بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رحمه الله
 كن على عمرك
أشح منك على درهمك ودينارك


من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم  لأبي ذر : كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك

نص الحديث :

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رحمه الله :
كن : على عمرك :
أشح منك  : على درهمك ، ودينارك .
 

 

شرح الحديث :

لوحة جميلة هادئة تسكن الروح عامرة بالهدى : فيها معارف تأمرنا بقصر الآمال وباطل المنى ، وترك الشح والحرص والبخل على الدينار والدرهم قبل أن يأتي يوم البلى ، وهو يوم لا رجعة بعده ولا ينفعنا ما نبقيه في الدنيا ولم نقدمه للآخرة ولم نشتري به جنة المأوى ، ويطالبنا ما زين الصورة بالشح على العمر والسير به على صراط مستقيم ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا ما كان بقلب سليم وطلب به طاعة الله فصام فيه العبد وصلى ، وقدم الخيرات وعمل الصالحات وسعى بجد للفوز بنعيم لا يزول ولا ينفى ، فقدم أنفاس عمرة ليوم لا فقر فيه ولا مرض ولا غم ولا هم وفيه كل النعيم والفرح والسرور و حقيقة الغنى ، جنة عرضها السماوات والأرض أعدة لمن أفنا عمره في تحصيل رضى الله سبحانه وله ثواب السعادة والهنى وطوبى وكل جميل وحسنى ونعيم فيه يبقى .
وأما يا أخوتي الطيبين :
من شح على الدينار والدرهم وحرص على زينة الحياة الدنيا ، فإنه بحق أقول ليس له بجمعه وتعبه وكده لتحصيل الدينار والدرهم والليرة والجنيه والدولار والين واليورو والحرص على أمثالها إلا الحسرة والتندم الدائم وعنه لا يسهى ولا له ينسى ، نعم فإنه بعد مدة من عمره ليس له إلا التأسف على ما خسر من عمره من أجل تحصيلها ، والندم الكثير لما فقد من أيامه العزيزة في السعي المجد من أجل جمعها ، والخسارة للفكر الكثير وهم الاهتمام لحفظها ، وهو تراه في آخر عمره بل في الرزخ والقيامة والنار حزينا متأسفا بغير رجعة قد عافها و تركها ، ولبخله بزينة الدنيا يكون ما جمع من الذهب والفظة وما هو بقيمتها حطب جهنم ويكوى بها ، لأنه لم يطلب بها شكر المنعم عليه بها ولا عمل صالحا ولا فعل خيرا من أجل بقائها ، ولم يعطي حقوقها ولا تصدق ولا خمس ولا زكى ولا من الحرام طهرها ، فبقي حلالها حسابا له وحرامها عقابا عليه وليس له شيء يبقى نافع له مما ترك في الدنيا من زينتها ومالها  .

فهنيئا وطوبى والفرح والسرور والنعيم : لمن قدم مما يحصل عليه من أجل شراء نعيم الأخرى ، ولم يحرص ولم يبخل على ما سيتركه ولا ينفعه في دنيا تفنى ، بل سعى بالحلال وطلب الطيب وتجنب الحرام وأخرج حقوقها وطلب ما عند الله من النعيم والرضا .
فهذا معنى كلام كريم : م
ن نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم يوصي به أبا ذر رحمه الله ، وأسأل الله التوفيق لبيانه بما فيه من معنى ، فإنه كلام كريم جامع لمن يسمع القول فيتبع أحسنه ، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم ، بعد أن أوصاه بحقيقة المعرفة وكيف يعرف دينه من أئمة الهدى من آله ، حثه على الطاعة لله سبحانه بهداهم ، وطالبه بالجد في السعي بالطاعة وعمل الخير والصالحات ، وفي هذه الفقرات من الوصية ، يطالبه بالحرص على عمره وأن لا يصرف منه شيء إلا في طاعة الله ، ولذا فعليه الجد في عمل الخير والصالحات والحرص عليها وتقديمها على ما عنده من المال ليبقى خالدا له ، فيقدم من ماله ودنياه لآخرته ، ولا يقدم عمره وصحته وغناه لفقره في يوم القيامة ، فإنه ما صرف في طاعة الله يبقى ، وما جمع وحرص عليه وبخل به وشح عليه من زينة الدنيا ومالها ولم يقدم للآخرة فإنه يفنى .

وأسأل الله سبحانه : أن يجعل عمرنا كله في طاعته وأن نحرص على عبوديته وشكره بما يحب ويرضى ، ويجنبا الشح والبخل على زينة الدنيا ثم تركها بغير طاعته بلا رجعى  ، فإنه تعالى ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++++
ويا أخوتي الطيبين : إن الشح وهو أشد البخل ، وهو البخل مع الحرص ، والشح على العمر يراد به أن لا يهدر في اللعب واللهو ، أو في جمع زينة الحياة الدنيا من الدراهم ودنانير وما يعادها ، والذهب والفضة وأمثالها ، والأملاك من الدور والبساتين وغيرها .
بل يجعل ما ملك منها : في طاعة الله .
ولا يشترط : أن يهبها كلها ويتصدق بها ، بل يخرج حقوقها ، ويوسع فيها على أهل مودته وأرحامه وأقاربه ، فيسكن فيها قريبا له وهي في ملكه حتى يستغني مثلا ، أو يطعم فيها الطعام ويقيم فيها أفراح آل محمد وأحزانهم ، ويجعلها بتصرف بما فيه طاعة الله سبحانه وتعالى ، فتبقى له في الدنيا والآخرة ، وينوي ويفكر بل يحققه بالعمل فيما يجعل كل عمره وأحواله وملكه بأحسن صورة في طاعة الله ، فيدوم له عمره في سعادة حقيقية في الدارين ، فيورثها لأبنائه إن كانوا من أهل طاعة الله ويقيمون فيها حدود الله بعد أن يخرج حقوقها ، أو يقدم ما يمكن منها في سبيل إعلاء دين الله سبحانه ونشر هداه .
وطبعا في كله : يشترط أن يكون ما حصل عليه من زينة الدنيا ومتاعها بالحلال الطيب ، ولا يخلطها بالحرام ولا يقترب منه .
ولكي نتعرف على هذا المعنى : نذكر أولا ما يختص بالعمر وتطوره وتقديره عند الله ، ثم بعض الآيات في حقيقة الحياة الدنيا وما يجب فيها :
قال الله سبحانه وتعالى :
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ
فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى
وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا
 

وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً
 فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
 

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
 وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا
وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ (7) } الحج .
إن الله سبحانه وتعالى : بين لنا كيفية خلقنا ، وهو كما خلقنا سيميتان ويبعثنا ، والبعث هو استمرار حياة الإنسان بما قدم لآخرته من دنياه .
وما صرف وخرج : من عمره من أجل البقاء في النعيم الدائم في آخرته ، فلذا يجب عليه أن يحرص ويشح على عمره ولا يصرفه إلا بما يبقيه في نعيم دائم أبدي واسع جميل حسن طيب وفي فرح وسرور لا ينفى .
ولا يتم هذا : إلا أن يكون الإنسان قد صرف عمره وما كسبه فيه في طاعة الله ، وعمل به صالحا ، وسابق بالخيرات ، وسارع في التوبة ، ولم يتوانى عن الطاعة والإخلاص لله سبحانه وتعالى في كل عمرة .
وإلا فإن قصر : فيحاسب على حلالها ويعاقب على حرامها ، وعلى كل تصرف له من لحظات عمره ، إن خيرا فخير له ، وإن شرا فشر له .
وأسأل الله : أن يجعل عمرنا كله في كل أدواره وتقلب أحواله في طاعته ، وأن يرحمنا برحمته ، فيوفقنا لما يحب ويرضى ، فإنه أحرم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

+++

وبمثل الآيات السابقة : إن الله سبحانه يعرفنا كيفية البعث لنبقى بعمر دائم ، وأنه ليس عمرنا مختص فقط في حياتنا الدنيا ، بل سنبقى في البرزخ وننشر ونحاسب ثم  الجنة للمحسن و النار للمسيء .
وإن عمرنا في الدنيا : هو رأس مالنا لنتاجر به فيها ، ولنربح الآخرة ، وإن الدنيا مزرعة الآخرة ، واليوم زراعة بالطاعة وعمل الصالحات ، وغدا الحصاد لرضا الله سبحانه ونعيمه الأبدي الخالد في أروع الهواء الطلق ، وفي أحلى الأماكن وأحسن الأمتعة والآثاث والممتلكات ، وأطيب الأكل والشراب والمشتهيات ، ومع الصفاء الأفراح بثواب الحسنات بما فيهن من الأنس مع الجمال والجميلات ، وإلا من عكس ولم يصدق فالنار والعذاب الشديد وله الحسرة والحزن والهم والغم والخسران .
والله سبحانه يعرفنا : كيفية النشر للحياة الآخرة ، ليستمر عمرنا فيها بحسب ما قدمنا لها من عمر الدنيا وما كسبنا فيها .
 فقال تعالى :
{ وَاللَّهُ الَّذِي
أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
كَذَلِكَ النُّشُورُ (9)

مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا
إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ

وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10)


وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ
ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا
وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ
وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ
وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ
 إِلَّا فِي كِتَابٍ
إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 11) } فاطر .
فهذه أطوار العمر : وهو محصور مكتوب معدود مقدر ، وينتقل في مراحل في الدنيا ، ثم للآخرة والبقاء فيها ، من أراد عزة العمر والجاه والمال والمنال ، فليقدم عمره لآخرة فيعزه الله ويصعد عمله بكلامه الطيب من إيمانه وما أطاع الله به من هداه .
وإلا سيستدرج في الدنيا أياما : ثم إلى عذاب أليم ، وتبور بضاعته وما شح عليه من زينة الدنيا ، فلا ينفعه ما جمع في دنياه ولم يقدمه لما يبقيه عند الله سبحانه في الدار الثانية ، بل كله راح هدرا ويفنى وصار هباء منثورا فلم يبقى ، والحسرة له في باقي عمره الخالد في نار كل من دخلها يحرق و يشوى .


ومثلها هذه آيات كريمة : تعرفنا أدوار الحياة ، وإن العمر يتحول ويتغير مع مدة محدودة في الدنيا ثم الآخرة ، وإن الرزق مقدر مكتوب لمن يريد رضا الله ويطلبه بالحلال ، والفوز لمن شح بعمره ولم يصرف منه شيئا إلا في طاعة الله سبحانه ، ولم يحرص ويبخل ويشح على أمرا لا يبقى أبدا .
وقد قال الله تعالى :
{ وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ
وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ
لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
 

وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْرِّزْقِ
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ
 عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء
أَفَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (71)
 

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم
بَنِينَ وَحَفَدَةً
وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ
 

أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ
وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ
 مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ (73) } النحل .
فهذا عمر الإنسان وأحواله : ونعيم الله لنا في الدنيا ، فيجب العدل والإنصاف في خرج ما رزقنا وأفضله عمرنا ، فنشح عليه ولا نجعل من لحظاته شيء إلا في طاعة الله سبحانه ، لنؤدي حقه ونجعله في نعيم دائم .
 وخسر : من لم يطلب رضا الله سبحانه وتعالى ، وصرف رزقه وعمر  هبه له و نعيم ملكه له في معصيته ، فلم يشكره ولم يطيعه به ، بل به عبد هواه أو طاغية فأعانه على ضلاله وظلمه .

