بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة / الأربعون حديث الثانية / الحديث الأول
 لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة
ولا تفرقهم عني وحشة
قال الإمام علي عليه السلام : لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة ولا تفرقهم عني وحشة

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
لاَ يَزِيدُنِي:  كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً.

شرح الحديث :

عزيز علينا سيدي ومولاي يا مولى الموحدين  : بل عزيز على الله وعلى خاتم أنبياءه سيد المرسلين ، أين يكون لغيرك من العزة ما لك يا سيد الوصيين ، بل من لم يعتز بك خسر العزة وله الذل الأكيد يوم الدين ، حقا لك أن تقول لا أعتز بأحد من العالمين ، فأين من خلق من تراب وأنت أبوه بحقائق النور المبين ، تهديه بمعارف الهدى حتى ليكون من الغر المحجلين ، وتكون عنوان صحيفته من ودك حقا وآمان بك صدقا حب علي أمير المؤمنين ، وبها يشرب من الحوض ويجلس على موائد النور يوم العرض الأكبر للخلق أجمعين  ، ويرتفع في طاعتك العباد حتى ليكون في مقام القرب في أعلى عليين ، ولهم كل رضى الله سبحانه تعالى ونعيم وكرامات وجنان رب العالمين .
 والناس في الحساب :
يتنازعون بين الحسنات والسيئات متخاصمين ، لعلهم يفوزوا بشيء من الحسنات إن كانوا مظلومين ، هذا إذا لم يكونوا من الكفار والمشركين والمنافقين ، وإلا إن كان منهم فهو من الهاوين في أسفل سافلين ، ومحبك ووليك فرح مسرور يدخل الجنة بما علمته من الهدى حتى صار من الصديقين ، ومع الشهداء والأنبياء والصالحين مترافقين .
 فيا عزيز كرامات الله تعالى ومجده لك :
ولآلك الكرام الطاهرين ، يشهد لها كتاب الله القرآن الكريم وحديث خاتم النبيين ، ويشهد لها ويقر بها ويحبها ويفتخر بمعرفتها  كل المسلمين ، حتى من لم يخلص لك الود ويحب من حاربك مع حبك مختلطين ، وقصر في ما أوجبك الله ورسوله لك من الطاعة المفترضة يوم الغدير حتى صرت مولى للمؤمنين وثقلا للقرآن الكريم قرين ، ويوم الخندق وخيبر حين أعلن وجوب حبك بأمر الله لكل المنصفين والمنقلبين .
فأنت السيد الحق وأمير المؤمنين :
وكل من قلاك وأبتعد عنك وعاندك في خسران مهين ، وعليهم قد استولى ضلال الهوى وإبليس اللعين وكل الشياطين ، لأنهم عصوا أمر الله و رسول الله ولم يعرفوا قدرك و منعوك حقك فصاروا لهم عاصين ، والله سبحانه خصمهم على ما هجروا من فضلك وكتموا من مناقبك وودك ولم لكونوا لك محبين ،  وأقصوك من خلافة رسول الله فلم يكونوا من العابدين بحق ولا من التائبين .
فيا سيدي :
من تفرق وفارقك وحش وحشي وأضل من الأنعام والبهائم كلها أجمعين أكتعين ، وله عذاب نار تشوي الوجوه وطعامه من غسلين ، وقد نفر وأفترق عن الهدى والطاعة الله سبحانه ورسوله وصار من الجاهلين ، فصار متخلف همجي كأنه ولم يكن بحق من المسلمين فضلا عن المؤمنين ، فكيف يقليك ولم يودك وأنت شاهد من يتلو سيد المرسلين ، وأنت نفسه وعنك علم الكتاب ومعلمه بحق للطالبين ، فليخسئوا بالترك لنفس الهدى ومعارف عظمة الله وعلوم طاعته بترك وصي النبي الأمين ، فإن من فارقك و حسدك ونواك بكل حتم صاروا خائبين خاسرين وفي عذاب الله معذبين .

+++

ويا أخوتي الطيبين : العزة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك لله .
وإن العزيز : هو من الأسماء الحسنى ، ومن وهبه الله عزة كان عزيز ، وإلا فلا .
وقد جاء : اسم الله العزيز : في كثير من آيات كتاب الله العزيز ، وقارن كثير من الأسماء ، مثل : العلم الحكيم الحميد الرحيم القوي الغفار ، وغيرها ، والله سبحانه يعلل به ما قبله مما ذكر من الأحكام أو في القصص للأمم السابقة وبعث الرسل لهم وانتقامه ممن طغى عليهم ، بل حتى في بيان التشريع والأحكام فيبين أنه العزيز الحكيم ، أو العزيز العليم أو غيرها  .
وإن اسم الله العزيز سبحانه:  جاء في حديث أن لله تسعة وتسعون اسما من أحصاها دخل الجنة ، أي تحقق بمعناها ، وإن دعا بها استجيب له ، لأنه يطلب من الله وحده لا شريك له أن يعينه ، فينزل نورها على من يدعو بها مما يجعله في نعمته دائما ، ويعزه فلا يذل أبدا ، في الاسم التاسع والثلاثون ، وقد شرحناه في صحيفة شرح الأسماء الحسنى من موسوعة صحف الطيبين ، ومنه نذكر:
و الْعَزِيزُ : هو الغني الكامل والغالب ذو الإرادة النافذة ، والذي لا يعجزه شيء يريده ، كما إنه ذو المنعة التامة فلا يُؤخذ منه شيء إلا بأذنه .
وإن الله تعالى هو الْعَزِيزُ بحق : وذلك لما كان كل كمال وهو له بذاته مطلقا من الحد، فهو الغني الحي والعالم القادر القوي الجبار ، فلا يحتاج لأحد ولا يمكن أن يقف ضده أحد ، وكل شيء محتاج له ، إن أعطاه ومده بقى وكمل وعز ، وإن منعه ذل ونقص وذبل وأحتاج بل قد يُعدم أو يحترق ، فهو القاهر فوق عباده والمهيمن عليهم ، فهو المُعِزُّ المذل لمن يشاء بعدله وفضله وبكبرياء عظمته.
وإن العزة لله جمعيا كما قال الله العزيز سبحانه :
{ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ
 أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ
فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (139)} النساء .
وقد وهب الله سبحانه العزة للمؤمنين بقوله تعالى :
{  وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
 وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)} المنافقون .
والله العزيز سبحانه : ولرسوله وللمؤمنين .
 وبالخصوص : العزة العليا للمؤمنين الذين أيدهم بعزة خاصة .
 كما في قوله تعالى :
{ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)
رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ
وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ
يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ
إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)} البقرة .
فالله سبحانه : بعزته وحكمته يختار من ذرية إبراهيم من يوحي له الكتاب والحكمة ويعلمهم هدى الله فيزكي العباد ويطهرهم ، فيجعلهم يعلمون بحق الكتاب والحكمة ، يكونوا علماء حكماء بإذن الله العزيز الحكيم ، لأنه علل هذه الكرامة له بالأسمين الكريمين العزيز الحكيم ، أي بنزول نورهما فيمن يصطفيه ويختاره لرسالته وتعليمها والمحافظة عليها .
فالله سبحانه : بالإضافة لما عرفت أنه خص رسول بالعزة ، فإنه سبحانه خص آله الكرام بعزة خاصة معه .
وهو كما عرفت وفي قوله تعالى :
{ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ
فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ
 ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ
وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)  } آل عمران.
فنصر الله العزيز الحكيم سبحانه : للنبي وآله صلى الله عليهم وسلم ، في يوم المباهلة وتأييدهم ، هو  عزة خاصة علل بها سبحانه الآيات السابقة ، فيدل على أنه بعزته وحكته المتجلي لهم بأعلى نور يباهلون ويستجاب لهم .
وإن هذه الآية نزلت : في النبي والحسن والحسين أبناءه وفاطمة الزهراء جاء بدل أزواجه وهي زوجة وصيه أمير المؤمنين ، وجاء بسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام وآله ، فجعله كنفسه حين قال وأنفسنا ، فعرفنا إن العزة لله ولرسوله ، ولنفس رسوله وهم آله ونفسه ، ولهم العزة العالية الخاصة من الله سبحانه .
ومن يكون له العزة بالله سبحانه ورسوله : بأعلى نور ، لا يهمه من يكون حوله ولا يعز بهم ، بل هم يعتزون به ويحصلون على عزة إن أيدوه ونصروه ، لأنهم يؤدون الهدى والعلم والحكمة والعدل والإيمان والإنصاف وكل تعاليم الله وآدابه ، والله ينصرهم ويؤيدهم حينئذ فيكون أعزاء .
فحق لأمير المؤمنين عليه السلام : أن يقول :
لاَ يَزِيدُنِي:  كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً.
فمن له عزة من الله ورسوله : لا يوحشه من يتفرق عنه ، لأنه لا نقص له ولا أحد يمكنه أن يغير إيمانه ولا يضعف اعتقاده وما خصه الله من الكتاب والحكمة والتأييد الإلهي له ، بل من يتركه يذل وفقد الهدى ، وبالخصوص من يحاربه ويعاديه أو يتبع أعدائه .
وهذا تأييد خاص بالعزة : للنبي وآله صلى الله عليهم وسلم ، فلهم العزة بأي حال كانوا صلى الله عليهم وسلم ، ومن لحق بهم عز ، ومن فارقهم ذل .
 ولنتابع العزة في كتاب الله للنبي وآله بالخصوص وللمؤمنين .

