بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة / الأربعون حديث الثانية / الحديث
 يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ الْمَاحِلُ
وَلاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْفَاجِرُ
وَلاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْمُنْصِفُ
 


قال الإمام علي عليه السلام : يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر ولا يضعف فيه إلا المنصف

نص الحديث :

قال الإمام علي عليه السلام  :
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
لاَ يُقَرَّبُ فِيهِ إِلاَّ الْمَاحِلُ
وَلاَ يُظَرَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْفَاجِرُ
وَلاَ يُضَعَّفُ فِيهِ إِلاَّ الْمُنْصِفُ


شرح الحديث :

لوحات قيمة كريمة تأتينا في كل يوم حسنة الجمال : تعلمنا معارف الهدى والدين والمحبة والمودة والفضائل و الكمال ، واليوم جاءت تحكي لنا ما يصير له حال العباد في آخر الزمان وكيف تتبدل الأحوال ،  ويتغير فيه الصدق والصداقة وقيم تقدير فضائل النساء والرجال ، ويتبدل المعروف منكر والمنكر معروف ويصير واقعا ما يعد من المحال .
 فيقربون :
الماكر الغاش والمخادع ذو المكائد ومن لم يكن ناصح والماحل المحول الضلال هدى وهو حيال ، ويتركون الصادق المحب والجليل النجيب الفاضل ومن هو حسن الخلق صادق النطق طيب المقال .
 ولا يستلطفون :
ولا يستأنسون ولا يستظرفون إلا الفاسق الفاجر المفسد ومن كان أهل الضلال و الباطل ، وعندهم مكروه ممقوت ثقيل من هو تقي نجيب عفيف شريف ومن يكون عنده الأمانة والصداقة بحقها حاصل .
وعندهم في آخر الزمان
: يكون غبي أهبل معتوه من هو منصف و المحسن والكريم والعادل ، ولا يرون محبة ولا مودة لمن يعمل الخير ويحب الصالحات وهو من أهل الكمال والحنكة ولا أحدا به راضي ولا له أحد قابل .
 فهذا صورة :
فيها حديث كريم يصور لنا الملاحم والفتن في عجائب آخر الزمان ، حين يفشو وينتشر الظلم والجور والفسوق والعصيان ، ويصير كأن واقع لا يقبل التغيير حين يحكم الظلمة وأهل الجور والطغيان .

فيحنها يظهر الله تعالى:  ولي أمره وإمام الحق صاحب العصر والزمان ، وينشر المحبة والمودة والصلاح والفلاح والأمن والأمان ، وهو المصطفى المختار وذو العلم والحلم والكمال الرءوف الحنان ، الحجة بن الحسن المهدي المنتظر عليه أفضل التحية والسلام ، فيقيم الدين الحق ويبدل الجور والظلم والفسق والفجور والضلال والظلام ، بالعدل والمحبة والإحسان والخير والبركة وهدى الإسلام ، وينشر معارف دين الله والأخلاق الفاضلة والآداب الحسنة ويرجع القيمة الحقة فيحلها بالحق بين الأنام .
 فهذا فضل الله :
لمن آمن به وأنتظره وتوقعه ويعد العدة له ويتخلق بهداه ويتولاه بالصبر والدعاء بانتظام ، ولا ييأس من روح الله ونصره لدينه وهداهم حتى يظهر وليه وحجته الحق وخليفة سيد المرسلين الإمام ، فهذه معرفة عزيزة يحبها من عبد الله وهو متخلق بهداه وآداب دينه وعبده بمعرفة مؤمنا به مصدقا له وصلى وصام .

