بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
 من راقب العواقب
سلم من النوائب
قال أمير المؤمنين عليه السلام : من راقب العواقب سلم من النوائب

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
من راقب : العواقب .
سلم : من النوائب .

شرح الحديث :

كل يوم نترقب ونراقب : لوحة كريمة فيها معرفة تخلصنا من النوائب ، لأنه من كلام الهداة ومعرفي دينا الله الصائب ، والذي من يعمل به يسلم حين يتعلمه وهو له مود وحاب ومقارب ، لأنه علم حق مؤيد من الله وهو لعباده محافظ ومراقب ، فينصر من يطلب الحق من دينه ولا يكون لهداه مجانب ، ومن يعلم بمعارف الرب ويتوكل عليه فهو لحفظه وتأييده طالب ، فيوفقه الله سبحانه لكل خير وصلاح وفوز ونجاح و له أعلى نعيم واهب ، فلا يخف من يعمل بهدى الله حقا سوء العواقب ، بل يسلم بحق من النوائب ، وله عاقبة حسنه ونعيم كله خير وهو في طيب وله طوبى وكل رائق وطائب ، وله المزيد من رضى الله وجزاءه الحسن في الدارين ويجازينه بأجمل الفضائل والمناقب .

فحتى في الدنيا : من يراقب أحواله ويعرف شأنه لا يكون عن حظه وما تصير إليه الأمور غائب ، بل ينظر للمستقبل ويقدر بحسن التقدير كل ما يوصله بحق وحلال لزينة الدنيا والمناصب ، بل يستطيع من يفكر بالحسنى ويعمل الخير أن يكون للإخوان والأصدقاء رفيق ويجذب الحبايب ، فما أحسن تعليم أئمة الحق حين ينبهونا لحسن النظر للمقصد من العلم والعمل وللغاية وللعواقب ، ولا نقدم إلا بعمل حسن خير وذو منفعة قد أيدته التجارب ، وأن نتفكر بغرض كل عمل بحسن التقدير حتى يكون علمنا وعملنا في أحسن المطالب ، فتكون له أفضل الغايات وأحسن الأغراض وأكرم النتائج حقيقة وقالب .

وأما من يخالف هدى الله : ولا يرجع له تائب ، فهو حتى إن ملك الدنيا فله المصائب ، لأنه بنعم الله يعصي والله به عالم وله مراقب ، وأنه لا خير في عمل لا يطلب به الله والله له عائب وثالب ،  فلا يكون له في العاقبة والأخرى بل والدنيا إلا المتاعب ، ومشاكل وبلايا في الدنيا وفي الآخرة عذاب شديد لا يمكن لطاغية ولا ناصبي له أن يجانب ، ولا يكون ولا يمكنه من حرمان الله وعقابه وحسرة الندم والتأسف والتقصير والعصيان هارب .

فالأولى يا أخوتي الطيبين : لكل إنسان أن ينظر ويفكر قبل كل علم وتعليم وعمل وتصرف بالغاية منه وبالنتيجة وما له من العواقب ، ليعمل الخير ويترك الشر ويسلم في الدنيا والآخرة من كل النوائب ، فيا حسن وجمال من كان عامل بالطاعة وطالب للخير والحلال والطيب المباح ولربه تائب ، ولا يعمل الشر ولا يصاحب الأشرار ولا يطلب الحرام حتى لا تحصل له سوء العواقب والنوائب والمصائب .

كلام كريم : من مولى الموحدين ، وتنبيه جليل من أمير المؤمنين ، هنيئا لمن يراقب حاله ليكون من الآمنين ، ويكون بمعناه مفكرا وبه من العاملين .

+++

 