وأسأل الله سبحانه : لنا جميعا أن يجعل عمرنا وما رزقنا فيه من المال والصحة في طاعته ، وأن لا نهدر لحظة ولا فلس واحد ولا غيرهما في معاصيه ، وأن يرجعنا إليه بالتوبة النصوح كلما أخطئنا ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

++++

++
ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا أدوار العمر ، وكيف يتحول ويتصرم وينقضي ، نذكر آيات كريمة تعرفنا ، ما يجب أن نعمل في هذه الدنيا وما يحسن أن نقدمه للآخرة ، ونعرف بها حقائق كريمة عن الدارين ، وهي آيات عالية المعاني والغرض ، ويحسن التدبر بها وقراءتها بتمعن .
لأنها آيات تعرف : أحوال المؤمنين وما لهم من الثواب ، وغيرهم وما لهم من العقاب .
 وقدمت النتيجة في الآخرة وأحوالها : على الدنيا وما هي حقيقتها ، وما يجب العمل فيها قبل فنائها .
 ليعرفنا سبحانه : أهمية الآخرة وما يجب من العمل لها ، وكيف يحسن العمر في النعيم فيهما .
 فتعرفنا أهمية العمر في الآخرة وعيشه : وضرورة تقديم عمر الدنيا كله لها ، والحرص عليها بعلم حق وعمل المسابقة بالطاعة والأخلاق الحميدة ،  والأفعال الصالح ، والمسارعة بالخير،  والتوبة النصوح ، والعمل بما يرضي الله من الإنصاف والعدل ، ليحسن عمرنا ويعمر وجودنا  بثواب الله العظيم ، وأن نخلص عمرنا في كل أدواره من الظلم ، ومن عمل الحرام والحرص على المعاصي فلا نتوب ، و من الشح بزينة الحياة الدنيا وكيف ننفيه عن وجودنا في كل عمرنا فيها ، وإلا الخسران المبين في الآخرة والعياذ بالله منه .
وقد قال الله سبحانه وتعالى :
{ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم
بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)

يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا
انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)
يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى
وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ
وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ
وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ
حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ
وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ
وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مَأْوَاكُمُ النَّارُ
هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15)

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا
أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ
وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ
فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ
فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)

اعْلَمُوا
أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17)

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا
يُضَاعَفُ لَهُمْ
وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
لَعِبٌ وَلَهْوٌ
وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ
وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ
ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا

وَفِي الْآخِرَةِ
عَذَابٌ شَدِيدٌ
وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)

سَابِقُوا
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ
 وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ
أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء
 وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)

مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ
إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22)
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ
وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
وَمَن يَتَوَلَّ
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ
وَالْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) } الحديد .
فهذه آيات كريمة : تعرفنا سبب خلقتنا وما يجب علينا من الحرص على العمر وتقديمه بكل لحظاته نية وفكرا في طاعة الله ، وعلما وعملا في سبيل رضاه ، فضلا عما نحصل عليه من زينة الحياة الدنيا والتصدق بها بما يمكن ، وهذه حقيقة الشح على العمر ، وعدم الشح على زينة الدنيا وما فيها فضلا عن تحصيلها بالحرام والحرص عليها بالمعاصي والبخل بها عن الخير ، وعدم تقديم ما ينفعنا ليبقى أبدا معنا عمر طويلا خالدا في الآخرة يرافقنا .
وأسأل الله سبحانه : أن يعرفنا سبيل صراطه المستقيم ، وبهدى دينه القويم ، الذي علمه للمنعم عليهم حقا ، وأن يجعل مكسبه حلال ومصرفة صالحا خيرا بما يحب ويرضى ، وأن يبعدنا عن الحرام والشح على الدنيا وزينتها كلها ، فضلا عن دينارها ودرهمها ، فإنه أرحم الراحمين وهو ولي التوفيق ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

+++++


بحث شريف عن الإمام الصادق عليه السلام : في توحيد المفضل الذي يسع لمائة صفحة ، ونحن نأخذ منه ما فيه مناسبة لمعرفة العمر ولما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته‏ :
قال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد بن علي الحسين عليه السلام للمفضل :
يا مفضل : ما ستر عن الإنسان علمه من مدة حياته .
فإنه لو عرف : مقدار عمره ، و كان قصير العمر ، لم يتهنأ بالعيش مع ترقب الموت ، و توقعه لوقت قد عرفه .
بل كان يكون : بمنزلة من قد فنى ماله ، أو قارب الفناء ، فقد استشعر الفقر ، و الوجل من فناء ماله ، و خوف الفقر .
على أن الذي يدخل : على الإنسان من فناء العمر ، أعظم مما يدخل عليه من فناء المال .
لأن من يقل ماله : يأمل أن يستخلف منه ، فيسكن إلى ذلك .
و من أيقن : بفناء العمر ، استحكم عليه اليأس .
و إن كان طويل العمر : ثم عرف ذلك وثق بالبقاء ، و انهمك في اللذات و المعاصي ، و عمل على أنه يبلغ من ذلك شهوته ، ثم يتوب في آخر عمره ، و هذا مذهب لا يرضاه الله من عباده و لا يقبله .
أ لا ترى لو أن : عبدا لك ، عمل على أنه يسخطك سنة ، و يرضيك يوما أو شهرا ، لم تقبل ذلك منه ، و لم يحل عندك محل العبد الصالح ، دون أن يضمر طاعتك و نصحك في كل الأمور ، و في كل الأوقات على تصرف الحالات .
فإن قلت : أ و ليس قد يقيم الإنسان على المعصية حينا ، ثم يتوب ، فتقبل توبته .
قلنا : إن ذلك شي‏ء يكون من الإنسان لغلبة الشهوات له ، و تركه مخالفتها من غير أن يقدرها في نفسه ، و يبني عليه أمره ، فيصفح الله عنه ، و يتفضل عليه بالمغفرة .
فأما من قدر أمره : على أن يعصي ما بدا له ، ثم يتوب آخر ذلك ، فإنما يحاول خديعة من لا يخادع ، بأن يتسلف التلذذ في العاجل ، و يعد و يمني نفسه التوبة في الأجل .
و لأنه لا يفي : بما يعد من ذلك ، فإن النزوع من الترفه و التلذذ ، و معاناة التوبة و لا سيما عند الكبر و ضعف البدن ، أمر صعب .
و لا يؤمن على الإنسان : مع مدافعته بالتوبة ، أن يرهقه الموت ، فيخرج من الدنيا غير تائب ، كما قد يكون على الواحد دين إلى أجل ، و قد يقدر على قضائه ، فلا يزال يدافع بذلك حتى يحل الأجل ، و قد نفذ المال فيبقى الدين قائما عليه .
فكان خير الأشياء للإنسان : أن يستر عنه مبلغ عمره ، فيكون طول عمره يترقب الموت ، فيترك المعاصي و يؤثر العمل الصالح .
فإن قلت : و ها هو الآن قد ستر عنه مقدار حياته .
و صار : يترقب الموت ، في كل ساعة يقارف الفواحش ، و ينتهك المحارم .
قلنا : إن وجه التدبير في هذا الباب ، هو الذي جرى عليه الأمر فيه .
فإن كان الإنسان : مع ذلك لا يرعوى ، و لا ينصرف عن المساوئ ، فإنما ذلك من مرحه و من قساوة قلبه ، لا من خطإ في التدبير .
كما أن الطبيب : قد يصف للمريض ما ينتفع به ، فإن كان المريض مخالفا لقول الطبيب ، لا يعمل بما يأمره ، و لا ينتهي عما ينهاه عنه ، لم ينتفع بصفته .
و لم تكن : الإساءة في ذلك للطبيب ، بل للمريض ، حيث لم يقبل منه .
و لئن كان الإنسان : مع ترقبه للموت كل ساعة ، لا يمتنع عن المعاصي .
فإنه لو وثق : بطول البقاء ، كان أحرى بأن يخرج إلى الكبائر الفظيعة .
فترقب الموت : على كل حال ، خير له من الثقة بالبقاء .
ثم إن ترقب الموت :
و إن كان ك صنف من الناس يلهون عنه ، و لا يتعظون به .
فقد يتعظ به : صنف آخر منهم ، و ينزعون عن المعاصي ، و يؤثرون العمل الصالح ، و يجودون بالأموال ، و العقائل النفيسة في الصدقة على الفقراء و المساكين .
فلم يكن : من العدل أن يحرم هؤلاء ، الانتفاع بهذه الخصلة ، لتضييع أولئك حظهم منها .
توحيد المفضل ص82 .