++++
يا أخوتي الطيبين : إن الله سبحانه يصف نفسه بالعزيز الحكيم ، حين يبين مواقف مهمة تحتاج لأخذ من يعانده ، وبالخصوص ممن لا يطيع هداه أو يحارب نبيه والمؤمنين ، فيبين أنه قادر على نصرهم وأخذ أعدائهم أخذ عزيز مقتدر ، لكنه يؤجلهم إلى أجل قضاه وسماه حتى حين ، وإن العزة النهائية ملايين السنين بل خالدين للمؤمنين ممن يصدق ويثبت على الهدى ولا يضعف أبدا بأي حال من الأحول ، والذلة الأبدية لمن حارب أولياءه وعاندهم ، وعصى الله فيما أمر من وجوب طاعتهم والتحقق بهداهم .
ومن الآيات التي علل الله سبحانه : باسمه الكريم العزيز ، قوله تعالى :
{ وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ
 وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ
اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126)  } آل عمران .
والآيات أعلاه : نزلت بعد يوم أحد ، وإن المسلمين انتصروا في أول الحرب ، ولكن بعد أن انشغلوا بجمع الغنائم ، استغل الكفار الفرصة فنزلوا عليهم من أعلى الجبل وأخذوهم على حين غفلة وغره ، فهرب كل المسلمين حتى قيل وصل بعضهم المدينة .
وبقي : الإمام علي عليه السلام ورسول الله وقليل ممن بقي استشهدوا ، حتى ظن الكفار أن رسول الله قتل وانصرفوا .
ولكن بقي النبي : والإمام علي عليه السلام حوله ، فلما عرف الله أخلاصه ، قال رسول الله :
رأيت جبرائيل : بين المساء والأرض ينادي :
لا فتى إلا علي _ لا سيف إلا ذو الفقار
وهذا المعنى رواه كل من فسر الآيات : أو ألف كتاب في التأريخ الإسلامي وذكر هذه الغزوة فراجعه  .
وبقاء النبي وثباته مع وصيه أمير المؤمنين : فهم لهم العزة ، إذ لم يتغير حالهم مع الله وإخلاصهم وثباتهم مع الله ، ولو فر وهرب وتفرق الناس كلهم عنهم  .
بل بقي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : مع النبي الأكرم ثابت ولم يستوحش لقلة الناس حولهم بل فرارهم كلهم  .
فهو عليه السلام العزيز بالله ورسوله .
فمن يلتحق به : يعز بإذن الله وعزة الله ، ومن يفارقه فارق الله ورسوله وصار جاهلي وحشي ترك الحق والهدى والدين ونصر الله سبحانه .

ولنعرف هذا المعنى نذكر بعض الروايات :
عن نعمان الرازي عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
انهزم الناس : يوم أحد عن رسول الله ، فغضب غضبا شديدا .
قال : و كان إذا غضب انحدر عن جبينه مثل اللؤلؤ من العرق .
قال: فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه .
فقال له : الحق ببني أبيك مع من انهزم عن رسول الله .
فقال : يا رسول الله لي بك أسوة .
قال : فاكفني هؤلاء ، فحمل فضرب أول من لقي منهم .
فقال جبرائيل عليه السلام : إن هذه لهي المواساة يا محمد .
فقال : إنه مني و أنا منه .
فقال جبرائيل عليه السلام : و أنا منكما يا محمد .
فقال أبو عبد الله عليه السلام :
فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جبرائيل على كرسي من ذهب بين السماء و الأرض ، و هو يقول :
لا سيف إلا ذو الفقار _  و لا فتى إلا علي
الكافي ج8ص110ح90 .

وعن أبان بن عثمان : عن الصادق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عليهم السلام قال :
إن أعرابيا : أتى رسول الله ، فخرج إليه في رداء ممشوق .
فقال : يا محمد لقد خرجت إلي كأنك فتى ؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم : نعم يا أعرابي :
أنا الفتى : بن الفتى ، أخو الفتى .
فقال : يا محمد ، أما الفتى فنعم ، فكيف ابن الفتى ، و أخو الفتى ؟
فقال صلى الله عليه وآله وسلم :
أ ما سمعت الله عز و جل ، يقول : { قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم } .
فأنا : ابن إبراهيم .
و أما أخو الفتى : فإن مناديا نادى من السماء يوم أحد .
لا سيف إلا ذو الفقار _  و لا فتى إلا علي .
فعلي : أخي ، و أنا أخوه .
الأمالي ‏للصدوق ص200م36ح10 .

والروايات كثيرة جدا : في ذكر هذا النزول في الفتى العزيز بعزة الله ورسوله ، وقد فر الناس عنهم ، فأيدهم الله بنصره وثبتهم ولم يوحشهم تفرق الناس عنهم ، وهم في أشد حال فكيف في الأيام الأخرى .
وقصة غزوة أحد طويلة : ونزول الآيات أعلاه فيها وتصف الأعزة بالله ، ذكرها كل أهل التفاسير والرواة ، وأنها نزلت في ذكر قصة ذلك اليوم .
وإن الأمام علي عليه السلام : بعد ذلك استشهد بالشعر وثباته ونصر الله العزيز له ولرسوله ، ونزول الشعر من الله بلسان جبرائيل في حقه في كثير من المواقف ، مثل يوم محاجته أبو بكر ، ويوم الشورى بعد الحاكم الثاني ، وفي الكوفة يبين فضائله ، وفي كثير من المواقف ، فضلا عن ذكر الرواة وأهل التأريخ لها  .
وحقا عليه السلام : أن يقول  :
لاَ يَزِيدُنِي:  كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً.

