بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين
موسوعة صحف الطيبين  في  أصول الدين وسيرة المعصومين
صحيفة : كتاب الوجوه ( الفيسبك facebook)
 كتابات وبحوث ومقالات وأجوبة 

شرح الأحاديث الشريفة /
من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس :
الصحة ، والفراغ
من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة ، والفراغ

نص الحديث :

من وصايا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس :
الصحة ، والفراغ

شرح الحديث :

نعمة الصورة تعرفنا أهم وأفضل النعيم :  وتنبه العباد لفضل الله والخير الجسيم ، فإن نعم الله سبحانه لا تحصى وهو البر الرحمن الرحيم ، وهو ربنا المتفضل المنان والمعطي المنعم الكريم ، ولكن من أفضل نعمه الصحة والفراغ للعبد ذو العقل السليم ، فعليه أن يستغلهما بعمل الخير والطاعة قبل أن يصير سقيم ، أو يشتغل بدنيا أو هم فلا يستطيع العبادة ولا عمل الخير فيشكر الله والله عليه نعمه يديم ، ومن لم يستغلهما بالطاعة فقد باع كثير فضل الله وجسيم بركاته عليه بالكسل أو بصحبة نديم ،، فيخسر نفسه لأنه كان فاتر جد  عن عمل الخير ومن الصلاح عديم ، فصار مغبونا قد غفل عن أهم نعم عمره من الصحة الفراغ فيصير عبد لئيم ، وهذا أمر يجب أن يتفطن له المؤمن المقدام الهميم ، لكي لا يرى نفسه يوم التغابن قد غبن نفسه وخسر الكثير من رضا الله  وفضل  ومقامات النعيم .
يا أخوتي الطيبين : هذه لوحة بمنظرها جميلة ، ومحتواها موعظة كريمة ، فيجب التنبه لها ، والعمل بمعناها ، فكم من مؤمن ألهاه الأمل ، وسوف العمل ، وهو في نعمة الصحة والفراغ ، ولكنه عن الطاعة والعبودية راوغ وراغ ، فلا لنعيم لله في صحته له شكر ، ولا في فراغه لله وعبوديته نظر ، فعبر عليه الزمان وخسر ، وهذا الغبن بعينه لمن أعتبر فقد باع كثير النعيم بقليل من اللهو والبطر .
والله سبحانه : خلقنا للعبودية والدعاء والشكر والعمل بما فيه الخير والصلاح ليختبرنا أينا يعمل صالحا ويطيعه فيجزيه الجزاء الحسن ودائم النعيم ، وإلا من يسوف فيغبن روحه ويزري بنفسه وله عذاب مقيم  ، ولذا قال تعالى :

{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( الذاريات55)
وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } الذاريات .

وقال سبحانه وتعالى :
{ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي
لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)}الفرقان .

ونحن نرتع بنعم الله وهي لا تحصى :
{ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا
إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)} إبراهيم .
ولا يصح أن لا نشكر الله : على نعمه وما تفضل علينا ، وقد قال :

بالإضافة لكونه سبحانه : خلقنا للعبودية ، فإنه يبتلينا بنعمه ويختبرنا لتظهر حقائقنا أنه أما نكفر أو نشكر ، وقد قال سبحانه :
{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا
لِنَبْلُوَهُمْ
أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) } الكهف.
{ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ
 لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } الملك .
وهذه حقيقة الحياة : وما يجب علينا فيها ، وهي ليست الحياة الهزل ولا باطل خلقنا الله بل لا لغاية حسنه نطيعه فيزيدنا وينعم علينا ، وقد قال سبحانه :

{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا
ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27)  } ص.