وهذا هو الحق : في تقدير العمر وكتمه ، فإن المؤمن يشح عليه خوفا من الموت ومباغتته، فينفق عمره في طاعة الله وتقديم الخيرات ، ومن لم ينتفع بآيات الله في الآفاق والأنفس ويعصي ، فلا ينفعه معرفة مقدار عمره وأجله .

وإذا عرفنا هذا سنذكر إن شاء الله أمور تطيل العمر في طاعة الله وترفع الدرجات في نعيم الجنة رزقنا الله التمتع بها ، وأخرى محرمة تنقص العمر وتقرب الأجل ثم إلى جحيم النار والعياذ بالله منها .

 

 

++

ويا طيب : إذا عرفنا أهمية العمر والحرص عليه والشح عليه بنفقته في سبيل الله ، وأن لا نلهو ولا نصرفه هدرا ، لكي لا يكون ما نحصل عليه من الدراهم والدنانير وكل ملك الدنيا الفانية هباء منثورا .
نذكر بعض الأحاديث : فيما يجب عمله فيه هذه الدنيا ، وكيف نغتنم العمر في طاعة الله ، فنذكر عدة وصايا عن أمير المؤمنين وآله الكرام .
عن أبي جميلة قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
 كتب أمير المؤمنين عليه السلام ، إلى بعض أصحابه يعظه :
أوصيك و نفسي : بتقوى من لا تحل معصيته ، و لا يرجى غيره ، و لا الغنى إلا به .
فإن من اتقى الله جل و عز : و قوي و شبع و روي ، و رفع عقله عن أهل الدنيا .
فبدنه : مع أهل الدنيا ، و قلبه و عقله معاين الآخرة .
فأطفأ : بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حب الدنيا ، فقذر حرامها و جانب شبهاتها .
و أضر : و الله بالحلال الصافي ، إلا ما لا بد له من كسرة منه ، يشد بها صلبه ، و ثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد و أخشنه .
و لم يكن له : فيما لا بد له منه ثقة و لا رجاء ، فوقعت ثقته و رجاؤه على خالق الأشياء .
فجد و اجتهد : و أتعب بدنه حتى بدت الأضلاع ، و غارت العينان .
فأبدل الله له من ذلك : قوة في بدنه ، و شدة في عقله ، و ما ذخر له في الآخرة أكثر .
فارفض الدنيا : فإن حب الدنيا يعمي و يصم ، و يبكم و يذل الرقاب .
فتدارك : ما بقي من عمرك ، و لا تقل غدا أو بعد غد .
فإنما هلك : من كان قبلك ، بإقامتهم على الأماني و التسويف ، حتى أتاهم أمر الله بغتة ، و هم غافلون .
فنقلوا على أعوادهم : إلى قبورهم المظلمة الضيقة ، و قد أسلمهم الأولاد و الأهلون .
فانقطع : إلى الله بقلب منيب من رفض الدنيا ، و عزم ليس فيه انكسار و لا انخزال .
أعاننا الله و إياك : على طاعته ، و وفقنا الله و إياك لمرضاته .
الكافي ج2ص136ح23 .