فهو العزيز : ولا عزة أعلى ممن أيده الله ورسوله ونصره ، ومن نصره وتبعه في زمانه أو في أي زمان إلى يوم القيامة فهو العزيز ، وإن من فارقه وتركة في زمان أو في أي زمان ، لا عزة له حقا ، أو وحش ، أي من يتركه يستوحش الحق والعدل والإنصاف  ، ويذهب للوحوش من المنافقين وممن يدعي الدين فيطلب العزة منهم ، ويبتغي العزة عندهم وهم أذلة لمفارقتهم الله ورسوله وأمير المؤمنين فضلا عن أتباعه المؤمنين ، كما عرفت في أول الآيات .
وإن العزة لله ورسوله وللمؤمنين : و أمير المؤمنين بالحق علي بن أبي طالب عليه السلام .
 وجعلنا الله العزيز الحكيم : معهم وثبتنا على هداهم ، وأعزنا الله بعزه حتى نكون معهم أبدا .
فإنه أرحم الراحمين : وهو العزيز الحكيم ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++
ويا أخوتي الطيبين : إن العزة لله سبحانه ولمن أيده بعزته ، وإذا كانت العزة لله ورسوله وللمؤمنين ، فأمير المؤمنين الحق علي بن أبي طالب ، وهو سيد الأعزة ، لأنه له تأييد وعزة خاصة من الله سبحانه وتعالى ، وقد عرفنا قسما منها أعلاه ، فيما يعلل الله آيات الكتاب وما تحكيه من حوادث ووقائع وقصص بالاسم الأكرم : العزيز ، وما يقارنه من الأسماء الحسنى الأخرى .
وهذه الآيات الآتية : في قصة الأحزاب أي قصة حرب الخندق ، والله في آيتين عرفنا مناقب لأمير المؤمنين وكرامات وفضائل لم تكن لغيره من البشر ، ففي:
 الآية الأولى الآتية : عرفنا أنه عاهد الله هو وعمه حمزة وأخيه جعفر وبن عمه عبيدة أن ينصروا رسول الله بكل ما أوتوا من قوة حتى ينتصر هداه وينتشر دينه ، وقتل حمزة وعبيدة ، وجعفر كان في الحبشة ، وبقي هو الذي لم يبدل تبديلا وأنه الصادق حقا ، لأنه برز وحده في هذا اليوم فقتل عدو الله المتجبر الذي عبر الخندق وظل ينادي ألا من مبارز حتى على قوله بح صوته ، فلم  يبرز له أحد من المسلمين إلا علي عليه السلام ،فقتله ، وهد ركن الكفر حتى فروا بعد ذلك .
وفي الآية الثانية الآتية :  كفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب وكان الله قويا عزيزا ، فأنزل قوته سبحانه وعزته  على سيد الأوصياء ، فبارز وقتل عدو الله ، فكان هو العزيز ، بعد أن كع ولم يقدم أحد من المسلمين معه أن يبارز الطاغية ، فكان وحده هو الذي برز فلم يستوحش لما يحكى من قوة عدو الله وبطولته وما يقولون أنه فارس يليل وأنه وحده رد ألف فارس في يوم معركة يليل ، فقتله أمير المؤمنين ، ولتعرف القصة أتلو الآيتين الآتين ، والقصة مشهورة يذكرها كل المسلمين في كتبهم وتأريخهم وتفاسيرهم  .
والله القوي العزيز تعالى : أنزل في حرب الأحزاب سورة كاملة في القرآن الكريم ، و يتلى إلى أخر الدنيا ، يعرفنا صدق علي بن أبي طالب عليه السلام وقوته وعزته بالله ، وأنه لم يستوحش لشيء ولم يخف  .
قال الله القوي العزيز سبحانه وتعالى :
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ
وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (24)
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا
وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ
وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25) } الأحزاب .
 وفي كتاب المناقب لابن البطريق : بإسناده عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم :
مكتوب على العرش : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، محمد عبدي و رسولي .
أيدته : بعلي بن أبي طالب .
و ذلك قوله تعالى في كتابه العزيز : { هو الذي أيدك بنصره و بالمؤمنين } بعلي بن أبي طالب  .
بحار الأنوار ج27ص10ب10ح23 .

 وقال بن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يوم الخندق ، و قد برز علي إلى عمرو ، و رفع يديه إلى السماء بمحضر من أصحابه :
اللهم : إنك أخذت مني‏ حمزة يوم أحد ، و عبيدة يوم بدر .
فأحفظ اليوم : علي عليا { رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ‏ } .
و لذلك ضن به : عن مبارزة عمرو حين دعا عمرو الناس إلى نفسه مرارا .
في كلها : يحجمون .
و يقدم علي : فيسأل الإذن له في البراز .
حتى قال له رسول الله : إنه عمرو .
فقال : و أنا علي ، فأدناه ، و قبله ، و عممه بعمامته ،.
و خرج معه : خطوات ، كالمودع له ، القلق لحاله ، المنتظر لما يكون منه .
ثم لم يزل صلى الله عليه وآله : رافعا يديه إلى السماء مستقبلا لها بوجهه .
 و المسلمون : صموت حوله ، كأنما على رءوسهم الطير .
حتى ثارت الغبرة : و سمعوا التكبير من تحتها .
فعلموا : أن عليا قتل عمرا ، فكبر رسول الله ، و كبر المسلمون تكبيرة سمعها من وراء الخندق من عساكر المشركين .
و لذلك قال حذيفة بن اليمان : لو قسمت فضيلة علي ، بقتل عمرو يوم الخندق ، بين المسلمين بأجمعهم لوسعتهم .
و قال ابن عباس في قوله تعالى : { وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ } .
قال : بعلي بن أبي طالب .
شرح‏ نهج‏ البلاغة ج13ص284.

قال في نهج الحق وهو يعد فضائل أمير المؤمنين عليه السلام :لحادية و الخمسون .
قوله تعالى : { وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ } .
في قراءة : ابن مسعود بعلي بن أبي طالب.
نهج ‏الحق ص199 .
عن سفيان الثوري عن زبيد ، عن مرة عن عبد الله :
أنه كان يقرأ : { و كفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب } .
وإنهم : كانوا يتلون بعلي بن أبي طالب ضمن الآية .
وعن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : { وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ } .
قال : كفاهم الله القتال يوم الخندق ، بعلي بن أبي طالب حين قتل عمرو بن عبد ود .
شواهد التنزيل ج2ص7ح 629 .ص10ح633 .

وقد روينا : نزول الآية الأولى في الإمام علي عليه السلام كما هي الآية الثانية في شرح لوحة سابقة ، وهذه الأحاديث تعرفنا الآية الثانية ، لأنه الله علل وعرف سبب كفاية الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب ، لأن الله قوي عزيز ، أي أنزل عليه نور القوة والعزة الخاصة التي لم يهاب فيها أحد حتى نصره على عدوه .
ومن أعزه الله ورسوله : بالعزة الخاصة في عدة مواقع ، فهو العزيز حقا وأمير المؤمنين صدقا ، ومن والاه كان عزيزا بالله ورسوله ، ومن ناواه وعانده وحاربه وقلاه وتركه وهجره ، ولم يتعلم منه ولم يؤيد علمه وهداه،  فهو المستوحش من الحق والتارك لهدى ونصر الله وعزته في الدنيا والآخرة .
وحقا لمولى الموحدين وأمير المؤمنين عليه السلام العزيز بالله ورسوله أن يقول :
لاَ يَزِيدُنِي:  كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً.
فهو العزيز حقا بالله العزيز : وله العزة الخاصة التامة الكاملة بأعلى تجلي ، فلا يهمه بعد هذا من تفرق عنه ، ولا يعتز بمن أقترب منه ، بل من يقترب منه ويطيعه ويتولاه يعتز بعزة الله في الدنيا والآخرة ، والذليل من يفارقه وتوحشه منه ويهجره ويتركه .
وأسأل الله العزيز : أن يجعلنا ممن تولى نبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، بكل هداهم وعن حب وود لهم والتعلم منهم ، وطاعته بما علمونا من نور هداه حتى يجعلنا معهم في كل نعيم ، فإنه هو القوي العزيز العليم الحكيم ، وإنه على كل شيء قدير ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 

+++
إن الله سبحانه هو العزيز : وإذا علل كلامه في القرآن الكريم بالعزيز يريد سبحانه بأنه بعزته تم هذا الأمر وتحقق ، والله العزيز أعز من أيده وقهر عدوه ، وإن الأسماء الحسنى الإلهية في كتاب الله سبحانه وتعالى ، ليس ذكرها عفوي وليس بمقصود ، بل كل مجموعة من الآيات الله سبحانه يعللها باسم أو اسمين من أسماءه الحسنى ، ليعرفنا ويدلنا بأنه بتجلي نور هذه الأسماء بالخصوص تحقق هذا الأمر .
وهذه آيات كريمة : فيها تعليل في آخرها بالعزيز الحكيم ، وفي أولها تعليل رضوان الله برأفته بالعباد .

والآية الأولى في المجموعة : تسمى آية المبيت ، وهو لمبيت علي بن أبي طالب عليه السلام على فراش رسول الله حين الهجرة ، عرف بأنه فدى نفسه في سبيل الله ، ولم يخف من الجموع التي جاءت لتقتل من ينام على هذا الفراش ، ورسول الله هاجر للمدينة ، والأمام ينام على فراشه لا يستوحش أحد من تجمع أعداء الله ورسوله عليه ، بل كان مطمئن النفس بالله ورحمته ورأفته به .

وأما آيات المجموعة الثانية : والتي بعد حكاية قصتها عللت بالعزيز الحكيم ، فهي يطلب الله من العباد أن يدخلوا في ولاية آل محمد صلى الله عليهم وسلم ليتم لهم السلم تاما ، ومن يخرج من ولايتهم يذهب إلى ولاية الشيطان ولمعرفة هذا المعنى :
نتلوا قوله تعالى :
{ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ
وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
 يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً
وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208)
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ
فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } البقرة .

