ لَهُ .
فَيَقُولُ :
أَنَا : أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي .
وَ رَبِّي : أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي .
اللَّهُمَّ : لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ .
وَ اجْعَلْنِي : أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ .
وَ اغْفِرْ لِي : مَا لَا يَعْلَمُونَ .
وهو إن زكي أحد بمدح وثناء : أن يشكر ربه وقول : اللهم .
كما يقول المتقون .
وهذا في المدح الحق : وهو عليه أن يتواضع من يمدح حقا وأن يشكر ربه .
 وإما من يمدح باطل : فإنه يجب أن يحث بوجهه التراب ، وأن لا يرضى قوله ولا يصح تصديقه ، لكي لا يتمادى بذكر الباطل ولكي لا يشجع على الكذب والنفاق .
ولكي نعرف المزيد : حول هذا الموضوع الذي نراه بكثرة في شكر المؤمنين في هذا الموقع وغيره من المنتديات ، نذكر بحث يتممه إن شاء الله .
وأسأل الله سبحانه أن يصفنا بصفات المتقين ، إنه أرحم الراحمين والحمد لله ربنا أجمعين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++

يا أخوتي الكرام الطيبين : خلاصة البحث أن لا يجوز المدح للإنسان بما ليس فيه ، ومن مدحنا بما ليس فينا من الخصال الحميدة ، فهو ذام لنا مستهزأ وساخر بنا ، ويجب أن لا نصدقه ، وأن نقطع كلامه ، أو نصححه ونبين له الحقيقة ، وجاء من مدح بما ليس فيك حث بوجه التراب .

وأما مدح المؤمن : في الغالب هو من باب شكر المنعم أو شكر المعروف ، وهو أن نشكر وأن نستحسن عمله الجميل وخصاله الحميدة التي ظهر بها ، سواء عمل جيد وإحسان ومعروف ، أو تلاوة حسنه ، أو صدقة جارية ، أو كلمة طيبة ، أو تعليم هدى ، أو نشر معارف الدين .
وإن الأعمال الصالحة : وأفعال الخير ، يستحسن أن يستحسن ويشكر فاعلها ليتشوق وليعمل مثلها ، إن لم نقل يجب شكره لأن شكره يجعله يتسابق إلى الخيرات وتعليم الخير والعمل به بجد أكثر .

وتقريبا يقال : أنه من يستحسن من عمل صالحا أو خيرا ، أنه نحن نشكره على علمه ، ولا نقول نمدحه ، وإن من يستحسن إنسان بصفات ليست فيه يمدح ، وهذا أول ما يخطر في البال ، وإن كان الاثنان الشكر والمدح هما ثناء على جميل .
ولكي نتعمق في البحث نذكر بعض الكلام المدح وآثاره ، ثم ما يجب عمله إن كان مدح باطل ، ثم نذكر مدح الحق واستحسانه .


قال ورام بن أبي فراس الحمداني رحمه الله في كتابه :
تنبيه الخواطر و نزهة النواظر والمعروف بـ مجموعه ورّام :
كلمات كريمة في معنى المدح وآثاره :
أعلم : أن أكثر الخلق إنما هلكوا ، لخوف مذمة الناس ، و حب مدحهم .
فصارت : حركاتهم و سكناتهم كلها ، موقوفة على ما يوافق رضا الناس ، رجاء للمدح و خوفا من الذم ، و ذلك من المهلكات .
فلا ينبغي للإنسان : أن يفرح بمدح المادح ، بل يعرض ذلك على نفسه و عقله ، وينصف من نفسه ، فإن كان يوافق لما يقال فيه ، فيشكر الله تعالى ، و يكون فرحه بفضل الله تعالى عليه ، و ما من به عليه من الألطاف و الحسنى ، و لا يسكن نفسه إلى ذلك المدح ، بل يزرى عليها طلبا للزيادة فيما آتاه الله.
و إن كان خاليا : من ذلك ، ففرحه بالمدح غاية الجنون ، و يكون مثاله مثال من يهزأ به إنسان ، و يقول سبحان الله ما أكثر العطر الذي في أحشائه ، و ما أطيب الروائح التي تفوح منه ، إذا قضى حاجته ، و هو يعلم ما يشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار و الأنتان ، ثم يفرح به .
فكذلك : إذا أثنوا عليكم بالصلاح و الورع ، ففرحت به، و الله مطلع على خبائث باطنك و غوائل سريرتك ، كان ذلك من غاية الجهل .
فإذا المادح : إن صدق ، فليكن فرحك بصفتك ، التي هي من فضل الله عليك .
و إن كذب : فينبغي أن يغمك ذلك و لا تفرح به .
و يجب : أن تعلم أن طلب المنزلة في قلوب الناس ، و فرحك بها يسقط منزلتك عند الله ، فكيف تفرح به ، بل ينبغي أن يغمك مدح المادح و تكرهه ، و تغضب به . أنتهى .
مجموعة ورام ج1ص183 .