ويا طيب : إن لم تقدر على ما وصف أمير المؤمنين عليه السلام وضعفت ، فهذه وصية كريمة أخرى من حفيده عليه السلام :

في فقه الإمام الرضا عليه السلام :
سلوا ربكم : العافية في الدنيا و الآخرة  .
إنه الملك الخفي : إذا حضرت لم يؤبه بها ، و إن غابت عرف فضلها .
و اجتهدوا : أن يكون زمانكم أربع ساعات :
ساعة : منه لمناجاته .
و ساعة : لأمر المعاش .
و ساعة : لمعاشرة الإخوان الثقات ، و الذين يعرفونكم عيوبكم ، و يخلصون لكم في الباطن .
و ساعة : تخلون فيها للذاتكم ، و بهذه الساعة تقدرون على الثلاث الساعات .
لا تحدثوا : أنفسكم بالفقر ، و لا بطول العمر .
فإنه : من حدث نفسه بالفقر بخل ، و من حدثها بطول العمر حرص .
اجعلوا : لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال ، و ما لم ينل المروءة ، و لا سرف فيه .
و استعينوا بذلك : على أمور الدين .
فإنه نروي : ليس منا من ترك دنياه لدينه ، و دينه لدنيا .
تفقهوا : في دين الله .
فإنه أروي : من لم يتفقه في دينه ما يخطئ أكثر مما يصيب .
فإن الفقه : مفتاح البصيرة ، و تمام العبادة ، و السبب إلى المنازل الرفيعة ، و خاص المرء بالمرتبة الجليلة في الدين و الدنيا .
و فضل الفقيه : على العباد ، كفضل الشمس على الكواكب .
و من لم يتفقه : في دينه ، لم يزك الله له عملا .
فقه‏ الرضا عليه السلام ص337ح89 .

وهذا حديث : يعرفنا بأنه يجب أن لا نشح على الدنيا ولا نحرص على زينتها ، بل لا أقل أن نعمل وفق الحديث السابق .
وقال أبو عبد الله عليه السلام : كم من طالب للدنيا لم يدركها ، و مدرك لها : قد فارقها .
فلا يشغلنك : طلبها عن عملك ، و التمسها من معطيها و مالكها .
فكم : من حريص على الدنيا قد صرعته ، و اشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتى فني عمره و أدركه أجله .
الكافي ج2ص455ح9 .

ومن الأمور المهمة : لمعرفة الهدى والتفقه بالدين ثم العمل بدون وتسويف وضياع للعمر ، يجب أن نعرف أنه أهم أمور في العمرة أربعة ونسأل عليها ، وهي :
و قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
لا يزول قدم عبد : يوم القيامة ، من بين يدي الله عز و جل .
حتى يسأله عن أربع خصال :
عمرك : فيما أبليته .
و مالك : من أين اكتسبته .
و أين وضعته .
و عن حبنا : أهل البيت .
فقال رجل من القوم : و ما علامة حبكم يا رسول الله ؟
فقال : محبة هذا ، و وضع يده على رأس علي بن أبي طالب .
الأمالي‏ للمفيد ص353م42ح5 .

فإن معنى الحرص والشح على العمر : هو العمل فيه في طاعة الله سبحانه ، وفق هدى علمه للمصطفين الأخيار ، وحينها يقبل العمل ، وأما سبيل التعلم للعلم المرضي لله في الدين ، فهو من نبي الرحمة ومن شايعهم وتابعهم وأطاعهم على الهدى الذي علموه ، ولمعرفة هذا المعنى ، لكي لا نخسر الصراط المستقيم لرضا الله عند المنعم عليهم ، ومن أحبهم وأطاعهم ، ويجب التعلم منهم :
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
إن الله خلق الإسلام : فجعل له عرصة ، و جعل له نورا ، و جعل له حصنا ، و جعل له ناصرا .
فأما عرصته : فالقرآن ، و أما نوره فالحكمة ، و أما حصنه فالمعروف .
و أما أنصاره : فأنا و أهل بيتي و شيعتنا .
فأحبوا : أهل بيتي و شيعتهم و أنصارهم .
فإنه لما أسري بي : إلى السماء الدنيا ، فنسبني جبرئيل عليه السلام لأهل السماء .
استودع الله : حبي و حب أهل بيتي و شيعتهم في قلوب الملائكة ، فهو عندهم وديعة إلى يوم القيامة .
ثم هبط بي إلى أهل الأرض : فنسبني إلى أهل الأرض .
فاستودع الله عز و جل : حبي و حب أهل بيتي و شيعتهم ، في قلوب مؤمني أمتي .
فمؤمنو أمتي : يحفظون وديعتي في أهل بيتي إلى يوم القيامة .
ألا فلو أن : الرجل من أمتي عبد الله عز و جل .
عمره : أيام الدنيا .
ثم لقي الله عز و جل : مبغضا لأهل بيتي و شيعتي ، ما فرج الله صدره إلا عن النفاق .
الكافي ج2ص46ح3 .
فهذا الحب في الله : لمن أحبهم الله وأمر بحبهم وبحب كل من حبهم وودهم ، به تتم معرفة الهدى الحق والطاعة لله ، وبه نسير بالعمر في طاعة الله بما يحب ويرضى ، وإلا من يتركهم يذهب لمن غضب الله عليهم لأنه ضل عن صراطه المستقيم .

 و قال سلمان القصري : سألت الحسن بن علي عليه السلام عن عدد الأئمة .
فقال عددهم عدد شهور الحول .
شعر :
العمر أقصر أن يقضى _ بالبطالة و السرور
فتروح بالخسران من _ دنياك في يوم النشور
فافزع إلى مولاك ذي _ الإنعام و الفضل الكبير
و توسلن بأحمد _ و وصيه البر الطهور
السادة الأبرار و الأنوار _ في عدد الشهور
فهم الهداة لنا على _ مر الليالي و الدهور
المناقب ج1ص285 .

واسأل الله لي ولكم : أن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يجعل عمرنا كله في طاعته ، وأن يبعدنا على الحرص والشح على الدنيا ونسيان الآخرة ، فإنه ولي التوفيق وهو أحرم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++

 

ويا أخوتي الطيبين : بعد إن عرفنا بحثا كريما في كتاب الله سبحانه وروايات عن المصطفين الأخيار ، يعرفنا أدوار الحياة وما يجب العمل فيها في طاعة الله ، وهو معنى الشح في العمر ، أي جعل العمر كله في طاعة الله سبحانه ، وأن لا نتوانى ولا نتكاسل فنهدره فيما لا يرضي الله ، بل ولا حتى في اللهو واللعب وغيرها من الأمور التي تضيع العمر بدون جعله خالدا ويرتفع في رضا الله وثوابه .
نذكر بحثا مختصرا : وكامل المعاني وجامع ، وهو من غرر أحاديث مولى الموحدين ، يعرفنا كيفية الشح بالعمر دون الدينار والدرهم بل ولا على أي شيء من زينة الدنيا .