ويا أخوتي الكرام الطيبين : لكل عمل غاية وغرض ونتيجة .
حتى قالوا : إن لأي عمل علل أربعة .
العلة الغائية : وهي الأول في الفكر ، والنهاية والنتيجة من العمل .
والعلة الفاعلة : وهو الإنسان أو الشيء الفاعل للعمل .
والعلة المادية : وهي أسباب ووسائل يتكون منها ما نعمل .
والعلة الصورية : وهي الهيئة والشكل التي يتكون منه في النتيجة .
ومن يعلم عمل : ولا يفكر بالعلة الغائية يكون عمله هباء منثورا ولا فائدة له ولا محصل له ، ويلام عليه إن كان مضر .
فمثلا : من يريد أن يعمل أو يشتري أو يحصل على شيء ، فهو علة فاعله ، يهيئ الأسباب التي توصله له ، وتكونه وهي علة مادية أو بمنزلتها مثل الذهاب بالأرجل أو السيارة للسوق للشراء وتهيئة المال وغيرها ، ثم لابد أن تكون له صورة وهيئة معينه تناسب المكان والحاجة ما يعمله أو يشتريه .
ثم تحصل الغاية : أي يستفيد منه بما يناسبه بالصورة الصحيحة ، فينتفع به .
فالنظر بالعواقب : هو النظر في النتيجة والغاية من الفعل ، فمن قدر تقدير حسن لما يحصل للعمل من الآثار الطيبة ، يكون قد تخلص من شر النوائب وما فيه الضرر ، وإلا من لم يفكر بالعواقب ولا ينظر لنتيجة العمل ومهما صار صار ، فإنه لا يأمن النوائب والبلايا والخسران حسب نتيجة العمل وأهمية التقدم فيه .
فالعاقبة : وهي النتيجة من العمل ، يجب أن نفكر بها أولا ، وبحسنها وخيرها قبل أن نعمل ، وهي الغاية من العمل والداعية له ونتيجته .
والنوائب : هي المضار والشرور التي تصيب من لم يفكر تفكير حسن ولا خير ، بل عمل عمل أهوج بدون فكر ، فضلا عن عمل ليس في صلاح أو شرير ، فله ناتج وعاقبة شريرة مثله ومضره .
وهذا كلام : أمير المؤمنين أمير الكلام عليه السلام ، من جوامع الكلم وغرر الحكم ، جمع لكل الشرح والبيان في جملتين قصيرتين ، وعبارتين في كل منها كلمتين ، فحقا من يتبعهم ويطلب العلم منهم ، يكون له حسن العواقب ويسلم من النوائب ، لان كلامهم الحق والصدق واقعا .

 

+++

ويا أخوتي الكرام الطيبين : إن الله سبحانه وتعالى ، كثيرا ما يذكر في كتابه الكريم بضرورة الفكر بالعواقب ، سواء عواقب الأفكار والأعمال الدنيوية أو الأخروية ، ويحث على عمل الخير وتقديمه والإسراع به ، ويحبب لنا الأعمال التي فيها البر والإحسان ، ويذكر عواقبها الجميلة في الدنيا والآخرة .
 كما يحذر سبحانه من أعمال الشر وآثارها السيئة ويحذر منها ، وبالخصوص الكفر والنفاق والظلم والفساد ، وبالخصوص حين ذكر تأريخ الأمم ، فيعرفنا نتيجة كفرهم وعدم طاعتهم لرسله ، وما يصيبهم من العذاب والبلاء في الدنيا والآخرة .
ولمعرفة هذا نتدبر حال القسمين مختصرا أولا :
وقال الله سبحانه وتعالى : في حسن عاقبة المؤمنين المتقين :

{ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) }الأعراف .
{تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) } هود .
{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) } طه.
{ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41) }الحج.

قال الله سبحانه : بعد أن ذكر قصص الأمم الخالية التي لم تؤمن بالله وهداه ، ولم تفكر بالعواقب للكفر والعصيان والطغيان ، وما أصابها من الذهاب والخراب والعذاب في الدنيا والآخرة ، وطلب منا أن فكر بما أصابهم لكي لا يصيبنا ما أصابهم ، بل يجب أن نؤمن لكي نصل لحسن العاقبة :
{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) } الأنعام .
{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84) } الأعراف .
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) } الأعراف .
{ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) } النمل .
 

في الآيات الكريمة أعلاه : نوعين من العواقب :
 عاقبه حسنة : وهي فيها الأمن والأمان والثواب الإلهي الجزيل ، وهي لمؤمنين الصالحين المتقين الذين أمنوا وأطاعوا الله بكل هداه ، وصبروا على الطاعات وعن المعاصي ، فهذا لمن تفكر في التكوين والنفس ، وعرف أن له رب أنعم عليه نعم لا تحصى ، فشكره وعبده بما يحب ويرضى وأقام هداه الحق وعمل الخيرات والصالحات والبر والإحسان وما فيه طاعة الله الرب الرحمن .
والقسم الثاني : هو لكفار وأمثالهم ممن كفرو وأجرموا وأفسدوا ولم يصلحوا ، وجحدوا آيات الله ونعمه ولم يؤمنوا به بحق سواء كفر أو نفاق ، فلهم سوء العاقبة وشر الآخرة وعذابها ومصائب الدنيا .
والله سبحانه : ذكر في كتابه القرآن الكريم ، كثير من القصص الحسنة حسن العاقبة للمتقين ، وسوء العاقبة للكافرين .
وما ذكرنا أعلاه مختصر من بيان : وتأتي قصة تعرفنا عواقب الطرفين .