كلام كريم من أمير المؤمنين ومولى الموحدين عليه السلام : يعرفنا به بعض أخبار الملاحم والفتن في آخر الزمان ، ويخبرنا عما سيحصل في آخر العصر قبل قيام القيامة من حال العباد وتسلط الظلم والجور والفجور  ، وهي أحوال تعد من علائم الظهور لولي أمر الله سبحانه في العباد ، وسبطه الحادي عشر والإمام الثاني عشر من آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، فيظهر الله به العدل والإحسان وينشر به المودة والمحبة والحنان ، بعد أن ينتشر الظلم والعدوان ، ويصدق فيه الماحل وهو الحيال الماكر ويقرب ، يعجب ويستظرف الفاسد الفاجر ، ويستضعف المؤمن المنصف فلا يقبل رأيه  ولا يعتنى به ولا يقرب ، وهذه في الحقيقة ثلاثة علائم من أحوال فساد آخر الزمان ، ويوجد مثلها وما يقاربها مئات أخرى يتوقع حصولها ، فيفسد الزمان وأهله ولا يصلحه إلا الله سبحانه ، فيظهر أبو صالح المهدي عجل الله ظهوره ، وجعلنا الله من أنصاره وأعوانه .
ولا حول ولا قوة بالله العلي العظيم :
وأسأل الله أن يثبتنا على دينه وهداه ، وأن يجعلنا من المنتظرين لعدله والعاملين به فعلا ، حتى نكون بحق من أنصار وليه والمنتظر له بما يحب ويرضى ، وأن يجنبا المعصية وكل مكر وحيلة ومحالة وفجور ، فإنه أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

ويا أخوتي الطيبين : حديث اللوحة ، فيه أصل ظهور الفساد في البر والبحر في آخر الزمان ، وهو  حيث يتسلط على الحكم ظلمة وطغاة ، ويكون أعوانهم أشر منهم ، يحسنون القبيح ويقبحون الحسن ، وينهون عن المعروف ، ويأمرون بالمنكر ، فيكون عندهم الثراء الغير مشروع من حقوق العباد وما يجب أن يصرف لإصلاح أمور البلاد ، حقا وملكا شخصي لهم ، يستخدموه بمباهاة وفخر في ملاذهم وشهواتهم وترفهم الغير مشروع .
 ويكون شعب البلاد : كالعبيد لا رأي لهم ولا مشورة منهم ، و إن استشار الحكام أحد ، فيأتون بمن يحسن أعمالهم ، ولا يعترض عليهم ولا ينصحهم ، فيغلب الجور والضلال والظلم والفساد .
ويكون رأي المنصف : والمطالب بالإنصاف والإحسان ، ظالم قبيح متدخل في شؤون الحكم والملك ، وبعيد عن الحكمة والرشد ، ومن يأمر بالعدل ضعيف الرأي لا يستشار ولا يطلب نصحه ولا يستعان به .
وتوجد علامات أخرى كثيرة قرب للظهور : ولكن ما ذكر في الحديث ، تكون هي أصول ، و يرجع إليها كثير من أسباب فساد الناس والحكام وأتباعهم ، وشياع الظلم والجور وانتشار الفساد والرشوة والسرقة من حقوق العباد .
ولمعرفة هذا : نذكر أصل الحديث ، مع بعض الشرح والشواهد ، ليتضح معناه ويكون لدينا خبر من أول ظهور الإسلام على ما سيصبح عليه الناس ، وهو من أخبار الملاحم والفتن في آخر الزمان ، وقرب ظهور ولي الله عجل الله ظهوره ، وأرانا سبحانه الطلعة البهية والغرة الحميدة .
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ :
لَا يُقَرَّبُ : فِيهِ ، إِلَّا الْمَاحِلُ .
وَ لَا يُظَرَّفُ : فِيهِ ، إِلَّا الْفَاجِرُ .
وَ لَا يُضَعَّفُ : فِيهِ ، إِلَّا الْمُنْصِفُ .
يَعُدُّونَ : الصَّدَقَةَ فِيهِ غُرْماً .
وَ صِلَةَ الرَّحِمِ : مَنّاً .
وَ الْعِبَادَةَ : اسْتِطَالَةً عَلَى النَّاسِ .
فَعِنْدَ ذَلِكَ : يَكُونُ السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ النِّسَاءِ ، وَ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ ، وَ تَدْبِيرِ الْخِصْيَانِ .
نهج‏ البلاغة ص485ح102 .