قال أمير المؤمنين عليه السلام :
زد من طول أملك : في قصر أجلك ، و لا تغرنك صحة جسمك و سلامة أمسك ، فإن مدة العمر قليلة ، و سلامة الجسم مستحيلة .
قصروا الأمل : و بادروا العمل ، و خافوا بغتة الأجل ، فإنه لن يرجى من رجعة العمر ، ما يرجى من رجعة الرزق ، ما فات اليوم من الرزق يرجى غدا زيادته ، و ما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته .
شر : ما ضيع فيه العمر ، اللعب .
إن عمرك : مهر سعادتك ، إن أنفذته في طاعة ربك .
إن ماضي عمرك : أجل ، و آتيه أمل ، و الوقت عمل .
أحفظ عمرك : من التضييع له في غير العبادة و الطاعات .
إن أنفاسك : أجزاء عمرك ، فلا تفنها إلا في طاعة تزلفك .
لا تحمل : هم يومك الذي لم يأتك على يومك الذي قد أتاك ، فإنه إن يكن من عمرك يأتك الله سبحانه فيه برزقك ، و إن لم يكن من عمرك فما همك بما ليس من أجلك .
لا تفن عمرك : في الملاهي فتخرج من الدنيا بلا أمل .
غرر الحكم ص159ح 3033. ص461ح 10557.ص158ح3014 . ص159ح 3024. ص160ح 3058 . ص396ح9191. ص461ح 10562.

فإن أمير المؤمنين عليه السلام : يقتبس من كلام سيد المرسلين حقيقة معنى الحديث ، ويصوغه بجوامع كلم وغرر حكم تشرحه ، فيحثنا على حصر الأمل في الانتظار لما بعد الأجل ، لكي نكسب العمر الخالد في سعادة ، ونبادر الطاعة قبل فوات الأوان بتصرم العمر وتحول الصحة إلى عجز أو مرض ، فلدا يجب استغلال فرصة العمر في الطاعة ، وأن نجمل الطلب بالرزق لأنه آتي ،ولا نجعله بحث يضر بإقامة الواجبات ، لأن العمر ينقضي لا يرجع ، والرزق آتي في كل يوم بحسبه .
فالعمر : مهر وثمن وقيمة السعادة لمن يجعله وينفذه كله بما فيه من الفكر والعلم والنية والعمل والأخلاق والصفات ، وويجريه ويرسله في طاعة الله ، ولا يضيعه في غير رضاه ، لأنه نافذ العمر لا يرجع إلا في يوم القيامة ، فيريك أيامه وساعته بما فيها من العلم والعمل ، فإن كان في طاعة الله فزت وربحت وإلا خسرت .
وأسأل الله سبحانه : أن يوفقنا في كل أمورنا وأحوالنا ، فيجعلنا نسير في طاعة الله في كل عمرنا ، ونشح به على اللعب واللهو والضياع في غير طاعته سبحانه ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

+++++

 

 

يا أخوتي الطيبين : طول العمر في طاعة الله كنز لا ينفذ ونعيم دائم ، وفي أي حال كان الإنسان ، وتوجد قصص كثيرة ومعارف قيمة في أنس العباد وأهل العلم بمعارف عظمة الله وتجلي نوره تحير اللب ، وتجعل الإنسان يتوله عاشقا لعبودية الله في كل أحواله ، حتى يكون من الذاكرين دائما سواء بلسانه أو بقلبه المطمئن بطاعة الله ، أو بصفاته وأخلاقه ، ونيته وعلمه وعمله ، فلا يفكر إلا فيما يقربه من طاعة الله وما فيه يرضاه ، ولا يعمل إلا صالحا ولا يسير إلا لعمل الخير ، فالشر والمعصية وبكل أحواله منتفية منه علما وفكرا وعملا ، وهذا هو الفوز العظيم ، وقد مرت أعلاه بعض المعارف وليس هنا محل تفصيل معارف الزهد ، بل نذكر الميسور منه ، مما يجعلنا في طاعة الله سبحانه بما فيه النجاة والفوز بأي درجة كانت .
وما مر من البحوث فيها الكفاية : لمعرفة الشح بالعمر دون الدنيا وزينتها فضلا عن الدينار والدرهم .
 فلنذكر ما ينفع المؤمن : من أعمال الخير والبر ، وبالخصوص في مجال طول العمر  ، وهي لا تخلو من معنى الشح على العمر في إنفاذه وصرفه في طاعة الله ، وبه يترفع العبد في نعيمه ، وفي المحبة والرضا في الدنيا والآخرة وعند أهلها وربها سبحانه .

وقد جاءت أحاديث كثير : بأن صلة الرحم والبر تطيل العمر ، منها :

عن الإمام موسى بجعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
صلة الرحم : تزيد في العمر ، و تنفي الفقر .
الجعفريات ص55 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
صنع المعروف : يدفع ميتة السوء .
و الصدقة في السر : تطفي غضب الرب .
و صلة الرحم : تزيد في العمر ، و تنفي الفقر .
و قول : لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم ، كنز من كنوز الجنة ، و هي شفاء من تسعة و تسعين داء ، أدناه الهم .
الجعفريات ص188 .
 

 قال الإمام أبو عبد الله عليه السلام :
من صدق لسانه : زكى عمله ، و من حسنت نيته زيد في رزقه .
و من حسن : بره بأهل بيته ، مد له في عمره .
الكافي ج2ص105ح11 .

 

و قال أبو الحسن الرضا عليه السلام :
يكون الرجل : يصل رحمه .
فيكون : قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله ثلاثين سنة ، و يفعل الله ما يشاء .
الكافي ج2ص150ح3 .