++++

قال الله سبحانه : في تعريف عواقب الأمور والأعمال ، لمن تفكر فأمن وعمل صالحا ، وسوء العاقبة لمن طغى وكفر ولم يطع الله ، وهي قصة حال طاغية يعظه المؤمنون ولكنه لم يسمع النصيحة ، وفكر أنه بتفاخره وتكبره يسعد ويفلح ، لكن الله أخذه أخذ عزيز مقتدر فعذبه في الدنيا وله الخزي في الآخرة ، ثم من تمنى أن يكون مثله تندم ، وعرفنا الله حسن عاقبة المؤمنين في حين الكلام عن حال المتكبر المعذب ، قال الله سبحانه :

{ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ
وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي
أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا
يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ
نَجْعَلُهَا
 لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا
وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)
مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا
وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84)
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21)
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
وَهُوَ مُحْسِنٌ
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) } لقمان .

فهذه قصة : وموعظة حسنة عرفها الله سبحانه في عواقب الأمور للمؤمن الذي فكر وآمن وأطاع ففلح وفاز، ومن فكر لكنه لم يحسن التفكير فعصى وهوى فكانت له سوء العاقبة ، والعياذ بالله من مثله ومن مثل تفكيره ، ورزقنا الله رحمته وحسن العاقبة وحسن التفكير في كل أمورنا وحسن التقدير لنتائج الأعمال وعواقبها ، وأن يجعلها في رضاه وطاعته أبدا ، فإنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++
وهذه قصة أخرى : فيها حسن العاقبة لمؤمن ، وهو يحاور متكبر لم يقدر العواقب ولا راقب الأمور :
قال الله سبحانه وتعالى :

{ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ
فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (36)
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)
فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ
وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا (43)
هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ
هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) } الكهف .

يا أخوتي : آفة التفكير العجب ، والغرور ، والتكبر ، والنظر للمستقبل بدون حساب رضى الله سبحانه ، فإن الله بالمرصاد لمن يطغى ، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ولذا يجب مع كل نعمة تحصل للإنسان أن يشكر الله ويتواضع ويخرج حقها علما كان أو بدن أو جاه أو مال ، ليزدها الله وليديمها عليه دنيا وآخرة .

وفي سورة القلم : قصة أصحاب البستان التي هي كالجنة ، وكان صاحبها يعطي الفقراء من ثمرها ، ولما توفى أتفق أبناءه أن لا يعطون أحد من ثمرها ، وان يجنوا ثمرها أول الصباح قبل خروج الناس ، فلما ذهبوا رأوها محروقة ، فتندموا ، وقال الله هذا عذاب الدنيا ، ولعذاب الآخرة أكبر ، والقصة جميلة راجعها في سورة القلم وتدبر فيها .

وهكذا تجد في القرآن الكريم : قصص الأمم الخالية ، مثل نوح عليه السلام وقومه ، قسم نجا وقسم هلك ، هي مثلما في قصص الأنبياء عليهم السلام مثل عاد وثمود وشعيب ، ويوسف وأخوته ومع فرعون وزليخا ، وقصص موسى مع فرعون وقومه لكثيرة ، وغيرهم الكثير من القصص في كتاب الله .
بل كتاب الله : كله موعظة يعرفنا الحق وما يجب أن نعلمه لنفوز بالثواب وبرضاه وبحسن العاقبة في الدنيا والآخرة ، وأن من يعصي فله العقاب وسوء العاقبة في الدنيا والآخرة ، وفي القرآن الكريم بعد كل بيان قصة أو موعظة أو الحكم يكون معه بيان لعاقبة كل ما يذكر من من تعاليمه سبحانه فيذكر ثواب للمؤمنين ويحسنه لهم ، وعقاب للكافرين ويحذرهم منه .

ونكتفي بهذا المقدار ونأتي للأحاديث ، وأسأل الله أن ويوفقنا لحسن التفكير والتدبر بالعمل وصلاحه وخيره في كل أمور حياتنا ، حتى ليرزقنا حسن العاقبة فيها كلها ، وأن لا نعصي ونتكبر ونطغي أبدا ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .
++++