وفي غرر الحكم أضاف بعد جملة العبادة :
و يظهر عليهم الهوى ، و يخفى بينهم الهدى .
غرر الحكم ص348ح8030 .
ولم يذكر ما بعده : والجملتين هما كشرح لمعنى الاستطالة على الناس ، وهما مثل الصدقة غرما وصلة الرحم منا ، فإنه حتى أغلب المتفقهون والمتعبدون  لا يخلصون العبادة لله ، وإنما يطلبون بها الرئاسة والفخر ، وهم في حال رياء وحب الظهور ، وهم مع عامة الناس يرون إن ما ينفقون في سبيل الصلاح والخير والإحسان ، يعتبروه خسارة لهم وغرامة أجبروا عليها ، لعدم إيمانهم الصادق بثواب الله للمنصفين والمحسنين ، وكذا تكون صلة الرحمة منة وأذى على من يزوره ويوصله من أقاربهم ، فتكون حتى زيارة الأم والأب بمنة وحنة وتململ ، وكأنهم يذهبون لمكان مكروه وثقيل الجو والمنظر .
كما أن مجمل تغير أحوال الناس : لتغير سبيل الحكام ومن يتخذوهم أعوانا لهم ، فلا يتخذون إلا المتملق لهم الداعم لطغيانهم المصدق لكذبهم والمحسن لهم قبيح وظلم أفعالهم ، والمظهر لجورهم وفسادهم  عدل وعفة .
ولذا ترى ذوي الشأن والحكام : في الغالب يستعينون بالجواري والنساء الاتي لا يهمن إلا زينة الحياة الدنيا وحب الظهور ، فيسيطرن بتملقهن وتزينهن عليهم فكريا وإداريا ، ولنقل ما يسمى السكرتيرة بل السكرتيرات ، والإداريات .
 وكذا لا يستخدمون : من هو عفيف عالم شريف فاضل ذو فكر ثاقب يحب العدل والإنصاف ، فيتركون من عنده علم وفضل ومن يطالبهم بالإنصاف ، ويعتبروهم ذو رأي ركيك واهي لا يصح الاعتماد عليه ، لأنه لا يحسن فعلهم ولا يملئ جيوبهم ، وأنه ينزل من شأنهم وتسلطهم وأنسهم وتمتعهم بالذات وسرقة الأموال ، وصرفها كيف يشاءون على تحصيل زينة الحياة الدنيا وجمعها .
فلذا ترى الحكام وأهل السلطة : يستعينون بالخدمة على النساء  المحبات للدنيا في إدارة مكاتبهم ويستشرون نسائهم وصديقاتهن وإن لم يكن لهن علم ولا حكمة ولا دراية في الحكم ، ويعتمدون على الشباب المحب للجاه والسلطة من أبناءهم وأصدقاؤهم  ، فيكون تدبير البلاد والعباد كأنه خصي ليس فيه رأي الفحل والذي يعتمد عليه في تلاقح الأفكار ، وإنتاج المصالح الفاضلة والأعمال الخيرة ، فتفسد البلاد والأمة وأفراد العباد .