وعن أبي حمزة قال قال أبو جعفر عليه السلام :
صلة الأرحام : تزكي الأعمال ، و تدفع البلوى ، و تنمي الأموال .
و تنسئ له:  في عمره .
و توسع : في رزقه .
و تحببه : في أهل بيته فليتق الله و ليصل رحمه .
الكافي ج2ص152ح13 .

عن إسحاق بن عمار قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
ما نعلم شيئا : يزيد في العمر ، إلا صلة الرحم .
حتى إن الرجل : يكون أجله ثلاث سنين ، فيكون وصولا للرحم ، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة .
فيجعلها : ثلاثا و ثلاثين سنة ، و يكون أجله ثلاثا و ثلاثين سنة .

فيكون : قاطعا للرحم .
 فينقصه الله : ثلاثين سنة ، و يجعل أجله إلى ثلاث سنين .
الكافي ج2ص152ح17 .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
من سره : أن يمد الله في عمره ، و أن يبسط له في رزقه .
فليصل رحمه : فإن الرحم لها لسان يوم القيامة ذلق .
تقول : يا رب صل من وصلني ، و اقطع من قطعني .
فالرجل : ليرى بسبيل خير إذا أتته الرحم التي قطعها ، فتهوي به إلى أسفل قعر في النار .
الكافي ج2ص156ح29 .

 عن هشام بن الحكم عن ميسر قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
يا ميسر : لقد زيد في عمرك ، فأي شي‏ء تعمل ؟
قال : كنت أجيرا و أنا غلام بخمسة دراهم .
فكنت : أجريها على حالي .
بصائر الدرجات ص265ب1ح 14 .

وهذا أصل يزيد العمر : وهو البر بالأقرباء والأرحام الأولى فالأولى حتى لو بعد الرحم وكان من طبقة ثانية بل والثالثة والرابعة والخامسة ، فإنه عمل خير وصالح في رضا الله سبحانه ، ويطيل العمر ويجلب البركة والمحبة ، ثم ستأتي أمورا أخرى تعرفنا طول العمر .
وأسأل الله سبحانه : أن يرزقنا الصحة والعافية والرزق الواسع ، حتى نوسع على أهلنا وأرحامنا بما يحب ويرضى ، بل على كل أهل طاعته ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

 

++++

ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا أهم أمر يطيل العمر في طاعة الله سبحانه ، وهو البر بصورة عامة وبالخصوص صلة الرحم ، و وصل الأقرباء بالمحبة والسؤال عن أحوالهم ، والبشر في وجوههم ، والكلمة الطيبة معهم ، ثم إن أمكن التوسعة عليهم بما فضل الله العبد من رزقه ، ومساعدتهم بالمال قرضا أو هبه ، أو جاه ، وتمكينهم من العلم الحق والعمل الصالح ، وكل أمر فيه رضا الله سبحانه ، فإنه في عين أنه خلق كريم وأدب حسن ، فهو يزيد في الرزق والعمر والمحبة عند الله وعباده وملائكته وولاة أمره في عباده .
ومن الأمور الأخرى التي تزيد في طول العمر : أعمال كريمة وطاعات وعبادات ثوابها في الدنيا طول العمر ، وفي الآخرة الثواب الجزيل ، وأولها :

زيارة الإمام الحسين عليه السلام :

عن محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال :
مروا شيعتنا : بزيارة قبر الحسين عليه السلام.
فإن إتيانه : يزيد في الرزق .
و يمد : في العمر .
و يدفع : مدافع السوء .
و إتيانه : مفترض ، على كل مؤمن يقر له بالإمامة من الله  .
تهذيب ‏الأحكام ج6ص42ب16ح1 .
فإن في زيارة الإمام الحسين عليه السلام : الثواب الجزيل ، طول العمر ، لأنه فيها نقر له ولآله مع الحزن ،وإن تذكر شهادة وآله يعصر القلب ألما ، فنحب كل ما ظهر به من العلم والعمل والسيرة والسلوك ، فنكون معه روحا وقالبا ، فنحبه ونحب آله الكرام ونشتاق لتعلم هداهم بأعلى مودة ، مع إخلاص وإصرار على العبودية لله بهداهم حتى الشهادة ، ومهما كلف الأمر وبأي صورة كانت الأحوال ، وهذا التوجه في رضا الله وصرف العمر في طاعته علما وعملا ، هو الشح الحقيقي على العمر ، لأنه يرضاه سبحانه ويثيب عليه طول العمر مع الثبات على الهدى وحسن العاقبة .

ومن الأمور الأخرى التي تزيد في العمر : الصدقة :

عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام قال :
البر و الصدقة : ينفيان الفقر .
و يزيدان : في العمر .
و يدفعان : عن صاحبها سبعين ميتة سوء .
ثواب ‏الأعمال ص141 .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
إن صدقة الليل : تطفئ غضب الرب تعالى ، و تمحو الذنب العظيم ، و تهون الحساب .
و صدقة النهار : تثمر المال ، و تزيد في العمر .
تهذيب‏ الأحكام ج4ص105ب29ح34.
 

والطهور سواء من الجنابة أو الوضوء وحده فإنه يزيد العمر :

عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
يا أنس : أكثر من الطهور .
يزد الله:  في عمرك .
و إن استطعت : أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل .
فإنك : تكون إذا مت على الطهارة شهيدا .
و صل : صلاة الزوال فإنها صلاة الأوابين، و أكثر من التطوع تحبك الحفظة .
و سلم : على من لقيت يزد الله في حسناتك ، و سلم : في بيتك يزد الله في بركتك .
و وقر : كبير المسلمين و ارحم صغيرهم ، أجي‏ء أنا و أنت يوم القيامة كهاتين ، و جمع بين الوسطى و المسبحة .
الأمالي ‏للمفيد ج60م7ح5 .

