بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر رحمه الله
هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا
أو فقيرا منسيا ، أو مرضا مضنيا
أو هرما مفندا ، أو موتا محيرا
أو الدجال فإنه شر غائب ينتظر
أو الساعة والساعة أدهى وأمر
من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : هل ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا أو فقيرا منسيا ،

نص الحديث :

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
يَا أَبَا ذَرٍّ : هَلْ : يَنْتَظِرُ أَحَدٌ ، إِلَّا :
غِنًى : مُطْغِياً ، أَوْ فَقْراً مُنْسِياً .
أَوْ مَرَضاً : مُفْسِداً ، أَوْ هَرَماً مُفْنِداً .
أَوْ مَوْتاً : مُجْهِزاً .
أَوِ الدَّجَّالَ : فَإِنَّهُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ .
أَوِ السَّاعَةَ : فَالسَّاعَةُ أَدْهى‏ وَ أَمَرُّ .

شرح الحديث :

لوحة جميلة : كأنها تحكي بصورتها عن محتواها ، خريف مغبر ينذر برياح عاتية تصيب أفنائها ، فترينا بمنظرها ومعناها أحوال قد تتوارد علينا في وقت آجالها ، لأنه أحسن العيش للإنسان الكفاف والعفاف أو غنى مع شكر لله وطاعة لتعاليم الهدى وتجنب معاصي الله وحرامها .

 ولكن هيهات : من زينة الدنيا وحرص الإنسان وطمعه لتملك كل شيئا فيها وبالخصوص من أحسن جمالها ، فترى من كان أتقى العباد بمجرد حصوله على جاه أو منصب أو مال يطغى وكأنه لا حقوق لها ، فينسى أيامه الماضية وتوسله بالله إن أغناه أن يتصدق ويعطف على مساكين أهل الدنيا وفقراءها ، وتمنيه  فعل الخير والصالحات والسعي في ما يرضي الله بنعمه إن حصلها ، فتراه بعد فترة لغفلته ولسوء حضه قد ضيعها ، بل تركها ورحل يحاسب على حلالها ويعاقب على حرامها .

وإن لم يستغني الإنسان : فأفتقر ولم يحصل له رزق تراها ينسى أنه له نعمى لا تحصى فيكفرها كلها ، ويتناسى خلقه السوي و حيله القوي وعقله المفكر وعينه الناظرة وأذانه السامعة ولسانه وذوقه وقوته الناطقة وأنفه وشمه وتنفسه لرياحين الأرض وأهوائها ، فضلا عن نعمة الهواء والماء والسماء وجمال الأشجار والأنهار وكل ما يمكن أن يتمتع به من حسنها ، وكأنه بفقر المال قد فقد نعم الله سبحانه  كلها ، ولم يصبر ويتوسل بالله ويتوكل عليه فيثيبه بآلاف المرات أفضل من زينة الدنيا كلها ، وهذا خسران آخر ينتظر الإنسان إن لم يحسن ظنه بالله سبحانه ويرجوا لبعد الدنيا أخرى تعقبها .

والاثنان غني الدنيا وفقيرها : بصحتهم قد تراهم  ينتظرهم مرضا يسلب الصحة ويفقد العافية وينغص العيش حتى لو كان الإنسان يملك الدنيا كلها ، فتراه لا يأنس فيها ولا يفرح وبأنين الحال وبالتأفف لما تبدل من الدنيا أحوالها ،  فيخسر نفسه ودنياه وآخرته إن لم يقدم أيام الصحة لها .

وإن لم يصب غني الدنيا وفقيرها : مرضا ، فيأتي يوما يهرم فيه ويكبر إن عاش طويلا ولم يخترمه الموت قبلها ، فتراه منحني الظهر ضعيف القوى خائر العزيمة لا يستطيع حيلا ولا له قوة وكأنه لم يكن من قبل يملكها ، فإنه إن لم يبادر للطاعة وعمل الخير في صحته وغناه وأيامه الجميلة في شبابه وفي اللهو قد ضيعها ، فهو في حسرة وندم وهم وحزن وغم وهرم قد شيب مرور الأيام من كان رضيعها ، وفقد أوله وآخره وله عذاب شديد في كل أحواله بعدها .

وعلى كل حال : للغني والفقير يوم ينتظره كل أهل الدنيا بآجالها ، وإن الموت حتم مقضي على أهل الأرض والسماء وكل من كان من أهل سكانها ، فلا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام وكل شيء يصيبه الفناء في الدنيا ومعها كل زينتها ، فلا يبقى شيء في هذه الحال بل ينتقل للبرزخ ثم القيامة بعد نشر وحشر وكل أحوال الآخرة و حسابها ، ثم المؤمن إلى الجنة لأنه عملا صالحا وأطاع ربه وقدم خيره لها ، وأما العاصي والكافر وأمثالهم فله نار جهنم يشوى بها.