+++++
 

و عن الأصبغ بن نباتة قال في مثل الحديث اللوحة قال :
 سمعت عليا عليه السلام يقول :
إن بين يدي القائم : سنين خداعة .
 يكذب : فيها الصادق ، و يصدق فيها الكاذب .
و يقرب : فيها الماحل .
و في حديث : و ينطق فيها الرويبضة .
فقلت : و ما الرويبضة و ما الماحل ؟
قال : أ و ما تقرءون القرآن ، قوله : { وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ } .
قال : يريد المكر .
فقلت : و ما الماحل ؟ قال : يريد المكار .
الغيبة للنعماني ص278ب14ح62 .
وهذا الحديث : يؤيد بأن الحديث السابق ، يحكي عن أحوال قرب ظهور سبط أمير المؤمنين صاحب العصر والزمان الحجة المهدي بن الحسن العسكري ، بن علي الهادي ، بن محمد الجواد ، بن موسى الكاظم ، بن جعفر الصادق ، بن محمد الباقر ، بن علي زين العابدين ، بن الحسين سيد الشهداء ، أخ الحسن المجتبى ، بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، وهذه أسماء وألقاب أئمة الحق وولاة أمر الله في عباده و خلفاء خاتم الأنبياء المصطفين الأخيار الطيبين الطاهرين ، من آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، وهم أمير المؤمنين وأولاده أحفاد رسول لله من بنته فاطمة الزهراء صلى الله عليهم وسلم ، إمام بعد إمام ، حتى ظهور أخرهم الغائب المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف .
وأما في قرب زمان الظهور : يتلكم الرويبضة ، وقد سماه الإمام الماكر .
لأن ما جاء في كتب اللغة : الربض : هو ما حول مدينة أو قصر من مساكن جند أو غيرهم ، ومنه مرابض الأنعام والغنم التي تبرك فيه وتبات .
و ربض الرجل : امرأته .
و الرويبضة: الإنسان المجهول‏.
و في ذكر الفتنة: و يتكلم فيها الرويبضة .
قيل: فما الرويبضة ؟
قال: الفويسق يتكلم في أمر العامة.
وهو نفس ما في الحديث : السابق في المعنى ، أي يتكل الناس ممن ليس لهم علم وفهم ودراية ودراسة مهم ، وبهم تم تسيير دفة الحكم والبلاد ، وهم يشيرون على الحكام في تحسن فكرهم وترفهم وهمل مصالح العباد ، فيسيطر على الحكام من له مكر وفاسد وحيال ، ممن يسكنون معهم من الخدم والحشم والسكرتيرات والعشيقات والغلمان ومن أمثالهم ، ولا يعتمدون في إدارة دفة الحكم على ذوي الرأي والعلماء والأفاضل .
وأما استشهاد الإمام بقوله تعالى : { وهو شديد المحال } .
هو مثل قوله تعالى : { ويمكرون ويمكر الله وهو خير الماكرين } .
أي يستخدم : الحكام والمتسلطون على العباد والبلاد ، أهل المكر والحيلة والمخادعين .
وأما شأن الآية مع الله سبحانه : { وَ هُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ } أي قويّ الكيد، شديد القدرة و العذاب للمجادلين بالباطل‏.
ولكن في زمن الحكام : يجادل أهل الباطل وأعوان الحكام ، أهل الحق من المستضعفين والشعب ، من المتلقين للحكام ممن يحسنون لهم ظلمهم وجورهم وفسادهم وطغيانهم ، فينسبون من يحب الصلاح بالخارج عن القانون والمتدخل فيما لا يعنيه .
فنطق الرويبضة الماحل : هو من يكون قرب الحكام وأهل لسلطة ، وهو رابض عنده كخادم و المساعد من الرجاء والنساء من يعده مشاور له ، وهو ماكر مخادع متملق يحسن القبيح ، ويجعل المعروف منكر والمنكر معروف .
فالرويبض الماحل : هو  كل من يسكن حول السلطان والحاكم ممن يستشيرهم أو هم يتدخلون بتحسين فعله ويسمع كلامهم ويحب تملقهم ، وليس كلهم حتى من له رأي وبسيط ليس له شأن ولا كلمة ، فكثير المحيطون بالإنسان ذو الشأن ورابضون حوله ، ولكن المتنفذين في شؤونه من أهل الحيل والمكر والماحل و مسمعوه الكلمة معدودون ، وهم في الغالب من المتمنطقين وأهل الفضول المتدخل في شؤون الحاكم ، وبتملق وفذلكة كلام يزين له كل عمل يعمله ، ويستحسنه ويشجعه عليه ويبرره لو كان فيه خطأ ما ، وهو غير ناصح ولا يهم النتائج في المستقبل مادام في العاجل يرضي الظالم والمفسد ، ويكرمه عليه ويقدره على تأييده .
وأطلنا البيان : في بيان معاني الحديث ، لأنه هذه الخصال في تسلط المفسدين على رأي الحكام ، والمتملقين من ليس لهم فضائل ، لكثير التحقق في الزمان ، ويشمل أغلب الحكام سابقا والآن ولاحقا ، ولكن في أخر الزمان يشتد الأمر .
وإن الحكام وبالخصوص المتكبرون : والطغاة ، لا يعتمدون على أهل الفضل لأنهم يشعرون بالنقص عندهم ، ويأمروهم بخلاف أهوائهم وترفهم وبذخهم،  ويطالبوهم بالعدل والإنصاف والإحسان ، وهو لا يناسب الحاكم الذي يحب أن يكون رأيه الأول ، وحكمه مهما كان نافذ يستحسنه الجميع ، ومن طبيعة الإنسان أنه لا يحب من يفكر أحسن منه ويرشده ويعضه دائما .
بل نفس أهل الفضل : والزهاد في الغالب ، لا يرغبون مصاحبة الحاكم الجائر والفاسد ، وفي قصص أهل البيت عليهم السلام مع الحكام ، كثير من مثل هذه المواقف ، منها :
قال ابن حمدون : كتب المنصور الحاكم العباسي إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام :
لم لا تغشانا : كما يغشانا سائر الناس ؟
فأجابه : ليس لنا ما نخافك من أجله ، و لا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له .
و لا أنت في نعمة فنهنيك ، و لا تراها نقمة فنعزيك بها .
 فما : نصنع ، عندك ؟
قال فكتب إليه : تصحبنا ، لتنصحنا .
فأجابه عليه السلام : من أراد الدنيا لا ينصحك ، و من أراد الآخرة لا يصحبك .
فقال المنصور : و الله لقد ميز عندي منازل الناس ، من يريد الدنيا ، ممن يريد الآخرة ، و أنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا .
كشف الغمة ج2ص208.
وهكذا أكره الإمام الرضا : علي بن موسى بن جعفر بن بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، على ولاية العهد للمأمون بن هارون ، ولما أجبر على تقبل الولاية ، أشترط الإمام عليه أن لا يحل ولا يربط ولا يتدخل في أموره ، فقبل منه ، ومع ذلك لم يتحمل المأمون الإمام ومطالبته بالعدل والإنصاف ، فسمه .