وغسل اليدين يزيد في العمر :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
غسل اليدين : قبل الطعام و بعده .
زيادة : في العمر .
و إماطة للغمر : عن الثياب ، يجلو البصر .
الكافي ج6ص290ح .

في الأحاديث أعلاه : نعرف أن الطهارة البدينة والروحية القلبية تزيد في العمر ، سواء وضوء أو غسل للبدن والثياب ، وهو معنى أن النظافة من الإيمان.

ومن الأمور التي تطيل العمر تخفيف الدين:
قال الإمام الصادق عليه السلام :
جودوا الحذو : فإنه مكبتة للعدو ، و زيادة في ضوء البصر .
و خففوا الدين :
فإن : في خفة الدين ، زيادة العمر .
و تدهنوا : فإنه يظهر الغناء .
و عليكم بالسواك : فإنه يذهب وسوسة الصدر، و أدمنوا الخف فإنه أمان من السل.
الأمالي ‏للطوسي ص667م36ح 1396-3 .

لأن القرض : يجلب الهم والغم والحزن ،و يجعل الفكر مشغولا لكي يخرج من ثقل الدين ، فيقصر العمر ، فمن لم يورط نفسه في الدين يكون مرتاح البال ، فيطول عمره .

وهذه أمور ذكرت  : بأنها تطيل العمر ولعله توجد أمور أخرى يجدها من يستقصي البحث .

وهذه أحاديث : وتوجد مثلها الكثير ، تعرف بأن الزنا يقصر العمر والعياذ بالله منه :

عن حذيفة بن اليمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :
يا معشر المسلمين : إياكم و الزنا .
فإن فيه ست خصال : ثلاث في الدنيا ، و ثلاث في الآخرة .
فأما التي في الدنيا : فإنه يذهب بالبهاء ، و يورث الفقر .
و ينقص : العمر .
و أما التي في الآخرة : فإنه يوجب سخط الرب ، و سوء الحساب ، و الخلود في النار .
ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : { سولت لهم أنفسهم أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ‏ } .
الخصال ج1ص320ح2.


و قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
في الزنا خمس خصال : يذهب بماء الوجه ، و يورث الفقر .
و ينقص العمر : و يسخط الرحمن ، و يخلد في النار نعوذ بالله من النار .
الكافي ج5ص542ح9 .

 

وأسأل الله سبحانه لي ولكم : أن يجعل عمرنا كله في طاعته ، وأن يبعدنا عن كل حرام لا يرضاه ، وأن يرزقنا السعة في الحال والصحة والمال ، حتى نصرف عمرنا وما نكسب فيه كله في طاعته سبحانه ، فإنه ولي التوفيق ، وهو أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

 

 

++

+؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ويا أخوتي الطيبين : هذا تكميل من شعر كريم ، يشرح انقضاء العمر ، وما يجب عليه الإنسان من الاعتبار به والموعظة ممن فاتته أيام العمر بالتسويف في بعض الطاعات مع أنه أصل الدين الهدى ، وأس المسارعة لطاعة وعمل الخير ، ولا يتوان ولا يكسل عن لمسابقة في عمل الصالحات ، فضلا عن عمل غير الطاعة والمعاصي ، وأسأل الله أن ينفعنا به :
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
خبت نار جسمي باشتعال منارتي _ فأظلم عيشي إذ أضاء شهابها
أ يا بومة قد عششت فوق هامتي _ على الرغم مني حين طار غرابها
رأيت خراب العمر مني فزرتني _ و مأواك من كل الديار خرابها
أ أنعم عيشا بعد ما حل عارضي _ طلائع شيب ليس يغني خضابها
و غرة عمر المرء قبل مشيبه _ و قد فنيت نفس تولى شبابها
إذا اصفر وجه المرء و ابيض رأسه _ تنغص من أيامه مستطابها
و أد زكاة الجاه و اعلم بأنها _ كمثل زكاة المال تم نصابها
و أحسن إلى الأحرار تملك رقابهم _ فخير تجارات الكريم اكتسابها
ديوان ‏الإمام ‏علي عليه السلام ص83 .


وقال أمير المؤمنين عليه السلام :
إذا عاش امرؤ ستين حولا _ فنصف العمر تمحقه الليالي‏
و نصف النصف يمضي ليس يدري _ لغفلته يمينا عن شمال‏
و ثلث النصف آمال و حرص _ و شغل بالمكاسب و العيال‏
و باقي العمر أسقام و شيب _ و هم بارتحال و انتقال‏
فحب المرء طول العمر جهل _ و قسمته على هذا المثال‏
ديوان الإمام علي عليه السلام ص315 .

عن الإمام الصادق عليه السلام قال أبو ذر رحمه الله :
أنت في غفلة و قلبك ساه _ نفد العمر و الذنوب كما هي‏
جمة حصلت عليك جميعا _ في كتاب و أنت عن ذاك ساهي‏
لم تبادر بتوبة منك حتى _ صرت شيخا و حبلك اليوم واهي‏
عجبا منك كيف تضحك جهلا _ و خطاياك قد بدت لإلهي‏
فتفكر في نفسك اليوم جهدا _ و سل عن نفسك الكرى يا تاهي‏
بحار الأنوار ج70ص71 ح22.

والحديث مورد الشرح : في الشح والحرص على العمر بجعله في طاعة الله ، وعدم الحرص على الدينار والدرهم ، ولا في كل شيء من أمور الدنيا دون جعله في طاعة الله سبحانه ، هو وصية للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رحمه الله ، وهذه الأبيات الأخيرة عنه ، وهو شعر كريم ، في بيان ما يجب العلم والعمل به في طاعة الله سبحانه وتقديم العمر له وعدم التسويف .

وأسأل الله سبحانه أن يزيد في عمرنا جميعا في صحة وعافية ورزق وافر ومال واسع ، وأن يجعله كله وكل أمورنا في طاعته سبحانه ، وأن يرزقنا الجد والاجتهاد والسعي المسارع لما يحب ويرضى ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com