وأما أصل حديث اللوحة فهو :
من راقب : العواقب .
سلم : من النوائب .
وقال عليه السلام :
من راقب : العواقب .
أمن : المعاطب .
غرر الحكم ص476ف4 ح 10918 ، ح 10916 .
وإن الإمام عليه السلام : أستخدم كلمة لطيفة في بيان أن الإنسان يجب أن يتفكر ، ويتدبر بحسن العمل وخيره وصلاحه وما فيه رضى لله سبحانه ثم يقدم عليه ، فيسلم من الشر والضرر والفساد وكل أمر يجلب له الخسران وضياع الأتعاب.
 فقال عليه السلام : يراقب ، والمراقب : هو الحارس الذي يرعى أحوال ما يحافظ عليه ، والمراقب : هو أيضا من ينتظر شيء ويتوقع حصوله ، وهو أيضا من يشرف على الأمور بكل حيطة وحذر حتى يحفظها ولا يصيبها الخسران والضرر ، والعطب : وهو الهلاك وفساد الشيء وخرابه ، ويدل على الانتباه والرعاية والحيطة لما يمكن أن يحسن فيجعل ما يأتي صالح مفيدا ليس فيه الشر والضرر ، وفي الحقيقة هو توقع حصول النتائج بما فيه المنفعة القصوى ، ومثل هذا المراقب المتدبر بمستقبل الأحوال والمفكر في صلاح ما يريد أن يعمل ، يسلم من المصائب وسوء العاقبة والبلايا والنوائب ، وينجح ويفلح وله حسن العاقبة والخير والصلاح .
ولأهمية الأمر : في ضرورة التفكر بحسن العمل قبل الإقدام عليه لكي لا نقع في الضرر .
صاغ أمير المؤمنين : هذا لمعنى بعدة عبارات ظهرت منه في مواقف متنوعة ، وأحوال مختلفة ، وكلها تدعوا إلى التفكر قبل العمل والنظر بجد لتقع لنا حسن نتائج الفعل قبل الإقدام عليه ، وأنه يجب أن لا يكون إلا في طاعة الله تعالى ولا معصية فيه ، ولا شر ولا ضرر لنفسه ولا للآخرين  .

+++++

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : غرر أحاديث أخرى في العاقبة ، وحسن النظر فيها والتفكر بها ، قبل العمل والإقدام على الفعل ، وما يجب أن نختار ليكون لنا الأمن والآمان والصحة العافية والنعيم في الفانية والباقية  ، قال عليه السلام :
لكل أمر : عاقبة ، حلوة ، أو مرة .
راقب العواقب : تنج أمن المعاطب .
من نظر : في العواقب ، سلم من النوائب .
من راقب : العواقب ، أمن المعاطب .
من فكر : في العواقب ، أمن المعاطب .
من راقب : العواقب ، سلم من النوائب .
من انتظر : العواقب سلم .
لا عاقبة : أسلم ، من عواقب السلم .
ملاك الأمور : حسن الخواتم .
ملاك الخواتم : ما أسفر عن رضى الله سبحانه .
مكروه تحمد : عاقبته ، خير من محبوب تذم مغبته .
أحزم الناس : من كان الصبر ، و النظر في العواقب ، شعاره و دثاره .
إذا هممت : بأمر ، فاجتنب ذميم العواقب فيه .
ربما : تنغص السرور .
في العواقب : شاف ، أو مريح .
لكل : أمر مآل .
أواخر : مصادر التوقي ، أوائل موارد الحذر .
غرر الحكم ص477ف4ح 10913- 10930 .

وقال عليه السلام :
حد العقل : النظر في العواقب ، و الرضا بما يجري به القضاء .
ألا و إن اللبيب : من استقبل وجوه الآراء بفكر صائب ، و نظر في العواقب .
بتكرار : الفكر ، تسلم العواقب .
طول الفكر : يحمد العواقب ، و يستدرك فساد الأمور .
غرر الحكم ص51ح368 . ص55ح495. ص57ح 568، 569.

قال أمير المؤمنين : في الأحاديث أعلاه ، لكل أمر وعمل وفعل بل وفكر وعلم ، عاقبة أي نتيجة وغاية وغرض ، إما حلوه حسنة جميلة فيسعد فيها الإنسان ويفرح ، أو عاقبة سوء وله فيها الشر والضرر والعياذ بالله منها ، فلذا قال راقب العواقب تنجو من المعاطب والمهالك والمصائب ، وتسلم من النوائب إن نظرت وفكرت بكل عمل قبل أن تعمله وما يصير إليه من النوائب والمعاطب ، فيجب أن ننظر في كل أمر نقدم عليه وما هي نتائجه وبما يختم لو أقدمنا عليه .
ثم الإمام عليه السلام : يضع ضابطة كلية ، وهو أي عمل خير فيه رضا الله فهو له عاقبة حسنة ونتيجة خير مفرحة وفيها السرور والنعيم ، لأنه هو سبحانه المجازي بالنعيم والمثيب بثواب حسن ، وحتى لو كان العمل وما نقدم عليه في طاعته وما فيه الخير ، صعب وفيه مشقة وتكرهه النفس لشدته وما فيه من التعب وإنفاق المال والجهد ، ولكن لكون فيه رضا الله فلابد أن يقدم عليه المؤمن ويصبر على عمله ، لأن نتيجته محبوبة حسنة وله فوائد كريمة وعاقبة حسنة فيها الخير والنجاح والفوز في المستقبل القريب أو البعيد  .