ويا أخوتي : المدح بما ليس في الممدوح مذموم : وهذه أحاديث أخرى وقصص  تعرفنا حقيقته والتحذير منه ، بالإضافة لما عرفنا :

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المناهي :
أنه نهى : عن المدح .
 و قال : احثوا في وجوه المداحين ، التراب .
من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج4ص11 ح4968 .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
ينبغي للعاقل : أن يحترس ، من سكر المال ، و سكر القدرة ، و سكر العلم .
و سكر : المدح .
 و سكر : الشباب .
 فإن لكل ذلك : رياحا خبيثة، تسلب العقل ، و تستخف الوقار .
غرر الحكم ص66ح 875 .

ويغلب أن يأتي المدح بما ليس في الناس : من المنافقين  والجاهلين :

قال أمير المؤمنين في ذم المدح بدون حق :
أجهل الناس : المغتر ، بقول مادح متملق .
 يحسن له : القبيح ، و يبغض إليه النصيح .

المنافق : وقح غبي ، متملق شقي .
غرر الحكم ص74 ح 1137. ص458ح 10492.

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : في وصف الجاهل :
إن صحبته : عناك ، و إن اعتزلته شتمك ،.
و إن أعطاك : منّ عليك ، و إن أعطيته كفرك .
 و إن أسررت إليه:  خانك ، و إن أسر إليك اتهمك ، و إن استغنى بطر ، و كان فظا غليظا ، و إن افتقر جحد نعمة الله ، و لم يتحرج ، و إن فرح أسرف و طغى ، و إن حزن آيس ، و إن ضحك فهق ، و إن بكى خار.
يقع في الأبرار : و لا يحب الله و لا يراقبه ، و لا يستحيي من الله و لا يذكره .
إن أرضيته : مدحك .
و قال : فيك من الحسنة ما ليس فيك .
و إن سخط عليك : ذهبت مدحته .
و وقع فيك : من السوء ما ليس فيك .
فهذا ك مجرى الجاهل .
تحف العقول 11 .بحار الأنوار ج1ص119ب4 .

وهذه قصتين في المدح :

و ذكر الثقفي في تاريخه : عن همام بن الحارث قال :
دخلت : مسجد المدينة ، فإذا الناس مجتمعون على عثمان ، و إذا رجل يمدحه .
فوثب : المقداد بن الأسود ، فأخذ كفا من حصا أو تراب ، فأخذ يرميه به فرأيت عثمان يتقيه بيده .
بحار الأنوار ج31ص284 .

وذكر الثعلبي في تفسيره : و قد روى أبو صالح ، عن ابن عباس :
أن عبد الله : بن أبي ، و أصحابه ، تملقوا مع علي في الكلام .
فقال علي : يا عبد الله اتق الله و لا تنافق ، فإن المنافق شر خلق الله .
فقال : مهلا يا أبا الحسن ، و الله إن إيماننا كإيمانكم ، ثم تفرقوا .
فقال عبد الله : كيف رأيتم ما فعلت ، فاثنوا عليه .
فنزل : { وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا
وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14)
اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)
 أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16) } البقرة .
المناقب ج3ص94 .