وإذا شكرنا نعم الله : سبحانه فلنا النعيم ، ومن يكفر له عذاب شديد ، ولذا قال سبحانه :
{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ
 لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ
 وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) }إبراهيم
ولذا يجب : أن نستغل الفرصة من نعم الله ، وبالخصوص الصحة والفراغ ، فنقيم العبودية لله والطاعة والعمل الصالح ونقدم الخير ، ولا نلهو ونعمل باطل ولا نأتي بالواجبات فضلا من أن نأتي بالمحرمات ، فإنه من يشكر له المزيد ، ومن يكفر ويفوت الفرصة فإنه بيع الكثير والمزيد ، بأمر قليل من اللهو فيكون مغبون ، بل إن لم يأتي بالواجبات يكون ملعون .
وأسأل الله سبحانه لي ولكم : الصحة والعافية والوقت والفراغ والقدرة على الطاعة والعبودية ، وعمل الخيرات والصالحات ، حتى يهبنا المزيد من نعمه في الدنيا والآخرة ، وأن لا نسوف الطاعة فنكون من المغبونين ، فإنه ولي التوفيق وهو  أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

وأما أصل حديث اللوحة  : وما يشرحه ويبنه ، ويعرفنا ما يجب أن نعمله ، في حال نعمتي الصحة والفراغ ، لكي لا نغبن ، ولكي نربح ونفوز ، فهو :
فقد قال رسول الله في وصيته الطويلة لأبي ذر رحمه الله ... :
 يَا أَبَا ذَرٍّ : أحْفَظْ مَا أُوصِيكَ بِهِ .
 تَكُنْ : سَعِيداً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ .
 يَا أَبَا ذَرٍّ:
 نِعْمَتَانِ : مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ .
الصِّحَّةُ وَ الْفَرَاغُ .
يَا أَبَا ذَرٍّ : اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ .
شَبَابَكَ : قَبْلَ هَرَمِكَ .
وَ صِحَّتَكَ : قَبْلَ سُقْمِكَ .
وَ غِنَاكَ : قَبْلَ فَقْرِكَ .
وَ فَرَاغَكَ : قَبْلَ شُغْلِكَ .
وَ حَيَاتَكَ : قَبْلَ مَوْتِكَ .
الأمالي للطوسي ص525م19ح1162-1 . الدعوات للراوندي ص113ح254.
والحديث الشريف : أصله من وصية النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، لأبي ذر وهو حديث طويل وواسع ، وما قبل حديث اللوحة ، عرفه أسس المعرفة وسبيل  الصراط المستقيم لأفضل نعم الله ، وهي الهداية ، وهي معرفة الله سبحانه ونبيه محمد وآله الكرم صلى الله عليهم وسلم ، وقد شرحناه .
وأما هذا الحديث : في الصورة فهو تتمة وصية النبي لأبي ذر وبعد المعرفة .
وهو أنه يجب : أن نستفيد من نعم الله في طاعته ، وتقديم الصحة والفراغ بعمل الخير ، وشكر الله لطلب فضل الله ونعيمه الدائم .
 وأنه يجب : أن نغتم أيام العمر الزائل من أجل أيام العمر الباقية في الآخرة .
وإن حقا مغبون : وكثير من الناس غبنوا ، لأنه يجب على كل إنسان أن لا يغفل عن حضه ولا أن يبيع  الكثير من النعم وما فضله الله به والذي يجب أن يكتسب بها الجنان ، أن لا يبيعها بعمل أيام قليلة في الدنيا باللهو والباطل ، ولم يشكر الله سبحانه ولا عمل خيرا ، فلم يغتنم عمره .
وحقا قد غبن : من لم يعمل في أيام الصحة والفراغ في يوم التغابن ، حين يرى العاملون بالطاعة قد فازوا بأفضل نعيم وبالمقام الكريم ، وهو كان معهم ولكنه له الجحيم وعذاب مقيم ، لأنه لم يستفيد من نعمتي الصحة والفراغ في الحياة الدنيا ، ولذ أيضا جاء في حديث آخر :

عن  رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر :
الصحة و الفراغ .
نعمتان مكفورتان .
من ‏لا يحضره ‏الفقيه ج4ص381ح 5829. الخصال ج1ص34ح5 .
ونعمتان مكفورتان : أي لم يستغلان للطاعة ، ولم يعرف قدرهما الإنسان ، ويرى فضل الله فيهما عليه ، فلا يشكره فيهما .