ولذا من يريد حسن العاقبة ولا يقع بسوء العاقبة : أن يترك كل عمل حرام ومكروه لا يرضاه الله سبحانه ، ولو فيه نفع آني ومصلحة مؤقتة ، ونحبه لما فيه من النفع المقدم ، لأنه العاقبة البعيدة هو عقاب الله وشر النار لا شر أشد منه ، وهو مذموم لا يقدم عليه عاقل .

وأكد عليه السلام : في أن العواقب قسمين قسم مريح ، وقسم شاف أي يوقع في الهلكة ، وهذا معنى أن لكل أمر نقدم عليه مآل يؤول إليه ونتيجة تنظره إما حسنة طيبة حلوه ، أو قبيحة خبيثة مره .

ثم قال عليه السلام : قاعدة حكمية كريمة ، وتسمى في علوم التفكر والفلسفة العلة الغائية التي عرفتها ، وهو أن أواخر مصادر التوقي ، يعني ما نفكر به ونريده ثم نقدم على عمله تقع نتيجته في الآخر ، في حين نحن فكرنا به في أول الأمر وأخذنا الحيطة والحذر له قبل الإقدام والعمل .

ثم في المجموعة الثانية : قال العاقل هو من يكون قبل العمل يفكر بعاقبته ونتيجته وحسنه وخيره وصلاحه ، وهل في رضا الله ومصلحة ومنفعة حلال فيقدم عليه ، وإن كانت نتيجته فيها شر وضرر ، وليس لله في رضا فلا يقدم عليه .
ولكي يصل الإنسان : لهذه النتيجة بحق ، يجب عليه أن يكرر الفكر ، وإن طول الفكر وتكراره عواقبه في الغالب إن لم نقل دائما حميدة حسنة مأمون الشر منها ولا ضرر فيها ، وبه يستدرك فساد الأعمال ولكي لا نقع في مفاسد الأمور والنتائج .
وهو كلام حق : وشرحناه بمعناه المختصر ، وخلاصة أن الفكر عبادة ، لأنه المؤمن فكره يدعوه لعمل أحسن الصالحات والمسابقة في الخيرات ، والحصول على أحسن النتائج في كل ما يعمل فيما يكون في الزمان آت  ، وإلا من يكون فكره في غير هذا فلينظر في أمره ويراجع نفسه وينظر في عاقبته .
 وأسأل الله الصواب لي ولكم : وأن يجعلنا دائما في أحسن التفكير والتقدير للأمور الخيرة الصالحة ، وأن نعمل بما يرضاه سبحانه ويوفقنا له ، وأن لا نرى نتيجة لعمل سيئة أبدا ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++؟؟؟

ويا أخوتي الكرام الطيبين : هذه مجموعة كريمة أخرى من الأحاديث ، و التي تعرفنا حسن التفكر والنظر في العمل ، قبل الإقدام عليه ، لنحصل على حسن العاقبة ، وفيها معارف كريمة يحسن التدبر بها :

وهي أنه قد عقد في الحر العاملي رحمه الله في وسائل الشيعة بابا في وجوب تدبر في العاقبة قبل العمل :
فجعل التفكر والتدبر قبل العمل واجبا ، وذكر عدة أحاديث منها :
قال الإمام الصادق عليه السلام :
إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له :
يا رسول الله : أوصني .
فقال له : فهل أنت مستوص إن أنا أوصيتك ؟ حتى قال له ذلك ثلاثا ، .
 في كلها يقول الرجل : نعم يا رسول الله .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
فإني أوصيك : إذا أنت هممت بأمر ، فتدبر عاقبته .
فإن يك رشدا : فأمضه .
و إن يك غيا : فانته عنه .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : في وصيته لمحمد بن الحنفية :
من استقبل : وجوه الآراء ، عرف مواقع الخطأ .
و من تورط : في الأمور .
غير ناظر : في العواقب .
فقد تعرض : لمفظعات النوائب .
و التدبير : قبل العمل يؤمنك من الندم .
و العاقل : من وعظه التجارب .
و في التجارب : علم مستأنف ، و في تقلب الأحوال علم جواهر الرجال .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال :
لسان العاقل : وراء قلبه .
و قلب الأحمق : وراء لسانه .

وقال عليه السلام :
من استقبل : وجوه الآراء ، عرف مواقع الخطأ .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
و ليس بحازم : من لا ينظر في العواقب .
و النظر : في العواقب ، تلقيح للقلوب .