وبعد أن عرفنا : ذم مدح المادح لمن ليس فيه خصال الخير ، ويجب أن لا يصدق من يمدح بما ليس فيه  خصال الصلاح والهدى ، وعرفنا أنه يجب أن يرد من يتملق بالمدح لكي يقطع كذبه ونفاقه ، وتعريفه الحقيقة  .
ويأتي إن شاء الله : بيان وجوب شكر المنعم والمعروف ومن يدل على الخير وغيرها ، وهذه ليس من المدح المذموم ، لأنها بعد عمل الخير ، والعلم بصلاح فاعله وحقيقة وجود الخصال الحميد فيه ، والأفعال الصالحة منه حقيقة ، فيشكر .
 

 

==

ويا أخوتي الكرام : وبعد أن عرفنا ذم المدح من مادح يمدح من ليس في خصال الخير والصلاح ، ويجب أن لا يصدق ، وأن لا يشجع ليستمر بكذبه ونفاقه ، ولكي لا يسخر بالناس ويستهزأ بهم .
نذكر ما يجب : من شكر المعروف والبر والعمل الصلاح وتعليم الهدى ، وأن لا يكفر من عمل من يعمل الخير ويدل عليه ، لأنه يهبط همة عامله ، ويتوانى لما يرى أنه كأنه لم ينتفع به أحد ، ولكن إن عرف أنه وقع نافع وأنه عباد الله يستفيدون منه ويظهرون كرامته وعزته عليه ، يشتاق لأن يكثر من عمل الخير والصلاح والبر ، ولمعرفة هذا المعنى نذكر هذه الأحاديث الكريمة في شكر المعروف والبر والأعمال الصالحة :

 عن محمود بن أبي البلاد قال : سمعت الرضا عليه السلام يقول :
من لم يشكر : المنعم من المخلوقين .
 لم يشكر : الله عز و جل .
عيون ‏أخبار الرضا عليه السلام ج2ص24ب31ح2 .

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال :
لعن الله : قاطعي سبل المعروف ، قيل و ما قاطعو سبل المعروف ؟
قال : الرجل يصنع إليه المعروف فيكفره .
فيمتنع صاحبه : من أن يصنع ذلك إلى غيره .
يكفره  : أي لم يشكره .

و قال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام :
ما أقل : من شكر المعروف .

و قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من أتي إليه : معروف ، فليكافئ به .
فإن عجز : فليثن عليه .
فإن لم يفعل : فقد كفر النعمة .
الكافي ج4ص33ح1 ، ح2 ، ح3 .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
لا يزهدنك في المعروف : من لا يشكره لك .
فقد يشكرك عليه : من لا يستمتع بشي‏ء منه .
 و قد تدرك : من شكر الشاكر ، أكثر مما أضاع الكافر ، و الله يحب المحسنين‏.
نهج‏ البلاغة ص505ح204.

قال الإمام الصادق عليه السلام :
أربع يذهبن ضياعا : مودة تمنح من لا وفاء له .
و معروف : يوضع ، عند من لا يشكره .
و علم : يعلم ، من لا يستمع له ، و سر يودع من لا حضانة له .
من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج4ص417ح5907 .