وهذه أحاديث كريمة : عن آل محمد صلى الله عليهم وسلم ، تشرح الحديث ، وما ذكرنا من البحث بجوامع الكلم ، فتعلمنا ما يجب علمه وعمله في حياتنا الدنيا ، وبالخصوص ونحن في حال الصحة والفراغ ، لكي لا نغبن أنفسنا ، ونبيع كثير نعم الله والتي لا تحصى ، بقليل من اللهو والباطل ، فلا نشكر الله ، ولا نعمل بالخير والصالحات .
وهذه الأحاديث الكريمة تعلمنا : كيف يجب أن نقضي العمر وما يجب أن نعمل فيه :

قال نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم في وصيته لأبي ذر ، وتتمة للحديث السابق :
و على العاقل : ما لم يكن مغلوبا على عقله .
أن يكون له : ساعات .
ساعة : يناجي فيها ربه .
و ساعة : يتفكر في صنع الله تعالى .
و ساعة : يحاسب فيها نفسه ، فيما قدم و أخر .
و ساعة : يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم و المشرب .
و على العاقل :
أن لا يكون : ظاعنا ، إلا في ثلاث :
تزود : لمعاد ، أو مرمة لمعاش ، أو لذة في غير محرم .
و على العاقل :
أن يكون : بصيرا بزمانه ، مقبلا على شأنه ، حافظا للسانه ، فإن من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه .
الأمالي للطوسي ص539م19ح 1163-2 .

وقال أمير المؤمنين عليه السلام مع الشيخ الشامي :
من : اعتدل يوماه ، فهو مغبون .
و من : كانت الدنيا همته ، اشتدت حسرته عند فراقها .
و من : كان غده شر يوميه ، فمحروم .
و من : لم يبال بما رزئ من آخرته إذا سلمت له دنياه ، فهو هالك .
و من : لم يتعاهد النقص من نفسه ، غلب عليه الهوى .
و من : كان في نقص فالموت خير له .
...
الأمالي‏ للصدوق ص393م62ح4 .

وأسأل الله لي ولكم : أن يجعلنا في صحة وعافية وفراغ مع غنى وجاه ، وأن يجعلنا أن نعمل حقا بطاعته مخلصين له الدين ،  وبالعبادات والواجبات كلها ، وبالمستحبات أهمها وأفضلها ، وأن يرضى عنا حتى يهب لنا أعلى مقامات الجنان ورضاه ، فإنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

+++

ويا أخوتي الطيبين : قد عرفنا أن نعم الله سبحانه لا تحصى ، وإن أهم نعم الله سبحانه هي نعمة الهداية والمعرفة ، وقد عرفنا في أول الوصية سباقا هذا المعنى ، وإن الله سبحانه وتعالى أمرنا بأن نطلب منه نعم الهداية ، والذي يسير به أهل الصراط المستقيم الذين اصطفاهم وأختارهم لهداية العباد ، وكما نقرأه في سورة الفاتحة وكل يوم عشر مرات بالصلاة وبواجب القراءة ، ثم من عرف وأهتدى يجب أن يعمل بطاعة الله سبحانه ، ويستغل صحته وفراغه لكي لا يغبن بل ليسعد ، وهذا القسم من الوصية في اللوحة الآن .
ولكي يا أخوتي : نتعمق بمعرفة معنى الحديث ، ونعرف بعض أهم النعم وما يجب العمل بها لكي نغنم ونربح ، ولا نخسر أفضل حياتنا ونغبن بها في يوم التغابن ، فنذكر بعض الأحاديث تعرف هذه النعم وتشرحها .