أحاديث ليلة المبيت : ومرضاة الله :
{ وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (207) } البقرة :
قال محمد جواد البلاغي رحمه الله :
 في التبيان : روي عن أبي جعفر يعني الباقر : أنه قال : نزلت في علي ، حين بات على فراش رسول اللّه ، لما أرادت قريش قتله .
و رواه : في البرهان و غاية المرام : عن تفسير العياشي بإسناده عن ابن عباس و عن جابر عن الباقر .
و رواه : الشيخ الطوسي في أماليه بأسانيده من رجال أهل السنة و غيرهم ، عن زين العابدين ، و ابن عباس ، و انس ، و أبي عمرو بن العلا ، و عن أبي اليقظان عمار عن رسول اللّه ، و في مجالسه عن أبي ذر:  أن أمير المؤمنين احتج في الشورى بأن الآية نزلت في شأنه.
و في غاية المرام : رواه ابن بابويه و ابن شاذان و الكليني و الطوسي و ابن عقده و البرقي و ابن فياض و العبدكي و الصفواني و الثقفي ، بأسانيدهم عن ابن عباس و أبي رافع و هند بن أبي هاله.
 و رواه من أهل السنة : الحافظ أبو نعيم عن ابن عباس. و الثعلبي في الجزء الأول من تفسيره. و رواه أيضا في تفسيره و ابن عقبة في ملحمته ، و أبو السعادات في فضائل العشرة بأسانيدهم عن أبي اليقظان عمار .
 و رواه الغزالي : في باب الإيثار من الإحياء بالنحو المفصل في مباهاة اللّه لجبرائيل و ميكائيل بعلي و نزول الآية في شأنه .
و كذا أورده:  الرازي ، و النيسابوري ، و الشيرازي في تفاسيرهم ، و عن ابن الأثير في الإنصاف في جمعه بين الكشاف و الكشاف ، و رواه في الفصول المهمة عن الأحيا، ء و رواه الثعلبي ايضا بإسناده عن السدي.
و روى : الحاكم في مستدركه ، و الذهبي في تلخيص المستدرك ، و اخطب خوارزم موفق في مناقبه ، و الحمويني في فرائده و فضائل الصحابة ، بأسانيدهم عن زين العابدين قال :
أول من شرى نفسه ابتغاء مرضاة اللّه : علي بن أبي طالب ، عند مبيته على فراش رسول اللّه .
و روى : احمد في مسنده بطريق صحيح و الحاكم في مستدركه ، و صححه على شرط البخاري و مسلم ، و ذكر روايته عن أبي داود و الطيالسي و غيره‏.
و رواه النسائي : في خصائصه صحيحا ، و اخطب خوارزم في مناقبه ، و الذهبي في تلخيصه ، و صححه و الحمويني في كفاية الطالب ، و السمط الأول من فرائده عن ابن عباس في حديث :
 و شرى علي : نفسه ، و لبس ثوب النبي ، و نام مكانه ، و قد كان رسول اللّه البسه برده ، و كانت قريش تريد ان تقتل النبي ..  الحديث.
آلاء الرحمن في تفسير القرآن ج‏1ص185 .

فهذا رضوان الله سبحانه : لمولى الموحدين ، ولذا بالآيات بعده طلبنا أن ندخل في ولايته ، وهي السلم من الله لمن دخلها ، ويعزه الله ، وإلا يخرج ويذهب لولاية الشيطان ، والله عزيز حكيم حين يرضى ويذكر مناقب من يعزه ويؤيده ، وما ينتظر أعدائه ولم يرضى به ولي أمر له .

 

وأما أحاديث المجموعة الثانية :

{  يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً
وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (208)
فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ
فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209) } البقرة .

فالله سبحانه العزيز الحكيم : عرفنا أهل رضاه ومن يستحق العزة بحق ، فمن زل ولم يقبلهم ولم يدخل في ولايتهم ، فالله في الأجل المحدد لهم يأخذهم أخذ عزيز حكيم ، أي وإن أمهلهم فلا يهملهم ، بل لهم أجل لا يتعدوه أبدا ، ,لمعرفة هذا المعنى نذكر روايات الطائفتين ، ورايات المبيت ، ورواية السلم والإسلام والسلامة في ولاية أمير المؤمنين المؤيد بالله العزيز الحكيم .
و قال أمير المؤمنين عليه السلام :
ألا إن العلم : الذي هبط به آدم ، و جميع ما فضلت به النبيون إلى خاتم النبيين و المرسلين .
في عترة : خاتم النبيين و المرسلين .
فأين : يتاه بكم ، و أين تذهبون .
يا معاشر : من فسخ من أصلاب أصحاب السفينة ، فهذا مثل ما فيكم ، فكما نجا في هاتيك منهم من نجا .
و كذلك ينجو : في هذه منكم من نجا ، و رهن ذمتي .
و ويل : لمن تخلف عنهم ، إنهم فيكم كأصحاب الكهف ، و مثلهم باب حطة .
و هم باب : السلم .
{ فادخلوا في السلم كافة
و لا تتبعوا خطوات الشيطان } .
تفسير العياشي ج1ص102ح300 .


في تفسير فرات الكوفي : الإسناد عن أبي رباح عن شريك :
في قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } .
قال : في ولاية علي بن أبي طالب .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : في ولايتنا .
تفسير فرات‏ الكوفي ص66س53ح66-34،ح66-36 .

وهذا حديث جامع للطائفتين مبيت الرضا و ولاية السلم :

عن حكيم بن جبير : عن علي بن الحسين صلوات الله عليه :
في قول الله عز و جل : { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ } .
قال : نزلت في علي عليه السلام ، حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه و آله .
وعن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري النحوي قال :
كان أبو عمرو بن العلاء إذا قرأ : { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ }.
قال : كرم الله عليا ، فيه نزلت هذه الآية .
الأمالي ‏للطوسي ص446م16ح996-2 ،997-3 .

 


قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام :
فلما ذكر الله تعالى الفريقين :
أحدهما : { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ (204)} البقرة
و الثاني : { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ (207)}البقرة .
و بين حالهما.
دعا الناس : إلى حال من رضي صنيعه .
فقال : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً } .
يعني : في السلم و المسالمة إلى دين الإسلام كافة ، جماعة ادخلوا فيه ، و ادخلوا في جميع الإسلام ، فتقبلوه و اعملوا فيه ، و لا تكونوا كمن يقبل بعضه و يعمل به ، و يأبى بعضه و يهجره .
قال : و منه الدخول في قبول ولاية علي عليه السلام ، كالدخول في قبول نبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
فإنه لا يكون : مسلما ، من قال : إن محمدا رسول الله ، فاعترف به ، و لم يعترف بأن عليا وصيه و خليفته و خير أمته .
{ وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ } : ما يتخطى بكم إليه الشيطان من طرق الغي و الضلال ، و يأمركم به من ارتكاب الآثام الموبقات .
{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } : إن الشيطان لكم عدو مبين ، بعداوته يريد اقتطاعكم عن عظيم الثواب، و إهلاككم بشديد العقاب .
{ فَإِنْ زَلَلْتُمْ } : عن السلم و الإسلام ، الذي تمامه باعتقاد ولاية علي عليه السلام ، و لا ينفع الإقرار بالنبوة مع جحد إمامة علي ، كما لا ينفع الإقرار بالتوحيد مع جحد النبوة .
إن زللتم : { مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ } ، من قول رسول الله و فضيلته ، و أتتكم الدلالات الواضحات الباهرات على أن محمدا الدال على إمامة علي نبي صدق، و دينه دين حق .
{ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } :
عزيز : قادر على معاقبة المخالفين لدينه ، و المكذبين لنبيه ، لا يقدر أحد على صرف انتقامه من مخالفيه ، و قادر على إثابة الموافقين لدينه و المصدقين لنبيه ، لا يقدر أحد على صرف ثوابه عن مطيعيه .
حكيم : فيما يفعل من ذلك ، غير مسرف على من أطاعه و إن أكثر له الخيرات ، و لا واضع لها في غير موضعها و إن أتم له الكرامات ، و لا ظالم لمن عصاه و إن شدد عليه العقوبات .
تفسير الإمام ‏العسكري ص626ح 366 .

وقال شرف الدين الحسيني في تفسيره :
و قوله تعالى : { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } .
اعلم : أنه لما أبان الله تعالى فضل أمير المؤمنين عليه السلام ، أنه قد شرى نفسه ابتغاء مرضات الله .
أمر المؤمنين : أن يدخلوا في السلم كافة ، و السلم ولايته ، لما يأتي بيانه، و نهى عن إتباع خطوات الشيطان ، و هو عدوه الذي تقدم ذكره ، في قوله عز و جل : { وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا } هذا معناه .
تأويل الآيات الظاهرة ص98 .
ويا أخوتي : إذا عرفنا أن الله علل الآيات باسم : العزيز :
فتكون : ولاية علي عليه السلام هي العزة لمن أرد العزة من الله سبحانه ، فمن دخلها عز ، وإلا فهو ذليل ، لم يرضى ما رضي الله له ممن رضى عنهم وأيدهم وعز دينه بهم .
,بعد أن عرفنا مجموعة من الآيات الكريمة العزيزة :  نذكر إن شاء الله معنى مختصر في الأحاديث التي تعرفنا معنى العزيز والعزة في تعاليم الله تعالى .