وعن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
قال أصحاب رسول الله : يا رسول الله فداك آباؤنا و أمهاتنا ، إن أهل المعروف في الدنيا عرفوا بمعروفهم ، فبم يعرفون في الآخرة ؟
فقال : إن الله عز و جل إذا أدخل أهل الجنة الجنة ، أمر ريحا عبقة فلصقت بأهل المعروف ، فلا يمر أحد منهم بملإ من أهل الجنة ، إلا وجدوا ريحه .
فقالوا : هذا من أهل المعروف .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
من صنع : بمثل ما صنع إليه فإنما كافأه .
و من أضعفه : كان شكورا ، و من شكر كان كريما .
و من علم : أن ما صنع إنما صنع إلى نفسه ، لم يستبطئ الناس في شكرهم ، و لم يستزدهم في مودتهم .
و لا تلتمس : من غيرك ، شكر ما أتيت إلى نفسك ، و وقيت به عرضك .
و اعلم : أن الطالب إليك الحاجة ، لم يكرم وجهه عن وجهك ، فأكرم وجهك عن رده .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
 كفاك : بثنائك على أخيك ، إذا أسدى إليك معروفا .
أن تقول له : جزاك الله خيرا .
و إذا ذكر : و ليس هو في المجلس ، أن تقول : جزاه الله خيرا ، فإذا أنت قد كافأته .
وسائل ‏الشيعة ج16ص304ح21608 .ج16ص306ب7ح21612، 21618 ، 21619 .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
كل معروف : صدقة .
و الدال : على الخير ، كفاعله .
و الله عز و جل : يحب إغاثة اللهفان .
الكافي ج4ص27ح4.

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
لا يتكلم : الرجل بكلمة حق ، يؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها .
و لا يتكلم : بكلمة ضلال يؤخذ بها ، إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها .
وسائل‏ الشيعة ج16ص17ح21273.

وقال الإمام الصادق عليه السلام في حديث منه .. :
و أما الجهاد : الذي هو سنة .
فكل سنة : أقامها الرجل و جاهد في إقامتها ، و بلوغها و إحيائها .
فالعمل : و السعي فيها من أفضل الأعمال .
لأنها إحياء : سنة .
و قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من سن سنة حسنة : فله أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من أجورهم شي‏ء .
الكافي ج5ص9 ح1 .
قال الإمام الصادق عليه السلام :
ست خصال : ينتفع بها المؤمن بعد موته .
ولد صالح : يستغفر له ، و مصحف يقرأ فيه ، و قليب يحفره ، و غرس يغرسه ، و صدقة ماء يجريه ، و سنة حسنة يؤخذ بها بعده .
الخصال ج1ص 323 ح156.

وقال الإمام الصادق عليه السلام لأصحابه :
اتقوا الله : و كونوا إخوة بررة متحابين في الله.
متواصلين : متراحمين .
تزاوروا : و تلاقوا ، و تذاكروا .
و أحيوا : أمرنا .
الأمالي ‏للطوسي ص58م2م2ح87-56.

وقال الإمام الباقر عليه السلام :
اجتمعوا : و تذاكروا .
تحف بكم : الملائكة .
رحم الله : من أحيا أمرنا .
وسائل ‏الشيعة ج12ص22ح10ح15540.

وإن شكر المؤمنين الذين يعملون الخير : في المنتديات وهنا ، سواء يدلون على عمل صالح ومفيد ونافع ، أو يكون العمل من أنتاجهم وإبداعهم ، فيستحسن أن يشكروا وثنى عليهم ولا يجوز كفران معروفهم ، وعدم الاعتناء بهم من الكل ، وكلها تدخل في السنة الحسنة وإحياء أمر الدين ، وهو أمر آل محمد عليهم السلام ، ويستحسن أن يشكر ويثنى عليه ، ولا يكفر ويترك ولا يهتم فيه ، فلا يقدم أحد على نشره إلا الصابرون .
وبعد أن عرفنا هذا المعنى الكريم : نذكر إن شاء الله بعض من يستحق الشكر والمدح والثناء بالمعنى العالي ، كتتميم مفيد ومصداق حق لمعنى شكر المنعم والمعروف والصلاح .
وأسأل الله سبحانه : أن نستحسن الحق والمعروف والهدى والأعمال الصالحة ، ونشوق من يعملها ليكثر منها ، فنشاركه بالأجر بدون أن ينقص من أجره ، والله هو ذو الفضل العظيم والبر الرحيم .
 