عن الأصبغ بن نباتة قال : قال أمير المؤمنين عليه السلام :
ما بال أقوام : غيروا سنة رسول الله ، و عدلوا عن وصيه ، لا يتخوفون أن ينزل بهم العذاب .
ثم تلا هذه الآية : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) } إبراهيم .
ثم قال : نحن النعمة التي أنعم الله بها على عباده ، و بنا يفوز من فاز يوم القيامة .
الكافي ج1ص217ح1 .
وهذا الحديث أعلاه : يشرح نص سورة الفاتحة ، وما نطلبه من الهدى لصراط المنعم عليهم المستقيم ، حتى نستطيع أن نعرف دين الله ونعبده به مخلصين له الدين ، وكذلك بعد المعرفة ، يجب أن نشكر باقي نعم الله ونصرفها في طاعته في أيام الصحة والفراغ ، ونغتنمهما قي أن نغبن :

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال :
مكتوب في التوراة : أشكر من أنعم عليك .
و أنعم : على من شكرك .
فإنه : لا زوال للنعماء إذا شكرت ، و لا بقاء لها إذا كفرت .
الشكر : زيادة في النعم ، و أمان من الغير .

و عن عبيد الله بن الوليد قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول :
ثلاث : لا يضر معهن شي‏ء .
الدعاء : عند الكرب ، و الاستغفار عند الذنب ، و الشكر عند النعمة .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
شكر النعمة : اجتناب المحارم .
و تمام الشكر : قول الرجل :
الحمد لله رب العالمين .
نعم الحمد لله رب العالمين على جميع نعمه التي لا تحصى وله الشكر .
الكافي ج2ص94ح3 . ص95ح7 . ح10 .
 

وعن سماعة بن مهران قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عز و جل :
{ فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)}القلم .
قال : هو العبد يذنب الذنب .
فتجدد له : النعمة معه ، تلهيه تلك النعمة عن الاستغفار من ذلك الذنب .

وعن حديد بن حكيم عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
من عظمت : نعمة الله عليه ، أشتدت مئونة الناس عليه .
فاستديموا : النعمة باحتمال المئونة ، و لا تعرضوها للزوال .
فقل : من زالت عنه النعمة ، فكادت أن تعود إليه .
الكافي ج4ص37ح1 ، ح3 .

وقال الإمام الصادق عليه السلام :
أحسنوا : جوار النعم .
قلت : و ما حسن جوار النعم ؟
قال :الشكر لمن أنعم بها ، و أداء حقوقها .
الكافي ج4ص38ح2 .

والحق يا أخوتي : أن تصرف نعم الله في طاعته ، وبالخصوص من عنده الصحة والعافية وله فراغ ، عليه أن يقيم العبادة والطاعة والتسبيح وعمل الخير والأفعال الصالحة ، ليسعد في أيام البقاء ، وأسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب ويرضى ، إنه أرحم الراحمين ، ورحم الله من قال آمين يا رب العالمين .

++++


ويا أخوتي الطيبين : بعد أن عرفنا ، شيء عن أهم النعم إلهية التي يجب أن تشكر وأن تغتنم لكي لا نغب يوم التغابن ، لنتعرف عن معنى الغبن بأحاديث كريمة ، وإن الله سبحانه جعل سورة من القرآن كاملة بسورة التغابن ، حيث يغبن فيها كثير من الناس .
 لأنهم : باعوا كثير نعم الله في الدنيا وثوابه من النعيم المقيم الدائم في الجنة ، بثمن قليل من اللهو واللعب ، وخسروا صفقة كبيرة وهي صفقة العمر كله ، ونالوا الحسرة والندامة والهم والغم والعذاب الدائم .
ولكن فاز وغنم ونجح : من أنتهز الفرصة من الصحة والفراغ ، وصرفه في طاعة الله بعد أن عرف هداه الحق من المصطفين الأخيار ، وشكر الله به وأقام له العبودية مخلصا له الدين .