وعلى فرض أنه : طال بالإنسان العمر وجاءت أحوال آخر الزمان وظهر دجال الدنيا يؤيدها شيطانها ، وفتنته الفاتنة وحسن نعيمها وجذبه بزينة وجمال وإمكانات يملكها ، فيكون في خسر آخر لم يكن يتوقعه من لم يحترز له بعروة وثقى يتمسك بها ، فيخسر بعد أيام نفسه في فتن الدنيا وتقلب أحوالها  ، وما تظهره في قابل سنيها وما أعد من البلاء والاختبار لأهلها .
وهي فتن شتى : تحير اللب وتذهل العقل وتثير أهواء النفس وتحسن شهواتها.
 فلا ينجو منها : إلا من أعتصم بالله وآمن بالعدل والإحسان ولم يكن ظالم لعباد الله ولم تفسده الدنيا وأهوائها ، فيكون مع ولي أمر الله وصاحب الزمان ومقيم العدل والإحسان والرحمة والإيمان بعد ظلم أهلها وجور ملوكها ، وما أقل من يؤمن من أهل الدنيا به وينتظر مقيم العدل والإصلاح فتراه ينجي من تبعه من مفاسد الدنيا وخرابها  .

++++

وإما إن قصر عمر العبد : ونجى من المرض وفتن الزمان وفقر الدنيا وعاش في خير الدنيا ونعيمها لكنه لم يشكر خالقها ، تأتيه الساعة بغته وهي التي يشيب فيها الصغير ويهرم فيها الكبير وتذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا شيء يقوم ويقوى لها ، بل كل الرقاب خاضعة للحي القيوم وتنظر لرحمة الرحيم الخاصة وهي لا تصيب إلى من تقدم من أول عمره لها ، وسعى في الخيرات وعمل الصالحات وتجنب المحرمات وفعل الطاعات وحاسب نفسه ولرحمة ربه أعدها ومن الطغيان صفاها ومن العصيان خلصها ، فهي ساعة شديدة بعد الموت والبرزخ وبها ينشر العباد ويحشر حين تحصل شروطها ويأتي أجلها .

ولهذا حذر : نبي الرحمة أبا ذر :
ووصاه بعد معرفة الله وصراطه المستقيم وتعاليمه منه ومآله وحبهم وطاعتهم وتوليهم كما عرفنا في لوحات سابقة ، بأن يعد نفسه ويصفيها من الكسل والتواني والحرام والمعاصي وأمثالها ، وليسارع بالخيرات ويعمل الصالحات ويطيع ربه حتى لا يخسر عمره وجنة قد أعدت له بكل خيراتها ، وليسابق لما فيه رضا الله بالدنيا في صحته وشبابه وماله ويقدم ما يستطيع لآخرته ليتنعم ويسعد بها ، وفي الدنيا إن مرض أو فتقر صبر والله للمطيع يحسب له نيته الحسنة وضعف طاعته طاعة كاملة ويضاعف حسناتها ، والله يباهي به الملائكة ويقول عبد ضيقت عليه وأمرضته وأفقرته ولكنه صابر يشكر ربه على باقي نعمه ويستغفر كأنه مقصر بما لم يجعله يتصدق بالدنيا ونعيمها .

وإن مات المؤمن المتقي : فله الخير والخيرات والحسن والصالحات وكل نعيم أعده الله لمن آمن به وشكره على نعمه وقدم الخير وله نعيم الآخرة وكل حسنها وجمالها ، فلا يهتم ويخلص من الدنيا كلها ، وإن كان له نعيم كثير فهو كسجين فيها مع رحاب أفنائها ، وينطلق في أفق رحب عند مليك مقتدر يرزقه كل خير ورحمه ونعيم وجنة لا يتصور حسنها وكمالها ، وكل ما قلت في حقها فإنه لم تصف ذرة من نعيمها وجميل أحوالها ، وإن جاء الدجال فلا يفتتن به وينجى منه وفي الساعة في رحمة الله يرتع مع شدة أهوالها .

فهذا حق المقال : إن شاء الله في ما تصفه اللوحة لما ينتظر البشر في طول الزمان ونهاية الدنيا أو لمن مات أو مرض أو صار غنيا مع قصر عمر الدنيا وما لها من عواقبها في أواخرها والأخرى بعدها .
وأسأل الله : أن يجعلنا عالمين عاملين مسارعين في الطاعات متسابقين في الخيرات ، ومعدين أنفسنا لرحمة الله وما أعد من الجنة للمؤمنين ونعيمها ، ويهبنا الصحة والغنى والشكر والعبودية مخلصين له الدين في كل أحوالنا وظروفها ، فإنه ولي التوفيق وهو أرحم الراحمين  ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين وعليك أتوكل وأنت لها .

 

 

 

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com