 

++

وأجمل مدح وثناء : هو على الله سبحانه وتعالى : وقد مدح الله نفسه وعلمنا الثناء عليه في كتابه في آيات كثيرة ، وخير من مدح الله وأثنى عليه وحمده وشكره هو نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، ولهم من الأدعية الكثير ، ويكفي أن تراجع دعاء كميل ، أو المناجاة الخمسة عشر لأمير المؤمنين .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
إِلَهِي : كَفَى بِي عِزّاً ، أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً .
وَ كَفَى بِي : فَخْراً ، أَنْ تَكُونَ لِي رَبّاً .
أَنْتَ : كَمَا أُحِبُّ ، فَاجْعَلْنِي كَمَا تُحِبُّ .
بحار الأنوار ج74ص402ب15 .

وفي أول خطبة من نهج البلاغة قال أمير المؤمنين عليه السلام :
الْحَمْدُ لِلَّهِ : الَّذِي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ ، وَ لَا يُحْصِي نَعْمَاءَهُ الْعَادُّونَ ، وَ لَا يُؤَدِّي حَقَّهُ الْمُجْتَهِدُونَ .
الَّذِي : لَا يُدْرِكُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ ، وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ ، الَّذِي لَيْسَ لِصِفَتِهِ حَدٌّ مَحْدُودٌ ، وَ لَا نَعْتٌ مَوْجُودٌ ، وَ لَا وَقْتٌ مَعْدُودٌ ، وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ .
فَطَرَ : الْخَلَائِقَ بِقُدْرَتِهِ ، وَ نَشَرَ الرِّيَاحَ بِرَحْمَتِهِ ، وَ وَتَّدَ بِالصُّخُورِ مَيَدَانَ أَرْضِهِ .
أَوَّلُ الدِّينِ : مَعْرِفَتُهُ ، وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَ كَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وَ كَمَالُ تَوْحِيدِهِ الْإِخْلَاصُ لَهُ .....
نهج‏ البلاغة ص40خ1.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : يعرفنا مدحنا وثنائنا على الله حين تلاوة سورة الفاتحة :
أن الله تعالى : جعل فاتحة الكتاب ، نصفها لنفسه ، و نصفها لعبده .
قال الله تبارك و تعالى : قسمت بيني و بين عبدي هذه السورة .
فإذا قال أحدهم : { الْحَمْدُ لِلَّهِ } فقد حمدني .
و إذا قال : { رَبِّ الْعالَمِينَ } فقد عرفني .
و إذا قال : { الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ } فقد مدحني .
و إذا قال : { مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } فقد أثنى علي .
و إذا قال : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } فقد صدق عبدي في عبادتي بعد ما سألني .
و بقية هذه السورة له .
إرشاد القلوب ج2ص412 .
ونحن كل يوم نمدح الله في الصلاة بقراءة الفاتحة .

وفي دعاء الافتتاح الذي يستحب :
اللهم : إني أفتتح الثناء بحمدك ، و أنت مسدد للصواب بمنك ، و أيقنت أنك أرحم الراحمين في موضع العفو و الرحم.......
اللهم : أذنت لي في دعائك و مسألتك .
فاسمع : يا سميع مدحتي .
و أجب : يا رحيم دعوتي ، و أقل يا غفور عثرتي .
فكم يا إلهي : من كربة قد فرجتها ، و هموم قد كشفتها ، و عثرة قد أقلتها ، و رحمة قد نشرتها ، و حلقة بلاء قد فككتها .
الحمد لله : الذي لم يتخذ صاحبة و لا ولدا ، و لم يكن له شريك في الملك ، و لم يكن له ولي من الذل و كبره تكبيرا .
الحمد لله : بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها ...
البلد الأمين ص193 .