ورحم الله بن فهد الحلي : حيث يعرف التغابن في كتابه عدة الداعي قال :
ثم إن لم تبع : ساعتك بنعيم الآخرة ، بعتها بثمن بخس دراهم معدودة .
ثم تجمع : جميع عمرك الذي لو أعطيت في ثمنه الدنيا بأجمعها ، لم تبعه تلقى نفسك .
قد بعته : بثمن زهيد لا يفي ببيت ذهب، بل من فضة ، بل أقل .
من ذلك شعر :
الدهر ساومني عمري و قلت له _ ما بعت عمري بالدنيا و ما فيها
ثم أشتريه بتديج بلا ثمن _ تبت يدا صفقة قد خاب شاريها

و في الخبر النبوي صلى الله عليه وآله وسلم :
أنه يفتح للعبد : يوم القيامة على كل يوم من أيام عمره ، أربع و عشرون خزانة عدد ساعات الليل و النهار .
فخزانة : يجدها مملوءة نورا و سرورا ، فيناله عند مشاهدتها من الفرح و السرور ، ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار .
و هي الساعة : التي أطاع فيها ربه .
ثم يفتح له خزانة أخرى : فيراها مظلمة منتنة مفزعة ، فيناله منها عند مشاهدتها من الفزع و الجزع ، ما لو قسم على أهل الجنة لنقص عليهم نعيمها .
و هي الساعة : التي عصى فيها ربه .
ثم يفتح له خزانة أخرى : فيراها خالية ليس فيها ما يسره و لا يسوؤه ، و هي الساعة التي نام فيها ، أو اشتغل فيها بشي‏ء من مباحات الدنيا .
فيناله من الغبن : و الأسف على فواتها ، حيث كان متمكنا من أن يملأها حسنات ، ما لا يوصف .
و من هذا قوله تعالى :
{ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ
ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ
وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10) } التغابن . .
عدة الداعي ص113 .

قال الإمام الصادق عليه السلام :
يوم التلاق : يوم يلتقي أهل السماء ، و أهل الأرض .
و يوم التناد : يوم ينادي أهل النار أهل الجنة :
{ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ
أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ
قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)
الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا
وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } الأعراف .
و يوم التغابن : يوم يغبن أهل الجنة أهل النار .
و يوم الحسرة : يوم يؤتى بالموت فيذبح .
معاني ‏الأخبار ص156ح1 .

 

 

++

وأما بعض معنى اللغوي : لمعاني ألفاظ الحديث كما في مجمع البحرين للطريحي رحمه الله :
لنعمة :
من الناعم : هو من النعمة بالكسر، و هو ما يتنعم به الإنسان من المال و نحوه.
أو بالفتح، و هي النفس المتنعمة، قال: و لعل الثاني أولى، فقد قيل كم ذي نعمة لا نعمة له.
و النعم : بقر و غنم و إبل .
و النعمة : اليد و الصنيعة و المنة. و ما أنعم الله به عليك.
و كذلك النعمى فإن فتحت النون مددت، و قلت: النعماء.
و فلان واسع النعمة : أي واسع المال.
قوله تعالى : {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) }التكاثر .
قيل يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير و النعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، إذ لم يشكروا رب النعيم، حيث عبدوا غيره.
و قال الأكثرون: المعنى لتسألن يا معاشر المكلفين عن النعيم.
قال قتادة إن الله سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه و قيل الصحة و الفراغ و قيل هو الأمن و الصحة و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع.
و قيل يسأل عن كل نعمة إلا ما خصه الحديث و هو ثلاثة، لا يسأل عنها العبد: خرقة تواري عورته، و كسرة تسد جوعته، و بيت يكنه عن الحر و البرد.
و روى العياشي في حديث طويل قال سأل أبو عبد الله ع أبا حنيفة عن هذه الآية، فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام، و الماء البارد فقال: لئن أوقفك يوم القيامة بين يديه حتى سألك عن كل أكلة أكلتها، و شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه قال: فما النعيم جعلت فداك؟
قال : نحن أهل البيت ،النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، و بنا ائتلفوا بعد أن كانوا مختلفين، و بنا ألف الله بين قلوبهم و جعلهم إخوانا بعد أن كانوا أعداء، و بنا هداهم الله للإسلام، و هو النعمة التي لا تنقطع، و الله سائلهم عن حق النعيم الذي أنعم الله عليهم، و هو النبي و عترته .
وقوله : { و نعمة كانوا فيها فاكهين } .
أي تنعم : و سعة في العيش.
قوله :{ وجوه يومئذ ناعمة } .
أي منعمة في أنواع اللذات، ظاهر عليها آثار النعم و السرور مضيئة مشرقة لسعيها راضية حين أعطيت الجنة بعملها.
و المعنى : لثواب سعيها و عملها من الطاعات راضية.
و في حديث الميت مع ملائكة القبر : نم نومة الشاب الناعم‏ .