وعن أبي جعفر عليه السلام قال :
أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال : علمني يا رسول الله .
قال : عليك باليأس مما في أيدي الناس ، فإنه الغنى الحاضر .
قال : زدني يا رسول الله .
قال : إياك و الطمع ، فإنه الفقر الحاضر .
قال : زدني يا رسول الله .
قال : إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته .
فإن يك : خيرا و رشدا ، فاتبعه .
و إن يك : غيا ، فاجتنبه .
وسائل ‏الشيعة ج15ص281ب33 ح 20516 ، 20517 ،20518 ،20520 ،20521 ،20522 .

وهذه الأحاديث كلها : تدعون للتفكر والتدبر قبل العمل ، فإن كان فيه خير ولله فيه رضا نقدم عليه ، وإن كان شر ولا يرضاه الله ننتهي عنه ، وبهذا تتم حسن العاقبة .
ويا أخوتي الكرام : إن الأمر جدي والأمثلة لما نقدم عليه في كل يوم كثيرة جدا .
منها المهم : جدا كشراء البيت وما يستحب فيه من المنطقة والجيران وقربه من العمل وسعته وغيرها ، وشراء السيارة ونوعها وإحكامها ، والمحل وما نعمل فيه ، بل أثاث البيت ولوازمها وما فيها من المصلحة وأهميتها وفائدتها ، لكي لا نشتري شيء بمال كثير خطير ثم نرميه لا نستفيد منه إلا ساعات أو أيام .
وهكذا يجب : التفكر لانتخاب كل الأمور اليومية أو التي تقع في العمر مرة .
مثل شراء الحاسب : ولوازمه وما يحيطه ، بل حتى تعلم البرامج وعملنا فيها عليها ، وما هو مقدار فائدتها لنا وما تقدمه من الخدمات والنفع ، لكي لا يضيع عمرنا هدر .
فضلا عن انتخاب : نوع العمل ، والدراسة التي تكون مستقبل الإنسان .
بل الزواج : وما يرافقه من الانتخاب ، وكيفية المعيشة مع الأهل والزوجة والأصدقاء وانتخابهم .
بل حتى يجب التفكر : في كيفية الكلام معهم ، وكيف نداريهم ونكسبهم بما في الخير والصلاح ورضا الله سبحانه وتعالى .
ويجب على الإنسان المؤمن : أن لا يضيع وقته في التفرج والتصفح من غير عمل مفيد ولا مشاركة حسنه ولا أنتاج قيم ، وإن على المؤمن يجب أن نستفيد من الصحة والفراغ والمال والشباب والعمر كله فيما فيه الخير والصلاح ورضا الله سبحانه ، فضلا عن صرف الأموال وزينة الدنيا.
وليس الأمر هين : فيما يمر علينا في كل يوم من أمور متفرقة ، قد يكون أمر بسيط لكنه يحسن فيه التدبر والتفكر الكثير ، لأنه قد يكون مسبب لمفسدة كثيرة وضرر شديد إن لم نحسن التصرف فيه ، ولعدم التفكر قبل الإقدام عليه .
ولذا يجب : على المؤمن التدبر والتفكر في أموره كلها صغيرها وكبيره ، ويضع له ضابطة وقيد محكم أن لا يعلم إلا ما فيه رضا الله سبحانه ، وهو يكون في الخير والصلاح والفلاح والنجاح وحسن العاقبة ، صعب الأمر فيه أو سهل .
وأسأل الله سبحانه وتعالى : أن يرزقنا حسن العواقب وأن يسلمنا من النوائب ، ويجعلنا أن نفكر ونعمل دائما ما فيه الخير والصلاح ورضاه ، فإنه هو ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