وهذه صلاة وبعدها دعاء : نتوسل لله بمدح كل من مدحه الله وأعلاهم ، وهي لقضاء الحوائج :
عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، قال جاء رجل إلى سيدنا الصادق عليه السلام فقال له :
يا سيدي : أشكو إليك دينا ركبني ، و سلطانا غشمني ، و أريد أن تعلمني دعاء أغتنم به غنيمة ، أقضي بها ديني ، و أكفي بها ظلم سلطاني .
فقال : إذا جنك الليل ، فصل ركعتين ، أقرأ في الأولى : منهما الحمد و آية الكرسي ، و في الركعة الثانية م الحمد و آخر الحشر «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى‏ جَبَلٍ» إلى خاتمة السورة .
ثم خذ المصحف : فدعه على رأسك ، و قل :
بهذا القرآن : و بحق من أرسلته به.
و بحق : كل مؤمن مدحته فيه ، و بحقك عليهم ، فلا أحد أعرف بحقك منك .
بك يا الله : عشر مرات، ثم تقول يا محمد عشر مرات يا علي عشر مرات يا فاطمة عشر مرات يا حسن عشر مرات يا حسين عشر مرات يا علي بن الحسين عشر مرات يا محمد بن علي عشر مرات يا جعفر بن محمد عشر مرات يا موسى بن جعفر عشر مرات يا علي بن موسى عشر مرات يا محمد بن علي عشر مرات يا علي بن محمد عشر مرات يا حسن بن علي عشر مرات يا حجة عشر مرات .
ثم تسأل الله حاجتك .
قال : فمضى الرجل و عاد إليه بعد مدة ، قد قضى دينه ، و صلح له سلطانه ، و عظم يساره.
الأمالي‏ للطوسي ص292م11ح 567-14.

 

وفي الزيارة الجامعة : وهي أفضل الزيارات في معرفة حق آل محمد ومعروفهم وشأنهم الكريم والثناء عليهم وشكرهم على ما علمونا من معارف الله سبحانه ، وهي طويلة منها ... :
بأبي أنتم و أمي : و نفسي و أهلي و مالي .
من أراد الله : بدأ بكم ، و من وحده قبل عنكم ، و من قصده توجه بكم .
موالي : لا أحصي ثناءكم .
و لا أبلغ : من المدح كنهكم .
و من الوصف : قدركم .
و أنتم : نور الأخيار ، و هداة الأبرار ، و حجج الجبار .... .
من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج2ص615.

وكل الأدعية : هي ثناء وشكر لله سبحانه وحمد له تعالى ومدح لأنعمه وفضله والتوسل له لينزل علينا كرمه .
وأسأل الله : أن يرقنا شكره أبده ، وأن يرضى علمنا وعملنا وسعينا أجمعين ، إنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

.

 

==

ولنتم الموضوع بما يفرحنا أكثر : من مدح جميل حصل من أكرم الخلق للعباد ، ومن العباد الصالحين لأكرم الخلق وأطيبهم ، وقد مر بعض البيان لمدح الله لعباده المؤمنين والعمل الصالح في أول البحث ، وليكمل البحث ، ولنعرف أن المدح الحق ، هو من باب شكر المعروف والعمل الصالح ، وهو من استحسان عمل المؤمنين وتكريمهم وعدم جفائهم ، وهو مدح بحق وشكر للحق ، فنذكر بعض الأحاديث بصورة مختصرة :
أولا هؤلاء عملوا خير ومعروف فمدحهم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم  :
عن جعفر بن نسطور الرومي : كنت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك ، فسقط من يده السوط .
فنزلت عن جوادي : فرفعته و دفعته إليه ، فنظر إلي ، و قال : يا جعفر مد الله في عمرك مدا فعاش ثلاثمائة و عشرين سنة .
و قوله للنابغة : و قد مدحه ، لا يفضض الله فاك ، فعاش مائة و ثلاثين سنة ، كلما سقطت له سن نبتت له أخرى أحسن منها .
بحار الأنوار ج18ص 17 ب 6 .
 