صحيفة الإمام علي عليه السلام : ذكر علي عبادة :

http://www.mowswoat-suhofe-alltyybeyyn.org/0002alamimali.html

+++++++
 

ويا أخوتي الطيبين : قد عرفنا إن المؤمن عزيز بالله ورسوله ودينه وأئمة الحق ، ينتصر بهم بتعلم الهدى منهم وتعليمه والعمل به ، ويخلص الطاعة به لله سبحانه وتعالى ، وإن المؤمن مطمئن قلبه بذكر الله وعبوديته ، وراضي بقضائه وقدره ، ولا يستوحش من تفرق الناس عنه وعن هدى الله .
فإن وجد المؤمنون : واجتمعوا على طاعة الله فهو ، وإلا لا يستوحش في طريق الهدى لقلة أهله ، فلا يهن ولا يبدل إخلاصه ، وهذا المؤمن العادي ، فكيف بأمير المؤمنين عليه السلام .
  ولنتوسع بهذا المعنى :  فنذكر أولا أصل حديث اللوحة ، ما يناسبه من بيان العزة لله ورسوله وللمؤمنين ، وبالخصوص أمير المؤمنين ، وقصص عنهم ، ثم نذكر ما يناسب الموضوع .
 وأما أصل حديث اللوحة ، فهو :
و من كتاب من الإمام علي عليه السلام إلى أخيه عقيل بن أبي طالب :
في ذكر جيش : أنفذه إلى بعض الأعداء و هو جواب كتاب كتبه إليه عقيل :
فَسَرَّحْتُ إِلَيْهِ : جَيْشاً كَثِيفاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ شَمَّرَ هَارِباً وَ نَكَصَ نَادِماً ، فَلَحِقُوهُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ، وَ قَدْ طَفَّلَتِ الشَّمْسُ لِلْإِيَابِ ، فَاقْتَتَلُوا شَيْئاً كَلَا وَ لَا ، فَمَا كَانَ إِلَّا كَمَوْقِفِ سَاعَةٍ حَتَّى نَجَا جَرِيضاً .
بَعْدَ مَا : أُخِذَ مِنْهُ بِالْمُخَنَّقِ ، وَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ غَيْرُ الرَّمَقِ ، فَلَأْياً بِلَأْيٍ مَا نَجَا .
فَدَعْ عَنْكَ : قُرَيْشاً وَ تَرْكَاضَهُمْ فِي الضَّلَالِ ، وَ تَجْوَالَهُمْ فِي الشِّقَاقِ ، وَ جِمَاحَهُمْ فِي التِّيهِ .
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا : عَلَى حَرْبِي ، كَإِجْمَاعِهِمْ عَلَى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ قَبْلِي .
فَجَزَتْ قُرَيْشاً : عَنِّي الْجَوَازِي ، فَقَدْ قَطَعُوا رَحِمِي ، وَ سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي .
وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ : مِنْ رَأْيِي فِي الْقِتَالِ ، فَإِنَّ رَأْيِي قِتَالُ الْمُحِلِّينَ ، حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ .

لَا يَزِيدُنِي:
كَثْرَةُ : النَّاسِ ، حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَ لَا تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً .

وَ لَا تَحْسَبَنَّ : ابْنَ أَبِيكَ ، وَ لَوْ أَسْلَمَهُ النَّاسُ .
مُتَضَرِّعاً مُتَخَشِّعاً : وَ لَا مُقِرّاً لِلضَّيْمِ وَاهِناً ، وَ لَا سَلِسَ الزِّمَامِ‏ لِلْقَائِدِ ، وَ لَا وَطِي‏ءَ الظَّهْرِ لِلرَّاكِبِ الْمُتَقَعِّدِ .
وَ لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي سَلِيمٍ :
فَإِنْ تَسْأَلِينِي كَيْفَ أَنْتَ فَإِنَّنِي _ صَبُورٌ عَلَى رَيْبِ الزَّمَانِ صَلِيبُ‏
يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ تُرَى بِي كَآبَةٌ _ فَيَشْمَتَ عَادٍ أَوْ يُسَاءَ حَبِيبُ‏
نهج‏ البلاغة ص409ح36 .
 

ولأمير المؤمنين عليه السلام : بيانا كريما في هذا المعنى كثير ،  وأنه في طريق الهدى والطاعة لله مخلصا له ، فإن نصره المؤمنون فهو نصر لله وهم يعتزون به وبالله تعالى ورضاه ، وإلا فلا يستوحش من تفرقهم عنه ، فهذا ما عرفنا في الخطبة السابقة وما تراه في الآتية ،  هذا .
وقد قال الله العزيز لنبيه من قبل :
{ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106) وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ
وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا
وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107)} الأنعام .
فالله سبحانه لو شاء لهداهم أجمعين :
{ قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ
 فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) } الأنعام .
ولكن الله سبحانه : يختبر العباد فمن آمن عز به ، وإلا فهو له الذلة الأبدية ، وهذه هو الذي يعرفنا به أمير المؤمنين .

 و من كتاب له عليه السلام : إلى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه إمارتها :
أما بعد : فإن الله سبحانه بعث محمدا ص نذيرا للعالمين ، و مهيمنا على المرسلين .
فلما مضى : تنازع المسلمون الأمر من بعده .
فوالله : ما كان يلقى في روعي ، و لا يخطر ببالي ، أن العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته ، و لا أنهم منحوه عني من بعده .
فما راعني : إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه ، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمد .
فخشيت : إن لم أنصر الإسلام و أهله أن أرى فيه ثلما أو هدما ، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم ، التي إنما هي متاع أيام قلائل ، يزول منها ما كان كما يزول السراب ، أو كما يتقشع السحاب .
فنهضت : في تلك الأحداث ، حتى زاح الباطل ، و زهق و اطمأن الدين ، و تنهنه .
و منه الكتاب :
إني و الله : لو لقيتهم واحدا .
و هم : طلاع الأرض كلها .
ما باليت : و لا استوحشت .
و إني من ضلالهم : الذي هم فيه ، و الهدى الذي أنا عليه ، لعلى بصيرة من نفسي ، و يقين من ربي .
و إني إلى لقاء الله : لمشتاق ، و حسن ثوابه لمنتظر راج .
و لكنني : آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها و فجارها ، فيتخذوا مال الله دولا ، و عباده خولا ، و الصالحين حربا ، و الفاسقين حزبا
فإن منهم : الذي قد شرب فيكم الحرام و جلد حدا في الإسلام .
و إن منهم : من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ .
فلو لا ذلك : ما أكثرت تأليبكم و تأنيبكم ، و جمعكم و تحريضكم .
و لتركتكم : إذ أبيتم و ونيتم .
أ لا ترون : إلى أطرافكم قد انتقصت ، و إلى أمصاركم قد افتتحت ، و إلى ممالككم تزوى ، و إلى بلادكم تغزى .
انفروا : رحمكم الله ، إلى قتال عدوكم ، و لا تثاقلوا إلى الأرض ، فتقروا بالخسف ، و تبوءوا بالذل ، و يكون نصيبكم الأخس .
و إن أخا الحرب : الأرق .
و من نام : لم ينم عنه ، و السلام .
نهج ‏البلاغة ص451ح62.

فكم لأمير المؤمنين عليه السلام : مثل هذه الشكوى من أجل الله ونصر دينه ، وإلا لولا طلب إقامة الحق ودين الله لألقى حبل الدنيا مغربا عنها ، ولم تكن عنده الدنيا وأهلها ممن لم يؤمن إلا كعفطة عنز ، وقد قال عليه السلام :
وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : في الخطبة المعروفة بالشقشقية ، و تشتمل على الشكوى من أمر الخلافة ، ثم ترجيح صبره عنها ، ثم مبايعة الناس له ، وهي طويلة منها .. :
أَمَا وَ الَّذِي: فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ .
لَوْ لَا حُضُورُ : الْحَاضِرِ ، وَ قِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ .
وَ مَا أَخَذَ اللَّهُ : عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ، وَ لَا سَغَبِ مَظْلُومٍ .
لَأَلْقَيْتُ : حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا .
وَ لَسَقَيْتُ : آخِرَهَا ، بِكَأْسِ أَوَّلِهَا .
وَ لَأَلْفَيْتُمْ : دُنْيَاكُمْ هَذِهِ .
أَزْهَدَ : عِنْدِي ، مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ .
نهج‏ البلاغة ص50ح3 الخطبة الشقشقية .