++

ويا أخوتي الكرام : لمعرفة أمور كريمة تؤدي إلى حسن العاقبة ، وإنها قد جربت وتفكر بها الأولياء ، بل قد أمر الله بها وعلمها الأصفياء ، فهي الخير وفيها النجاح والفلاح في الدارين للمؤمنين، أو ضدها للطغاة مما فيها الشر والضرر والخسران المبين ، وليس فيها رضا الله سبحانه .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : في خطبة الوسيلة وهي خطبة طويلة ، فبعد ما عرف عظمة الله ، ذكر عدة أمور وأحوال وخصائص يباشرها الإنسان ويعملها ، ولها نتاج إما ضاره فيها النوائب لخبثها وشرها ، ونتائج حلوه خيرة حسنة فيها أحسن العاقبة والنتائج ، فنذكر قسم من الخطبة ، ونبين بعضها إن شاء الله :
قال عليه السلام :
نحمده بالحمد : الذي ارتضاه من خلقه ، و أوجب قبوله على نفسه ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله ، شهادتان ترفعان القول ، و تضاعفان العمل ، خف ميزان ترفعان منه ، و ثقل ميزان توضعان فيه ، و بهما الفوز بالجنة ، و النجاة من النار ، و الجواز على الصراط .
و بالشهادة : تدخلون الجنة ، و بالصلاة تنالون الرحمة ، أكثروا من الصلاة على نبيكم :
 { إن الله و ملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما } صلى الله عليه و آله و سلم تسليما :
أيها الناس : إنه لا شرف أعلى من الإسلام ، و لا كرم أعز من التقوى ، و لا معقل أحرز من الورع ، و لا شفيع أنجح من التوبة ، و لا لباس أجمل من العافية ، و لا وقاية أمنع من السلامة ، و لا مال أذهب بالفاقة من الرضا بالقناعة ، و لا كنز أغنى من القنوع ، و من اقتصر على بلغة الكفاف : فقد انتظم الراحة و تبوأ خفض الدعة .
و الرغبة : مفتاح التعب ، و الاحتكار مطية النصب ، و الحسد آفة الدين ، و الحرص داع إلى التقحم في الذنوب و هو داعي الحرمان ، و البغي سائق إلى الحين ، و الشره جامع لمساوي العيوب ، رب طمع خائب ، و أمل كاذب ، و رجاء يؤدي إلى الحرمان ، و تجارة تئول إلى الخسران .
ألا و من تورط في الأمور :
غير ناظر في العواقب :
فقد تعرض لمفضحات النوائب .
و بئست القلادة الذنب للمؤمن  .
أيها الناس : إنه لا كنز أنفع من العلم ، و لا عز أرفع من الحلم ، و لا حسب أبلغ من الأدب ، و لا نصب أوضع من الغضب ، و لا جمال أزين من العقل ، و لا سوأة أسوأ من الكذب ، و لا حافظ أحفظ من الصمت ، و لا غائب أقرب من الموت .
أيها الناس : إنه من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره ، و من رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره ، و من سل سيف البغي قتل به ، و من حفر لأخيه بئرا وقع فيها ، و من هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ، و من نسي زلله استعظم زلل غيره ، و من أعجب برأيه ضل و من استغنى بعقله ، زل و من تكبر على الناس ، ذل و من سفه على الناس شتم ، و من خالط الأنذال حقر ، و من حمل ما لا يطيق عجز .
أيها الناس : إنه لا مال هو أعود من العقل ، و لا فقر هو أشد من الجهل ، و لا واعظ هو أبلغ من النصح ، و لا عقل كالتدبير ، و لا عبادة كالتفكر ، و لا مظاهرة أوثق من المشاورة ، و لا وحشة أشد من العجب ، و لا ورع كالكف عن المحارم ، و لا حلم كالصبر و الصمت .
الكافي ج8ص18ح4من خطبة الوسيلة .

ما ذكرنا أعلاه : هو قسم من خطبة كريمة : وتسمى الوسيلة ، وهي طويلة ، وفيها معارف قيمة كثيرة ، وذكرنا قسم يسير منها ، فإنه في أول الخطبة عرف معرفة كريمة في تعريف عظمة الله سبحانه  وجلاله وكبرياءه بأحسن كلام ، لم نذكره لأنه مختص بالمعارف الإلهية والاعتقادية .
وهنا بدأنا بالمهم : وهو ما يجب على كل إنسان : لكي تكون له عاقبة حسنة ويكون له الأمن من كل الشر القريب والبعيد .
 أنه على المؤمن في أول أموره :
أن يؤمن بالله سبحانه وتعالى : ويحمده على نعمه ، ويشهد الشهادتين ، بل نشهد معها أن أمير المؤمنين وأولاده المعصومين أولياء الله وأنهم يعملون ويعلمون  أفضل معارف الله بعد رسول الله ، فإنه من شهد يثقل ميزان حسنات وتكثر .
وإن من لم يؤمن بالله تعالى : والعياذ بالله منه ولا يتشهد بالتوحيد والرسالة والولاية ، يخف ميزان ويخسر وله سوء العاقبة .
ثم عرفنا عليه السلام : أن المؤمن حقا عليه أن يقيم الواجبات ، وذكر كنموذج لها الصلاة ، كما أن الصلاة على النبي وآله تثقل الميزان وتزيد
الحسنات .
ثم عليه السلام : عرفنا بأن أحسن شرف وعاقبة ونتيجة لكمال الإنسان وفضائله هو الإسلام بكل حدوده .
ثم أخذ عليه السلام : يعرفنا أكرم آداب الإسلام والدين وطاعات فيه وما يقبحه ويحرمه .
فذكر عليه السلام :  أن من يريد العز ئ، فإن سيد الأوصياء قد فكر له ونظر وراقب له ، فقال : لا عز أفضل من التقوى ، فالتقي عزيز بأي حال كان ، والكف عن محارم الله بحسن الورع أدب كريم ، وأفضل أمر للإنسان إن وقع في خطأ أن يتوب بسرعة ، فهي الشفاعة ولا يوكل الأمر ليوم القيامة وإن الشفاعة إن حصلت له فهي في أخر أوقات القيامة كما ذكروا .
وهكذا أخذ أمير المؤمنين عليه السلام : في بيان حسن الأمور وما يجب العمل بها ، فعرفنا سلامة العافية والقناعة للغني والفقير وأهميتها ، وأن الإنسان يجب أن لا يطمع ولا يكون حريص وبخيل ، بل يعيش عيشة الكفاف بدون إسراف وتبذير .