وهذا مدح جبرائيل لأمير المؤمنين عليه السلام ، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال :
كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : في صحن الدار ، فإذا رأسه في حجر دحية بن خليفة الكلبي .
فدخل علي عليه السلام فقال : كيف أصبح رسول الله ؟ فقال : بخير .
قال له دحية : إني لأحبك ، و إن لك مدحة أزفها إليك .
أنت : أمير المؤمنين ، و قائد الغر المحجلين ، أنت سيد ولد آدم ما خلا النبيين و المرسلين ، لواء الحمد بيدك يوم القيامة ، تزف أنت و شيعتك مع محمد و حزبه إلى الجنان زفا زفا .
قد أفلح : من تولاك ، و خسر من تخلاك ، محبو محمد محبوك ، و مبغضو محمد مبغضوك، لن تنالهم شفاعة محمد .
أدن مني يا صفوة الله : فأخذ رأس النبي فوضعه في حجره .
فقال : ما هذه الهمهمة ، فأخبره الحديث .
قال : لم يكن دحية الكلبي ، كان جبرئيل ، سماك باسم سماك الله به ، و هو الذي ألقى محبتك في صدور المؤمنين ، و رهبتك في صدور الكافرين .
بحار الأنوار ج37ص295 ب54 .
ولمعرفة مدح الله سبحانه : لنبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، يكفي أن تراجع سورة النجم والإسراء والكوثر ، وآيات التطهير والصلاة عليهم والمباهلة والمودة ، والكثير في كتاب الله سبحانه يمدح فيه المؤمنين ، وذكرها يطول المقام ، ولكن نذكر بعض الأحاديث .

وقال بن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة :
روى قيس بن الربيع : عن أبي هارون العبدي ، عن ربيعة بن مالك السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان ، فقلت : يا أبا عبد الله إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب و مناقبه .
فيقول لهم أهل البصيرة : إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل .
فهل أنت : محدثي بحديث عنه أذكره للناس ؟
فقال : يا ربيعة ، و ما الذي تسألني عن علي ، و ما الذي أحدثك عنه .
و الذي نفس حذيفة بيده : لو وضع جميع أعمال أمة محمد ، في كفة الميزان ، منذ بعث الله تعالى محمدا إلى يوم الناس هذا .
و وضع عمل : واحد من أعمال علي في الكفة الأخرى ، لرجح على أعمالهم كلها .
فقال ربيعة : هذا المدح الذي لا يقام له ، و لا يقعد ، و لا يحمل ، إني لأظنه إسرافا يا أبا عبد الله .
فقال حذيفة : يا لكع ، و كيف لا يحمل ، و أين كان المسلمون يوم الخندق .
و قد عبر إليهم : عمرو و أصحابه ، فملكهم الهلع و الجزع ، و دعا إلى المبارزة ، فأحجموا عنه .
حتى برز إليه : علي ، فقتله .
و الذي نفس حذيفة بيده : لعمله ذلك اليوم ، أعظم أجرا من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم ، و إلى أن تقوم القيامة .
شرح‏ نهج ‏البلاغة ج19ص60 .

وقيل من الشعر في مدح أمير المؤمنين وآل محمد صلى الله عليهم وسلم الكثير ، ومنه قال الشاعر :
قيل لي قل في علي مدحا _ ذكره يخمد نارا مؤصده‏
قلت هل أمدح من في فضله _ حار ذو اللب إلى أن عبده‏
و النبي المصطفى قال لنا _ ليلة المعراج لما صعده‏
وضع الله على ظهري يدا _ فأراني القلب أن قد برده‏
و علي واضع أقدامه _ في مكان وضع الله يده‏
إرشاد القلوب ج2ص230 .

و للصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عباد رحمه الله :
يا بني المصطفى بكيت و أبكيت _ و نفسي لم تأت بعد بسؤل‏
فولائي لكم عتادي و زادي _ يوم ألقاكم على سلسبيل‏
لي فيكم مدائح و مراثي _ حفظت حفظ محكم التنزيل‏
قد كفاها في الشرق و الغرب فخرا _ أن يقولوا هي من قيل إسماعيل‏
و متى كادني النواصب فيكم _ حسبي الله و هو خير وكيل‏
بحار الأنوار ج45ص292ب44 .