وشكواه في حديث اللوحة : وقوله عليه السلام :
لاَ يَزِيدُنِي:  كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلِي ، عِزَّةً .
وَلاَ تَفَرُّقُهُمْ : عَنِّي ، وَحْشَةً.
ليس من أجل نفسه : بل ليعرفهم أنه عزيز بالله ، ويريد إقامة الحق والهدى ، فإن نصروه عزوا بالله ورسوله وهداه ، وإلا فهم لهم الذل الأبدية بتركه وتوحشهم من دينه ومعارف هداه ، ونصرهم للضلال عند أعدائه ومن حاربه .
وأسأل الله العزيز : أن يثبتنا على ولاية أمير المؤمنين ، ويجعلنا أعزة بطاعته بهداه  ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++

ويا أخوتي الطيبين : العزة لله ولرسوله والمؤمنين ، فمن أعتز بهم فله العزة ، ومن تفرق عن الطاعة وهدى الله ونصر دينه ، فهو في ذلة حقيقة لو ملك ما ملك وعاش ما عاش ، ولنعرف هذا المعنى ، نذكر أحاديث تفسر الآية : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ، ثم نذكر اعتراف أعداء أمير المؤمنين بعزته بالله وذلتهم الحقيقة في الخروج من طاعة الله .

عن الإمام الصادق عليه السلام قال :
إن الله عز و جل : فوض إلى المؤمن أموره كلها ، و لم يفوض إليه أن يكون ذليلا .
أ ما تسمع قول الله عز و جل يقول : { و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين } .
فالمؤمن : يكون عزيزا و لا يكون ذليلا .
ثم قال : إن المؤمن أعز من الجبل ، إن الجبل يستقل منه بالمعاول ، و المؤمن لا يستقل من دينه شي‏ء .

وقال عليه السلام : إن الله عز و جل فوض إلى المؤمن أموره كلها ، و لم يفوض إليه أن يذل نفسه .
أ لم تسمع لقول الله عز و جل { و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين } .
فالمؤمن : ينبغي أن يكون عزيزا و لا يكون ذليلا ، يعزه الله بالإيمان و الإسلام .
الكافي ج5ص63ح1، ح2.

 عن عبد المؤمن الأنصاري عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال :
إن الله عز و جل : أعطى المؤمن ثلاث خصال :
العزة في الدنيا : و الفلح في الآخرة ، و المهابة في صدور الظالمين .
ثم قرأ : { وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ } .
{ بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ( المؤمنون9) أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) } المؤمنون .
الخصال ج1ص152ح187 .


 علي بن جعد عن شعبة عن قتادة عن الحسين عن ابن عباس : أن عبد الله بن أبي سلول كان يتنحى عن النبي ، مع جماعة من المنافقين في ناحية من العسكر ، ليخوضوا في أمر رسول الله في غزوة حنين .
فلما أقبل راجعا : إلى المدينة ، رأى حفالا و هو مسلم ، لطم الحمقاء و هو منافق ، فغضب ابن أبي سلول .
و قال : لو كففتم عن إطعام هؤلاء ، لتفرقوا عنه يعني عن النبي ، و الله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، يعني نفسه و النبي .
فأخبر زيد بن أرقم : النبي بمقالة ، فأتى ابن أبي سلول في أشراف الأنصار إلى النبي ، يعذرونه و يكذبون زيدا .
فاستحيا زيد : فكف عن إتيان رسول الله .
فنزل : { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (المنافقون7) يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ 8) } المنافقون .
يعني : القوة و القدرة لأمير المؤمنين ، و أصحابه على المنافقين .
فأخذ رسول الله : بيد زيد و عركها .
و قال : أبشر يا صادق ، فقد صدق الله حديثك ، و أكذب صاحبك المنافق .
و هو المروي : عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليهم السلام .
المناقب ج2ص81 .
لأن زيد والمؤمنون المخلصون : معتزون بالله ورسوله وولي المؤمنين المعتز بالله كما عرفنا عزة الله لهم .

وهذا أعداء أعداء : أمير المؤمنين عليه السلام يعرفنا أنه عليه السلام معتز بالله ورسوله وأنه على الحق وذلك في البيت قل الأخير :
و لما عزل : معاوية بن أبي سفيان ، عمر بن العاص من مصر كتب إليه :
معاوية الخير لا تنسني _ و عن مذهب الحق لا تعدل‏
أ تنسى محاورة الأشعري _ و نحن على دومة الجندل‏
ألين فيطمع في غرتي _ و قد غاب فصلي في المقتل‏
ألعقه عسلا باردا _ و أمزجه بجنى الحنظل‏
و رقيتك المنبر المشمخر _ بلا حد سيف و لا منصل‏
و نزعتها منهم بالخداع _ كخلع النعال من الأرجل‏
و ثبتها فيك لما يئست _ كمثل الخواتيم في الأنمل‏
فلما ملكت و مات الهمام _ و ألقت عصاها يد الأفضل‏
منحت سواي بمثل الجبال _ و نولتني حبة الخردل‏
فإن تك فيها بلغت المنى _ ففي عنقي يعلق الجلجل‏
و ما دم عثمان منج لنا _ من الله و الحسب الأطول‏
و إن عليا غدا خصمنا _ و يعتز بالله و المرسل‏
يسايلنا عن أمور جرت _ و نحن عن الحق في معزل‏
المناقب ج3ص187 .

وفي رواية بن أبي الحديد :
فلما بلغ الجواب : إلى معاوية لم يعاوده في شي‏ء من أمر مصر بعدها.
شرح نهج البلاغة ج10ص58 .

فهذه يا أخوتي : بعض معاني العزة وقصص فيها ، واعتراف أعداء أمير المؤمنين بعزته بالله ورسوله في الحديث قبل الأخير من القصيدة السابقة .
وسيأتي إن شاء الله : بيان كريم لمعاني العزة وحقائقها ، في أحاديث سيدنا العزيز أمير المؤمنين  ومولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه السلام ، وآله الأعزة الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم .
وأسأل لله العزيز الكريم : أن يعزنا بطاعته ويبعدنا عن معصيته ، وأن يجعلنا أن نتولى هداه من أعزته ومن أعزهم سبحانه وتعالى ، إنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

+++++

بعد أن عرفنا : حقائق العزة ومعنى العزيز ، وإن واقعه هو العزة بالله ورسوله وبالمؤمنين وأميرهم المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، نتعرف على حقائق معنى العزيز وواقعه ، ومعنى العزة وحقيقتها ، وبغرر كلام مولى الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام ، وبجوامع الكلم من آل الطيبين الطاهرين صلى الله عليهم وسلم .

قال أمير المؤمنين عليه السلام في تعريف العز والعزيز :
لا عز : أشرف من العلم .
لطالب العلم : عز الدنيا ، و فوز الآخرة .
من : أنتصر بالله ، عز نصره .
كل عزيز : غير الله سبحانه ، ذليل .
كل عز : لا يؤيده دين ، مذلة .
الطاعة : أبقى عز .
العزيز: من اعتز بالطاعة .
شرف : المؤمن إيمانه ، و عزه بطاعته .
من سره : الغنى بلا مال ، و العز بلا سلطان ، و الكثرة بلا عشيرة .
فليخرج : من ذل معصية الله إلى عز طاعته ، فإنه واجد ذلك كله .