ثم عليه السلام : عرف أمور مهما كان فيها من نفع مقدم لكنها لا خير حقيقي فيها ولا عاقبة حسنة أبدا .
وأولها : الرغبة : في كل شيء فإنها متعبة للفكر والبدن ، كما أن الاحتكار يكون فيه النصب ، لأنه قد تقع فيه الخسارة والضرر له وللعباد وهو حرام، والحسد آفة الدين لأنه يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب كما روي ، وهو شر لنفسه وقد يؤثر على غيره ويكون هو المحاسب عليه .
 كما أن الحريص : مذنب لأنه طماع ويمنع الحقوق ، والغي والظلم وإن حصل منفعة فيه فهو لحين قليل ثم الندامة اولعقاب ، الشره وهو أشد الحرص القبيح.
والطمع : ضرر وشر وروي أن الطامع في وثاق الذل ، لأنه كثير الأمل وبعيده ممن يأمل ويتوقع الكثير ، لكنه في الغالب يخيب لا يحصل على ما يريد ، وهو أمل كاذب ، ورجاء لا يتحقق ، ويؤدي للحرمان والخسران.

ثم بعد أن عرفنا عليه السلام : أهم ما فيه الخير ولإصلاح ، ويستحسن بل يجب عمله ، حذرنا مما يأتي منه الشر ويجب تجنبه ، وهو فضلا عن تجربة وحقيقة عقلائية مقبولة ، فهو أدب ديني وتعليم رباني في رضا الله ، وله أحسن العاقبة والنجاح والفلاح من يعمل بما أمر به وينتهي عما نهى عنه .
فعرفنا : لكي نتدبر بباقي الأمور ونضع لها ضابطة كلية :
أنه نحن في حياتنا : نحتك بالآخرين ولنا علم وعمل وبآلاف الأمور الدنيوية والروحية نرتطم ونتورط .
فإذا ارتطمنا في أمر وتورطنا :
فيجب : أن ننظر لعاقبة كل أمر نقدم عليه ، ونفكر في حسنه وخيره فنقدم عليه ، وفي شره وضرره فنتركه ولا نقدم عليه ونبتعد عنه ، لأن أخس أمر وأقبح حال يقع فيه المؤمن الذنوب وما لا يرضى لله به .
ثم عليه السلام : ذكر أمورا أخرى : يعرفنا حسنها وخيرها وفضلها وإنها أما مباحة أو مستحبه أو واجبة ، فحسن لنا حب عملها والإقدام عليها ، وحذرنا من أمور فيها الشر والضلال وهي قبيحة حرام فيها سوء العاقبة ويحسن الابتعاد عنها وعدم مباشرتها لأنه يأتي منها الضرر والشر والسوء .
وبشرحها : يطول بنا المقام ، يكفي معرفة الحسن منها والضار منها بأقل تفكر ، لأنها من أدب الدين ومعالم أخلاق المسلمين .
كما أن كل المواعظ : والخطب والوصايا في كتاب الله القرآن الكريم ، وما يأتينا من تعاليم أهل البيت هذا سبيلها ، فما يقرب لحسن العاقبة والجنة حببوه لنا وأمرونا به ، وكل ما فيه سوء العاقبة والنار حرموه علينا ونهونا عنه .
وأسأل الله البر الرحيم الحافظ الرقيب : أن يحفظنا ويرعانا ، ويرينا ما به الخير والصلاح وكل ما فيه طاعته ، فيوفقنا لعمله والإقدام عليه طالبين رضاه تعالى مخلصين له الدين ، وأن يبعدنا عن كل حرام ومكروه لا يرضها وعن شره وضرره ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين ،  والحمد لله رب العالمين أولا وأخرا ، وصلى الله على نبينا الأكرم محمد وآله الطيبين الطاهرين .

 

 

 

 

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com