وقال بن حماد رحمه الله :
يا آل أحمد أنتم سفن النجا _ و أنا و حقكم لكم أتوالى‏
أرجوكم لي في المعاد ذريعة _ و بكم أفوز و أبلغ الآمالا
فلأنتم حجج الإله على الورى _ من لم يقل ما قلت قال محالا
و الله أنزل هل أتى في مدحكم _ و النمل و الحجرات و الأنفالا
و المرتقى من فوق منكب أحمد _ منكم و لو رام السماء لنالا
و عليكم نزل الكتاب مفصلا _ و الله أنزله لكم إنزالا
نص بإذن الله لا من نفسه _ ذو العرش نص به لكم إفضالا
بحار الأنوار ج45ص266ب44 .

وقال أبو نؤاس حين عوتب على الإمساك عن مديح علي بن موسى الرضا عليه السلام فقال :
قيل لي أنت أوحد الناس طرا _ في فنون من الكلام النبيه‏
لك من جوهر الكلام بديع _ يثمر الدر في يدي مجتنيه‏
فعلى ما تركت مدح ابن موسى و الخصال التي تجمعن فيه‏
قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادما لأبيه‏
كشف‏ الغمة ج2ص318 .

ويكفينا من المدح من آل محمد لنا : أنهم قالوا شيعتنا منا :
في حديث راهب نصارى نجران وهو طويل فيه أسألة وأجوبة :
مع الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام :
منه في أخر الحديث...:
فأخبرني : عن الاثنين من تلك الأربعة الأحرف التي في الأرض ما هي ؟
قال أخبرك : بالأربعة كلها :
أما أولهن : فلا إله إلا الله وحده لا شريك له باقيا .
و الثانية : محمد رسول الله مخلصا .
و الثالثة : نحن أهل البيت .
و الرابعة :
شيعتنا
: منا .
 نحن
: من رسول الله .
و رسول الله
: من الله بسبب .
فقال له الراهب : أشهد أن لا إله إلا الله ، و أن محمدا رسول الله ، و أن ما جاء به من عند الله حق .
و أنكم : صفوة الله من خلقه .
و أن شيعتكم : المطهرون المستبدلون ، و لهم عاقبة الله ، و الحمد لله رب العالمين ..
الكافي ج1ص483ح5 .

وعن محمد بن ثابت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام :
إن الله تبارك و تعالى : خلقني و إياك من نوره الأعظم .
ثم رش من نورنا : على جميع الأنوار من بعد خلقه لها ؟
فمن أصابه : من ذلك النور اهتدى إلينا و من‏ أخطأه ذلك النور ضل عنا .
ثم قرأ : { و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور } يهتدي إلى نورنا .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
نحن أهل بيت : لا يقاس بنا أحد من عباد الله .
و من والانا : و ائتم بنا ، و قبل منا ما أوحي إلينا ، و علمناه إياه ، و أطاع الله فينا .
فقد : والى الله .
و نحن خير البرية : و ولدنا منا و من أنفسنا .
و شيعتنا منا : من آذاهم آذانا ، و من أكرمهم أكرمنا ، و من أكرمنا كان من أهل الجنة .
بحارالأنوار ج65ص45ب15 ح90 .

والخلاصة : في حق المدح هو :

قال الإمام الباقر عليه السلام :
إنما شيعة علي عليه السلام : من لا يعدو صوته سمعه ، و لا شحناؤه بدنه .
لا يمدح : لنا قاليا ، و لا يواصل لنا مبغضا ، و لا يجالس لنا عائبا .
صفات ‏الشيعة ص13ح25 .

والحمد لله رب العالمين وله الشكر والمنة : والمدح والثناء على نعمه كلها ، وأسأله سبحانه لي ولكم : أن يوفقنا لأن نشكره ونحمده بما يحب ويرضى ، وأن نحمد ونشكر من شكره ، سواء عمل صالح وخير وبر ، أو عبد مؤمن أو نبي مرسل ، وبالخصوص نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، وأن مدح ونثني على من يعرف علمهم وهداه الذي خصهم الله ونشكر سعيهم ، إنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com