اعتصم : في أحوالك كلها بالله ، فإنك تعتصم منه سبحانه بمانع عزيز .
من اعتصم : بالله ، عز مطلبه .
إن التقوى : دار حصن عزيز لمن لجأ إليها ، و الفجور دار حصن ذليل لا يحرز أهله و لا يمنع من لجأ إليه .
غرر الحكم ص42ح53 . ص43ح90.ص70ح984. ص84ح1346.ص86 ح 1430.ص184ح3493.ح3495.ح3498.ح3501، ص198ح 3920ح 3923.ص270ح 5889 .
يا أخوتي الكرام : ما عرفنا أمير المؤمنين عليه السلام في الأحاديث أعلاه :
في معنى العزة وحقيقتها والعزيز وأصالة وجوده :
أولا العزيز : لابد أن يكون عالم بحقائق من العلم الذي يؤدي إلى حقيقة السعادة في الدنيا والآخرة أبدا ، وهذا العلم عزيز شريف ، وهذا لا يكون إلا بنصر الله العزيز سبحانه وتعالى ، ومن أنتصر بالله عز ، وغير الله ومن أعزهم الله فهم أذلة مهما كانوا في هذه الدنيا ، لأنه من لم يطع الله في ما أمره ولم ينتهي عما حرم عليه فهو ذليل في ذنوبه التي سيعاقب عليها بنار لا تبيد أبد وتشوي الوجوه .
فإذا شرف المؤمن : إيمانه وعلمه بمعارف الله التي يطيعه بها .
وهذه هي حقيقة العز : وهي لمن أعزه الله وتعزز بالله وطاعته ، ولذا من يحب الغنى الحقيقي الأبدي ، والسلطان الدائم في ملكه في الجنة مع آلاف الحور والولدان المخلدين خدم له لا يعصوه في مملكته ولا ينقلبون عليه ولا يقولون له أرحل لو كان معهم آلاف السنين بل ملاينها فهم يحبوه ، وهم أكثر من أي قوم وعشيرة ، فلابد أن يبقى مع الله ولا يعصيه ، فإنه يجد كل ما يحب من العزة والفخر والمجد والنعيم والكرامة والأحباب المخلصين ، وإلا فلا .
وهذا معنى العز الحقيقي : فهو لمن يعتصم بالله سبحانه وتعالى في كل أموره ، فهو له المنعة والقوة والعزة التامة الكامل بالله سبحانه ، وهذا هو المجد الكامل والحصن الذي لا يتجاوز على حقيقته ولو أجتمع كل أهل الأرض عليه ، لأنه مؤمن بالله وقلبه مطمئن بالإيمان ، فلا تتغير عليه الأحوال وحده كان أو مع ألاف الناس حوله ، فإن رضى الله فوق كل شيء وطاعته والكون معه هو العز الحقيقي ، وهذا حقيقة المنعة والشرف والسؤدد لمن آمن بالله ورسوله ومن أعزهم الله أمير المؤمنين وآله الطيبين الطاهرين وأطاع الله بهداهم .

 

+++
ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا معنى العزيز والعزة وحقائقهما ، وإنه لابد أن يكون العبد مطيعا لله ولمن أعزهم بالله بالعزة الخاصة ، ليستطيع أن يدخل في حصن عزته ويمتنع من المعصية والذنوب ، فيدخل في أوسع أبواب  الرضا بموهبة الإيمان و الصبر على كل شي‏ء بعده ، فيكون في حقيقة العز والرضا بعز الله ورضاه .
نذكر معرفة كريم في العزة : وما يتصور أنه يضادها من فقد الأحبة المؤمنين ، وقد يقال تتسبب للإنسان الوحشة .
وإن المؤمن عزيز لا وحشة له من شيء : وهي أن المؤمن العزيز بالله وطاعته ، لا يستوحش لشيء ومعه معارف عظمة الله سبحانه ، وتعاليم دينه الذي يشمل جميع جوانب الحياة بكل أحوالها وظروفها ، ومعه كتاب الله القرآن الكريم ، وكتب تفسيره ، وكتب الأدعية الكريمة ، وأحاديث  آل محمد صلى الله عليهم وسلم  .
فالمؤمن العزيز بطاعة الله وهداه :  تراه أنس بمعرفته بالله ، ومطمئن قلبه بذكره ، وفرح بهدايته للحق ، ومسرور بمعرف أولي أمر الله وأئمة الهدى  ، فيشارك المؤمنين ويكون معهم في أفراح آل محمد فيفرح لفرحهم ، ويحزن لحزنهم ، وينشر معارفهم ويحفظ هداهم .
وإن المؤمن العزيز بالله وهداه : لو ترك وحده على قمة جبل يكفيه طاعة الله وذكره ، وما يحفظ من آيات كتاب الله والأدعية ، فيمكن أن يعيش آلاف السنين وحده ، وفي أي مكان من الأرض ، لا يهمه إلا طاعة الله والكون في ذكره وتوجه قلبه له .
وإن الإنسان : مهما كان،  تراه تمر عليه أوقات يقال لها أوقات الفراغ ، أو أوقات يسافر عن أهله أو هم عنه ، أو يجلس في مكان لا أنيس له من البشر ولا من المؤمنين ومحافل ذكرهم ، فتراه لا يمل ولا يسأم ولا يحزن ولا يهتم ، يقرأ قرآن أو يحفظ آية ، أو يقرأ دعاء أو أي مر يشغل به نفسه في الحلال والمباح وينتظر رحمة الله وفضله ، فيصل على النبي وآله بأنواع الصلوات ، ويذكر الله بأنواع التسبيح ويشكره بأفضل الشكر ويحمده على كل نعمة ويمجده بأنواع الذكر  ، ويدعوه بأفضل الأدعية .
فلذا نرى أن المؤمن : إذ جبر على ظرف أو حال أن لا يكون له أنيس من المؤمنين ، فهو كذلك فرح بطاعة الله ، مسرور بذكره ، مطمئنة نفسه بمعرفته وما عنده من الهدى .
ولمعرفة هذا المعنى : بأن المؤمن لا يستوحش ممن يتركه ، نذكر هذه الأحاديث عن أمير المؤمنين وآله الطيبين الطاهرين عليهم السلام :
و قال أمير المؤمنين عليه السلام :
العاقل : يستريح في وحدته إلى عقله .
و الجاهل : يتوحش من نفسه .
لأن صديق : كل إنسان عقله ، و عدوه جهله .
كنز الفوائد ج2ص32 .
فالعاقل : لو يقرأ كتاب العقل والجهل في الكافي ، يعرف أنه لا فراغ له ، بل يشغل نفسه بالذكر والطاعة ، والأعمال الصالحة المفيدة وعمل الخيرات ومساعدة المؤمنين ونصر الدين ، وبكل أمر يجعله في طاعة الله ورضاه .

و قال صفوان بن يحيى لأبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام :
بلغني : أن المؤمن إذا أتاه الزائر آنس به ، فإذا انصرف عنه استوحش .
فقال : لا يستوحش .
من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج1ص181ح544.

وقال الإمام الباقر عليه السلام :
ما يبالي : من عرفه الله هذا الأمر .
أن يكون : على قلة جبل ، يأكل من نبات الأرض حتى يأتيه الموت .
الكافي ج2ص245ح3 .

عن عبد الواحد بن المختار الأنصاري قال : قال أبو جعفر عليه السلام : يا عبد الواحد :و
ما يضر رجلا : إذا كان على ذا الرأي ، ما قال الناس له .
و لو قالوا : مجنون ، و ما يضره ، و لو كان على رأس جبل يعبد الله حتى يجيئه الموت .
الكافي ج2ص245ح1 .

المؤمن آلف : ولكنه إن بقي وحده لا يستوحش ، بل يكون في أي نوع من الذكر والطاعة ، بل يبحث عن عمل يكون فيه رضى الله تعالى .

فعن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قال الله تبارك و تعالى :
لو لم يكن : في الأرض ، إلا مؤمن واحد ، لاستغنيت به عن جميع خلقي .
و لجعلت له : من إيمانه أنسا ، لا يحتاج إلى أحد .
الكافي ج2ص245ح2 .
فالمؤمن العزيز بالله : لا يتسوحش أبدا حين يكون في طاعة الله وذكره عملا أو علما أو نية .