 وبمثل هذا جاء في قصص أبنائهم عليهم السلام : حتى سجنوا في محلة العسكر في سامراء ، ومراقدهم عامرة الآن ، ويزورهم في كل حين المؤمنون الطيبين الذين يقرون لهم بالولاية والإمامة ، ويشهدون لهم بالنصيحة في الهدى وتعليم معارف الدين ، وهم كل من عرف شأنهم الكريم .
وقد ضيق على آل البيت وأئمة الحق عليهم السلام : الحكام من بين العباس وسجنوهم ، وجعلهم في إقامة إجبارية في سامراء ، حتى غاب الإمام الثاني عشر من آل محمد الحجة بن الحسن عليه السلام ، بعد أن أراد الله أن يمتحن العباد به ، ليظهر ما في نفس من يحب العدل والإنصاف فيحب ظهوره علما وعملا ، ممن ينكره ويبرر حكم الظالمين من أعداء آل محمد ويستحسن أفعالهم بل ويفعلها هو يكون عونا لهم .

وقد قال الله سبحانه : في تحقق يوم العدل الحتمي ليعرف الله العباد قدرته ، يجعل الأرض كلها على عبوديته ودينه :
{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ
مِن بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)
 وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (108)
فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء
وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (109)
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110)
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)
قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) } الأنبياء .
وإن الذكر : هو القرآن الكريم : {  إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) }الحجر .
والأرض كلها : لم يرثها العباد الصالحون ، إلا حين ظهور أبو صالح المهدي عجل الله ظهوره .
ولم يحدد الله الظهور : قريب أم بعيد وقت الظهور وما نوعد ، بل جعله فتنة يمتحن بها المؤمن المنتظرون لظهور العدل ممن يستنكرون حكمته .
ومثله في وعد الله بظهور دينه قوله تعالى :
{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) } الفتح .
لكي يظهر على الدين كله : فيشمل الأرض ومن عليها كلهم ، فلابد من الظهور الذي يحفه الله سبحانه بالتأييد والمعجزات القاهرة ، فينتصر إمام العدل أبو صالح المهدي عجل الله تعالى ظهوره على أهل الظلم والطغيان والماحلين والفجار .
والآيات : الصريحة والمؤولة في الظهور كثيرة ، وعقد لها بابا في بحار الأنوار ، وكذا في معجم أحاديث الإمام المهدي عليه السلام وكتب كثيرة خيرها .
وأسأل الله : أن يجعلنا من المصلحين المنتظر لظهور ولي الأمر عجل الله تعالى فرجه الشريف ، وأن يجعلنا من أعوانه وأنصاره ، ومن المستشهدين بين يديه ، ورهم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com