وقال في مجمع البحرين :
و في الحديث : نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة و الفراغ .
المغبون : الذي يبيع الكثير بالقليل ، و من حيث اشتغال المكلف أيام الصحة و الفراغة بالأمور الدنيوية ، يكون مغبونا لأنه قد باع أيام الصحة و الفراغة التي لا قيمة لها ، بشي‏ء لا قيمة له من الأمور الحقيرة الفانية المنغضة بشوائب الكدورات.
و منه حديث : بيع المغبون ، لا محمود و لا مشكور .
و غبن رأيه : غبنا ، قلت فطنته و ذكاؤه .
 

وقال في مجمع البحرين :
الصحة : في الحديث : اللهم إني أسألك صحة في عبادة .
هي بالكسر : خلاف السقم ، و قد صح فلان من علته.
و يقال الصحة في البدن : حالة طبيعية تجري أفعاله معها على الجري الطبيعي ، و قد استعير الصحة للمعاني فقيل صحت الصلاة إذا سقطت القضاء ، و صح العقد إذا ترتب عليه أثره، و صح القول إذا طابق الواقع.
و الصحيح: الحق، و هو خلاف الباطل.
و رجل صحيح الجسد: خلاف مريض، و الجمع أصحاء مثل شحيح و أشحاء.
والصحة : بفتح صاد و كسرها مفعلة، من الصحة: العافية.
 

وقال في مجمع البحرين :
و الفراغ من الشي‏ء : الخلاص منه.
و الفراغ : خلاف الشغل.
و منه: أف لرجل لا يفرغ نفسه بكل جمعة لأمر دينه .
و في الحديث : إن الله يبغض كثرة الفراغ .
و أفرغت الماء في الإناء: صببته فيه.
و أفرغت عليهم النعمة: صببتها عليهم و يفرغ على يده الماء: أي يصبه عليها.
و أفرغت الدماء: أرقتها.
و استفرغت مجهودي: بذلته.
 

ونختم البحث ببعض الأبيات فيها معنى الغبن بصور مختلفة :
ألا أبلغ معاوية بن صخر _ أمير (الفاسقين) بنا كلامي‏
فإنا صابرون و منظروكم _ إلى يوم التغابن و الخصام‏
__
لي سادة قدمتهم الرسلُ _ عليهم في المعاد أتكل‏ ُ
محمد و الوصي و ابنته _ و الزهر أولادهم و ما نسلوا
لحبهم يدخل الجنان غدا _ حشر البرايا و يغفر الزلل‏
هم حجج الله و الذين بهم _ يقبل يوم التغابن العمل‏
شيعتهم يوم بعثهم معهم _ في جنة الخلد حيث ما نزلوا
المناقب ج1ص 110. ج4ص419 .
إلهي إلهي دق عظمي و امتحى _ من العالم الأرضي ذكري و شأنيا
إلهي إذا لم تعف إلا عن امرئ _ أطاع فمن ذا للذي جاء خاطيا
و كيف أذوق النار يا خالق الورى _ و ذلي قد أمسى بعزك لاجيا
فحاشاك في يوم القيامة أن أرى _ و حظي من نيل المراحم خاليا
و حاشاك في يوم التغابن أن يرى _ بي الغبن أو أضحى من العفو عاريا
المصباح‏ لإبراهيم بن علي العاملي الكفعمي ص381 ف33.

 

 

خادم علوم آل محمد عليهم السلام
الشيخ حسن جليل حردان الأنباري
موسوعة صحف الطيبين

http://www.msn313.com