وقال الإمام الصادق عليه السلام :
ما ينبغي للمؤمن : أن يستوحش إلى أخيه ، فمن دونه .
المؤمن : عزيز في دينه .
الكافي ج2ص245ح4 .
المؤمن العزيز : بطاعة الله حتى لو فقد أخوته المؤمنين ومحافل ذكرهم لله ، فهو لا يستوحش ، فيجعل له محفل ذكر لله ، وعمل خير صالح يوصل لطاعة الله ، وفي طاعة الله ورضاه .
 وإن كانوا مع المؤمنين : فهو في عزة على عزة ،  فهم في طاعة الله جميعا ، يذكرون هدى الله ومعارف الحق لأولياء الله ، وقيمون ما به ينشرون هدى الله الحق وتعاليم دينه الصادق  ، ولذا :

قال الإمام الصادق عليه السلام :
إن المؤمن : ليسكن إلى المؤمن.
 كما يسكن : الظمآن ، إلى الماء البارد .
الكافي ج2ص247ح1.
وأسأل الله سبحانه العزيز الجبار : أن يجعل محفلنا هنا في هذه الصفحات ، في طاعته ويجعلها نورا في ميزان حسنات العاملين المشاركين أو المطالعين ، ويؤنسنا بما نرى من معارف هداه ، وتعاليم دينه بأجمل منظر ، فيكون هو أنسنا وبما أنعم علينا من نعمة المعرفة للهدى،  ولكل علم عام ينفعنا لأن نعرف هداه وطاعته ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++++

يا أعزتي المؤمنين الطيبين : يا من لهم العزة بالله ورسوله وأمير المؤمنين ، وبالأعزة ممن يحبون الله وأعزته ، المؤمن عزيز عند الله لطاعته ، فلا يستوحش لشيء بعد هذا ، وعرفنا إن كان مع المؤمنين فهو في اجتماع العزة وكمالها .
 ولكن لو فقدت : محافل ذكر الله وأهل طاعته ، وما يعرف أئمة هداه وأفراحهم وأحزانهم ، وأجبر على سفر في بلاد غربه أو منعت في بلاده .
 فالمؤمن يبقى عزيز : مطمئن بذكر الله وتعلم معارف هداه ، ونشرها بأي صورة كانت ، فيكون أبي النفس كريم الروح ، عالي الهمة شديد الشكيمة ، لا يستوحش في طريق الهدى لقلة أهله ، فهو حتى لو صار وحده في أي مكان ، فهو يبقى ويكون في طاعة الله ورضاه وهذه هي حقيقة العزة الأبدية ، وبالخصوص بعد الدنيا الفانية .
وذكرنا أجمل وأعلى معاني العزة لله ولرسوله وللمؤمنين : الذين أعزهم الله سبحانه ، وبقية بعض المعاني ، تعرفنا أن العزيز بالله لا يستوحش من أي شيء ، فقد الأحبة مجبرا أو حوله ألاف الناس أو لا أحد ، أو فقر أو غنى ، أو صحة أو مرض ، مقيم في وطن أو في سفر ، فالمؤمن حقا بعين الله يرعاه ، وفي حصنه متمكن ، وفي هداه مطيع ، ولمعرفة معاني عالية في العزة ، نذكر بعض الأحاديث الكريمة .

 عن إبراهيم بن مهزم قال : سمعت الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يقول :
من أخرجه الله عز و جل : من ذل المعاصي إلى عز التقوى .
أغناه : بلا مال ، و أعزه بلا عشيرة ، و آنسه بلا بشر .
و من خاف الله : لم يخف من كل شي‏ء ، و من لم يخف الله أخافه الله من كل شي‏ء .
و من رضي من الله : باليسير من المعاش ، رضي الله منه باليسير من العمل .
و من لم يستح : من طلب الحلال خفت مئونته و نعم أهله .
و من زهد : في الدنيا ، أثبت الله الحكمة في قلبه ، و أطلق بها لسانه ، و بصره عيوب الدنيا داءها و دواءها .
و أخرجه الله : من الدنيا ، سالما إلى دار السلام.
الأمالي ‏للطوسي ص721م 43ح 1521-5.

 وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
في حق من أثنى عليهم : هجم بهم العلم على حقيقة الإيمان .
و باشروا : روح اليقين ، فاستسهلوا ما استوعر المترفون .
و أنسوا : بما استوحش منه الجاهلون .
و صحبوا : الدنيا بأبدان،  أرواحها معلقة بالمحل الأعلى .
أولئك : خلفاء الله في أرضه ، و الدعاة إلى دينه ، آه آه شوقا إلى رؤيتهم .

من أنس : بالله ، استوحش من الناس .
من استوحش : عن الناس،  أنس بالله سبحانه .
من لم : يحسن ظنه ، استوحش من كل أحد .
غرر الحكم ص121ح 2111 .ح 199ص 3950 .ص199ح3951.ص254ح 5333.

 وعن الزهري قال : قال علي بن الحسين عليه السلام :
لو مات : من بين المشرق و المغرب ، لما استوحشت .
بعد أن يكون : القرآن معي .
و كان عليه السلام :
إذا قرأ : مالك يوم الدين يكررها ، حتى كاد أن يموت .
الكافي ج2ص602ح13.

وعن فضيل بن يسار قال : دخلت على أبي عبد الله عليه السلام :
في مرضة مرضها : لم يبق منه إلا رأسه .
فقال : يا فضيل إنني كثيرا ما أقول :
ما على رجل : عرفه الله هذا الأمر ، لو كان في رأس جبل حتى يأتيه الموت .
يا فضيل بن يسار : إن الناس أخذوا يمينا و شمالا .
و إنا و شيعتنا : هدينا الصراط المستقيم .
يا فضيل بن يسار : إن المؤمن :
لو أصبح : له ما بين المشرق و المغرب ، كان ذلك خيرا له .
و لو أصبح : مقطعا أعضاؤه ، كان ذلك خيرا له .
يا فضيل بن يسار : إن الله لا يفعل بالمؤمن ، إلا ما هو خير له .
يا فضيل بن يسار : لو عدلت الدنيا عند الله عز و جل جناح بعوضة ، ما سقى عدوه منها شربة ماء .
يا فضيل بن يسار : إنه من كان همه هما واحدا ، كفاه الله همه .
و من كان همه : في كل واد ، لم يبال الله بأي واد هلك .
الكافي ج2ص245ح5 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : قال الله عز و جل :
ما ترددت : في شي‏ء أنا فاعله كترددي في موت عبدي المؤمن .
إنني لأحب : لقاءه ، و يكره الموت فأصرفه عنه .
و إنه ليدعوني : فأجيبه ، و إنه ليسألني فأعطيه ، و لو لم يكن في الدنيا إلا واحد من عبيدي مؤمن .
لاستغنيت به : عن جميع خلقي .
و لجعلت له : من إيمانه أنسا ، لا يستوحش إلى أحد .
الكافي ج2ص245ح6 .

وعن سماعة بن مهران قال : قال لي عبد صالح الإمام موسى الكاظم عليه السلام : يا سماعة :
أمنوا على فرشهم : و أخافوني .
أما و الله لقد : كانت الدنيا و ما فيها إلا واحد يعبد الله ، و لو كان معه غيره لأضافه الله عز و جل إليه .
حيث يقول : { إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121)
وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) } النحل .
فغبر بذلك : ما شاء الله .
ثم إن الله : آنسه‏ بإسماعيل و إسحاق فصاروا ثلاثة .
أما و الله : إن المؤمن لقليل ، و إن أهل الكفر لكثير ، أ تدري لم ذاك ؟
فقلت : لا أدري جعلت فداك .
فقال : صيروا أنسا للمؤمنين ، يبثون إليهم ما في صدورهم ، فيستريحون إلى ذلك و يسكنون إليه .
الكافي ج2ص244ح5 .

فهذا حقيقة قول أمير المؤمنين : العزيز بالله العزيز ، وبرسوله العزيز ، وبالقرآن الكريم العزيز ، وبدعاء الله العزيز ، وبالنظر إلى رحمة الله العزيزة ، ورعاية الله العزيزة ، فهو مدام في طاعة الله لم يستوحش لشيء ، وإن كانوا معه الكثرة لم تمنحه العزة ، فهو العزيز بالله ، يمنح العزة في الدنيا والآخرة لم يتولاه فيدخل بحبه ومعارف هداه طاعة الله بحق فيصير عزيزا أبدا .
بل كان يسكن له : ويطمئن بقربه كل شيء ، ومن يبث له حزنه وهم ويسأله أن يفرج عنه ويقضي حوائجه ، فإنه في عالم البرزخ أمير العز يدعو له وهو الكريم ، والله الذي أعزه يستجيب له ، فكيف بالمؤمنين من أحبتهم الذين أعزهم الله بعزه .
وأسأل الله العزيز : أن يؤنسنا بذكره ، وبمحافل ذكره وطاعته ، وبالخصوص في مجتمعات المحبين لنبي الرحمة وآله الطيبين الطاهرين ، وبالخصوص اجتماعنا هذا ، فيكون في طاعته ، فيهبنا العزة والمهابة والكرامة والنعيم ، وكل ما به خير وصلاح لأن نكون معه أبدا وفي طاعته دائما.
 يا الله يا عزيز : بعزك الذي لا يضام ، أعزنا يا عزيز يا الله ، بحق الأعزة الكرام محمد وآله الطيبين الطاهرين ، فإنك العزيز تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير وإنك على كل شيء قدير ، يا أرحم الراحمين يا الله يا عزيز ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com